عرضت أزمة الخطاب الديني المعاصر في مقالتين سابقتين (نحو خطاب ديني جديد – 24 آذار مارس 2016، والخطاب الديني السياسي المعاصر: حداثة معطلة للحرية والإصلاح، 30 آذار مارس 2016) وأحاول في هذه المقالة، تقديم أفكار وتصورات لخطاب ديني يستمد ضرورته من أزمة الخطاب الديني المعاصر ومن التحولات الاقتصادية والاجتماعية المصاحبة لاقتصاد المعرفة، وكما تشكل الخطاب الديني المعاصر مصاحبا للحداثة المصاحبة للتحولات “الصناعية”، والتي بدأت في مصر في أوائل القرن التاسع عشر، ثم في الدولة العثمانية وفي تونس في منتصف القرن التاسع عشر، .. وهي مرحلة نشأت فيها الدولة الحديثة، ولذلك يمكن وصف الخطاب الديني الذي تشكل في ظلها بالخطاب الديني الدولتي، ويمكن أيضا وصف الخطاب الديني القادم أو الآخذ بالتشكل بالخطاب الديني المعرفي نسبة إلى اقتصاد المعرفة وتحولاته.

لقد تطور الخطاب الديني السائد في أواخر ستينيات القرن الماضي بتأثير حالات محيطة بالدول والمجتمعات، مثل التحديات التي واجهت الدولة الحديثة وروايتها للتنمية والهوية، وحالة عدم اليقين التي سادت في العالم مصاحبة صعود «المعلوماتية»، والتي سميت لاحقاً عصر المعرفة.

كانت العودة إلى الدين حالة اجتماعية عالمية تستجيب لحالة القلق والشعور بالضياع والمراجعة للمجتمعات والثقافة الصناعية، ووجدت فيها أنظمة سياسية فرصة لإعادة بناء شرعيتها وتعزيز هيمنة النخب واستمرارها، ومن ثم لا يمكن عزل الظاهرة الدينية بكل تجلياتها وتطبيقاتها عن التحولات المصاحبة نهايةَ الصناعة والانتقال إلى اقتصاد المعرفة ومجتمعاتها ومواردها وعلاقاتها التي تشكلت أو في طور التشكل، ومنها على سبيل المثل الانتقال من الهرمية إلى الشبكية، وتغير دور الدولة ومشاركة الأسواق والمجتمعات والمدن في السياسة والتنظيم الاجتماعي، وصعود الفردية… ويبدو مؤكداً في عصر النهايات هذا أن تنتهي الظواهر والحالات الاجتماعية والثقافية القائمة. وبطبيعة الحال، يمكن الحديث اليوم عن خطاب ديني شبكي يشارك جميع الناس في صوغه وفي التأثير فيه ونهاية الخطاب الهرمي الذي تحتكره مؤسسة أو سلطة، وعن مشاركة الأسواق والمجتمعات في تنظيم الشأن الديني مع السلطة السياسية، وفي صعود الفرد وفرصه الهائلة في الشبكية وفي الأعمال والموارد والقدرات والعلاقات يكون الخطاب الديني موجهاً أساساً إلى الفرد وملاحظة تطلعاته واحتياجاته وأسئلته الجديدة…

سينتهي بالتأكيد الخطاب الديني الذي تقوم عليه الدولة وتنشئ لأجله الوزارات والكليات والمناهج التعليمية والسلطات والقوانين؛ ففي انسحاب الدولة من إدارة وتوفير الخدمات والسلع وامتلاك المؤسسات العامة ستنسحب من الدين أيضاً وتتركه للأفراد والمجتمعات، ولم يعد ممكناً ولا متقبلاً أن تخصخص الدولة الكهرباء والاتصالات والتعليم والصحة والتموين… وفي الوقت نفسه، تواصل تأميم الدين!

تشكل الخطاب الديني السائد في بنيته واستراتيجياته على مجموعة من المبادئ والأفكار؛ هي باختصار:  شرعية الحاكم الدينية إضافة إلى أو بدلا من القانونية والسياسية، وإضفاء الطابع الإسلامي على كل شؤون الحياة ومنظوماتها، والتعليم الديني المؤسسي الرسمي بدلا من المجتمعي، وإنهاء المؤسسات الدينية العلمية المجتمعية (المذاهب الفقهية) والروحية، وإسناد الدور الديني إلى الدولة بدلا من المجتمع، وتقديس التاريخ والتراث، والدمج بين الديني والإنساني، وأسلمة الحكم والسياسة والأنظمة والمؤسسات الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية.

وفي ذلك، فإن الخطاب الديني الجديد يفترض أن يتشكل مستوعبا التحولات المعرفية ومحاولا الخروج من أزمة الخطاب الديني القائم، ومن هذه المبادئ والأفكار التي تصوغ الخطاب القادم:

خطاب عالمي وإنساني ينبذ الكراهية ويؤصل للعلاقة مع المجتمع والدولة والعالم على أساس من التعاون والتقبل المتبادل لجميع الناس والأمم والحضارات والأفكار، ويحترم التعددية والتنوع، ويرفض التعصب، ويعلي من شأن العقل والفلسفة والمنطق والمناهج العلمية والفكر  الناقد والإبداع.

من الأسلمة إلى التدين: إعادة صياغة مسألة الدين والدولة بتقديم وصياغة الأنظمة السياسية والاقتصادية والإدارية في المناهج التعليمية وفي التطبيق العملي، باعتبارها منظومات إنسانية قابلة للاجتهاد والاقتباس والمراجعة والتطوير، ويمكن أن يكون الدين من مراجعها القيمية والروحية، ولكنها تظل منظومات علمية وإنسانية غير مقدسة وغير ملزمة للدولة والمجتمعات.

ولا بد في هذا السياق من إعادة النظر في جميع المؤسسات والتطبيقات (الإسلامية) مثل البنوك والمدارس والكليات والفنون والآداب واللباس والطعام والسلوك الاجتماعي وأسلوب الحياة لأجل تحويلها إلى منظومات إنسانية غير مقدسة، تقتبس من العالم وتعطيه أيضا على أساس من التبادل والتنافس والترقي.

إعادة توجيه التدين الشعبي والمجتمعي والفردي نحو الاتجاه الروحي والعلمي، وفي ذلك يمكن مساعدة الأفراد والمجتمعات على اكتساب تدين يرتقي بتطلعاتهم الروحية ويعلمهم الدين على أسس علمية، ويمكن أيضا تجنيب الأفراد والمجتمعات التديين السياسي أو التوظيف السياسي والاقتصادي للدين، ليكون موردا روحيا واجتماعيا يخلو من المصالح والعيوب، وقاسما مشتركا لجميع الناس، ويمكن أن يساعد هذا المشروع في حال نجاحه في إعادة تأهيل ودمج الجماعات والمؤسسات الدينية، لتتحول إلى جزء فاعل وإيجابي في مجتمعاتها ودولها ونحو ذاتها أيضا، وتشارك بخبراتها وحماسها في التحول نحو التدين الإيجابي.

التمييز بين الديني والإنساني “ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله”.

يرتكز الخطاب الديني السائد على مبادرات إنسانية قائمة على أفكار ومبادئ دينية، ولا غبار على المبدأ بالطبع، ولكن المشكلة في هذا الخطاب أنه توسع في الاشتقاق من مبادئ عامة، ليقدم صياغات وتطبيقات تفصيلية، هي وإن كانت لا تناقض الدين ولكنها في واقع الحال ليست دينا، والمشكلة الأخرى أنه جرى تضخيم إعلامي ودعوي يزين هذا الخطاب، ليجعله دينا نزل من السماء، أو في أحسن الأحوال التطبيق الصحيح للدين، وفي ذلك فقد جرى إغفال النصوص الدينية المؤسسة، لأنها نصوص ومبادئ عامة تصلح لتغطية اجتهادات وتطبيقات عدة ومختلفة، وتوسع الخطاب الديني المعاصر في اقتباس مقولات وفتاوى واجتهادات ودراسات بشرية تلائم الخطاب والمحتوى المرغوب فيه، … وجرى تشجيع دراسات جامعية للماجستير والدكتوراه في مجالات وتطبيقات منحت صفة “الإسلامية”، في العقيدة والتعليم والاقتصاد والبنوك والإعلام واللباس، وفي واقع الحال، فقد أعيدت صياغة الإسلام أو أعيد تأليفه، ويجب الاعتراف اليوم أن هذا الخطاب أصبح سائدا وغالبا ومتبعا لدى الحكومات والمؤسسات والأفراد والمجتمعات والجماعات.

تحويل التاريخ والتراث إلى علم إنساني غير مقدس.

ستكون المواجهة مع الخطاب الديني السائد بطبيعة الحال قائمة على إعادة عرض وتقديم التاريخ على أنه تجارب إنسانية تحتمل الصواب والخطأ وأن الفاعلين فيه وأبطاله هم بشر وليسوا رموزا دينية مقدسة يحرم انتقادها، ويمكن أيضا اقتباس النماذج والتجارب الحديثة في دراسة التاريخ العالمي وتقديمه على أساس أنه منظومات حضارية واقتصادية وسياسية متفاعلة ومتطورة وليس سلسلة من الأحداث التاريخية المستقلة والمعزولة عن سياقها الاجتماعي والاقتصادي.

يؤمل أن يؤسس الخطاب الديني المعرفي لاتجاهات مجتمعية وشعبية وفردية في فهم الدين وتطبيقه تنسجم مع طبيعة التحولات المصاحبة للمعرفة؛ ومن أهمها اجتماعيا واقتصاديا التكامل والشراكة بين الدولة والمجتمعات والأسواق، وينشئ قبولا للدين والمتدينين في الأوساط الاجتماعية غير المتدينة وفي المجتمع العالمي، حيث يكون التدين في بعده الروحي والعلمي موضع ترحيب وتفاعل إيجابي عالمي.. ويمكن الاستشهاد هنا بالدور الروحي الإيجابي العالمي لجلال الدين الرومي، وكيف أمكن تحويل تراثه إلى أعمال موسيقية وشعرية تلاقي إقبالا عالميا كبيرا في معظم اللغات.

وربما يفسح المجال لتكريس القواعد الإنسانية والمدنية في تكريس علاقة الدولة ومؤسساتها بالمجتمع والمواطنين والمقيمين، حيث تكون قائمة على القانون وليس الدين أو القرابة، ما يجعل الخلاف ليس دينيا ولكنه قانوني أو سياسي، وفي ذلك يمكن الخروج من الحروب والصراعات الدينية القائمة أو لتكون إن لم تتوقف أقل شمولا وتدميرا.

وفي المقابل، فإنه خطاب يحتاج إلى زمن ليس قصيرا وإلى جهود معرفية ومؤسسية كبيرة ومكثفة لتحويله إلى برامج ومحتوى قابل للفهم والتداول والتطبيق في جميع المستويات الاجتماعية والتعليمية والمؤسسات وفي طبقات المجتمع وفئاته. ويتوقع أنه سوف يلاقي معارضة قوية من المؤسسة الدينية والسياسية، كما جرى بالفعل مع المبادرات والجهود الفكرية التي تقع في هذا السياق، مثل علي عبد الرازق، ونصر حامد أبو زيد، ومحمد محمود طه، وطه حسين، … وقد تعتقد السلطات السياسة أنها بهذا الخطاب تخسر مصدرا للدعم والشرعية الدينية التلقائية، وتحتاج إلى وقت لتكريس علاقة جديدة مع الدين تكون مقبولة في المجتمع وفي أوساط المتدينين.

ولكن وعلى أي حال، فلم يعد ذلك خسارة كبيرة بعد أن نجحت الجماعات الدينية في تحويل الشرعية الدينية لصالحها، ولم يعد ممكنا ان تسترد السلطات السياسية هذه الشرعية الدينية في ظل الخطاب والاتجاه القائم إلا بسلوك ديني هي ترفضه بل تحاربه، ولا مجال في الحقيقة سوى التضحية بهذه الشرعية والعمل على تأسيس شرعية سياسية وقانونية ودينية  جديدة ومختلفة، وهي وإن كانت مغامرة فلا مجال إلا لخوضها.

إن أهمية الخطاب الديني المعرفي، بالإضافة إلى كونه استجابة اجتماعية ثقافية لعصر المعرفة، أنه يخرج الخطاب الديني من أزمته الذاتية ومن كونه أداة لإنتاج التطرف والعنف والكراهية بدلا من أن يكون في مواجهتها، ويؤسس لخطاب ديني إنساني يركز على العالمية والتسامح والتعددية والتنوع ورفض الكراهية، واتجاهات دينية قائمة على التدين الروحي والعلمي، والتمييز بين الديني والإنساني، وأنسنة التاريخ والتراث والشخصيات التاريخية، وردّ الخطاب الديني بما هو تكليف إلى المجتمع والأفراد من غير وساطة الجماعات أو الدولة، وإعادة تقديم الدين كما هو وحسب أصوله من غير الإضافات والتوسعات التي احدثها الإسلام السياسي وسميت أنظمة إسلامية، وإعادة دراسة الدين وفهمه وفق مناهج علمية عقلانية.

*عن صفحة الكاتب

     الخميس19 ماي 2016