*ذ.احمد الحجامي

 

كان ترددي في محله عندما فاتحني الأستاذ عبد الصمد بلكبير في المساهمة في تقديم هذا الاصدار حول 23 مارس. فعلى فرض تجاوز كل الصعوبات المرتبطة بالموضوع، ما العمل مع إكراهات الذاكرة وألاعيبها؟.. وهل ينسى المرء مشيته؟! بهذه البساطة والعفوية يحل عبد الصمد الاشكالية.  وقَطَعَ الشك باليقين عندما أتانا بالبينة: إحضار أعداد 23 مارس مصورة في «الملتقى»، وهو عمل مشكور وجدير بالتنويه به؛ بعد أن اعتُبر هذا التراث في حكم الضائع، فأنا شخصيا لا أتوفر الا على بضعة أعداد لست أدري كيف «علقت» بأغراضي عند نقلها إلى المغرب أوائل الثمانينات، وإلا كيف تعبر الحدود بمادة محرمة حتى ولو أقسمت بأغلظ الأيمان أنها «للاستهلاك الشخصي» فقط؟!

لنحاول إذن نفض الغبار عن ذكريات عمرها أربعون سنة أو أكثر، وليتحمل معنا القارئ عناء السفر في الدروب المعتمة لشذرات تاريخ كاد يطويه النسيان؛ علّنا في معركة الذاكرة هاته نحقق بعض الانتصار نغالب به انكساراتنا في ما عداها من المعارك، سيما وأن 23 مارس تضررت أكثر من غيرها على مستوى ما اعترى ذاكرتها من نزيف وغبن؛ بسبب القمع طبعا لكن ليس دائما بسبب القمع.

من “أنفاس” إلى “23  مارس”..

شكل صدور جريدة «23 مارس» في الفاتح من فبراير 1975 محطة أساسية في التجربة الاعلامية لليسار السبعيني عامة وفصيل 23 مارس بوجه خاص. محطة اتسمت بنوع من النضج و«الاحترافية»، بمواصفات تلك المرحلة من الوجهة النضالية الذاتية، وتمتعت بقدر من الاستقرار إذ استمرت في الصدور طوال ست سنوات شابتها تقطعات وعدم انتظام في الدورية اذ لم يكن قد صدر منها أكثر من سبعين عددا أو أقل قليلا عندما استلمت «أنوال» المشعل في نوفمبر 1979.

ذلك أن 23 مارس جاءت تتويجالجهود المنظمة واليسار عامة في مجال النشر والاعلام، أي مجال الصحافة الحزبية الخاصة باليسار الماركسي، أو بلغة ذلك العصر عند الماركسيين مجال الدعاية والتحريض. فقد تميز نشاط المنظمة على هذا المستوى، طوال السنوات السابقة على إصدار 23 مارس، ببناء جهاز تقني سري بالداخل أشرف على هذه المهمة بإصدار «الانطلاقة الثورية» (نشرة داخلية)، «المناضل» (نشرة جماهيرية مخصصة للتلاميذ مشتركة مع الفصيل الآخر المنشق عن التحرر والاشتراكية)، «النضال» (خاصة بالقطاع الطلابي)، «إلى الأمام» (نشرة جماهيرية أصدرتها المنظمة أولا ثم صارت مشتركة بين التنظيمين. انفرد بها التنظيم المنشق من التحرر والاشتراكية ابتداء من العدد السابع، بعد انسحاب المنظمة الأولى منها وإصدارها لنشرة 23 مارس، من ثمة أصبح التنظيم الأول هو 23 مارس، والتنظيم الثاني «إلى الأمام»)… ويجدر التنويه، مقدما، بأحد أعمدة هذا الجهاز السري، المناضل محمد فكري، وكل جنوده المجهولين؛ الأموات منهم والأحياء.

وعلى مستوى الخارج، أصدر التنظيمان بباريس صيف 1972 جريدة «أنفاس» بالعربية (موجهة بالأساس الى المناضلين والمثقفين العرب) وSouffles (موجهة بالأساس الى الرأي العام الثوري والديمقراطي في الخارج)، وذلك في إطار التنسيق بين المجموعات الثلاث (أ) و(ب) و(ج).

قبل ذلك، عندما كان اليسار في بداياته الأولى، وهو يحاول أن يفك الحصار المضروب على الحركة التقدمية المغربية في وقت لم يكن هناك صوت يعلو على صوت الصحافة الرسمية، كانت بعض المقالات النادرة تصدر في بعض المجلات التقدمية في الشرق العربي خاصة «الحرية»، مجلة الجناح اليساري لحركة القوميين العرب في بيروت. كانت هذه المقالات تنشر بأسماء مستعارة: «ناوري حسن»(محمد طالب حبيب)، على الحمراوي (المرحوم محمد البردوزي)، كما نشرت «الحرية» سنة 1971 استجوابا حول الوضع في المغرب بعنوان «حوار مع ثوري مغربي» (أحمد حرزني).  نشرت «الحرية» أيضا سنة 1969 مقالا أساسيا بعنوان «موقف الطبقات والأحزاب في المغرب من القضية الفلسطينية» كتبه الفقيد محمد بوعبيد حمامة بإمضاء م.ح.

قبل أن يضطر اليسار الى الأساليب السرية للتعبير عن نفسه، كانت هناك تجربة «أنفاس»  كمجلة ثقافية أولا باللغة الفرنسية التي أسسها سنة 1966 الشاعر عبد اللطيف اللعبي بمعية مصطفى النيسابوري ومحمد خير الدين بدعم من الفنانين التشكيلين أساتذة معهد الفنون الجميلة بالدار البيضاء (بلكاهية، شبعة، المليحي..)، قبل أن تتحول الى مجلة ناطقة بشكل غير رسمي باسم الحركة الماركسية اللينينية بفصيليها إلى أن توقفت عن الصدور بداية 1972 بعد اعتقال اللعبي والسرفاتي والدرقاوي وشبعة..

في عملية الجرد السريع هاته، يجدر التنويه أيضا بمبادرة أخرى ذات دلالة في هذا المجال؛ مجال الدعاية والتحريض المرتبطين بنضال اليسار السبعيني وان لم تكن مرتبطة بالتنظيمين الأساسيين(أ) و(ب). ونقصد بها مبادرة «الوكالة الشعبية للأنباء» التي أسسها جمال بلخضر وأنيس بلفريج «استحقا» عليها، وعلى مناشير حول القضية الفلسطينية، عشر سنوات سجنا في محاكمة 1973.

لكن بين صدور 23 مارس سنة 1975 واليسار في أوجه، وبداية السبعينات واليسار في مهده، وقعت أحداث وتطورات وماجريات لا بد من الرجوع إليها والوقوف عند بعض محطاتها.

انتفاضة 23 مارس 1965

في البدء كانت انتفاضة 23 مارس 1965.  سال فيها دم كثير وأريق على جوانبها مداد كثير أيضا لكن يبدو أنها لم تلفظ بعد كل أسرارها. فبعد خمسين سنة ما تزال كتابة التاريخ في بدايتها والقراءات متعددة لماجريات الأحداث بين من يهول من خطورتها ومن يهون من شأنها مثل عبد الله العروي الذي يرى أنها لم تكن بتلك الخطورة التي أضفيت عليها فيما بعد.  

وبالنسبة  لما بين أحداث 23 مارس 1965 وما بين اليسار السبعيني من الاتصال، هناك أيضا قراءات لعل أقربها إلى الواقع تلك الخلاصات التي تبنتها منظمة 23 مارس والتي ذكر بها الحبيب طالب في إضاءته، رغم أن البعض يزعم أن وجوده كتنظيم كان سابقا على وجودها بل وساهم في تفجيرها دون أن يفسر لنا لماذا لم يهده وعيه المبكر ذاك إلى الالتحاق بأحد الأحزاب أو التيارات التي كانت تناضل نضالا مريرا في الميدان والتي لم يكن قد صدر بعد في حقها الحكم بالاصلاحية والانتظارية والتحريفية والبلانكية..؟

على الصعيد الفردي، لكل حكايته مع 23 مارس.  هناك من اكتوى بنارها أو مسته شرارتها، وهناك من قال إنه كان يتفرج من سطح بيته على أوفقير وهو يقصف الناس من طائرة الهيلوكبتير..  بالنسبة لي عشت أصداء الأحداث من خلال التجمعات الحاشدة بكلية الآداب بالرباط حيث الشرار المتطاير للكلمات النارية التي كان الخطباء يتناوبون على إلقائها وأتذكر منهم بالخصوص محمد سبيلا، القائد الطلابي الصاعد وقتها خاصة بالنسبة لنا نحن «البيضاويين» (عبد الله تيغزري، محمد سالم يفوت، محمد وقيدي…)  كنا معه نعيش أحداث الدار البيضاء لحظة بلحظة..  وبعد أن نمتلئ حماسا كنا نخرج في مظاهرات صاخبة بباب الحد وأحياء الرباط القديمة.. وذلك قبل أن يحال محمد سبيلا على «التقاعد النضالي» بقرار حزبي..  فكان عزاؤنا، وقد فقدنا مشروع زعيم سياسي، أننا ربحنا فيلسوفا.

أثناء ذلك جاءني خبر اعتقال أخي محمد في الأحداث فتوجهت إلى الدار البيضاء في نفس أسبوع الانتفاضة وبداخلي بركان ينتظر الوصول الى درب السلطان لينفجر ويحرق الأخضر واليابس.  في البيت بدأت والدتي بإبلاغي أوامر الولد الصارمة، كتنبيه إلى الحد بين الجد واللعب، بإزالة شبه اللحية «الثورية» التي نبتت على ذقني مدة غيابي في الرباط.  كان التوتر سيد الموقف في كل مكان.  أخلي سبيل أخي.. لكن وضعه الدراسي أو بالأحرى اللادراسي ظل شاهدا على جناية يوسف بلعباس على جيل بكامله.. ثم استأنف قطار الحياة سيره المعتاد..

سنة أولى يسار بالجزائر..

أواخر دجنبر 1970، سأجد نفسي، بمعية زوجتي، لاجئا بالجزائر عند لاجئين فلسطينيين من آل أبو دقة، وذلك على إثر متابعة تداخلت فيها عوامل متصلة بتأسيس المنظمة في مارس 1970 وأخرى مرتبطة بالمتابعات وبجو القمع المخيم على المناضلين الاتحاديين منذ اعتقالات خريف 1969.  كانت تجربة قاسية قدت من جمر تلك السنوات وتحملت فيها العائلة ما تحملت خاصة بعد الاعتقال المتكرر لأخي عبد الحفيظ حتى أن الأسرة ضبطت حياتها لأكثر من عقد من الزمن على إيقاع القمع وويلاته، والسجن وطقوسه وتوابعه وزوابعه.. سيكون للتجربة وقع شديد أيضا على الرفاق والأصدقاء كما عبر مصطفى مسداد عن ذلك في رسالة كتبها إلى بعد بضعة أسابيع من مغادرتي أستأذنه في نقل الفقرة التالية منها: «… أعزائي، لن أكون إلا مقصرا كل التقصير مهما حاولت أن أصور لكم الفراغ الذي تركتموه هنا في محيطنا الخاص أو العام. لم تعد الأشياء هنا بعد غيابكم تحمل نفس الرونق الذي كانت تحمله بوجودكما (…).. أعزائي، خلاصة القول لن أقول عن نفسي إلا أنني الآن أرزح تحت أعباء نفسية ضخمة لافتقادي لرفاقي الأكثر قرابة إلى نفسي على التوالي…» (في إشارة إلى اعتقال الحسين كوار سنة قبل ذلك).

في الجزائر، بعد أن نزلت على الرحب والسعة عند الفلسطينيين الذين أوصاهم عصام أبو دقة بي خيرا وتابع الى فلسطين المحتلة بعد أ ن أنهى دراسته بالرباط، بقي علي أن أعثر على امحمد طلال (مدير الدراسات بالمعهد العالي للإعلام والاتصال لاحقا)، المغربي الوحيد بالجزائر الذي أعرفه مذ كان مسؤولا بالشبيبة الاتحادية بالدار البيضاء قبل أن يرسله الحزب في بعثة للدراسة بالجزائر ويترك مكانه لعبد الرحمن العزوزي.   ومن موقعه كطالب بالجزائر، وبمناسبة حضوره بعض مؤتمرات الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، خاصة المؤتمر الثالث عشر، كان بعض الرفاق (الحسين كوار، مصطفى مسداد..)، حتى قبل تأسيس المنظمة، يطلبون منه القيام ببعض الاتصالات في الجزائر وفرنسا ويسعون من خلاله إلى معرفة ما يجري بالجزائر وتتبع ما يتسرب من ماجريات الصراع داخل الاتحاد الوطني للقوات الشعبية هناك بين تياري الفقيه البصري من جهة وعبد السلام الجبلي ومحمد بنسعيد من جهة أخرى.

ستبدأ مع طلال سيرورة التعرف على الجزائر ومغاربة الجزائر ومسألة السكن والتسجيل في الكلية  ووو..الخ. سأقطن بـ«دار الحزب» بحي القبة وأتعرف على «سي عبد الرحمن» (لحسن زغلول)، قيدوم اللاجئين والمحكوم عليه بالاعدام، وهو القيم على الدار وعلى مكتبتها وأدوات الطبع والاستنساخ العتيقة بها وسوى ذلك من مآثر المهدي بنبركة في الجزائر ومن أتى بعده من المناضلين الذين اعتنوا خصوصا بالمكتبة وتطويرها من أمثال محمد الحداوي، «ولد جامع الفنا»(عبد الله رشد) ومحمد الباهي… وكانت تلك التجهيزات، كما حُكي لي، هدية من ألمانيا الديمقراطية في إطار مشروع أكبر من ذلك جرى التذاكر بشأنه بين المهدي بنبركة والألمان الشرقيين.

كان عبد الواحد بلكبير قد سبقني إلى الجزائر بهدف الدراسة قبل أن يتدارك الموقف ويعود، سالما، إلى كلية الحقوق بالرباط.. لكن بعض آثاره اليسارية كانت ما تزال عالقة في بعض الأوساط الطلابية ولكن بطعم النكتة والتعاليق الساخرة على بعض مبالغاته المشهورة بخصوص تصاعد النضالات الطلابية وتلك المظاهرات «الضخمة» التي كانت تنطلق من كلية الحقوق ولا يفرقها البوليس إلا عند تخوم مقهى Chateaubriand..! ستتغير الصورة عن عبد الواحد بعد بضع سنين ويتغير التعامل مع «مبالغاته» في التردد على المعتقلات والسجون وستجد صوره مكانها على جدران كثير من البيوت الى جانب صور عدد من رموز ذلك الوقت. بل وينكب صحافي مثل حميد برادة على جمع المعلومات والتفاصيل الصغيرة عن عبد الواحد تأثيثا لموضوعه القادم في jeune afrique تماما كما كان يتصيد صحافيون آخرون المعلومات عن اعبابو أو أمقران مثلا، أو كما فعل برادة نفسه عندما كتب مقاله عن «الأنبياء الصغار» (شهداء 3 مارس).

مغربي عضو «ملاحظ» في مجلس الثورة..

مع طلال سأتعرف على محكوم آخر بالاعدام ومن معه 99 % من مفاتيح الحل لمشاكل اللاجئين المغاربة بالجزائر:  مجيد العراقي، وهو في الأصل مهندس زراعي وثاني اثنين من الذين ابتدأ بهم مغرب الاستقلال التفكير في حل المسألة الزراعية بإنشاء مكتب الري الى جانب محمد الطاهري مدير هذا المكتب (صاحب مكتبة الطاهري بإقامة قيس بالرباط) وذلك قبل أن يحترقا بنيران الاتحاد الوطني للقوات الشعبية. أما محمد الطاهري، (وهو الشقيق الأكبر لعلي الطاهري الذي جاء إلى منظمة 23 مارس مرورا بحلقة المهدي بنبركة)، فقد اختار الابتعاد بعد لجوئه لفترة بالخارج وتحول الى التصوف والتاريخ وآخر مرة التقيته بها كان بصدد البحث عن جذور حركة محمد الحجامي الذي قاد هجوم القبائل على فاس أواخر ماي 1912 لالغاء معاهدة الحماية، والذي لم يشتهر كما اشتهر موحى وحمو الزياني وأحمد الهبة لدرجة أن الطاهري كان يعتقد أنه مات إذاك في ساحة المعركة وليس بعد ثلاثين سنة. أما مجيد العراقي فقد انخرط بالكامل في السياق الجزائري بعد انقلاب بومدين وصار رجل المغاربة بالجزائر ورجل الجزائريين لدى اللاجئين المغاربة بفضل شبكة علاقاته وبالخصوص بفضل علاقة الصداقة ثم المصاهرة التي جمعته بعضو مجلس الثورة شريف بلقاسم (تزوجا شقيقتين سويديتين).

كان مجيد العراقي هو صلة الوصل بيننا وبين الجزائر الرسمية حكومة وحزبا، وكل التسهيلات التي تمتعنا بها في الجزائر كانت تتم عن طريقه ولم يسبق لمنظمة 23 مارس أن كانت لها – بهذه الصفة – أية علاقة مباشرة مع السلطات الجزائرية. كان مجيد العراقي يقوم بهذه المهمات باعتباره عاطفا علينا وكان الجزائريون يتعاملون معه باعتبار ماموريته السابقة كممثل عن اللاجئين ومقرب من بنسعيد وجماعته. وعندما انتهى كل شيء مع الجزائر سيجد مجيد العراقي نفسه معزولا ومتخلى عنه تقريبا من طرف الجميع ليعود الى وطنه بداية التسعينات في ظروف غير مواتية ليموت بعد ذلك بقليل ملوما محسورا.

سيكون على الآن، وقد استقر بي المقام في الجزائر أن أشرع في انجاز المهام الضخمة التي تنتظرني: نشر فكر المنظمة ومواقفها، القيام بجميع العمليات التأسيسية في الخارج.. وبادئ ذي بدء يجب تبديد النظرة الضبابية التي كانت لدينا إذاك حول بعض الرموز التي كثر القيل والقال حولها في الكواليس والموجودة إما بالجزائر أو فرنسا أو سوريا: الفقيه الفيكيكي(بوراس)، محمد بنسعيد وخاصة عبد السلام الجبلي..

في البحث عن عبد السلام الجبلي..

منذ بداية التنظيم، بل وحتى قبل توحيد الحلقات في 23 مارس 1970، وردت مسألة الزعامة. لم تطرح أبدا علانية بل فيما بيننا وبين أنفسنا. والتي قد تدخل، تجاوزا، في باب «المسكوت عنه» . الأحزاب بزعمائها. علال الفاسي، بلحسن الوزاني، المهدي بنبركة.. نحن منظمة ولسنا حزبا ولكن إذا صرنا حزبا أفلا نحتاج لزعيم؟ بل أليس الزعيم ضروريا كي نصير حزبا..؟ لم يطرح أحد هذه الأسئلة طبعا. كانت القيادة الجماعية اختيارا واضحا. لكن الرموز كان لها رنينها. ومن ينكر الأثر الذي كان يثيره في المجالس مجرد النطق باسم الفقيه البصري مثلا؟ المغاربة شعب بعيد عن التجريد يفضل الرموز على الأفكار والايديولوجيات وإلا ما رأى محمد بن يوسف في القمر. الفقيه البصري مناضل ملأ الدنيا وشغل الناس وحاز أكبر عدد من أحكام الاعدام لكن طريقه ليس طريقنا بالتأكيد وقد ذهبنا إلى أقصى حد في إثبات هذه المقولة بالدليل الملموس من خلال تجربة الحسين كوار. كان عبد السلام الجبلي هو الرمز المبحوث عنه؛ باعتباره والفقيه البصري قائدين تاريخيين لحركة المقاومة ضد الاستعمار وقائدين للحركة الاتحادية الجذرية. كل هذه الفذلكة لأقول إن الرفاق أضافوا هذه المهمة الى المهام  التأسيسية الأخرى التي علي القيام بها في الجزائر: الاستفسار عن مناضل يسمى «البشير» يقيم الآن بباريس. قد يبدو هذا الحديث مضحكا. لكننا ونحن الآن في سنة 1971 نتحدث عن أواليات الأشياء ونبحث عن الجذور..

 استقصيت هنا وهناك وكتبت إلى حمدون (عبد الغني أبو العزم) فوافاني بصفحات كاملة تتضمن التفاصيل التي يعرفها عن البشير  (مولاي عبد السلام الجبلي) وخالد (محمد بنسعيد) وحميد برادة وأصل التناقضات وفصلها وانتهى به التحري إلى أن الصراع بين البصري والجبلي يعود – حسب بعض الأقوال – إلى أيام الدراسة في كلية بنيوسف..!

نقلت كل ما جمعت إلى الرفاق بالداخل حيث طلبوا مني في مراسلة أخرى تحديد موعد مع البشير وصحبه لرفيق سيزور باريس في يونيو 1971. فكان اللقاء الأول بين «ج» ومنظمة 23 مارس في شخص مبعوثها إلى باريس الرفيق «محمد» (أحمد حرزني)، الذي أجرت معه الحرية في نفس الفترة حديثا مفصلا عن اليسار والوضع في المغرب نشرته تحت عنوان «حوار مع ثوري مغربي».

في صيف نفس السنة سألتقي لأول مرة بمحمد بنسعيد في الجزائر الذي سيتزامن وجوده بها مع بدء محاكمة مراكش الكبرى حيث سنؤسس معا لجنة للتضامن مع المعتقلين السياسيين بالمغرب بمساهمة محمد باهي، لحسن زغلول، أحمد تفاسكا، امحمد طلال، مجيد العراقي.. وآخرين.

من بلد المليون شهيد إلى.. البلد الشهيد

بعد ذلك بدأ التحرك في اتجاه حركات التحرر العربية والعالمية التي كانت جزائر السبعينات تعج بها. جزائر بداية السبعينات لم تكن هي جزائر منتصف السبعينات عندما انقلبت انقلابا شيطانيا على المغرب والمغاربة وشردت من شردت منهم ونكبت من نكبت واعتقلت مخابراتها وعذبت مغاربة أبرياء مثل المناضل القيادي في حركة 3 مارس أحمد بن مسعود الطالبي، والشاعر محمد على الهواري الذي ساهم في صنع المجد الثقافي والفني للجزائر المستقلة بعمله المتميز في جريدة «الشعب». ولم تكن نظرتنا اليها بداية السبعينات هي نفس النظرة اليوم. كانت كثير من القضايا والتناقضات ما تزال في بدايتها. كنا ما زلنا آنذاك تحت التأثير الرومانسي لثورة المليون شهيد التي كان كل شيء يذكر بها، وحتى مغاربة الجزائر من اللاجئين كان فيهم شيء منها؛ بل وشيء كثير من هذه الثورة.

فلم يكونوا لاجئين عاديين مثل الفلسطينيين أو السوريين أو غيرهم حتى ولو كانوا من طراز أبو جهاد أو وديع حداد أو ابراهيم ماخوس أو ابراهيم طوبال أب المعارضة التونسية مثلا.. فرجل مثل سعيد بونعيلات أو الكولونبل بنحمو أو ابراهيم التزنيتي أو عمر الفرشي أو حمدون شوراق مثلا كانوا أندادا للقادة الجزائريين باعتبارهم مساهمين في تحرير الجزائر.

بل إن حمدون بطل عملية إنزال الأسلحة في شواطئ كبدانة وإخفائها ونقلها الى الجزائر، كان ينسق مع قادة الساعات الأولى في الثورة الجزائرية أمثال محمد بوضياف والعربي بلمهيدي في وقت كان بومدين الذي رافق باخرة السلاح المصرية دينا مسؤولا عسكريا فقط. ومن ثمة، كان التواجد المغربي في الجزائر يندرج في إطار تصريف لتراث نضالي مشترك لا منة من سلطات بلد مضيف.

على هذه الخلفية كنا نتحرك في الجزائر وكنا نقف على أرضية صلبة. كانت قد مضت بضع سنوات فقط على انقلاب بومدين في 19 جوان 1965، ظِلُّ بن بلة كان ما يزال حاضرا معنويا على أكثر من صعيد وعلاقة التقدميين المغاربة بأنصاره من أمثال الدكتور عبد المجيد مزيان والدكتور جمال قنان.. كانت قوية ومتينة كما كانت كذلك مع عدد من المعارضين الآخرين من المثقفين والفنانين من أمثال الأديب الرمز كاتب ياسين الذي كان مسرحه العمالي بوهران معظم طاقمه الفني مغاربة، نفوذ الاتحاد الوطني لطلبة الجزائر بتوجهه اليساري كان كاسحا في الجامعة وخير خاضع لسلطان جبهة التحرير وبدأ ظهور محتشم ليسار ماركسي كان بعض المغاربة على علاقة به وكانت بعض أدبياته تستنسخ ليلا بمساعدة من بعض أصدقائهم المغاربة في القبة. وفي نفس الاتجاه كنت قد ترجمت لأنفاس تحليلا بعنوان «الصراع الطبقي في الجزائر»..

والشيء الهام الذي لا بد من تكراره هنا أن المغاربة عموما والمناضلين التقدميين منهم بوجه خاص كانوا يحظون باحترام كبير لدى الشعب الجزائري لعوامل ضاربة في أعماق الذاكرة الشعبية الجزائرية ربما تعود إلى ملحمة حرب الريف أو إلى البطولات الأسطورية للمغاربة في الحرب العالمية أو لمرحلة النضال المشترك ضد الاستعمار أو لكل هذه العوامل مجتمعة.. فأن تكون «مروكيا» في الجزائر أوائل السبعينات من القرن الماضي كان مصدر اعتزاز وفخر رغم التواجد المكثف للمغاربة في الجزائر على مختلف المستويات خاصة في الغرب الجزائري حيث كانت تعيش أجيال من اللاجئين بمختلف مجموعاتهم منذ بداية الستينات في وئام تام مع السكان. وفي الجزائر العاصمة لم يكن تواجد المغاربة ولمدة طويلة يثير تلك الحساسيات الشبيهة بالشوفينية التي حصلت مع المصريين والفلسطينيين والأفارقة الذين كانت الجزائر تحتضن حركاتهم التحريرية كإرث ورثه بومدين عن بن بلة والمهدي بنبركة وبقايا تأثير المد الناصري والزخم التحرري لزعماء من أمثال سيكوتوري ونكروما وموديبوكيتا.. في عصر الاستقلالات ونضال القارات الثلاث.

على مستوى الدولة، كانت التناقضات في بدايتها ولكنها كانت بادية للعيان ولم تكن الأمور بعدُ بذلك «الانسجام» الظاهري الذي صنعه العداء للمغرب وقضيته الوطنية، وأقطاب النظام كان كل منهم يشكل دولة داخل الدولة؛ فأحمد مدغري مثلا الذي يعتبر باني الدولة الجزائرية أنهى تناقضه مع بومدين بشكل مأساوي عندما فضل أن ينتحر عام 1974 على أن يرى بلده يسير نحو الهاوية. والشاذلي بنجديد تُركت له منطقة وهران شبه إقطاع خاص يتصرف فيه كيف يشاء شرط أن يبتعد عن العاصمة وشؤونها. وداخل الحكومة الجزائرية كنت تجد الشيء وضده؛ وزير ثقافة تقدميا ومتفتحا مثل أحمد طالب الابراهيمي الى جانب آخر في منتهى التخلف والرجعية مثل وزير الأوقاف والشؤون الاسلامية مولود قاسم الذي بدأ منذ ذلك الوقت ينفخ في نار الفتنة الدينية ويحرض «العلماء» على أطر الدولة التقدميين والمنفتحين، وكنت تجد شخصا مثل قايد أحمد عضو مجلس الثورة ومسؤول «جهاز» الحزب ينهي حياته لاجئا بالمغرب حيث يموت. قايد أحمد كان يختصر لوحده، من خلال العدد الذي لا يحصى من النكت التي ألفها عنه الجزائريون، الوضع في الجزائر. النكتة التالية خير تعبير عن واقع الحال: «خطب قايد أحمد فقال: قبل 19 جوان كنا على بعد خطوة من الهاوية. بعد 19 جوان تقدمنا خطوتين إلى الأمام».. وكان يحلو لبعض الأصدقاء الجزائريين أن يشبهوا سياسة بلادهم بسائق السيارة الذي يضع إشارة السير إلى اليسار وهو يريد الانعطاف إلى اليمين.

عندما كان العالم يساريا..

كانت علاقتنا حتى ذلك الوقت مقصورة في المغرب على الثورة الفلسطينية وبالتحديد مع الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين التي انحزنا إليها منذ البداية. بل كثيرا ما كنا نستقطب الشباب الفلسطيني الذي أتى الى المغرب بدون انتماء سياسي الى الجبهة الديمقراطية. وأدى بعضهم ضريبة النضال المشترك عندما امتد قمع 1972 الى المناضل الفلسطيني محمد أبو دقة الذي اعتقل مع عبد اللطيف الدرقاوي والمجموعة قبل أن يطلق سراحه في 1973. فلسطيني آخر مقيم بالجزائر (شحدة أبو دقة) نزل ضيفا على محمد السمهاري وعندما اعتقل البوليس السمهاري دون أن يكتشفوا – لحسن حظه – «تورطه» في التنظيم السري، قضى ضيفه معه بضعة أيام في الكوميسارية..

 بعد التحرك على مستوى حركات التحرر في الجزائر، بداية السبعينات، اتسعت العلاقات لتشمل الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، الجبهة الشعبية لتحرير عمان والخليج العربي، الجبهة القومية في اليمن الجنوبي، الجبهة الشعبية في البحرين، حزب البعث السوري (جماعة الأتاسي وصلاح جديد يمثله ابراهيم ماخوس وشمس الدين الأتاسي في الجزائر)، والحزب الشيوعي السوري (جماعة المكتب السياسي المعارض لخالد بكداش) وكان يمثله برهان غليون الأستاذ بجامعة وهران وقتها، جبهة تحرير إيرتيريا، العامل التونسي وتنظيمات يسارية تونسية أخرى… وتطورت العلاقات بشكل خاص مع مكتب جبهة تحررير عمال والخليج وامتد التعاون بيننا في عدة ميادين لاحقا حتى أنه تم الاتفاق، بطلب منهم، على إرسال طبيب الى الجبهة حيث تطوع على ما أظن عمر القاشوحي من فرنسا (في أوج التنسيق مع إلى الأمام) الى هذه المهمة ولكن الجبهة عدلت عن طلبها.

كما ألح اليمينيون على إرسال وفد من المنظمة إلى عدن للاجتماع بعبد الفتاح اسماعيل الذي وافق على اللقاء ولكن رفاق المنظمة في فرنسا لم يتمكنوا من انجاز هذه المهمة لأسباب شتى. في مكتب جبهة تحرير عمان تعرفنا أيضا على معارضين يساريين سعوديين، وعراقيين من الحزب الشيوعي (القيادة المركزية) وسمعنا منهم لأول مرة عن «قصر النهاية» وهو معتقل شبيه وربما أفضع من دار المقري.. مع فارق أساسي أن فظائع «قصر النهاية» كانت فظائع «تقدمية».

أثمرت هذه العلاقات قيام نوع من التنسيق الدائم بين حركات التحرر تمثل في اتخاذ مواقف مشتركة وإصدار بيانات وعرائض وتشكيل لجان مناصرة والقيام بحملات التضامن عندما يتطلب الأمر ذلك وهو ما سيحصل عندما ستبدأ محاكمة مراكش الكبرى صيف 1971 وحملات القمع المتعاقبة ضد التقدميين واليساريين المغاربة.

تحدد في هذه الفترة إذن المسار العام لعلاقاتنا العربية والأممية. وما عاشه المناضلون وشعروا به من فخر في المؤتمر الأول لمنظمة العمل الديمقراطي الشعبي وهم يستقبلون بالتصفيقات الحارة وفود المنظمات الشقيقة والصديقة وبرقيات قادة منظمات أخرى إنما يرجع إلى ما أنجز في هذا الزمن الوضاء على مستوى علاقاتنا الخارجية التي جرى تطويرها لاحقا في أوربا والشرق العربي على يد كثير من الجنود المعلومين أو المجهولين الذين كانت لهم مساهمة متميزة في هذا المضمار أذكر منهم عبد الغني أبو العزم وعمر الشرقاوي.

أبعد من موسكو وبيكين..

لكن الرفاق في الداخل كانت لهم «طلبات خاصة» بخصوص هذه النقطة؛ نقطة العلاقات الخارجية. كانت التحريفية السوفياتية مدانة بالاجماع داخل اليسار الماركسي سيما بعد أن شهد شاهد من أهلها بانسحاب يسار التحرر والاشتراكية من الحزب العتيد. ومخافة السقوط بالكامل في الماوية التي كان عدد من رفاق المنظمة «يدينون» بها، كانت أنظار رفاق آخرين، مثل مسداد وحمامة، تتجه بالأحرى صوب تجارب أخرى متميزة ولكن لاخوف على المنظمة معها من خطر الهيمنة. كانت الثورة الفييتنامية في الطليعة، وكان منظرها «ترونغ شينغ» (على خطى كارل ماركس) حاضرا في التثقيف الايديولوجي للرفاق كما أن الفقيد حمامة كان لا يفتأ يردد مقولة هوشي منه «الأكل مع الجماهير والنوم مع الجماهير والعيش مع الجماهير». ولكن الرفيق مصطفى مسداد كان هواه مع تجربة دولة ميكروسكوبية في أوروبا تسمى ألبانيا، الشوكة الصينية في خاصرة الاتحاد السوفييتي. ربما كان ذلك لكونها تجربة شيوعية في محيط إسلامي وربما لـ«دسارة» زعيمها أنور خوجة الذي كان يشبه تلك الذبابة الشهيرة التي أنهكت السبع.. ربما.

المهم أني قمت بالمهمة وكثر ترددي على سفارة ألبانيا بلا طائل اذا اسثنينا خطب «الرئيس المحبوب» أنور خوجة الذي كان يحث فيها الألبانيين على النظافة والاعتناء بالزهور والنباتات وعلى مكارم الأخلاق.. الفييتناميون على الأقل كانوا أكثر جدية ورغبة في التعرف على المغرب وناقشوا معي بالخصوص تجربتهم في حل مشكلة اللغة والكتابة في الفييتنام وأبدوا اهتماما بمشكل التعريب عندنا.. ولم يكونوا فضوليين كالألبانيين في محاولة معرفة الأوضاع في الجزائر أكثر من الاهتمام بما يقع في المغرب.

«خطتا الاشتراكية الديمقراطية في الثورة الديمقراطية»

العمل مع المغاربة في الجزائر كان أصعب وخاصة في الوسط الطلابي إذ كانت الاصطفافات محددة سلفا وكان خطاب اليسار الذي كان جديدا بالمرة في الساحة الجزائرية يواجه بالعداء من طرف التيار الاتحادي المهيمن وقتها في الساحة الجزائرية والذي تمترس، بازدواجيته التاريخية، وراء فرع الجزائر للاتحاد الوطني لطلبة المغرب صادا عنه رياح التغيير التي هبت وقتها على الجامعة المغربية ولسان حاله يقول: «لكن التغيير سيأتي من خارج (النضال الديمقراطي) بحول الله»، حسب الصيغة (المعدلة) لبيان شهير.

وكان «صوت التحرير» بإذاعة ليبيا القوة الضاربة لهذا التيار إعلاميا، ليس ضد النظام فقط بل وحتى ضد اليسار الجديد، وهو ما أثار غيرة الفقيد حمامة فانبرى للرد على تهجمات صوت التحرير ضد اليسار برسالة أذاعها البرنامج جاء فيها: «…الا أننا فوجئنا بحملات ضد من تسمونهم «اليساريين»، في حين يتعرض هؤلاء في الداخل إلى المتابعات والملاحقات والسجن. إن هذه الحملات التي تشن من «صوت التحرير» نعتبرها خطيرة ويمكن أن تؤدي الى نتائج ليست في صالح الحركة الديمقراطية. وإحساسا منا بالمسؤولية، نود أن نرد على بعض التهم الموجهة لليسار، لنضع النقط على الحروف آملين أن يكون الإحساس بضرورة توحيد النضال… هو المهمة الكبيرة المطروحة أمام الحركة الديمقراطية..».

لكنه في نفس الرسالة أشاد بأصحاب البرنامج وكال المديح للقادة التاريخيين الفقيه البصري وعبد الرحمن اليوسفي، بل واقترب من شباب الحركة وارتبط بصداقة عدد ممن سيستشهدون مع محمد بنونة أو سيعدمون فيما بعد (لحسن تاغجيجت (بوزيان)، الناصري، صبري (هوشي منه)، أسكور…). كان حمامة يرى فيهم أمل الثورة لو توفر الحزب؛ أمل ضاع في لمح البصر بعد فشل حركة 3 مارس، التي أصدر التنظيم بشأنها تقييما أوليا (15 مارس 73) يكاد يتطابق مع تقييم أطراف من حركة 3 مارس نفسها والذي نشر بعد ثلاثة عقود في كتاب «أبطال بلا مجد» للمهدي بنونة نجل الشهيد محمد بنونة (محمود).

وفي اللقاء الذي جمعنا (لحسن زغلول، المرحوم تفاسكا وأنا)، أوائل 1974، بالمناضل امبارك بودرقة (عباس)، استمعنا لأول مرة لوجهة نظر انتقادية لأحداث 3 مارس بل ولاتهامات بالخيانة في صفوف الحركة بطلها شخص بعينه يتكرر في جميع الروايات بما فيها رواية الفقيه البصري. أذكر أيضا إشارته في هذا اللقاء الى تغلغل البوليس في الحركة وتحذيره لنا من بعض الأشخاص المحكوم عليهم بالاعدام تمويها (دون أن يذكر أي إسم)، وكذا تحذيره من استعمال البوليس للسجائر المسمومة لاغتيال المناضلين، وتأكيده بالخصوص على توحيد صفوف اليسار وهو ما سجلناه باهتمام واعتبرناه أمرا جديدا وهاما إزاء موقف العداء الذي كان سائدا وقتها إذا استثنينا الموقف المتفهم والمتعاطف ضمنيا معنا، الذي كان للراحل أحمد الدرهم.

لقد نجحنا في الجزائر، رغم الجو غير الصحي، في إسماع صوت «اليسار الجديد» واستطعنا تكوين نواة لهذا اليسار بدعم من عدد من المناضلين: امحمد طلال، محمد الغزاوني، عبد الوهاب مروان، أحمد تفاسكا، محمد الأسمر، محمد الضعيف، لحسن المسعودي، عبد العزيز الهراس، سليمان «الوجدي»، القماح فضول.. هذه النواة ستشكل العمود الفقري لنضال اليسار في الجزائر داخل القطاع الطلابي وفي لجنة التضامن مع المعتقلين السياسيين بالمغرب ونشرتها «التضامن» التي استمرت في الصدور عدة سنوات.

أوساط اللاجئين كانت أكثر انفتاحا على أطروحات اليسار وانتظارا للجديد في ساحة النضال سيما وقد سئموا من تكرار التجارب الفاشلة. بتنسيق مع لحسن زغلول بدأ العمل التأسيسي وسط اللاجئين في وهران اعتمادا على نواة صلبة من خيرة المناضلين المعروفين من قدماء المقاومة وجيش التحرير: «باكي» (مرزوق حسن)، «زايد» (أحمد الرگيگ (الفقيه الدكالي)، عبد الله الدكالي، «شاعة» (بوشعيب الدكالي)، عبد النبي ذكير (مبارك ذكير) (الحارس لاحقا بمدرسة سنابل الفتح التي أسسها عبد الواحد بلكبير ولطيفة اجبابدي بالرباط)، أحمد المرابط الذي لم يكن ينفك عن الحديث عن علاقته بالمهدي بنبركة والرسائل المتبادلة بينهما وانتقاداته ونصائحه عبثا للمهدي بلزوم الحيطة والحذر..

ثم شكل الحدث السعيد في بيت لحسن زغلول باجتماع شمل عائلته عندما نجحت المرحومة زوجتي إذاك بمساعدة المنظمة في إحضار زوجته وابنتيه بهيجة وآمال، تهريبا عبر الحدود، من أعماق الأطلس، بعد فراق دام عشر سنوات، مبعث أمل وثقة لديه ولدى جمهور اللاجئين في العمل السياسي الجدي وبرهانا على نجاعة وفعالية شباب اليسار الجديد. كما كان لهذه «العملية» الرمزية صدى إيجابي لدى اللاجئين و عائلاتهم في وهران. تم كذلك عمل تأسيسي في جامعة وهران ابتداء بتنظيم أبناء اللاجئين الذين سبق ذكرهم في خلية مركزية توج ذلك بإصدار نشرة «الوحدة». تابع العمل بعد 1975 على الساحة الجزائرية الرفيقان «عمر» (محمد السمهاري) و«عبد الكريم» (ابراهيم ياسين).

«مسيرة الألف ميل تبدأ بخطوة واحدة»

عندما رأيت كيف أصبح الرفاق في فرنسا يسبحون كالسمك في بحر من اليسار؛ ولما تمض سنتان على نجاتهم، ربيع 1972، من مخالب القمع، ازددت اقتناعا بصحة مقولة الطيب الذكر ماو تسي تونغ: مسيرة الألف ميل تبدأ بخطوة واحدة. عندما غادرت المغرب نهاية 1970، كنت أحمل بين أوراقي عنوان صديق لم يكن قد التحق بعد بشكل رسمي بالمنظمة التي تأسست بعد خروجه من أجل الدراسة وإن كان في محيطها منذ أواخر الستيات. عنوان الرفيق حمدون (عبد الغني أبو العزم) هو الامكانية الوحيدة التي كانت لنا بباريس والتي علينا أن نبدأ منها لتأسيس التنظيم بالخارج. ثم عنوان آخر بعث لي به الرفاق لكي يتصل «حمدون» بصاحبه، يسكن بدار المغرب اسمه الأول عيسى «.. ولا داعي لذكر اسمه الثاني ـ تقول المراسلة – لأنه سيعرفه..». سيشتغل إذن «محور باريس – الجزائر – الدار البيضاء» بشكل مكثف سنتي 1971 و1972.

رسائل من «عيسى» بالفرنسية حول اتصالات متفرقة هنا وهنا، تأسيس لجنة للتضامن مع مجلة أنفاس، لجنة مناهضة القمع في المغرب وتونس، توقيع عرائض من طرف ديمقراطيين ويساريين فرنسيين، مهرجانات في الـ Mutualité للتنديد بالقمع وتعميم الأخبار حول وقائع محاكمة مراكش.. وأخبار من حمدون  حول تكوين لجنة طلابية هنا أو عمالية هناك، حول امكانيات في كليرمون فيران أو في تولوز، حول صعوبات التنسيق مع رفاق (أ) في بداياتها الأولى، انضمام حميد برادة الى التنسيق باسم (ج) باقتراح من (أ)، محاضرة لعلى يعتة في دار المغرب انقلبت الى محاكمة لمواقف الحزب من طرف حسن الحاج ناصر انتهت بـ«فرار» المحاضر، أخبار عن «حلقة المهدي بنبركة».. الخ فضلا عن هموم الشرق التي كان أبو العزم مسكونا بها: تصفية المقاومة في الأردن، عملية اغتيال وصفي التل (رئيس وزراء الأردن) في القاهرة؛ تجوز أو لا تجوز؟ الاحتجاج على زيارة حواتمة للعراق «في وضح النهار»، عراق التنكيل بالشيوعيين وغير الشيوعيين في «قصر النهاية»، اعدام عبد الخالق محجوب في السودان، إصدار الثنائي المصري اليساري «محمود حسين» (صاحب «الصراع الطبقي في مصر») لمجلة المسيرة التي سيخصص عددها الرابع للوضع في المغرب.. عمل جبار أنجز في ظرف سنتين أو ثلاث أرسيت فيه أسس التنظيم واكتسح اليسار السبعيني الساحة..

الغالي وحمدون..

في ذاكرتي، ابتدأ كل شيء في فرنسا برفيقين اثنين: الرفيق «عيسى» الذي يكتب لي بالفرنسية كنت أظنه اسما مستعارا كما جرت العادة في تلك الأوقات. حتى كنت عند بنسعيد صيف 1973 فإذا بشاب أنيق الهندام، وقلما كان الرفاق يتأنقون رغم وجودهم في عاصمة الأناقة، بلحية أنيقة كذلك، قدمه لي مسداد قائلا: هذا هو «الغالي» الذي كنت تبحث عنه؛ وأردف: الرفيق عيسى. أرجعني سماع اسم الغالي إلى زمن توحيد الحلقات وتأسيس 23 مارس. تحملت في التنظيم الجديد مسؤولية عضو اللجنة المحلية للدار البيضاء بجانب رفيقين آخرين: «ابراهيم» (رشيد فكاك) عن حلقة حرزني، و«لطفي» (عبد الرحمن..؟) عن حلقة «المعطي» (سيون أسيدون) ؛ نسير الدار البيضاء بواسطة الخلايا التي يعرف كل واحد منا كتاب الخلايا المسؤول عنها فقط. كاتب إحدى الخلايا واسمه «الناجي» بدأ بعد بضعة اجتماعات يشكو من بعض التغيبات في الخلية ومنها تغيب الغالي ثم انقطاع الصلة به تماما حتى عثرت عليه عند بنسعيد فإذا هو عيسى الورديغي.

أما حمدون (عبد الغني أبو العزم) فترجع علاقتي به إلى سنة 1965 بكلية الآداب. وعندما ذهبت إلى فرنسا وجدت بعض رفاقه الخلص ينادونه بـ«الزعيم». لم أحاول أن أعرف أسباب النزول ولكني تذكرت أيام الكلية بفاس وكيف أنه كان يريد أن يكون في كل مكان وفي نفس الوقت: في النقابة (كاتب التعاضدية) وفي الحزب وفي الشعر وفي الحب، ويتحول الى دبلوماسي حينما يحاول أن يقنع علال الفاسي بإلقاء محاضرته ولكن في إطار الاتحاد الوطني وليس في إطار الاتحاد العام الذي استدعاه، والذي لايتوفر على جمهور باستثناء طاقمه المسير. ولكن الزعيم (علال) يتشبث بموقفه «ولو طارت معزى».

«زْعامة» عبد الغني تبلغ أوجها أوائل 1967 سنة تدشين القمع في ظهر المهراز بالهجوم على الحي الجامعي واعتقال عدد من الطلبة بشكل عشوائي. كان أبو العزم غائبا في الرباط في إطار التحضير للمؤتمر الثاني عشر الذي سيحمل رئيس لجنة صياغة دستور 2011، عبد اللطيف المنوني الى رئاسة الاتحاد الوطني لطلبة المغرب. لما حضر مساء نفس اليوم أخبرناه بما جرى فقفز في أول «داكسي» الى الكوميسارية وحقيبته التي تحمل منامته وأوراقه ما تزال في يده للاحتجاج على اعتقال الرفاق. فلم يظهر له ولا لهم أثر منذ ذلك اليوم والى نهاية السنة الدراسية حيث عادوا أحياء من جحيم الاعتقال في أقاصي الصحراء بعد أن وقعوا على أوراق تشهد أنهم كانوا متطوعين لفائدة التعاون الوطني. تزامنت عودتهم مع الامتحانات التي لم يشاركوا فيها ومع المظاهرات التي كان يخرج فيها جميع الطلبة يتقدمهم أساتذتهم تنديدا بالهزيمة. وفي يوم 9 يونيو وعبد الناصر يخطب في الراديو معلنا استقالته، سيصرخ عبد الغني أبو العزم بكل قواه: «الحمار..! هل هذا وقت الاستقالة..؟!» في اليوم الموالي سيتراجع عبد الناصر عن استقالته.

هذه المعارك سيكون لها ذيول وستترتب عنها اعتقالات ومتابعات بـ«تهم» الاخلال بالأمن ومحاولة إحراق قنصلية أمريكا والكتابة بالفحم على الجدران أذكر من ضحاياها أحمد الرضاوني المسؤول بمركز التوثيق لاحقا، ومحمد معنى السنوسي، القيادي الاتحادي والمسؤول الجماعي بالدار البيضاء لاحقا.. أما الذين غيبوا مع أبو العزم في الصحراء أو عوقبوا باستدعائهم إلى التجنيد الاجباري فأذكر منهم رئيس مجلس القاطنين محمد العلمي، بدون أي انتماء سياسي، ومحمد بنشقرون مسؤول الحزب الشيوعي بفاس والاطار بمنظمة 23 مارس لاحقا، ومعتقل طلبة القرويين الأشهر محمد المزگلدي (الملاقاة)…  أما المطرودون من الحي الجامعي  فقد تعامل كل منهم مع محنته بقليل أو كثير من «الفلسفة» إلا أحمد المديني فإنه ظل أربعين سنة لا يفهم ما جرى له (رواية «رجال ظهر المهراز»).

دقة تابعة دقة..!

بداية 1972 ستتعرض المنظمة لأول رجة عنيفة كادت تعصف بها لولا أن الرفاق عالجوها بالحكمة المطلوبة؛ حملة قمع ضربت عددا من الأطر القيادية كانت «التناقضات الداخلية» من بين أسبابها، كما أشار محمد الحبيب طالب في إضاءته. هذه التناقضات ولدت مع المنظمة وكانت لها في أدبيات المنظمة تعبيرات وتصنيفات في غاية الطرافة. أسابيع فقط بعد توحيد الحلقات في مارس 1970، بدأ الحديث عن البطء والتراخي في إنجاز المهام التي سطرتها «ه.ق» (هيئة القيادة) المشكلة من: مصطفى مسداد، أحمد حرزني، سيون أسيدون. ستبرز بعد ذلك نفحة طهرانية لدى بعض الرفاق تجلت في البيان الشهير الذي صاغه الفقيد حمامة: «.. لقد انغمس بعض الرفاق..».

بعد أقل من ثلاثة أشهر سيفتح الله على بعض الرفاق باكتشاف أسباب الخلل في التنظيم وسر البطء في انجاز مهام المرحلة على طريق التقدم في بناء الحزب الثوري ضمنوها وثيقة شهيرة في أدبيات التنظيم هي «وثيقة الأطر»: أرستقراطية الأطر، تبرجز الأطر.. والحل؟ حل كل الهيئات والتنظيمات وإرسال الرفاق عند جماهير العمال والفلاحين ليتعلموا منها ويتبلتروا… بعد تجريب عدة صيغ للتداول على القيادة بين مختلف الاتجاهات، ستنعقد في شتنبر 1971 اللجنة المركزية في دورتها الثانية ستوافق بالأغلبية على «الوثيقة التاريخية» المنشورة ابتداء من العدد السادس من 23 مارس، وستنبثق عنها قيادة مكونة من: الحبيب طالب، محمد البردوزي، محمد المريني، مصطفى مسداد، محمد الكرفاتي، محمد المحجوبي، عبد الصمد بلكبير… مما يعني انتصار «الخط اليميني». ستلجأ الأقلية «اليسارية» – ربحا للوقت – إلى خلق تنظيم داخل التنظيم مما عرف في أدبياتهم بـ«لنخدم الشعب» وفي الأدبيات الرسمية للمنظمة بـ«المتكتلين». ستمتد خيوط هذا التنظيم الى البوليس الذي سيكتشف لأول مرة وجود تنظيمات سرية ماركسية لينينية بالمغرب، وتبدأ أولى الاعتقالات التي شملت الى حدود بداية مارس 1972: عبد اللطيف الدرقاوي، حسين الفهيمي، أحمد حرزني، مليكة الخودة، آيت باري محمد، آيت باري عبد الله، آيت باري الحسين، حميد الزرورة، حميد خضارة، سيون أسيدون، محمد البردوزي، ناظم عبد الجليل.

(يتبع)

 “23  مارس”.. معركة الذاكرة: تفاصيل مقتطفة من تاريخ لم يكتب بعد ..

الهروب الكبير..

ستعلن حالة طوارئ في التنظيم لايقاف النزيف وإنقاذ المنظمة. أتهيأ في الجزائر لاستقبال الرفاق المتابعين بمساعدة رشيد فكاك الذي حضر من الداخل لتنسيق العملية. وفي عطلة الربيع سيجتاز الطالبي والمريني ومسداد الحدود في ظروف أقل ما يقال عنها أنها كانت محفوفة بالمخاطر واستعملت فيها وسائل بدائية جدا ولعب الحظ دورا وأي دور في وصولهم الى بر الأمان. وفي الرسالة التالية التي بعثها «الشريف» من مليلية بتاريخ 5 ماي 1972 خير تعبير: «.. أطلب منك أن تخبر الاخوان أن المغامرة التي دخلنا فيها، والتي ولا شك أنكم على بينة من جميع تفاصيلها، قد مرت بسلام لحد الآن. والذي أريد من الاخوان أن يعترفوا به هو أن أخطاء فادحة قد ارتكبت كادت أن تعصف بما تبقى من خيرة المناضلين. المهم أنني سوف أحكي تفاصيل القضية عند قدومي لنلقي بعض الأضواء…».

***

سيتم مباشرة بعد ذلك إخراج «ادريس» (المحجوبي) و«الخطابي» (حمامة) وينتظر الجميع قدوم «الشريف» (الكرفاتي) الذي سيحل بالجزائر بالطريق العادي لتبدأ الاجتماعات الماراتونية لأعضاء المكتب السياسي: مصطفى مسداد، محمد الحبيب طالب، محمد المريني، محمد الكرفاتي، محمد المحجوبي، بحضور حمامة وفكاك والحجامي، والتي ستدوم عدة أيام بلياليها بمكتب الجبهة الشعبية لتحرير عمان والخليج في النصف الأول من شهر يونيو 1972.

اجتماع يونيو بالجزائر يعتبر محطة أساسية سيتم فيها تقييم التجربة السابقة بكل تفاصيلها والخروج برؤية جديدة لمستقبل التنظيم واليسار، على أساسها سيتم تطوير العمل بالخارج بانتقال الرفاق الأربعة (مسداد، الطالبي، المريني، المحجوبي) الى فرنسا، وستتم إعادة بناء المنظمة بالداخل بعد رجوع الكرفاتي وفكاك الى المغرب بإنشاء المجلس الاستشاري لمساعدة من تبقى من المكتب السياسي بالداخل، بعد تطعيمه بعدد من الرفاق، في انجاز هذه المهمة. بعد فترة قصيرة من التردد والاضطراب كما يستخلص من تقرير الرفيق «خالد» (السمهاري) المؤرخ بـ26 أبريل 1972 إذ يقول فيه: «… أما بالنسبة للحالة العامة في «م» (المنظمة) فهي الآن تسير في تحسن إلى حد كبير رغم الصعوبات.. وقد ظهر جليا بعد ذهابكم أننا تسرعنا في ذلك.. لما خلق فيما بعد من مشاكل وعدم القدرة على التقرير.. مثلا: (…)»، سرعان ما سيتم التحكم في الوضع كما يظهر من مراسلة للكرفاتي أواخر غشت 72: «.. رغم الصعوبات والعراقيل التي تعرفونها جيدا واستفادة من دروس التجربة وما خلفته من مضاعفات فإن حركتنا قد انطلقت من جديد وعلى أسس جديدة نعمل فيها على تقوية روح المبادرة والتضحية والجدية والتفاني في العمل والانضباط لدى الرفاق. وكل الدلائل تشير على أننا مقبلون على مرحلة من التطور والتلاحم جد رائعة.. سيكون شهر سبتمبر 72 بالنسبة لمنظمتنا شهرا تاريخيا حقا حيث سيشهد تحت إشراف م.س أربع ندوات مطولة وجد هامة ستكون بمثابة الانطلاقة الحقيقية في عملنا الجماهيري..».

«مجموعة الجبلي وبنسعيد»: من حلقة المهدي بنبركة إلى 23 مارس..

بنسعيد ايت ايدر

 في باريس سيتابع الرفاق سيرورة بناء التنظيم مع الرفاق المتواجدين بفرنسا وبالخارج عموما في القطاعين الطلابي والعمالي. وسيباشرون التنسيق مع (أ) و (ج). سيتوج هذا التنسيق بإصدار مجلتي أنفاس (غشت 1972) و Souffles (يناير 1973) حيث ستصبح هذه المجلة واجهة إعلامية هامة تنشر أخبار القمع والنضالات بالداخل وتصدر دراسات وتقارير وتحليلات هامة عن المغرب تضافرت فيها جهود التنظيمات الثلاثة بشكل رائع. رافق صدور أنفاس حماس كبير وكانت مناسبة لنا في الجزائر لتوزيعها على نطاق واسع بين المغاربة وفي أوساط المثقفين الجزائريين التقدميين واليساريين منهم بشكل خاص. كما قمت بإيصال كمية منها إلى المغرب عبر الحدود عن طريق الرفيق «الوجدي» (شيشاح ميمون) الذي كان في هذه المرحلة صلة الوصل بيني وبين التنظيم في الداخل حيث كنا نلتقي في سيدي بلعباس أو عين تاموشنت. ستتوقف أنفاس بطبعتيها العربية والفرنسية سنة 1974 بتوقف التنسيق مع إلى الأمام على إثر هبوب ريح غير وحدوية قضت على الأمل الكبير بعد زيارة السرفاتي وتبني التوجهات الجديدة حول «الظرف الثوري» وحول الصحراء.

وبالنسبة للنقاش مع (ج) اتخذ في البداية طابعا ثلاثيا ووضعت قيادة (ج) أمام اختيار الالتحاق بأحد التنظيمين (أ) أو (ب) كجماعة أو كأفراد. بعد سنة تقريبا من التنسيق والنقاش المعمق، حسم الموقف في ربيع 1973 لصالح انضمامهم جميعا (عبد السلام الجبلي، محمد بنسعيد، حميد برادة ورشيد سكيرج) إلى منظمة 23 مارس. وستبدأ معهم ومع رفاقهم الآخرين السيرورة المعتادة بتراتبيتها المعروفة عندنا إذاك: الالتحاق بالخلايا وباللجان الأساسية.. الخ. ولكم أن تتصوروا المناضل الكبير مولاي عبد السلام الجبلي بكل تاريخه الطويل والعريض يعود الى مقاعد الدراسة ليتعلم مبادئ الماركسية اللينينية..! فانسحب بشرف تاركا لـصفيه و«كاتم سره» محمد بنسعيد، الذي لا يأنف من المهمات مهما صغرت، مهمة متاتبعة المسلسل. انسحب أيضا حميد برادة مكتفيا برصيده النضالي السابق وبعلو كعبه في مجال الصحافة بدل الانسياق في سيرورة غير مضمونة النتائج.

تصفية استعمار أم تصفية حساب؟..

في شتنبر 1970 ستنعقد أول لجنة مركزية لمنظمة 23 مارس وذلك في بيتي الكائن بزنقة عبد الكريم الديوري رقم 5 بالدار البيضاء، بعد أن أخليته بالمناسبة وذهبت بأسرتي في عطلة «مدبرة» الى تطوان رفقة المرحوم محمد صبري وأسرته. وإضافة الى القضايا التنظيمية والسياسية المستجدة بعد توحيد الحلقات وتأسيس الكتلة وانتخاب أول برلمان منذ اعلان حالة الاستثناء… ستثار مشكلة  الصحراء.

وقبل أن تثار قضية الصحراء رسميا لأول مرة في هذا الاجتماع، كان الموقف المبدئي منها متضمنا في المطالبة باستكمال البلاد لاستقلالها الناقص وفي الموقف من جيش تحرير الجنوب إذ الكل كان يتذكر الظروف التي حل فيها جيش التحرير بالشمال وانتقال جزء كبير منه الى الجنوب لمتابعة الكفاح ضد المستعمر الاسباني والفرنسي لتحرير الأراضي التي ما تزال محتلة في ارتباط مع الثورة الجزائرية وفي أفق استرجاع موريطانيا والصحراء وكل ذلك كان في إطار المغرب الرسمي؛ إذ لا ننسى أن المغرب لم يعترف بموريطانيا الا في فبراير 1970 وكانت هناك وزارة تسمى وزارة موريطانيا والصحراء لم يصدر الحسن الثاني أوامره بحلها الا في أكتوبر 1969، أي سنة فقط من اجتماع اللجنة المركزية ومناقشتها لقضية الصحراء. لذلك عندما طلبت المنظمة من الرفاق مناقشة القضية كانت هذه الخلفية واضحة أمام أعينهم وضوح الشمس. وعندما ناقشتُ الموضوع مع مسؤول الخلية الرفيق «امبارك» (المرحوم عبد العزيز موريد) اقترح نفسه – باعتباره من الجنوب – لمهمة استطلاعية في المنطقة باعتبارها جزءا من الرقعة الجغرافية التي ينحدر منها. كانت الأمور بهذه البساطة والعفوية بالنسبة لرفاق منظمة 23 مارس.

(وفي «ملحوظة لها بعض العلاقة بما سبق»، مباشرة بعد عملية توحيد الحلقات وتأسيس 23 مارس، شُرع في تكوين الخلايا لدمج أعضاء الحلقات في التنظيم الجديد. أسندت إلي مسؤولية ثلاث خلايا. حددت المواعد مع مسؤول كل خلية على حدة. أعطيت لي العلامة وكلمة السر للقاء بـ«امبارك» في بين المدن بين القريعة وعين الشق قرب سينما حديثة البناء. قبل أن يشهر كل منا علامته (جريدة ما) إذا الرفيق «مبارك» تلميذ عندي بالقسم: عبد العزيز موريد. عقب توزيع بيان «مقاطعة برلمان المعمرين الجدد» سيعتقل الرفيق «سليمان». يخبرني موريد أن سليمان هو الغازي الادريسي تلميذ آخر في القسم. وعند اعتقال موريد وصلاح الوديع في 1974.. سيتبين أن كل ثانوية مولاي عبد الله أصبحت يسارية بل ومعظم ثانويات المغرب وجامعاته…).

مصطفى الوالي نحروه أم انتحر؟!..

عندما نشرت أنفاس أوائل 1972مقال مصطفى الوالي بعنوان «فلسطين جديدة في الصحراء» فهم ذلك بكونه من باب حرية التعبير عن الرأي؛ إذ كانت أنفاس مجلة اليسار بكل تلاوينه. وكان هناك من الرفاق من انتقد نشر هذا المقال لأنه يمكن أن يتخذه حجة من طرف الحكم لضرب اليسار. وقد كتب لي أبو العزم في 9 مارس 1972 يقول: «إن ما نشر حول قضية الصحراء بأنفاس يعتبر متسرعا وعملا طفوليا يساريا لم يأخذ بعين الاعتبار الظرف الذاتي والموضوعي الذي نعيشه…».

حوالي سنة 1973 بدأ الوالي وجماعة من الشباب الصحراويين الذي كانو يدرسون بالجامعة المغربية يتحركون على الساحة الجزائرية بشكل محتشم وبإمكانيات جد متواضعة. ففي أحد الأيام أخبرني مسؤول مكتب جبهة تحرير عمان والخليج أن جماعة من «المعارضين المغاربة» يعلنون أنهم يناضلون ضد النظام المغربي وضد الاستعمار الاسباني في «الصحراء المغربية» وأعطاني نسخة من البيان الذي وزعوه بنسخ قليلة جدا لأنه مستنسخ على الكاربون وطلب مني توضيحا في الموضوع. وكان المسؤول الخليجي يعرف أن المغرب ما زال لم يسترجع كامل أجزائه المغتصبة ففهم تحركهم على هذا الأساس. ثم ربط لي الاتصال بهم. عقدت معهم عدة اجتماعات بحضور لحسن زغلول والمرحوم أحمد تفاسكا. وكان النقاش يدور حول النضال السياسي والمسلح ضد الاستعمار الاسباني في الصحراء وإمكانية التعاون بيننا وبينهم. لم يقل الوالي وصحبه قط إنهم يريدون إقامة دولة مستقلة في الصحراء ولم ينقل عنهم أحد من الذين كانوا يلتقونهم من حركات التحرر أن ذلك كان من بين أهدافهم حتى ذلك الحين. ألححت على الوالي في معرفة رأيه في إمكانية إدراج النضال الذي يخوضونه ضمن النضال العام للشعب المغربي، فأجابني حرفيا، بين الجد والهزل، «أنتم ياأخي شعب كثير.. وستأكلوننا». وكان اللقاء حميميا لدرجة أن الوالي – أمام إلحاح رفاقه بالمغادرة لأن هناك مهاما في النتظارهم – كان ميالا إلى إطالة اللقاء قائلا لأصدقائه : «إنني هنا بين أهلي».. اتصلوا كذلك بمناضلين من تنظيم الفقيه البصري الذي ربط لهم الاتصال مع الليبيين.. ثم دخل الجزائريون على الخط وأخذت المخابرات العسكرية تهتم بالشباب الصحراويين وسرعان ما ظهرت علامات هذا الاستقطاب في حياة البذخ التي بدأ الوالي يعيشها في فنادق الجزائر وأبرزها نقل هؤلاء الشباب من فندق آخر درجة بزنقة طنجة (فندق بروكسيل) الى فندق سان جورج الأعلى تصنيفا في مرتفعات العاصمة.

تفوق الايديولوجيا على التاريخ والجغرافيا..

في ندوة أكتوبر 1974 بفرنسا (عقدت إذا لم تخني الذاكرة بمدينة أورليان عند محمد غلام)، ستحسم المنظمة الموقف من قضية الصحراء المغربية تأكيدا للموقف المبدئي للمنظمة في شتنبر 1970 واعتمادا على خلفية التراث النضالي لجيش التحرير مجسدا في أحد قادته التاريخيين محمد بنسعيد وتأسيسا على أرضية تفكير المنظمة السابق ورصيدها القومي الوحدوي المعادي لمزيد من التجزئة في الوطن العربي، قاطعة بذلك مع اللبس الذي اكتنف تصريف شعار «إعادة بناء وحدة نضال الجماهير الصحراوية مع الشعب المغربي في الشمال على أساس ديمقراطي»، تصريف حضر فيه التكتيك وغابت الاستراتيجية، نتيجة تفوقنا إذاك في الاديولوجيا على حساب التاريخ والجغرافيا، وذلك اعتمادا على مقال أنفاس، وفي غمرة انخداع بعض رفاق المنظمة في الداخل – ضمن أفق توحيد طرفي اليسار –  بخط السرفاتي وشعاره البراق: «لنبن الحزب تحت نيران العدو» ضدا على «خطة التراجع المنظم» الذي سبق لـ23 مارس أن تبنتها.. علما أن رفاق 23 مارس في الداخل الذين كان لهم ذلك الموقف الملتبس قد انحازوا تباعا الى موقف مغربية الصحراء سواء منهم الذين كانوا في السجن أو الذين التحقوا بالخارج دون أن يعيروا اهتماما لصحة أو عدم صحة موقفهم السابق باستثناء رفيق واحد مسؤول في اللجنة الوطنية تحلى بالشجاعة اللازمة وقام بتقديم نقد ذاتي علني نشر في النشرة الداخلية مباشرة بعد انعقاد الندوة الوطنية بالخارج في صيف 1975.

خطوة «إلى الأمام» خطوتان الى الوراء..

سيتخذ إذن موقف مغربية الصحراء بتبني الأرضية المستمدة من الدراسة الهامة التي أنجزها محمد بنسعيد كخلاصة لتجربة جيش التحرير في الصحراء بأغلبية الأصوات مع بعض الامتناعات ومعارضة صوت واحد هو صوت محمد المحجوبي الذي تبنى موقف تقرير المصير للشعب الصحراوي (مع اعترافه بمبدأ مغربية الصحراء تاريخيا..!) ودعا إلى تجميد نشاط للمنظمة بالخارج باستثناء مناهضة القمع في انتظار انتقال الرفاق المعتقلين من درب مولاي الشريف الى السجن المركزي وفتح نقاش موسع في جميع القضايا بما فيها قضية الصحراء. وسنرى كيف رفع الرفاق عاليا راية الصحراء المغربية في محاكمة 1977. انسحب المحجوبي مباشرة بعد ندوة باريس من المنظمة والتحق بإلى الأمام التي أصبح قائدها الأول في الخارج. تأسفت شخصيا غاية الأسف لهذا الشرخ لما يشكله من استنزاف وتبديد للطاقات سيما وأني أحتفظ بذكريات نضالية ممتازة مع المحجوبي منذ التحاقه بنا في اللجنة المحلية بالدار البيضاء (وكانت المنظمة في البداية ترصده لمهام أخرى) قبيل مغادرتي المغرب ثم زيارته لي بالجزائر موفدا من المنظمة خصيصا لوضعي في صورة التطورات بالداخل ومناقشة خطة عملي بالجزائر وتنسيق العمل مع الرفاق في فرنسا.

كم تبدو بعض المواقف عبثية منظورا إليها بعد ثلاثين أو أربعين سنة؛ فالمحجوبي سيغادر سنة 1979 إلى الأمام التي أصبح على رأسها، بعد أن اكتشف أن «السرفاتي أصبح ينادي بحق الشعب الصحراوي في تكوين دولته» (حديثه لكنزة الصفريوي في كتاب la revue souffles الصادر سنة 2014. كما سيغادرها كل القادة التاريخيين المؤسسين لإلى الأمام في الخارج: حسن الحاج ناصر، ريمون بنعيم، زهور بنشمسي، حسن بناني…

حاربت المنظمة ما استطاعت نزعة العدمية وقاومت بشدة مواقف التنظيمات اليسارية العربية المتهافتة على المال الجزائري والجارية وراء سراب دعم الجزائر للقضية الفلسطينية الذي لم يتجاوز التصريحات الديماغوجية. خاضت المنظمة من خلال جمعية المغاربة بفرنسا نضالا متميزا وسط الجالية المغربية عبر جريدة «الجالية» وبواسطة المظاهرات العمالية التي نظمتها ولا سيما مظاهرة 22 نوفمبر 1975 التي نظمتها الجمعية بباريس شارك فيها أزيد من 1000 مهاجر مغربي رفعت فيها شعارات مثل: «فلسطين عربية والصحراء مغربية»، «لا أطراف معنية والصحراء مغربية»، «ياعامل يافلاح حرر أرضك بالكفاح».. كما بذلت المنظمة جهودا إعلامية على الساحة الفرنسية بإصدارها لأعدد من 23 مارس بالفرنسية تترجم مواقفها من قضية الصحراء وقضية الديمقراطية. لكن اليسار الفرنسي كانت على أعينه غشاوة في قضية الصحراء سببها عقدة مركبه مترسبة في لاشعور قادة هذا اليسار تجاه مستعمرتها السابقة، عندما كان وزير داخلية يسمى François Mitterrand ذات زيارة إلى الجزائر والثورة على الأبواب يرى أن «الجزائر هي فرنسا» وأن «لا حل مع المتمردين الا الحرب». كانت هناك بالنسبة لليسار الفرنسي عقدة «عارنا في الجزائر» (كتاب لسارتر بنفس الاسم) وهو ما تكلفت مدام ميتران بمسحه على حساب المغرب الذي تابعت معه فرنسا سياستها التقليدية القائمة على معاكسة سلاطينه واقتطاع أجزاء من أراضيه من توات إلى تيندوف وضمها إلى المستعمرة التي سوف «تستقل» بها لاحقا.

ما هموني غير الرجال إلى ضاعوا..

نهاية نوفمبر 1974، ستأوصل برسالة مؤرخة بـ24 نوفمبر عرفت أنها من محمد السمهاري بسبب تذييلها بتوقيع لا يعرفه إلا هو وأنا وصديق فلسطيني وربما مصطفى مسداد، ومكتوبة بخط جميل بعيد الشبه بخط السمهاري عرفت منه فيما بعد أنه خط أحمد أبا زيد، تقول الرسالة: «… غير أن طقس الخريف في هذه الأيام رديء وغير ملائم للصحة وهذا ما اضطرني إلى أن أقبع في المنزل أغلب الوقت..». وللوصول الى الغرض من الرسالة يعرج على قصة مترجمة – قرأها أثناء لزومه المنزل – عنوانها «القيثارة» وتدور أحداثها حول «مجموعة من الموسيقيين المجددين ظهروا في مدينة يغلب على فنانيها التقليد.. ورغم الجهود التي بذلتها هذه المجموعة لشق الطريق الى المجد فقد فشلت وآل أمرها إلى التشتت الذي كان سببه المكائد التي دبرها خصومهم حتى لم يبق منهم في المدينة الا القليل هائمين يلتمسون طريقا للافلات من هذه المدينة التي تنكرت لهم». ترجمة ذلك أن المنظمة تعرضت لضربة خطيرة هي الثانية من نوعها منذ اعتقالات 1972. رسالة أخرى أكثر وضوحا مؤرخة بـ5 يناير 1975 جاء فيها: «.. أنت تعرف أن مرض الزكام قد انتشر بسرعة والأغلبية طريحة الفراش في المستشفى أو في المنازل وعلى كل حال فالجو جامد والأمطار منعدمة والكل ينتظر… وأن هذه الأسرة الشقية تعاني من صعوبات لا حد لها فالشخص الذي تعرفه «الوجدي» (شيشاح ميمون، وقد كان صلة الوصل بيني وبين التنظيم بين 1973 و1974 يتسلم مني أنفاس وغيرها من المواد قرب الحدود لنقلها إلى الداخل كما سبقت الاشارة) كان من أوائل المرضى وهو في المستشفى منذ شهرين.. لهذا دبر أمرك وحدد موعدا وعلامات وتاريخ معين كاف بالقرب منك…». إنها اعتقالات نوفمبر 74 التي ستهدم ما بني طوال سنتين ونصف. سيمنى فيها اليسار بخسائر فادحة في الأرواح باستشهاد عبد اللطيف زروال وسعيدة المنبهي وجبيهة رحال. سيعتقل العشرات وستعلن حالة الطوارئ عندنا لاستقبال الناجين من الاعتقال عبر ثلاثة أفواج: الفوج الأول كان يتكون من عبد الله زنيبر، أحمد الهواري ومحمد العلوي الفاطمي، الفوج الثاني ضم كلا من ابراهيم ياسين وطه ملوك، الفوج الأخير كان كثير العدد بشكل ملفت وتطلب الأمر سيارة كبيرة estafette لنقلهم الى وهران.

لفت نظري بينهم شاب بشعر كثيف وطويل اعتنى صاحبه بتصفيفه غاية العناية فهمت أن ذلك كان لابعاد «شبهات» الانتماء النضالي عنه أثناء المتابعة. في الطريق لفت نظري الرفيق «زايد» (أحمد الركيك) الذي دبر عملية الاستقبال إلى الشاب الصغير ذي الوجه الطفولي وقال لي بصوت خفيض: «وهذا الوليد الصغير علاش جابوه معاهم؟». وبمنزل الرفيق عبد النبي ذكير بوهران وأثناء تجاذب أطراف الحديث بين الرفاق، إذا بذلك الشاب «الصغير» ينبري في مداخلة رصينة موزونة الكلمات وبرنة صوت ليست من الصغر في شيء جعلت الرفيق زايد يعيد النظر في ملاحظته السابقة. علمت بعد سنوات وأنا في أنوال أن ذلك الشاب الصغير الهيئة الفصيح اللسان اسمه جليل طليمات. أما صاحب الشعر الكثيف الذي انحسر عن رأسه اليوم فهو العربي مفضال. لم يكن جليل طليمات ومحمد برادة حميمة ورفاق آخرون متابعين إذاك ولكنهم خرجوا للمشاركة في الندوة الوطنية التي أقرت الأرضية التوجيهية للمرحلة القادمة ثم عادوا أدراجهم الى المغرب لمتابعة الابحار بسفينة المنظمة الى.. بر أنوال.

من مطار أورلي إلى.. 23 مارس..

عندما التحقت بالجريدة في بحر 1975، كان قد صدر منها بضعة أعداد لكني كنت أراسلها من الجزائر كما كنت أراسل «أنفاس» من قبل. كانت الكتابة في جرائد التنظيم واجبا نضاليا لمن استطاع الى ذلك سبيلا. في المرات القليلة التي زرت فيها بارس بين 1973 و1975، غالبا ما كنت أجد في انتظاري بالمطار الرفيق محمد بنسعيد. من جهة، لأن بنسعيد من الذين ينطبق عليهم القول: «خادم الناس سيدهم»، ومن جهة ثانية، لأن الرفاق الذين كانوا يتوفرون على سيارة – بل وعلى رخصة سياقة – قليل جدا؛ اثنان أو ثلاثة من محيطنا القريب. كان رشيد سكيرج واحدا منهم. لكني لم أكن أتوقع أنه هو من يستقبلني في المطار. سيظهر السبب بمجرد الصعود الى السيارة. لم يكن سكيرج من الذين يطيلون الكلام «على الفاضي». بعد سؤالين أو ثلاثة عن كيف مر السفر وعن  الأحوال في الجزائر.. انتقل الى «جدول الأعمال». توزيع المواضيع في العدد قيد الانجاز: «فلان تكلف بكذا وفلان بكذا.. وأنا كنت تكلفت بالموضوع الفلاني وبما أنك حضرت فأنت الأولى بالكتابة في الموضوع..» ثم ناولني حزمة من الجرائد العربية والفرنسية المشتملة على مادة الموضوع وأظنه – اذا لم تخني الذاكرة – كان حول زيارة جيسكار ديستان للمغرب في ماي 1975.

ونحن في الطريق الى منزل رشيد سكيرج داخل سيارة BMW طفقت أسترجع كل ما سمعته عن هذا المناضل الاستثنائي سواء في الجزائر أو في فرنسا فلم يكن بعدُ حبل الود موصولا بيننا كما كان مع رفاق التيار (تيار «ج») الآخرين: محمد بنسعيد، لحسن زغلول، أحمد تفاسكا، محمد موخليص.. مثلا.

مسؤول سابق بجهاز «الكاب1» في خدمة 23 مارس..

 في المرات المحدودة التي التقيته فيها بمناسبة بعض الاجتماعات أو الندوات التنظيمية ترك لدي انطباعا بأنه شخص «يصعب الاقتراب منه» وأكد لي ذلك في ما بعد أكثر من واحد. كان  رشيد سكيرج صعب المراس. هذا ما كان يوحي به الظاهر. وتؤكد هذا الايحاء شهرته كأحد قدماء جهاز «الكاب1»؛ بل ثاني اثنين في قمة هرم الجهاز الأمني الأول في مغرب ما بعد الاستقلال، أولهما هو أحمد الدليمي طبعا. بل إن هذا الأخير كان يحتاج الى توقيع رشيد سكيرج لصرف بعض الأموال وعندما كان سكيرج يعترض على وجوه صرف تلك الأموال كان الدليمي يسطو على الأبناك لأخذ حاجته من المال.. هكذا بدأ نجمه بالصعود. أما رشيد سكيرج فقد كان مناضل الساعة الأولى في حزب الاستقلال والتحق بالادارة العامة للأمن الوطني في عهد أول مدير لها محمد الغزاوي، بإشارة ربما من مهندس التنظيم في الحزب: المهدي بنبركة. وعندما انشق الجناح اليساري في 1959 عن حزب الاستقلال أصبح رشيد سكيرج عين الاتحاد الوطني للقوات الشعبية والمهدي بنبركة في جهاز الدولة الأول. كان هذا هو مغرب الاستقلال. لم يحسم شيء في aix les bains لا على مستوى الاختيارات ولا على مستوى شكل السلطة ولا على مستوى الفاعلين. كل شيء يحسم الآن على مراحل وفي عين المكان.

فرنسا تركت المغرب حقل ألغام.. جهاز المخابرات كان إحدى ساحات الصراع.. أصبح الدليمي يراقب سكيرج ويتنصت على مكالماته. وعندما أحس باقتراب الخطر، وكما في أفلام الجاسوسية، وعلى متن سيارته الـ BMW اتجه الى تطوان ومنها الى باب سبتة حيث ركن سيارته واجتاز الى الجهة الأخرى وهو يرد على السلام العسكري لمرؤوسيه من شرطة الحدود. اختفى عن الأنظار منذ 1963 حتى ظهر سنة 1966 في قصر العدالة بباريس كشاهد رئيسي في محاكمة مختطفي المهدي بنبركة. وصلنا إلى maison alfort جنوبي شرق باريس. وهكذا وجدتني، دون مقدمات، في «قلب» جريدة 23 مارس.

من خطاط عراقي إلى آخر..

بعد رقن المقالات على الآلة الكاتبة من قبل محمد بنسعيد وتوضيبها من قبل رشيد سكيرج بالكيفية التي تحدث عنها محمد المريني، تأتي مرحلة تخطيط العناوين التي ترك رشيد أماكنها فارغة ومحسوبة مساحتها بالميلمتر. هيا بنا الى الخطاط، يقول لي رشيد. نقطع مسافة طويلة بالسيارة قبل أن نحل مساء ببيت الخطاط. ربما كان هناك أكثر من خطاط في باريس، لكن الخطاط الذي أوكل إليه رشيد الاعتناء بـ 23 مارس كان فنانا من المستوى الرفيع بلا منازع. هو الذي صمم عنوان (ترويسة) الجريدة وخطط عناوين مقالاتها مجانا لمدة عامين على الأقل إنه الفنان العراقي حسن المسعود. وهو معارض يساري حل بباريس بداية السبعينات فرارا من القمع. متخرج من مدرسة الفنون الجميلة بباريس، مؤلف عدة كتب في الخط ولوحاته معروضة في عدة متاحف عالمية.. وخلال عملية التخطيط التي تتم على مهل وتستغرق الساعات يكون «حديث ومغزل». أخبار المغرب والمشرق وهموم المناضلين ما جَدَّ منها والقديم ونكت الخطاطين أيضا حينما أعاد علينا نكتة ذلك الخطاط العراقي المسكين الذي طُلب منه بعد «المصالحة» بين البعثيين والشيوعيين أن يخط اسم الحزب الشيوعي على جدار مقره الجديد فكتب: «الحزب الشيوعي العراقي» وهم بالنزول فإذا برجال المخابرات ينتظرونه في الأسفل فعاد أدراجه وكتب بخط سميك تحت العنوان الأول عبارة «لصاحبه حزب البعث العربي الاشتراكي» ونزل آمنا.. ثم عرجنا على الخط العربي وجماليته.

ولتأثيث الحديث أعربت عن ميلي الى الخط ولكني لم أدرس قواعده، متذكرا أيام فاس عندما كنت «خطاط» الاتحاد الوطني لطلبة المغرب 1966 و 1967؛ أخط الاعلانات عن الاضرات أو الدعوة الى التجمعات بأقلام الـ feutre الملونة على الأوراق الكبيرة التي كان يشتريها رئيس تعاضدية المدرسة العليا للأساتذة عبد الغني أبو العزم. ناولني حسن المسعود ورقة وقلما وطلب مني أن أخط بعض الحروف فلاحظ أن خطي لا بأس به ولكنه يحتاج الى الصقل.. ثم أهداني بعض أقلامه القصبية قال إنها من أفضل الأنواع المجلوبة من ايران ونصحني بطول التدريب والمثابرة وأنه رهن إشارتي.  شكرته وأنا أعتبر المسألة كلها من باب الشيء بالشيء يذكر لا أقل ولا أكثر. لكن رشيد سيأخذ المسألة على محمل الجد ويلح علي في كل مرة جئنا بالجريدة عند خطاطنا الكبير بـ«سرقة الصنعة». كان مقتنعا بأنني يمكن أن أصير خطاطا. بل الأرجح أنه كان يحس بنوع من الاحراج تجاه أريحية الخطاط حسن المسعود وخدماته التطوعية النصالية للجريدة، كان يبحث عن البديل ولو على حساب الجمالية وكذلك كان. وبدأ ذلك بشكل تدريجي. سافر الخطاط مرة في عطلة فقمت بتخطيط العدد بأقلام حسن المسعود التي أهداها الي. ثم فيما بعد كنا نذهب الى الخطاط بالصفحة الأولى والأخيرة وأخط أنا الصفحات الداخلية.. وهكذا الى أن جاءت المطبعة فأنقذت الجريدة من خطوطي البعيدة عن فن الخط بعد السماء عن الأرض.. بعد سنوات، وأنا في أنوال، سأتذكر خطاطنا حسن المسعود؛ ذكرني به الخطاط العراقي الآخر الذي خلد عنوان جريدة أنوال وكان خطاطها الأبرز، الفنان العراقي رعد.

«مقرات» 23 مارس..

لم يكن للجريدة مقر بالمعنى المتعارف عليه. فمقرها وقت الانجاز النهائي كان هو بيت رشيد سكيرج. قبل هذا الوقت وبعده يكون مقرها بيت محمد بنسعيد قرب ميترو Abbesses. فيه تجتمع غالبا «هيئة التحرير»، وفيه تتم عملية الرقن على الآلة الكاتبة في الجو «الرومانسي» الذي تحدث عنه بنسعيد نفسه، منظورا اليه بعد أربعين سنة طبعا أما حينها فلم يكن من الرومانسية في شيء. يصبح بيت بنسعيد ورشة وخلية نحل. ورشة، قبيل صدور الجريدة عندما يتطوع عدد من الرفاق الطلبة للصحيح، وبعض الرفيقات لتخفيف عبء الرقن عن بنسعيد؛ أتذكر منهن عفيفة كديرة (صاحبة صيدلية عقبة بالرباط). ويصبح بيته ورشة أيضا عند صدور الجريدة، حيث يحضر عدد من الرفاق للمشاركة في عملية الطي ووضع لفافات عناوين الارسال المعدة سلفا ووضع طوابع البريد.. أما النسخ التي ترسل الى المغرب والموجهة للصحافة الوطنية وللشخصيات.. فتوضع في أظرفة مغلقة. يوضع الكل في أكياس يحملها بنسعيد بسيارته الى مكتب البريد.

 ويصبح بيته خلية نحل غالبا خلال العطل الدراسية أو بمناسبة انعقاد الندوات أو اجتماعات المجالس الفيدرالية حيث يحج الجميع الى باريس ويتحول بيت بنسعيد إلى «زاوية» لا بد من السعي اليها للتزود بالجريدة والوثائق والقرارات والمواقف والأخبار.. الرفيق «الشيخ» (أحمد بنعزوز رحمه الله)، الهيثم، محمد الاسماعيلي والمصطفي بوعزيز من Clermont Ferrand، «حيسان» (أحمد الشهبوني )من Toulouse، محمد غلام من Orleans، محمد الصافي من Rouans، «عدنان» (عادل الجزولي الشقيق الأكبر لعفاف وعدنان) من Nancy، حسن الباهي من Saint etienne، حسن (هوشي منه) من Nantes، محمد الحساوي من Aix-en-Provence، ادريس اليعقوبي من Bordeaux، جواد الديوري من Marseille والمرحوم سعيد المعزوزي من Montpellier، ورفيق Tours العتيد الذي ظل على مر السنين لا يخلف الميعاد. ومن المشرق العربي، سفراء المنظمة «المعتمدون»: ابراهيم السعدي، الحسين الحظيقي، محمد العلج، حسن وحاند، حسن الذهبي، عبد اللطيف عواد، عمر الشرقاوي والمرحوم محمد بيهية.. من كل الأصقاع يأتي الرفاق بأخبار ومشاكل فروعهم وللتزود بشيء ما.. هؤلاء وعشرات بل مئات غيرهم من الأطر التي صنعتها المنظمة واليسار والتي هي «مصابيح يستضاء بها» ورجال يعتمد عليهم في بناء مغرب كان الحسن الثاني يفضل فيه «تطويع dresser الرجال بدل تربيتهم» (والتعبير لعبد الله العروي).

بيت بنسعيد كان بهذا المعنى مقرا للجريدة وللمنظمة منذ حل مسداد والطالبي والمريني والمحجوبي بباريس صيف 1972. فتقاسم معهم هذا البيت المكون من غرفتين لمدة سنة على الأقل بالنسبة لبعضهم وكان غالبا هو الذي يعد الأكل كما لاحظت ذلك عند زيارتي الأولى لباريس صيف 1973 حيث أكلت أحسن «أملو» على الاطلاق إذ كان بنسعيد هو الذي يخلط عناصره عند كل وجبة: الزميتة، العسل الحر، زيت أركان.. ولم أعرف أن مطبخه خلا من ذلك أبدا.

في بيت بنسعيد تعرفت لأول مرة على عبد الفاضل الغوالي ذات سفر له إلى باريس وجرنا الحديث خلال سمر جميل الى صاحب «الإسلام أو الطوفان» وكان حديث المجالس وقتها فحدثنا الغوالي عن عبد السلام ياسين الرجل الطيب مفتش اللغة الفرنسية وعاشق الموسيقى الذي وقع له ما وقع بعد رحلة غامضة الى باكستان.. فذكرني ذلك بمفتش آخر للتعليم جالسته مرة أو مرتين صحبة صهره مصطفى القرشاوي بمقهى قرب نيابة التعليم بشارع الزرقطوني والذي وقع له ما وقع بعد ما زكى عمر بنجلون، ذات يوم، ترشيح أحمد الضمضومي لقيادة للنقابة الوطنية للتعليم في مؤتمرها التأسيسي سنة 1966 بدلا عنه مكررا نفس السيناريو مع توبير الأموي بداية السبعينات؛ واسم هذا المفتش عبد الكريم مطيع. وقد أعاد التذكير بهذا التاريخ الأستاذ عبد الجليل باحدو في سلسلة مقالاته بمجلة «الأيام»  بين 14 فبراير و6  مارس 2013 .

بيت بنسعيد المكون من طابقين والمبني على النمط القديم يمكن أن يشبه متحفا، وكان يجب أن يكون كذلك، بعد كل ما مر به من ذكريات 23 مارس وقبل 23 مارس. فقد كان يقع على مرمى حجر من Montmartre وساحة الفنانين الشهيرة لكنها بالنسبة لنا كأن لم تكن موجودة مثلها مثل سائر المآثر الأخرى. وأذكر أني لم أزر متحف Louvre إلا عندما أخذني إليه صديق قادم من المغرب هو المرحوم محمد ألوزاد. كانت باريس بالنسبة إلينا ولمدة طويلة وكأنها مجرد امتداد للدار البيضاء بها عناوين ومحطات ميترو وجرعة.. حرية.

(*)بنسعيد وصحبه

كان ترددي في محله عندما فاتحني الأستاذ عبد الصمد بلكبير في المساهمة في تقديم هذا الاصدار حول 23 مارس. فعلى فرض تجاوز كل الصعوبات المرتبطة بالموضوع، ما العمل مع إكراهات الذاكرة وألاعيبها؟.. وهل ينسى المرء مشيته؟! بهذه البساطة والعفوية يحل عبد الصمد الاشكالية.  وقَطَعَ الشك باليقين عندما أتانا بالبينة: إحضار أعداد 23 مارس مصورة في «الملتقى»، وهو عمل مشكور وجدير بالتنويه به؛ بعد أن اعتُبر هذا التراث في حكم الضائع، فأنا شخصيا لا أتوفر الا على بضعة أعداد لست أدري كيف «علقت» بأغراضي عند نقلها إلى المغرب أوائل الثمانينات، وإلا كيف تعبر الحدود بمادة محرمة حتى ولو أقسمت بأغلظ الأيمان أنها «للاستهلاك الشخصي» فقط؟!

لنحاول إذن نفض الغبار عن ذكريات عمرها أربعون سنة أو أكثر، وليتحمل معنا القارئ عناء السفر في الدروب المعتمة لشذرات تاريخ كاد يطويه النسيان؛ علّنا في معركة الذاكرة هاته نحقق بعض الانتصار نغالب به انكساراتنا في ما عداها من المعارك، سيما وأن 23 مارس تضررت أكثر من غيرها على مستوى ما اعترى ذاكرتها من نزيف وغبن؛ بسبب القمع طبعا لكن ليس دائما بسبب القمع. (الجزء الثالث والأخير).

من بنسعيد إلى آخر..

في الطابق السفلي كان يسكن «بنسعيد الصغير» (محمد بورحيم) أحد الناجين من كماشة 16 يوليوز 1963 التي ذهب ضحيتها جميع مسؤلى الاتحاد الوطني للقوات الشعبية وأكثر من 5000 آلاف من مناضليه. ومادمنا بصدد متحف الذكريات لا بأس من الاشارة الى قصته التي حكاها لنا بنفسه ذات زيارة الى الجزائر. كان متواجدا بمقر «الكتابة العامة» بالدار البيضاء، 14 زنقة علال بن عبد الله، عندما داهمه البوليس فاعتقل مع الجميع في كومسارية المعاريف. وأثناء الاستنطاق أنكر جملة وتفصيلا كل علاقة له بالاتحاد وبالسياسة والسياسيين والعرب أجمعين وأنه لا يتكلم ولا يفهم الا «الشلحة» وقد وصل لتوه من «البلاد» وأنه تاه عندما خرج يبحث عن عمه أو خاله في دروب الدار البيضاء التي لا يعرفها. عيل صبر البوليس وأمام كثرة البشر أخلي سبيله. وعندما فطن البوليس الى أنه هو بنسعيد الصغير المبحوث عنه سابقا في قضية متابعة محمد بنسعيد، كان قد اجتاز الحدود الى الجزائر ليلتحق بمعسكرات شيخ العرب لتدريب المجندين على حرب العصابات مع «الكولونيل» بنحمو المسيوي وابراهيم التزنيتي وسعيد بونعيلات وعمر الفرشي ومصطفى العماري..

«مقر» NANTERRE

البيت الآخر الذي سيصبح المقر الثاني للجريدة هو البيت الذي سأقطنه بضع سنـوات مع العربي مفضال والكائن بـ 10, rue de l‘Eglise ضاحـية نانطير. «ورثنا» هذا السكن – المقر عن المرحوم مختار مرزوق رئيس جمعية المغاربة بفرنسا ومصطفى الرمضاني العامل بفرنسا (وهو ابن عبد الرحمن الرمضاني اللاجئ السياسي بالجزائر من فيگيگ كان يمارس التجارة بمنطقة بشار نكبه الجزائريون فيمن نكبوا من المغاربة سنة 1975 واستولوا على أمواله وممتلكاته). تنازل مرزوق والرمضاني لنا عن هذا البيت عندما تزوج مرزوق والتحقت به زوجته خديجة من الجزائر فكان من الضروري الانتقال الى سكن يليق بأسرة حديثة عهد بالزواج. مع استمرار الرفيقين في دفع ايجار البيت السابق وأداء فواتير الماء والكهرباء.

في هذا البيت – المقر الذي يتراءى لي الآن وكأنه يشبه الكهف؛ إذ يقع في الطابق السفلي من عمارة عتيقة بحي عمالي شعبي – كان يتم تصفيف المقالات من طرفي على نفس الآلة الكاتبة التي قبل محمد بنسعيد التنازل لي عنها «عن طيب خاطر». وبعد فترة «تدريب» قصيرة؛ إذ كنت قد بدأت الاستئناس بالنقر على آلة سي عبد الرحمن (لحسن زغلول) بالجزائر صرت التقني المتخصص حتى خيل للصديق محمد المريني أني منذ البدء كنت «متمكنا من تقنية الطبع»، واستمر المريني من حين لآخر ينقر بأصبع واحدة حرفا حرفا مما كان يعرضه لتندر السمهاري وسخريته البريئة طبعا ملقبا اياه «اصبيّع.. اربيّع». لذلك لم يحاول السمهاري أن يقترب من الآلة الكاتبة؛ وانما اقترب من تحرير الأخبار القصيرة وبشكل خاص اقتناص العناوين الطريفة المصيبة في الصميم مثل «ادهن السير..!» عنوانا لخبر عن الرشوة إذ كان مروره بالجريدة مر الكرام قبل أن يتوجه رفقة«حسن طيرو» (مختار قدوري) صوب rue Serpente مقر جمعية المغاربة بفرنسا (التي أسسها المهدي بنبركة سنة 1961) لتعزيز الطليعة العمالية المهاجرة آنذاك ممثلة في: ايدر أرسلا، حمو بوزيان، مصطفى الرمضاني ومختار مرزوق رحمه الله.. وغيرهم ممن خاضوا النضال وسط الهجرة المغربية في معامل الرونو وسيتروين وفي أحياء الزخم العمالي الفرنسي والمهاجر؛ أحياء Jonvilliers، و Saint Denis، و Puteaux… في معارك مشهودة ضد العنصرية وضد قانون Stoléru (مليون لكل مهاجر يريد العودة الى بلاده)، وتضامنا مع النضال الطويل لسكان أحياء سوناكوترا المطرودين، ومع عصيان فلاحي Larzac. وضد القمع وضد الوداديات ودفاعا عن القضية الوطنية.. وإشاعة للثقافة التقدمية بين العمال بإصدارها لجريدة «الجالية» وتأسيسها لفرقة مسرحية غنائية اشتهرت بمسرحية «بوشعيب»؛ فرقة كان ينشطها الشاب الموهوب رشيد گنون أحد «خريجي» 23 مارس بالدار البيضاء قبل أن  يلتحق بها شاب آخر كان يخطو خطواته الأولى في الميدان هو شفيق السحيمي(وجع التراب). وكان يرافق الجمعية في أنشطتها الاجتماعية وفي علاقاتها مع الأوساط التقدمية الفرنسية نخبة من خيرة المثقفين المغاربة كان من جملتهم المرحوم محمد صلاح الدين أستاذ الاقتصاد وعلم الاجتماع بجامعة فاس لاحقا. وهو الذي شجعني، بالمناسبة، وساعدني في تذليل الاجراءات المعقدة للحصول على وضعية لاجئ سياسي بعدما حجب عنا الجزائريون جوازات السفر.

لم تولد وفي فمها ملعقة من ذهب..

في هذا المقر ستقام تلك «المآدب العدسية» المشهورة التي أشار اليها محمد المريني والتي تندرج في صميم ما أومأ إليه الحبيب طالب من إنجاز الجريدة «.. في شروط عمل مادية، هي من السوء بما لا يخطر على بال، وما يصعب التعبير عنه..». فقد كنا متعودين – منذ التأسيس وقبل التأسيس – على الكفاف وقلة ذات اليد سواء كتنظيم أو كأفراد.. وهل كان هناك فرق؟ كانت «ماهيتنا» المحدودة – كرجال تعليم في الغالب؛ طلبة أو مدرسين – موزعة بين الأهل والتنظيم وحاجيات التنقل والسكن والأكل.. بكل البساطة التي كانت عليها الحياة في ستينيات القرن الماضي. فمنظمة 23 مارس هي المنظمة التي لم تولد وفي فمها ملعقة من ذهب. وتلك كانت شروط المنظمة من البداية إلى النهاية؛ حيث العامل المادي يتحول في كثير من الأحيان الى عامل سياسي: التنقل، المقرات، الطبع، إنجاز المهام أو تعليقها.. الخ.

حصل بعض التحسن مع التوسع الذي عرفته المنظمة في الخارج وبعد انضمام رفاق (ج) وخلال فترة التنسيق مع (أ)، وازدادت بالمقابل حاجياتها بالأخص في الداخل. وفي الجانب الذي يهمنا هنا والمتعلق بشروط عمل هيئة التحرير (وهي في نفس الوقت لجنة العلاقات الخارجية)، كنا نحصل في هيئة التحرير على مخصصات مالية محددة في 300 فرنك فرنسي (300 درهم مغربي تقريبا) شهريا لكل واحد منا وبصفة مؤقتة في انتظار إيجاد شغل. كنا ندبرها (مفضال وأنا) كالتالي: 100 ف للتزود بما يلزم من المواد الثابتة، 100 ف مصروف الجيب – السجائر وغيرها ..، و100 ف لشراء بطاقة التنقل الشهرية (carte orange). بهذه البطاقة تصبح باريس وضواحيها القريبة تحت تصرفنا طوال الشهر من الخامسة صباحا وإلى الواحدة بعد منتصف الليل. وكذلك بيوت الرفاق التي كانت مخابئ مفاتيحها معروفة لدينا.. فكنا نحل، دون استئذان، «ضيوفا» عند علي الطاهري وعفيفة اگديرة مثلا، وكنا إذا طاب لنا المقام ببيت المريني، وكان مزاج السعدية السعدي رائقا، أتحفتنا بأكلة السمك الشهية التي كانت متخصصة فيها.

أما المرحوم «زين الدين» وزوجته سعاد شقيقة أخينا عبد اللطيف عواد فكثيرا ما رتبا «على شرفنا» أمسيات جميلة يجتهدان في تدبيرها في شقتهما المتواضعة المكونة من غرفة واحدة قرب ميترو Les Gobelins؛ بل كانت شهامة «زين الدين» تصل به الى حد التنازل لنا أحيانا عن بعض لياليه في الفندق الذي كان يشتغل فيه ليلا بـ rue des écoles تخفيفا من ضائقتنا المالية. أما إذا سافرنا عند أخت مفضال، خديجة وزوجها مصطفى مؤمن في Bonnière أو عند أهل ابراهيم ياسين، فإن ذلك يكون أشبه بالولائم والأعياد.. كانت تلك بعض من متعنا الصغيرة بين اجتماع وآخر، بين الفراغ من عدد من 23 مارس والشروع في عدد آخر، وكانت أغاني ناس الغيوان وجيلالة والمشاهب تتكفل بالباقي. وإذا لم تكن، رضينا بنسخة لا بأس بها من «ياصاح راني وسط الحملة» يتحفنا بها «المطرب» مبارك حنون.

مدرسة 23 مارس..

في هذا المقر أيضا تابع رشيد سكيرج عملية التوضيب إذ لم أكن أجرؤ حتى على مجرد التفكير بالترامي على هذا التخصص الذي كان يبدو لي بالغ التعقيد وقد كان كذلك ولهذا كان الرفيق بوشعيب ينادي رشيد بـ«المعلم». في هذا البيت – المقر سأدبج معظم ما نشر في 23 مارس من مقالات حول الوضع العربي، وفيه أيضا كتب «ميلود» (العربي مفضال) جل المقالات الطويلة والقصيرة حول: المسألة الزراعية، الصيد البحري، التعليم، والقضايا الاقتصادية والاجتماعية.. أصبح «جوكير» الجريدة منذ اكتشافه سنة 1975 كما تكتشف نجوم الغناء في Star Academy اليوم. فجاء هذا «الاكتشاف» ليعطي دفعة جديدة للجريدة بما اشتمل عليه من مواصفات كانت محبذة ومطلوبة: القدرة على التكيف والتلاؤم مع مختلف المواضيع والتخصصات، السرعة في الانجاز، البساطة والوضوح، طول النفس (كامل الأوصاف يعني).. «تطوع» في البداية بمقال، وثان، وثالث.. ثم برصيد لا يحصى من الكتابات في 23 مارس وفي أنوال من بعدها تحت أسماء مستعارة أشهرها «أحمد السنبالي»..

صدرت الجريدة والهواية ميزتها في كل شيء باستثناء عملية التوضيب فكانت احترافية منذ البداية. لم يكن يخطر ببال أحد أن ما كنا نقوم به يمت بصلة الى الصحافة؛ وإن هو إلا كذلك منظورا اليه الآن بعين المؤرخ. كنا مثل السيد Jourdain بطل موليير الشهير الذي يقول نثرا منذ أربعين سنة وهو لا يدري.. كان الحبيب طالب يكاد يكون الوحيد الذي مارس الكتابة من قبل، وفي جانبها التنظيري بالأساس عندما كان يوقع غالبا مقالاته في «أنفاس» وفي «الحرية» باسم ناوري حسن. اكتسب هذه «الموهبة» في الشرق، ليس في كليات دمشق التي «تسجل فيها كلها ولم ينل شهاداتها» على غرار «بطله» الشامي الذي طالما حدثنا عنه. ولكنه عاد الى المغرب بعد هزيمة 1967 بهوامش على دفتر النكسة وبقدرة خاصة على فك رموز السياسة وتمييز الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الرمادي فيها؛ وهي شهادة لا تمنحها أية كلية.. محمد المريني تمرس بكتابة البيانات والملتمسات والتوصيات في مؤتمرات الاتحاد الوطني لطلبة المغرب خاصة الؤتمر الثالث عشر الماراتوني الذي ترأسه رفقة عبد الصمد بلكبير وحسن بنعدي وسليم رضوان

إذا لم تخني الذاكرة … فاتخذت مساهماته في الجريدة شكل مواقف تضمنتها الافتتاحيات القصيرة فضلا عن بلائه المتميز في قضية الصحراء ومحاولته إفهام من لا يفهم من «الأصدقاء الشرقيين».. . مصطفى مسداد (الذي لم يكن عضوا رسميا في هيئة التحرير ولكنه لا يكاد «يمنّك» عددا واحدا أثناء الانجاز) قارئ نهم للكتب. كنت لا تراه وهو يجوب شوارع الدار البيضاء في الستينات الا وفي يده كتاب ما. لكنه – باستثناء الأرضيات التنظيمية وما في حكمها – ليس بكاتب؛ يقترح المواضيع، يناقش، يصحح، يلاحظ، يشارك وجدانيا في الانجاز.. ولكنه لا يكتب. من جهتي، لا زلت أتذكر الى اليوم نصيحة وإلحاح أستاذنا محمد برادة في قاعة درس الأدب العربي بالرباط سنة  1965بأن نكتب قائلا: «إذا لم تتمرنوا على الكتابة منذ الآن فمتى ستكتبون..؟ اكتبوا مذكراتكم مثلا».. لكنها كانت، واأسفاه، صيحة في واد.. أما ما كان من التزام الرفاق الذين أسندت اليهم مهمة إصدار الجريدة بأن يكتبوا المقالات: محمد بنسعيد عن الوضع العربي ورشيد سكيرج عن الوضع الأممي مثلا، فقد كان من باب رفع التحدي: «وتصغر في عين العظيم العظائم».

لنرجع إلى نقطة الانطلاق..

كتابة الافتتاحية (كلمة العدد) كانت دائما لحظة دقيقة وأحيانا حساسة في إنجاز الجريدة. لحظة محفوفة بالمحاذير. كثيرا ما كانت توكل إليّ كتابة الافتتاحية خاصة حينما يتعلق الأمر بذكرى 23 مارس، مثلا، أو بالقضايا العربية والأممية: «كما انتصرت فييتنام ستنتصر فلسطين»، «الذين اغتالوا كمال جنبلاط لن يستطيعوا اغتيال حركة التحرر العربية»، «لأن اتفاقية واشنطن هي حلف جديد بقيادة أمريكا: يجب سحق رأس الأفعى».. لكن الأمر مع افتتاحية العدد الخامس عشر (15 – 30 نونبر 1975) كان مختلفا. كان الأمر يتعلق باتخاذ موقف بعد خطاب 9 نونبر 75 وقرار توقيف المسيرة الخضراء. هذا خط أحمر؛ المريني أو الطالبي وحدهما مؤهلان للاقتراب منه. المشكل أن الرفيقين كانا يخوضان مع الخائضين تلك الليلة في دار المغرب. كتبت الافتتاحية. حازت رضا من حضر. عاد الرفيقان صباح اليوم التالي «وحالتهما حالة» جراء السهر والنقاش في دار المغرب. ألقيا نظرة على «ماكيت» الجريدة وهي جاهزة للطبع وبشكل خاص على الافتتاحية. ولا تسأل عن حالة الطالبي وهو يتبادل النظرات الاستفهامية مع المريني وقد اتخذت ملامح وجهه حالة عبس التي يكون عليها في الأوقات العصيبة وهمهم ببضع كلمات مع الرفاق ثم ذهب لينام. كان يريد موقفا مرنا من قرار توقيف المسيرة.. لكن أنى لي أنا بدقائق التكتيك الذي لا يعرف سره إلا هو. طلعت افتتاحية «لنرجع إلى نقطة الانطلاق» كما هي. ومن يومها صرت أتجنب الاقتراب من تلك الخطوط الحمراء..!

افتتاحية أخرى: «إسلام وإسلام»، أثارت مؤاخذات وانتقادات من بعض الرفاق. وقد كتبت في أوج الانسياق العام يومها مع ثورة الخميني. خاصة في جو العلاقة مع بعض المناضلين الايرانيين من تنظيم فدائيي خلق وبعض أصدقاء أبو الحسن بني صدر ومع أصدقاء لبنانيين قريبين من منير شفيق الذي كان بصدد التحول من نظرية «العوالم الثلاثة» الى الاسلام والذين انخرطوا في الصيرورة التي ستقود فيما بعد إلى ظهور «حزب الله».

عدا هذا، كنا نتوصل بكثير من الرسائل تتضمن ملاحظات ومقترحات القراء، منها ملاحظات حول لغة الجريدة يشتكي فيها أصحابها من تعقيد أسلوب المقالات خاصة بالنسبة للعمال في فرنسا. وقد ورد في إحداها: «.. إن لغة الجريدة صعبة في تركيباتها الشيء الذي قد يؤدي الى فهم ناقص أو مغلوط وهاكم مثلا على ذلك: «البوليزاريو الابن اللاشرعي…». إن هذه الكلمة الأخيرة «اللاشرعي»، من مجموع 20 فهمها فقط 9 عمال. فلم لا تعوضوها بـ«حرامي» مثلا..!

من هيئة تحرير إلى أخرى..

بالاضافة الى 23 مارس بالعربية، ستصدر المنظمة عدة أعداد باللغة الفرنسية موجهة للجمهور الفرنسي اشتملت على ترجمة لأهم الأدبيات وعلى مقالات عن القمع والمحاكمات والنضالات والأوضاع في المغرب بصفة عامة. طاقم النسخة الفرنسية لم يكن قارا ولكنه كان يعتمد عموما على طاقم رافق التجربة الى نهايتها يتكون من: رشيد سكيرج دائما في الاخراج والتوثيق والكتابة أحيانا، عيسى الورديغي، عبد اللطيف بوعسرية، ادريس اليعقوبي، المرحوم ادريس المنصوري وبوشعيب حداج الذي كان يقوم بنفس دور بنسعيد في النسخة العربية: رقن المقالات على الآلة الكاتبة إضافة الى الترجمة والتحرير. فبوشعيب يمكن أن يلقب بـ«الدكاترة» بسبب مساعدته في تصحيح وتحرير وتشذيب أطروحات عدد كبير من المشارقة الذين لولاه لما أصبحوا دكاترة من السوربون وفانسان..

يجب التذ كير كذلك بالمساهمة التنظيرية المتميزة، في النسخة الفرنسية، لصديق المنظمة الفرنسي من أصل تونسي پول شملا. وعلى مستوى اللوجيستيك والتزويد بما تحتاجه الجريدة من مواد ودعم مادي يجب التنويه على الخصوص بدور رفيقين ساهما بنصيب وافر في هذا المضمار هما عز الدين التاجموعتي الذي عرف بنشاطه الجماهيري في القطاع الطلابي ومثل المنظمة في المكتب الفدرالي مع محمد الصالحي وآخرين،  وفاروق الشاوني الذي كان وضعه الاعتباري مختلفا وكان يساهم شهريا باشتراك تشجيعي استمر في تقديمه حتى وهو يتنقل بين أسرته بباريس وعمله بالهند.  أما مدير الجريدة Albert-Paul Lentin فكان تطوعه لوجه التضامن النضالي ووفاء لعلاقات الصداقة التي جمعته قبل ذلك مع أقطاب الحركة الوطنية المغربية في معمعان نضال القارات الثلاث.

بمثل هذا الدعم وما شابهه وبالاشتراكات التشجيعية وغير التشجيعية وبالمبيعات النضالية وعن طريق شركة التوزيع NMPP، وما أشير إليه آنفا من تكفل رفاق عمال بكراء مقر الجريدة، كانت تمول مصاريف الجريدة من طباعة و«أجور» وغيرها. كانت كلفة طبع العدد من 23 مارس في حدود 2000 فرنك فرنسي (الفرنك يساوي درهما واحدا) وكانت تسحب ما بين 2500 و3000 نسخة.

23 مارس بصيغة المؤنث..

كان يقال قديما «وراء كل رجل عظيم امرأة». وفي المرحلة التي نحن بصددها يمكن أن نقول إنه كان تقريبا إلى جانب كل مناضل يساري، مناضلة يسارية. وهذا يصدق على عامة اليسار قديمه والجديد (الاتحاد، التقدم والاشتراكية، إلى الأمام، 23 مارس). بالنسبة لمنظمة 23 مارس، كان للمرأة حضور متميز سواء على مستوى التناول لقضية المرأة في الجريدة أو على مستوى الحضور النسائي في الساحة النضالية بجانبيه العددي والمفاهيمي من حيث العلاقة بين الرجل والمرأة، وهو ما انعكس ابتداء من الثمانينات في المغرب بذلك الزخم الذي تفجر مع 8 مارس وغيرها. ومن الوجوه النسائية  لـ 23 مارس بالخارج خلال السبعينات بباريس، أتذكر على الخصوص: فاطمة (الكلخا)، مارية السدراتي، عفيفة كديرة (كريمة والي الرباط سلا الأسبق)، السعدية السعدي، الأخوات الحفيظي (ربيعة ومليكة والعزيزة)، سامية عباد الأندلسي، خديجة مرزوق، آسية سباطة، عائشة الجندي، عائشة (زوجة ابراهيم ياسين «بائعة أنوال بباريس»)، نورا (الشهبوني)، سعاد برادة، نعيمة الهبيل (كريمة مبارك البكاي)، رجاء المجاطي، ربيعة السمهاري، إيمان بنعزوز… وما لم أتذكره وما لم أعرفه من المناضلات في سائر الخارج أكبر عددا من ذلك بكثير..

الطريق إلى الاحتراف التقني..

ذات يوم في أواخر 1977، جاءتني مليكة الحفيظي، والابتسامة تسبقها كالمعتاد، لتخبرني عن عرض عمل منشور في Libération: مطبعة تبحث عن مرشح يجيد الرقن على الآلة الكاتبة باللغة العربية. من باب المحاولة اليائسة وتبرئة الذمة، ذهبت الى العنوان الذي سجلته لي في ورقة. بناية شبه مهجورة من طابقين لا شئ يدل على أنها مطبعة لولا بعض آلات الخردة مبعثرة هنا وهناك. بباب مكتب الادارة حيتني شابة فرنسية بحرارة وكأنها كانت تنتظر مجيئي رغم أنها لم تكن سوى مرشحة مثلي لنفس العمل باللغة الفرنسية. خضعت بدوري لاختبار معرفتي بالرقن بدا وكأنه إجراء شكلي. المطبعة لن تبدأ قبل أسابيع أو شهور. لا شئ مضمون مئة بالمئة ولكن ليس هناك رفض. ثم تأتي مرحلة التكوين التقني لأجد نفسي وأنا المعرب وذو التكوين الأدبي المحض في خضم مغامرة لست أدري كيف كنت سأتخلص من مطباتها التقنية واللغوية والاجتماعية لولا مؤازرة «الشابة الفرنسية» إياها. مغامرتي هاته ذكرتني بشارلي شبلن في فيلم Les Temps modernes.

لكن قبل ذلك سأكلف بالقيام ببعض الأعمال اليدوية تحت مسؤولية «المدير التقني» وذلك بدءا بمد خطوط الهاتف في كل البناية الشاسعة بينما تكلفت «الشابة الفرنسية» بتجريب آلات الخردة. «المدير التقني» الفرنسي مناضل ماوي قيل إنه أسس حزبا le Travailleur بقي العضو الوحيد فيه. ذكرني ذلك بحزب «الوحدة» لمؤسسه الفريد الأستاذ المكي الناصري مع وجود الفارق طبعا. الشابة الفرنسية تنتمي إلى منظمة ماوية أكثر جدية Drapeau rouge مناضلوها جميعهم من مقاطعة La Bretagne كانوا يركزون على العمال المهاجرين وقد سبق واستقطبوا الرفيق حمو بوزيان عندما كان يعمل في قطاع البناء هناك قبل أن نسترده منهم. كانوا يتوفرون على مطبعة في Rennes طبعنا عندهم بعض أدبياتنا بثمن رمزي. كما قدموا لنا بعض المساعدات «اللوجستيكية».

فينيقيو القرن العشرين: دور النشر بدل «الكونتوارات»..

أصحاب المطبعة لبنانيون قريبون من منظمة العمل الشيوعي في لبنان. أحد مسؤوليها كنا قد اجتمعنا به قبل بضع سنوات في إطار العلاقات الخارجية. أتذكر أنه قال لنا يومها لما سألناه عن وضع المنظمة: «هيه، المنظمة صارت الآن حزبا..!». ستصير تلك المطبعة، واسمها «النحلة» Abeille، «بؤرة ثورية» تعج باليساريين من كل لون وفن؛ من فرنسيين وعرب، وأمميين، ماويين، تروتسكيين، شيوعيين، قوميين… ونقطة التقاء أخرى بباريس لعدد من الناشطين التقدميين العرب؛ صحافيين وأدباء وسياسيين ولاجئين من مشرق الوطن العربي ومغربه. اتخذ بها الصحافي اللبناني الراحل جوزيف سماحة مكتبا له يكتب فيه مقالاته الى جريدة السفير، وهنا سيقدم لي المرحوم محمد باهي صديقه الحميم الروائي الكبير عبد الرحمن منيف قائلا: أنا وإياه نمثل هنا العرب البدو؛ هو يمثل بدو المشرق وأنا بدو المغرب.. وكان منيف يحل لأول مرة بباريس لاستنشاق نسيم الحرية فرارا من رائحة البترول وجاهلية «شرق المتوسط». عرفنا الباهي أيضا على المعارضة والصحافية السورية حميدة نعنع وغيرها من الصحافيين الذي كانت تعج بهم الساحة الفرنسية في ذلك الوقت. هنا بدأ هشام جعيط إصدار مجلته الفكرية «الباحث»، هنا أيضا سيحط «اليسار العربي» الرحال؛ مجلة التقدميين المصريين الرائدة تشرف عليها قمم من مستوى ميشيل كامل، أديب ديميتري، أمير اسكندر (قبل أن يسقط من عليائه و«يتفرغ» بالكامل لتلميع صورة صدام حسين)، وفنان الكاريكاتور الشهير جورج بهجوري.

كنا نقوم بالانجاز التقني لليسار العربي. وبقدر ما كنا لا نجد صعوبة مع خط ميشيل كامل الشرقي الجميل، كان خط أديب ديميتري لا يكاد يقرأ. فطن إلى معاناتنا مع خطه، وكان على كبر سنه شديد المرح، عكس ميشيل كامل، فكان يقول لنا تهوينا من موضوع رداءة الخط هذه: «لي بنت خطها أنيل من خط أبوها».. و«أنيل» صيغة أفعل التفضيل من nul. لم يكن ميشيل كامل معروفا كثيرا لدينا في المغرب لكن أديب ديميتري كان مألوفا لدينا من خلال مجلتي الكاتب والطليعة وخاصة مقالاته الرائدة عن مسألة التعليم في الوطن العربي التي كانت مصدرا غنيا بالنسبة الينا خلال النضال من أجل التصحيح النقابي نهاية الستينات وأوائل السبعينات، كما يتذكر مصطفى مسداد ولا شك.

كانت الفترة الذهبية بامتياز للصحافة العربية المهاجرة بشقيها اليساري المناضل واليميني المتياسر المتمثل في صحافة البترودولار التي كان العراق سباقا الى إطلاقها من أوربا متمثلة في «الوطن العربي» ونسختها الباهتة «كل العرب» والتي كانت الحدود فيها تضيق بين الصحافة والارتزاق والعمل المخابراتي قبل أن يطلق الشق الآخر من البترودولار صحافته اليمينية الرصينة المعتدلة والاحترافية متمثلة في «الشرق الأوسط» وما اليها. ولم يفت الفلسطينيين أن يدلو بدلوهم في الميدان فكانت «اليوم السابع» المتميزة التي أوكل ياسر عرفات مهمة الاشراف عليها الى بلال الحسن وكان الباهي أحد محرريها الأساسيين وتكلف رشيد سكيرج فيها بالتسيير الاداري. ومن تقاعده المتواضع بعمله في اليوم السابع وفي وكالة الأنباء العراقية يعيش حاليا الشقيق الأكبر للبشير سكيرج حياة الكفاف والمعاناة من العزلة وتدهور الأحوال الصحية. 

ثم جاء دور 23 مارس التي حولنا وجهتها من مطبعة فرنسية بمدينة Rouen إلى مطبعة Abeille بعد أن توطدت قدمي بها وحصلت من اللبنانيين على صيغة نصفها تجاري ونصفها نضالي لطباعة الجريدة عندهم بسعر لا يضاهى. تتكلف المطبعة بالتوضيب والسحب وأقوم أنا بالتصفيف خارج أوقات العمل ويقوم رفاق المنظمة بالتطوع لعمليات ما بعد السحب؛ فكنت ترى الرفاق؛ دكاترة الغد وأطر المغرب الذين اغتنت بهم الجامعة المغربية ومرافق الدولة الأخرى، يأتون خفافا من كل حي جامعي قريب أو بعيد الى المطبعة مساء بعد خروج العمال للقيام بعمليات التجميع Encartage والطي.. لتتشكل بعد ذلك من «شَعْب 23 مارس» فرق البيع النضالي في الأسواق ومداخل الأحياء الجامعية والنقاش والجدال والاقناع والاستقطاب لمنظمة 23 وإديولوجينها الثورية والتي لم يكن رئيس دبلوماسيتنا صلاح الدين مزوار أول ولا آخر من يقع تحت سحرها وحق له أن يفتخر بذلك كما فعل ذات حوار تلفزيوني. ثم كانت الجريدة تعرف طريقها إلى المغرب عبر وسائل مختلفة بعضها معروف وبعضها غير معروف، وهو الذي كانت تصل فيه 23 مارس إلى المغرب في حقائب عبر مطار الدار البيضاء أو مراكش… في نطاق أسفار «سياحية» مرتبة لـ«حمالة حقائب» على غرار شبكة Francis Jeanson المشهورة خلال حرب الجزائر، وإن بشكل مصغر جدا جدا ومقتصر فقط على الجرائد والوثائق.. وتدبير ذلك تحتفظ به، من غير شك، ذاكرة وأرشيفات مؤرخنا، المستشار العام لمجلة زمان.

«حاجة حلوة كدة»..

لم أكن قد «تراميت» بعد على عملية التوضيب والاخراج رغم ملازمتي لرشيد سكيرج ومساعدته في بعض العمليات الصغيرة مثل إلصاق التصحيحات وما شابه. وبنقل الجريدة الى المطبعة استراح رشيد هو الآخر بعد بنسعيد وقد أصبح وقتها يشتغل مع الباهي في وكالة الأنباء العراقية. في المطبعة أوكلت عملية التوضيب الى مخرجين محترفين فرنسيين أو لبنانيين وتصادف أن كان بينهم مغربي تخرج من مدرسة عليا للغرافيزم بباريس وأسس فيما بعد شركة للاشهار والتواصل كانت مشهورة في وقت من الأوقات بالرباط، وأحيانا إلى مبتدئين حسب الظروف. وفي إحدى المرات تكلف بالمهمة شاب مصري جاء لاجئا وفي نفس الوقت يتدرب على الاخراج لسد الرمق. كنا – العربي مفضال وأنا – نشرف على العملية ونحدد للفنان الشاب مواد كل صفحة.

تركناه مع الجريدة وخرجنا لنتغدى فلما رجعنا وجدناه قد انتهى من عملية التوضيب ثم أرانا مزهوا تفننه في إخراج الصفحة الأولى؛ حيث عمد – نظرا لقصر الافتتاحية – إلى فصل فقراتها بتشكيلة من الزهور جادت بها قريحته، فرأيت العربي وقد قطب حاجبيه مستنكرا وقلت لفناننا: ماهذا؟ قال: «يعني حاجة حلوة كده». رجوته أن يعيد تركيب الصفحة بعد أن «يشيل الحاجات الحلوة» لأن هذه جريدة جدية وصفحتها الأولى بالخصوص جدية جدا جدا.. مرة أخرى مع مخرج فرنسي محترف كان يشتغل رسميا بجريدة Libération ويعطي «يد الله» في المطبعة. تم توضيب كل الجريدة باستثناء الصفحة الأخيرة المخصصة لمقالي الذي كان – كالمعتاد – آخر ما ينجز. جاء المقال (حول الذكرى الثامنة لتأسيس المنظمة) طويلا جدا لا تسعة الصفحة الوحيدة المتبقية. ورطة حقيقية خلصني منها المخرج المحترف بتصغير المقال في المختبر بعد توضيبه على حدة ثم وضعه بشكل مائل في الصفحة فجاء وكأنه إخراج فني مقصود..

«الفنان» محمد الصالحي..

كان محمد الصالحي (رئيس الشعبة الاسبانية ثم الصينية حاليا بكلية الآداب بالرباط) عضوا نشيطا في القطاع الطلابي إلى جانب رفاق آخرين (ملوك عبد الرحيم، امحمد أوراغ، مبارك حنون، عبد المنعم قلال، عبد الوهاب الصافي، عفيفة كديرة، سامية عباد الأندلسي، آسية سباطة، مليكة حفيظي، السعدية السعدي، عبد اللطيف «المسمار»، عائشة الجندي، المهدي العمراني.. وعشرات غيرهم)، وانتخب عضوا في المكتب الفدرالي للاتحاد الوطني لطلبة المغرب ولهذا كان الرفاق يسمونه محمد الـBF تمييزا له عن محمد Clermont (الاسماعيلي)، لكني لم أكن أعرف أنه كان فنانا أيضا. وسأكتشف «المواهب الفنية» للصالحي عندما أراد الرفاق إنجاز ملصق عن الحريات الديمقراطية في المغرب وكنت قد طلبت من الفنان العراقي «خالد» المتخصص في تصميم الأغلفة والملصقات في المطبعة مساعدتي في ذلك، فإذا بالصالحي ينبري للمهمة ويأتي بمقترح جاهز في الموضوع يجسد كل ذلك في: الخريطة والقضبان والحمامة والشعلة.. فجاء الملصق ناجحا وجرى تعميمه في كل المحافل وقتها..

مطبعة اللبنانيين كان من المفروض أن تستمر وأن تتطور خاصة بعد أن انضم إليها شركاء مغاربة ضخوا فيها أموالا جديدة. لكن العكس هو الذي حصل إذ أعلنت إفلاسها بعد ذلك بقليل لتقوم على أنقاضها دور نشر Sycomore و Papyrus.. وقد سُمع أحد اللبنانيين يقول يوما ما ترجمته الحرفية: «المغاربة.. ريّشناهم».. وكما يقول المثل: «فلوس اللبن ياكلهم زعطوط».

نهاية المطاف..

أصبحت في «الشوماج» بعد إفلاس المطبعة وراكمت «السطاجات» في مجال التصوير الضوئي والاخراج بلا اقتناع فعاودني الحنين لاستئناف الدراسة للاقتراب أكثر من «وهج المعاني» بتشجيع مشكور من بعض الرفاق الجامعيين. بل منهم من ساعدني في اختيار الموضوع وأهداني كتاب «الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل» لاميل حبيبي لاقتراحه على الأساذ. وذات يوم أخذ سعيد بنگراد بتلابيبي مدعوما بعبد الرفيق وأخذني إلي السوربون وقذف بي الى مكتب رئيس الشعبة بعد أن تجشم أخذ موعد لي معه. وجدتني في حضرة محمد أركون الذي نظر الى وهو يتفحص عمر شهادة الليسانس قائلا: وماذا فعلت منذ 1967؟ وبعد أن تفهم تبريراتي اقترح علي أن أتسجل كمستمع لمدة سنة أو سنتين على الأقل حتى أسترجع كل ما فات وبعدها لكل حادث حديث.. وكانت قد دقت ساعة الرجوع الى الوطن بعد عفو غشت 1980.

ترجم ذلك بدخول احتفالي رمزي يوم 8 مارس 1981، للعائدين: محمد بنسعيد، رشيد سكيرج، مصطفى مسداد، محمد حبيب طالب، محمد المريني والعربي مفضال.. وبعودة باقي المنفيين تباعا. وعدت أنا مع محمد السمهاري ومختار قدوري والمرحوم محمد صلاح الدين في صيف 1981 كنت وحدي من بينهم قد أبقيت على خط الرجعة بحيث اشتريت تذكرتي ذهاب وإياب. بالنسبة للسمهاري كان المنفى صفحة طويت غير مأسوف عليها.. أودعني بعض «تحفه» ومن جملتها جواز سفره المزور ومضى لا يلوي على شيء. ولم يكن مختار قدوري، عضو اللجنة الوطنية قبل قمع 1974 وإطار المنظمة الأبرز في قضايا الهجرة عامة وجاليتنا بمنطقة Saint-Denis على الخصوص، ينوى البقاء بديار الغربة وإلا ما عجل بإحراق مراكبه الفرنسية بأن أعاد وثائق اللجوء إلى مصالح الـ 0FPRA وفرق أمتعة بيته على الأصدقاء والصديقات؛ كان أثمنها من نصيبي: خزانته الموسيقية؛ مجموعة من الأسطوانات vinyle ما تزال عندي إلى اليوم شاهدة على بذاخـة قيم الزمـن «الذي كان».

لكن طـمـوح قـدوري في توظـيـف مؤهلاته في بلده سيرتطم بجدار العقلية البيروقراطية وأخواتها، ليعود إلى مرابعـه البـاريسيـة حيث سـتنفتح أمـامـه أبـواب العـلم والعـمل؛ وهـو اليـوم خـبـير في مـيـدان الـتـكـوين والهـجرة والعـمـل النـقـابي وحـائز على شهادات جامعية عليا.. بالنسبة لي، كانت الفكرة «المنطـقيـة والمعقولـة» تقـول بأن دخـولي النهـائي إلى المغرب يحتاج إلى بعض الترتيب سيما في الجانب المـادي؛ إذ لا يعـقـل، بعد هذا الغياب الطويل، أن أعـود «خـاوي الوفـاض بادي الإنفاض».. وكـانت قـد لاحت بـوادر تحـسـن عـلى مسـتـوى الشـغـل؛ أتـاحـه مـســلـسل مـن الـدورات التـكـويـنيـة ودبلوم مـن مـؤسسـة محترمـة: INIAG – Institut National des Industries des Arts Graphiques ..

وهنا سيدخل على الخط اثنان ممن كان عليهم مدار الأمور عندنا في السياسة والصحافة والعلاقات إبان الثمانينات من القرن الماضي هما عبد اللطيف عواد وطالع السعود الأطلسي؛ خف عواد إلى باريس حيث قضى الليل ببيتي في rue des prairies ميترو Gambetta، ولم يغادر صباحا إلا وفي «جيبه» وعد مني بوضع حد لكل مشاريعي الباريسية والالتحاق بأنوال بصيغة قريبة في إلحاحها من المعنى المتضمن في ذلك الأمر التاريخي المشهور: «يدك في الكتاب ورجلك في الركاب»؛ وموهبة عواد «الاقناعية» لا تضاهي كما هو معروف.. فمعه يصبح المغرب غير المغرب وقد تختفي حتى نتوءاته وتضاريسه من الخريطة.. ويشتهي المرء أن يطير إليه على بساط الريح. أما الأطلسي، حتى ولو لم تكن قد قابلتَه من قبل، فإنه يجعلك، وأنت في قَرّ باريس، وبعدما تكون قد تدثرت بـ«مداده الدافئ»، كأنك تشرب معه القهوة كل صباح في «صاكار» قبل الصعود معه إلى أنوال لاستكمال الدردشة حول شجون المرحلة وجدول أعمال الجريدة .. وكل ذلك عبر الهاتف طبعا.. فقد كنا حتى ذلك الوقت نعرف بعضنا بالسماع فقط.. وقديما قال بشار الشاعر: «… والأذن تعشق قبل العين أحيانا».

جاء إذن نداء أنوال وما أدراك ما أنوال.. وتلك حكاية أخرى كما قال الحبيب طالب. 

         (*) عن موقع ” لكم
   نشرت على 3 حلقات ماي 2016