لم يتمكَّن شباب ما سُمِّيَ بـ “الربيع العربي” من إحداث تحوُّل ديمقراطي حداثي في منطقتنا، ولا يُتٓوَقَّعُ أن يتحقق ذلك بالنظر إلى الكيفية التي مرَّت بها وقائع هذا “الربيع” وما انتهى إليه… ولعلَّ السؤال الجدير بالطرح هنا هو: لماذا لم تنجح هذه الشريحة الاجتماعية المُنتفضة في إحداث أيِّ تغيير جوهري في بلدانها على صعيدي الدولة والمجتمع ومؤسساتهما؟ يبدو لي أن الإجابة واضحة، لأن هذا الشباب لم يكن له برنامج مدروس ينير له طريق تحقيق التغيير، كما لم يكن مٌنَظَّما بما يكفي لممارسة الضغط ومواصلته لإحداث ذلك، فضلا عن أنه كان مفتقدا لأي قيادة قادرة على إدارة عملية التغيير. يُضاف إلى ذلك، أنه لم يكن مؤهلا معرفيا في مجال العلوم الإنسانية والاجتماعية ليتمكَّن من فهم أوضاع المجتمع والظروف المحيطة به إقليميا ودوليا فيستطيع، من ثمة، أن يُطٓوِّر سياسات تُمكِّنه من التعامل بفعالية مع هذه الأوضاع والظروف. ونتيجة لهذا القصور، جاءت قوى خارجية وداخلية بقوى محافظة، لم تشارك أصلا في هذا الحراك، فمكَّنتها من احتلال صدارة “الحكومة” دون أن تكون لها أية صلاحيات ولا رؤية ولا مشروع ولا برنامج، فشرعت في التطبيق الحرفي لسياسات المؤسسات المالية الدولية، وما نجم عن ذلك من كوارث اجتماعية، إذ الهمُّ الأساس لتلك القوى هو التمسك بالمقعد حتى الموت ولو على حساب الشعب والوطن… وبذلك تكون قد وضعت قانونا فوق القانون، لاسيما عندما تبنَّت نهج الليبرالية المتوحشة الذي هو أساسا ضد الإنسان وحقوقه…

تبعا لذلك،لم ينجم عمَّا سُمِّي بـ “الربيع العربي” أي تغيير، بل إنه تحوَّلَ إلى كارثة عظمى تجسدت في تراجع كبير قد يفضي بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إلى اتفاقية “سايكس بيكو” جديدة.

وإذا استمر الحال على ما هو عليه دون تمكُّن شباب هذه المنطقة من امتلاك التكوين والرؤية والمشروع والبرنامج والتنظيم، فإنَّ هذه الشريحة الاجتماعية الحيوية ستبقى على هامش المجتمع والتاريخ رغم تطلُّع أفرادها إلى التغيير وتضحياتهم من أجله، ورغم أنَّ هذا الشباب يشكل القوة الأساسية في المجتمع المؤهلة لإنجاز التحوٌّل إذا توفرت لها المقومات الآنفة. لذلك ينبغي التخطيط لجعل الشباب يمتلكها، ما يستوجب البدء بتأهيله ليحرز على ثقافة إنسانية رفيعة…

ويقتضي ذلك الشروع في خلق الشروط التي تُمَكِّن هؤلاء الشباب من القدرة على صياغة رؤية لما ينبغي أن يحدث من تغيير وشروط إنجازه، على نحو تكون فيه هذه الرؤية قابلة للتنفيذ وقادرة على تحقيق ذلك، على أساس إصلاح فعلي لنظام التعليم ومختلف المؤسسات التربوية التي يجب أن تنيط بنفسها مهمة تثقيف الشباب من خلال وضع برامج نوعية متعدِّدة تضم المعارف الإنسانية والاجتماعية المتنوعة، وتؤهل الشباب لإنتاج المعرفة والإبداع، وتنمِّي لديهم مهارات قيادة التغيير، واكتساب القدرة على ممارسة العمل الجماعي وإدارة الحوار، والتخطيط لمختلف الأنشطة، وتحديد المهام ووضع نظام الأولويات بأسلوب عقلاني…

كما يتطلب الأمر تأهيل الشباب للاندماج في المجتمع عبر تمكينه من الانضمام بكل حرية إلى التنظيمات السياسية والمجتمعية والثقافية وتجنب الزجِّ بنفسه في ممارسة العنف بكل أشكاله، ما يمكن أن يفضي إلى حركة ثقافية شبابية وطنية مُتمحورة حول قضايا الشباب المجتمعية ومشكلاتهم، وما ينبغي أن يضطلعوا به من أدوار للإسهام في حلِّها عبر أُطر وأساليب ملائمة لإنجاز ذلك. ويقتضي ذلك إنجاز دراسات حول أوضاع الشباب وثقافتهم وأساليب اشتغال ذهنيتهم للتمكن من تطوير سياسات ومشروعات وقوانين كفيلة بالتعامل مع مشاكلهم، ووضع استراتيجيات للتواصل معهم وتكوينهم في أفق أن يغيِّروا ذواتهم فكرا وممارسة وقِيَّما، ما يجعلهم قادرين على القيام بإصلاحات في كل من المجتمع والدولة…

فضلا عن ذلك، ينبغي الاهتمام بشكل خاص بالتواصل مع الشباب، وإجراء حوار حقيقي معهم حول أهمية الاندماج في العملية السياسية، وعدم الانجرار إلى العنف. فهم جزء لا يتجزأ من المجتمع و مستقبله، ما يقتضي بذل أقصى جهد ممكن لفتح باب الأمل أمامهم للمشاركة المجتمعية…

وفى ظل هذا التطور يمكن أن يكتسب الشباب قدرات تؤهلهم للانخراط في مسيرة التحديث والبناء الديمقراطي، كما أنه من الممكن أيضاً أن يقوم الشباب بأدوار بالغة الأهمية في المجتمع مثل محو الأمية الأبجدية والسياسية وتطوير مشاريع بما يساهم في رفع مستوى الوعي السياسي لدى ملايين المستضعفين الذين يدلون بأصواتهم في الانتخابات لصالح مُستَغِلِّيهم الذين لا يفكرون إلا في مصالحهم الخاصة. وهذا ما سيمكِّن الشباب من الاستمرار في تواصل مباشر مع قطاعات واسعة من المجتمع تكون قائمة على الثقة المتبادلة، ما سيجعل هذه القطاعات تدلي بأصواتها لصالح الشباب، فيكون ذلك مدخلا لتواجدهم بقوة داخل المؤسسات المنتخبة…

لذلك يجب أن توفر مؤسسات الدولة والمجتمع الشروط الملائمة لتأهيل الشباب والحوار معه، دون السعي إلى السطو على كينونتهم أفرادا وتنظيمات… فالمسألة متَّصلة بمستقبل البلاد، حيث لا يستطيع الوطن أن يطمئن إلى مستقبله، ولا أن يكون له موقع مناسب في العالم المعاصر، ما لم يُسلِّح شبابه بمعارف العصر وخبراته ومهاراته وأدواته عبر مختلف المؤسسات التربوية… وبدون ذلك، ستظل المدرسة ومختلف هذه المؤسسات تنتمي إلى عصور ما قبل العلم، ولن تُفَرِّخ إلا الانغلاق والتعصب المؤدي إلى التطرّف… وكل ما يقود نحو الأسوأ…

*الاثنين 16 ماي 2016