اعتمدت العديد من النظم السياسية في المنطقة آليات الحكم المطلق واحتكرت السلطة وانفردت بتدبير القرارات، كما تجاوزت مبدأ الفصل بين السلطات وغيبت مبدأ المحاسبة، ولذلك لم تخل الشعارات والمطالب المرفوعة في أجواء الحراك من دعوات واضحة ومباشرة لإسقاط الأنظمة التي وصفت الكثير منها بافتقارها للشرعية والمشروعية.

تحيل الشرعية إلى ذلك المجال الرمزي وما ينطوي عليه من قيم ورموز روحية، تستند إليها السلطة انطلاقاً من الثقافة السياسية السائدة والتطابق مع العواطف والأفكار العامة المنتشرة في بيئة اجتماعية محدّدة.

إنها مجموعة من العناصر الفكرية والرمزية التي يستند إليها الحكام في ترسيخ سلطتهم وإقناع المجتمع بأحقيتهم فيها وتتوخى في تدرّجها إلى دفع المجتمع إلى الإقرار بهذه السلطة باعتبارها ضرورة اجتماعية ملحة. كما تحيل أيضا إلى انسجام السّلطة أو النظام السياسي الحاكم مع الطريقة التي يفكر بها أفراد مجتمع معين.

وتقوم الشرعية على مجموعة من الأسس والمقومات، فهي تفرض وجود تشريعات وقوانين صادرة عن إرادة المواطن، ومنسجمة مع خصوصياته وثقافته، وتظل السلطة السياسية القائمة فاقدة للشرعية ما لم تحظ بقبول المواطنين ولو كانت مستندة إلى المشروعية التي تجسدها الدساتير.

وتحيل المشروعية إلى المجال الدستوري، وما يرتبط بذلك من انسجام لسلوكيات السلطات مع المقتضيات الدستورية واحترام مختلف القوانين والتشريعات خلال انتقال الحكم من شخص إلى آخر أو من هيئة سياسية إلى جهة إلى أخرى.

وهي تتصل أيضاً بسيادة حكم القانون، فمشروعية الحكم يقصد بها انسجام وتطابق سلوك السلطة مع القوانين الجاري بها العمل.. وتفرض المشروعية توافر مجموعة من الشروط، أهمها الإقرار بفصل السلطات وخضوع الدولة للقانون وتحديد اختصاصات كل سلطة بصورة واضحة..

وخلاصة القول، إن المفهومين معاً ينطويان على أهمية كبرى بالنظر لارتباطهما بالدولة المدنية الحديثة، ولدورهما في ترسيخ ممارسة سياسية ديمقراطية، قادرة على دعم الثقة داخل المجتمع، والحسم مع الاختلالات السابقة في علاقتها بالهيمنة والتحكم وغياب المسؤولية.

إن ترسيخ الشرعية والمشروعية لا يمكن أن يتأتى إلا عبر مداخل وتدابير شمولية، من قبيل إعمال إصلاحات اقتصادية تسمح بتجاوز المعضلات الاجتماعية المطروحة، وتنظيم انتخابات حرة تدعم التداول السلمي للسلطة وتجدّد النخب وإقرار دستور ديمقراطي وبناء مجتمع مدني مستقل وقوي.

إن الحسم مع الاستبداد وطي صفحات قاتمة من تاريخ الشعوب يفرض بداية اعتماد إصلاحات دستورية جذرية أو إقرار دستور جديد يضع مجموعة من الضمانات، في علاقة ذلك بترسيخ دولة المؤسسات في إطار من الشرعية، وفصل السلطات، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وبناء تعاقد جديد بين المواطن والدولة في إطار احترام الحقوق والحريات.

إذا كانت أجواء الحراك قد أعادت الأمل إلى شعوب المنطقة نحو تجاوز الإكراهات القائمة، وتعزيز الحقوق والحريات وبناء دولة مدنية حاضنة لجميع المكونات، وتحقيق التنمية في مختلف تجلياتها، بما يدعم ترسيخ الشرعية والمشروعية، فإن هناك مجموعة من الصعوبات والتحديات التي واجهت دول الحراك، وهي تختلف من دولة إلى أخرى.. حالت دون تحقيق مجمل المطالب والأهداف التي يتوق إليها المواطن.

ولعل من الأسباب الأساسية التي عمقت الجراح وحرفت الحراك عن مساره في بناء دول ديمقراطية حاضنة لكل مكونات المجتمع، هو ذلك التضارب الحاصل بين الشرعيات والمشروعيات بين مختلف التيارات والنخب السياسية..

ففي الوقت الذي تمسكت فيه النخب الحاكمة التقليدية بالمشروعية الدستورية وما تحيل إليه من انتخابات تشريعية ورئاسية ومؤسسات قائمة، رفعت النخب المعارضة مطلب الشرعية الشعبية وما تحيل إليه من رغبة الشعوب في تغيير أوضاعها السياسية والاقتصادية وإسقاط الأنظمة الشمولية.

تشير الكثير من الدراسات إلى أن الحراك لم يحقق مراميه لغياب زعامات لها من الكاريزما والشرعية ما يسمح لها بتوجيه الأحداث والتأثير في الجماهير، ففي جنوب إفريقيا التي اكتملت فيها حلقة التحول الديمقراطي، كان للزعيم التاريخي نلسون مانديلا الذي خرج من السجن في بداية التسعينات من القرن الماضي برصيد وازن من الشرعية على مستوى التأثير في الجماهير وقيادة مفاوضات ناجحة لإنهاء الفصل العنصري قبل تولي منصب الرئاسة في جنوب إفريقيا الذي منحه مشروعية عززت من مبادراته وسياساته الداعمة لاستقرار وتطور البلاد.

(المصدر: الخليج 2016-05-06)