من المؤكد أن السؤال الأول، الذي يتبادر إلى الذهن، بمناسبة الاحتفال باليوم العالم لحرية الصحافة، هو إلى أي مدى تقدمت ممارسة هذه الحرية في المغرب؟ الجواب عن هذا السؤال ليس بالبساطة التي تسلكها بعض المنظمات الدولية، مثل «مراسلون بلا حدود» التي تضع تصنيفا إحصائيا، لترتيب مكانة البلدان، بينما تلجأ منظمات أخرى، خاصة الأمريكية، إلى وضع خرائط، مصنفة، بالألوان، لقياس مدى احترام هذه الحرية، حسب البلدان.

غير أن هناك رديفا رسميا، لهذا المنطق التبسيطي، يتمثل في المنهج «الرقمي»، الذي تستعمله بعض الحكومات، ومن بينها الحكومة المغربية الحالية، بواسطة وزارة الاتصال، التي تقدم الأرقام، كدليل على تقدم المغرب في حرية الصحافة.

كأن تدعي أن الاعتداءات على الصحافيين، قد تراجعت، والحجة هي أن «الحالات التي قدمتها النقابة الوطنية للصحافة المغربية، قد عرفت تراجعا، بحالتين أو ثلاث، مقارنة مع تقارير السنة الماضية»، أوتعتبر أن تقليص فصول القوانين السالبة للحرية في جرائم الصحافة، حجة قاطعة على أن ديمقراطيتنا لا مثيلا لها، أو أن تدخل في نزاع «شبه علمي» مع المنظمات الدولية، المتخصصة في حرية الصحافة، حول مؤشرات القياس، وتحاول تفنيدها، بالأرقام، أيضا…

هذا المنهج الرقمي/الانتقائي، يمكن أن يُدَوِخَ السُذَجَ، غير أن النُبَهاءَ يدركون أن قيمة حرية الصحافة، تكمن في بنيتها الشاملة، التي تعتبر أن أركان الحرية تتكامل، ولايمكن تجزيئها، وتحويلها إلى مجرد معطيات رقمية.

البنية تشمل القانون وكيفية تأويله، وتشمل أيضا الوضع العام الذي تعيشه المهنة والمقاولات، وأسلوب تعامل السلطات العمومية مع الصحافيين، وغيرها من المؤشرات، الدالة على واقع الأمر، مثل حق الوصول إلى المعطيات ومبدأ المرفق العام، وحماية الصحافيين، وصيانة المهنة… خارج الديماغوجية الرقمية، التي تتحدث عن المنجزات، بأسلوب عهد وزارة الداخلية والإعلام.

الأمر يتعلق بخطإ فادح، يتمثل في اختزال حرية الصحافة، في مؤشرات إحصائية ورقمية، طبقا لمنهج كمي، بينما الحرية هي تراث إنساني نوعي، أرقى من المناهج التبسيطية الرقمية والإحصائية/الدعائية.

لذلك، فإن المعطيات النوعية، تؤكد أن حرية الصحافة لم تتقدم، لأن الأداة التي تولت معالجتها، ظلت وجها لعملة واحدة، تجمع بين مَقْتِ الحرية، وتمجيد الإيديولوجية المناقضة لها، والاكتفاء بالمنهج الرقمي، الذي يظل، رغم كل شيء، افتراضيا.

*بالفصيح

      الثلاثاء 3 ماي 2016