من بين الموضوعات التي من اللازم مناقشتها، في المشهد المغربي، بكل جرأة وشجاعة، ما يتعلق بالتدخل الأمريكي في الحياة السياسية الداخلية للبلدان العربية، ومنها بلادنا، إنطلاقا من المعطيات الواضحة للعيان، والتي لم تبق أمرا سِرِيًا، بعد أن كشفت عنها تقارير وتحقيقات، مما إضطر المسؤولين الأمريكيين أنفسهم، إلى الإعتراف بجزء من هذه الحقيقية.
إنطلق المشروع الأمريكي من ضرورة تغيير خارطة العالم العربي، لإضعاف بلدانه، وتمزيقها ورزع بذور الفتنة الأهلية والطائفية والعرقية، والقضاء على عدد من الأنظمة فيها، دون وجود بدائل من أجل بناء دولة ديمقراطية موحدة… لخدمة مصالح هذا البلد، على عدة مستويات، مترابطة ومتداخلة.
المستوى الأول، هو السيطرة على الثروات والمنافع، من خلال بسط الهيمنة الأمريكية، على المنطقة، في مواجهة كل القوى الأخرى، مثل روسيا والصين والإتحاد الأوروبي…
المستوى الثاني، هو حماية إسرائيل، وذلك بالقضاء على كل مقومات بناء الدولة العربية الحديثة، من أجل الحفاظ على التوازن الإستراتيجي، المختل لصالح الكيان الصهيوني.
المستوى الثالث، هو عرقلة أي تطور ديمقراطي، حقيقي، في هذه البلدان، التي تشهد تطورات ديمغرافية كبيرة، وتحولات سوسيولوجية عميقة، تدفع بعشرات الآلاف من الشباب المتعلم إلى سوق الشغل، وإلى المشاركة الفعلية في الحياة الإجتماعية والسياسية والثقافية، مما يعني تطور المطالب الديمقراطية.
أمريكا، تعلم أن الحتمية السوسيولوجية، لا مناص منها، وأنها تسير بإصرار نحو تطور هذه المطالب، كما حصل في كل بلدان العالم، بما يترتب عن كل ذلك من تحرر من القوى الإمبريالية والهيمنة الإستعمارية، لذلك لجأت إلى حلفاءها التقليديين، أي التيارات الأصولية، التي كانت باستمرار على صلة بدوائر الإدارة والأجهزة الأمريكية والبريطانية.
و قد مارست أمريكا وحلفاؤها ضغوطا قوية، بمختلف الوسائل، السياسية والديبلوماسية و»الحقوقية» والإعلامية، على العديد من البلدان العربية، من أجل فرض البديل الأصولي، لإجهاض مسيرة الديمقراطية والحداثة، مُدَعِمَةً القوى السياسية/ الإيديولوجية، المتواجدة في هذه البلدان.
ولم يَسْلَمِ المغرب، من هذه الضغوط، التي تتواصل، ليس فقط من أجل تعزيز هذا التوجه، بل من أجل خلق كل شروط إستمرار مبررات التدخل والإبتزاز، خدمة للمشروع الأمريكي، الذي لا يقتصر على المغرب، فقط، بل يمتد إلى كل العالم العربي، بمختلف الأشكال وتَنَوُعِ التاكتيكات.

*بالفصيح

    نشرت يوم 6 ماي 2016