من بين الأخطار الحقيقية، التي تواجه اليوم مستقبل مهنة الصحافة، الوضع القاتم الذي يهدد الصحافة الورقية، أمام التطور الهائل الذي يعرفه باستمرار التواصل الرقمي، والذي يشد إنتباه وإهتمام المواطنين، وخاصة الشباب، حيث يتميز بسرعة الإنتشار وبمجانيته، وبتنوع وتعدد منابره.

ظاهرة إغلاق أو تقليص سحب الصحف الورقية، عرفتها بلدان أخرى، مثل أمريكا وبريطانيا وأستراليا، وعدد آخر من البلدان الأوروبية، التي لجأت إلى إعادة هيكلة شاملة، تخلت فيها عن جزء من الصحافيين والعاملين، كما نقلت البعض منهم من الورقي إلى الرقمي.
وقامت عدد من الصحف الكبرى، بإستثمارات في المجال الرقمي، مستفيدة من خبرتها ومن الكفاءات واللوجيستيك التي تتوفر عليها، وجعلت الوصول إلى منتوجها، مؤدى عنه بواسطة الإشتراكات، مما خفف كثيرا من وقع الأزمة.

غير أن هذا النموذج المهني والإقتصادي، لا يمكن نقله بسهولة إلي بعض البلدان مثل المغرب، بل إن الصحافة الرقمية نفسها، تعيش تحت وقع التهديد، لأن أغلبيتها الساحقة مجانية، وتراهن على الإعلانات، غير أن عددا كبيرا من الشركات العمومية والخاصة، أخذت تلجأ مباشرة إلى الدعاية لمنتوجاتها، في المحركات والوسائط العالمية الكبرى، مثل «كوكل» و»فايسبوك»… دون المرور عبر الصحافة الرقمية.

لذلك يمكن القول إن الخطر أصبح يهدد الصحافة الورقية والرقمية، و أيضا الإعلام السمعي البصري، الذي يمول جزءا هاما من مصاريفه من خلال الإعلانات.

هذه الأزمة كانت تلوح في الأفق، منذ سنوات، وسبق أن نبهت لها الهيآت المهنية، غير أن السلطات العمومية، لم تنهج أية إستراتيجية، لحماية مهنة الصحافة، من هذا الخطر المحدق بها. لأن إنهيار الوسائط التقليدية، من صحافة مكتوبة وكذلك وسائل سمعية بصرية، متنوعة ومختلفة، يعني إنهيار المهنة، والقضاء على التعددية الإعلامية، الضرورية في أية ديمقراطية.

ومن المعلوم، أن الحكومة، بالإضافة إلى وزارة الإتصال، تتوفر على وزارة إسمها الصناعة والتجارة الإقتصاد الرقمي، يتولاها وزير إسمه حفيظ العلمي، لم يجعل من بين إهتماماته معالجة وضع الصحافة والإعلام، في ضوء التطورات التكنولوجية، رغم أن هذا الدور هو من صميم عمله، ربما لأنه منشغل في مشاريع أخرى، منها ما يهمه هو شخصيا.

المسؤولية الشاملة، تتحملها الحكومة، لأن حكومات في بلدان ديمقراطية متقدمة، تدخلت بعدة وسائل تمويلية وقانونية وتنظيمية، لحماية مهنة الصحافة، اي لحماية التعدد والتنوع والإختلاف والجودة والحق في الخبر الموضوعي والتعليق النزيه، أي الديمقراطية.

*بالفصيح

       الاربعاء 4 ماي 2016