يواجه الاقتصاد والمجتمع المغربيان تحدِّيات كبيرة يصعب الاستهانة بها، إذ يتطلب الأمر مواجهتها بكل جدِّية بدل تجميل الواقع بغية زرع الاطمئنان الكاذب في نفوس المواطنين. إذا كانت الحكومات السابقة قد عجزت عن إخراج بلدنا من أزمته، فالحكومة الحالية، جراء عدم توفرها على أية رؤية خاصة بها، انخرطت في التطبيق الحرفي لسياسات البنك الدولي الليبرالية المتوحشة، ما جعلها تتخذ قرارات اجتماعية مجحفة اجتماعيا وتقود وطننا ومجتمعنا بوتيرة سريعة نحو الكارثة… وقد تمادت في ذلك، فأصبحت مستعدة لتدمير الوطن والمجتمع لمجرد استمرارها، مما أسقطها في تناقض صارخ مع ما كانت تدَّعيه قبل تعيينها، وتناقض جذري مع قِيَّمِ الشفافية والصدق والنزاهة…

لقد كانت الحكومات السابقة تسعى إلى تقليص المديونية الخارجية للمغرب، غير أن الحكومة الحالية تسير بخطى حثيثة نحو إغراق بلدنا بالمزيد من الاقتراض من المؤسسات المالية الدولية التي تفرض عليها سياسات اقتصادية ومالية مقابل الحصول على القروض، ما يعني أن هذه الحكومة لا تنفذ هذه السياسات طواعية.

يأتي في مقدمة إملاءات المؤسسات المالية إلغاء تدخل الدولة في تحديد أسعار السلع والخدمات وتركها لآليات السوق، ما ينجم عنه ارتفاع رهيب في الأسعار. وهذا ما حدث في المغرب بعد ضرب الحكومة الحالية لصندوق المقاصة… كما تشترط هذه المؤسسات على الحكومة تجميد المرتبات والمعاشات، حيث يكون رفع الأجور أقل من الزيادة الحقيقية في الأسعار. إضافة إلى ذلك، تُلزم المؤسسات المالية الدولية الحكومة بتوسيع خصخصة مؤسسات القطاع العام، فيترتب عن ذلك تسريح أعداد غفيرة من العاملين بها لأن القطاع الخاص الأجنبي الذي يشتري هذه المنشآت يريدها تقريبا بدون عمال. وبذلك، يتم تعطيل ثروة بلادنا من المهندسين والتقنيين والمدبرين… بتحويلهم إلى عاطلين، فتتقلص دائرة الإنتاج الصناعي مع أننا في أشدِّ الحاجة إليه. وتقتضي القروض الأجنبية أيضا تحرير التجارة الخارجية لفتح باب منافسة المنتوجات الأجنبية لنظيرتها المحلية مع أن هذه أقل قدرة على المنافسة لتك. كما ينخفض سعر العملة الوطنية أمام العملات الأجنبية نتيجة ارتفاع أسعار السلع المستوردة. تبعا لذلك، تؤدي هذه السياسات إلى تزايد أعداد الفقراء، وارتفاع معدلات البطالة، لاسيما في أوساط الشباب الحامل للشهادات، واتساع الفوارق الطبقية… علاوة على ذلك، يتم تحويل الاقتصاد الوطني إلى اقتصاد خدمات بدلاً من اقتصاد إنتاجي، وتغلق العديد من المصانع جراء المنافسة الأجنبية. زِد على ذلك أن ارتفاع الأسعار يصبحُ ظاهرة مزمنة تٌلحق أضرارا جسيمة بالفئات الوسطى و الفقراء والعاطلين… لذلك، يجب إبداع سياسة تنموية تعتمد على الذات تجنبا للكوارث الناجمة عن هذه الشروط.

هكذا، يتعين الحذر من الاندفاع في سياسة الاقتراض الحكومي الخارجي، وذلك بمراعاة شروط تضمن حسن استخدامها والقدرة على الوفاء مستقبلا بما يترتب عنها من التزامات، كما يجب عدم توجيه الأموال المقترضَة لغير أغراض التنمية المباشرة. فوق ذلك، يتحتم الحرص على التناسق والانسجام بين سوق المال وسوق الصرف الأجنبي، من جهة، والأوعية الادخارية والقنوات الاستثمارية من جهة أخرى، إذ إن هذه الأسواق مرتبطة بعضها ببعض، وأيُّ سوء تدبير لإحداها يُلحق ضرراً كبيرا بالأسواق الأخرى.

تعمل الحكومة الحالية جاهدة لرفع يد الدولة من أغلب الأنشطة الاقتصادية والخضوع التام لآليات السوق، ما ينمُّ عن نوع التبسيط المُخِلِّ، إذ تفيدنا التجربة الآسيوية بأن الدولة لعبت دورا كبيرا في النهضة الاقتصادية لبلدان كوريا الجنوبية، وسنغافورة، وتايوان، والصين الشعبية، وماليزيا، وغيرها. كما يجب الوعي بأن قوى السوق بمفردها لا تصنع النهضة الاقتصادية والاجتماعية، لأن تحقيق ذلك يقتضي الجمع بين الحكامة الجيدة للدولة والسوق الناضجة. إضافة إلى ذلك، تعلِّمُنا تجارب تاريخية أن إنكار دول أوروبا الشرقية لدور الدولة وتخلِّيها عنه في توجيه الحياة الاقتصادية قد أدى إلى فوضى اقتصادية تجلَّت في نشأة “مَافْيَات” السوق، وليس اقتصاد السوق. كما أن انغلاق البنيات الاقتصادية لما يسمَّى بـ “الدول النامية” يؤدى إلى “فشل السوق”…

فوق ذلك، يفرض واقع “البلدان النامية” لزوم تدخل الدولة في المفاضلة بين الحاضر والمستقبلً؛ أي بين تضحيات الحاضر ومكاسب المستقبل، كما يتعين الموازنة بين السلع التي يعرضها القطاع العام وتلك التي يعرضها القطاع الخاص، وبين الإسراع بالنمو والحد الأقصى للاستدانة الخارجية. كما ينبغي أن تتدخل الدولة في المفاضلة بين التنمية الزراعية ومعدلات التنمية الصناعية. ونظرًا للطابع الإستراتيجي لهذه التوازنات وما تقتضيه من حَذَر ودراسة وتخطيط وتدبير، فإنه لا يمكن لـ “السوق” بمفردها أن تحقق ذلك بشكل عادل.

تكمن خطورة الأزمة التي نعيشها في أن لدينا أزمة عملة صعبة وأزمة ميزان مدفوعات وعجز كبير في الميزانية العامة للدولة، ما يشكل خطراً على الوضع الاقتصادي العام. لكن الحكومة الحالية لم تواجه تفاقم” عجز الميزانية” وتداعياته بحزم لإيجاد حلول لها. فالإجراءات التي تتخذها تُحَمِّل مسؤولية هذا العجز للمواطنين، حيث لجأت إلى توسيع الضريبة على المبيعات… وتتعامل بالمنطق نفسه مع قطاع التعليم الذي يعاني من الفشل، حيثُ لا تفعل أي شيء لإصلاحه، وتكتفي فقط بالتحايل والسعي الحثيث، مع سبق الإصرار والترصد، إلى تقليص الإنفاق على التطوير الفعلي للعملية التعليمية – التعلّمية، ما أدى إلى استفحال الإنفاق على الدروس الخصوصية بشكل لا يُطاق، إذ أصبح المواطنون ينفقون على التعليم مرتين: مرة على التعليم العمومي الشكلي الذي تم تدميره، وأخرى على الدروس الخصوصية… وينطوي ذلك على خطورة إفراز تعليمنا لـ “نخبة” محدودة عدديا تملك الثروة والمعرفة، وجيش عرمرم من أشباه المتعلمين يزاولون، في أحسن الأحوال، وظائف وأعمالا تقليدية بأجور هزيلة، ما يعوق التماسك المجتمعي,,.

علاوة على ذلك، نلاحظ اليوم أن الحكومة لا تملٌّ الحديث عن أهمية استقطاب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، دون أن تعي أن العبرة ليست في تدفق هذه الاستثمارات، وإنما في عائدها التنموي وتطويرها للاقتصاد الوطني وتحديثه، والرفع من فرص الشغل، ورفع قدرة الاقتصاد الوطني التصديرية. وعليه، لا يجبُ الجري وراء جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة بأي ثمن، وإنما حسب معايير تحقق ربحا للمستثمر الأجنبي ومنافع للاقتصاد الوطني في آن واحد.

خلاصة القول إنه إذا كانت الدولة غير قادرة على الوفاء بالتزاماتها الخارجية والداخلية إزاء المواطنين، فإنها تسير في طريق الإفلاس، إذ قد يشكِّل الدين الخارجي أساسا مصدر الإفلاس.

*الاثنين 9ماي 2016