الدولة الموازية في مقابل الدولة العميقة..هكذا يبدو المشهد اليوم، أو هكذا يراد له أن يكون، الدولة العميقة مصطلح نحت في بنية الأنظمة السلطوية، وكانت تركيا نموذجا صارخا لهذه الإزدواجية في مظاهر الدولة، وإذا كان من إنجاز يحسب لحزب العدالة والتنمية التركي، فهو أنه نجح في إختراق بنية الدولة العميقة، بل وتفكيكها إلى حد كبير..صحيح ليس بهدف إجتثاتها نهائيا، بل فقط بإعادة بناء مرجعيتها وولائها بما يتماشى وطموح الرجل القوي طيب رجب أردوغان.

الإخوان هنا من العدالة والتنمية، وظفوا كثيرا مصطلح “الدولة العميقة” في خطابهم التعبوي، ونحا جزء من وسائل الإعلام هذا المنحى، بينما أنتجت الممارسة السياسية ببلادنا منذ الإستقلال إلى اليوم، مفاهيم وأدوات لتحليل بنية السلطة في المغرب، فكان مصطلح المخزن واحدا من المصطلحات الأكثر تمثلا للتجربة المغربية، بسلبياتها وإجابياتها، هكذا إستورد رفاق

السيد بنكيران مفاهيم من بيئة مختلفة، لتوصيف الواقع المغربي المختلف في بنائها وأسسه على ما قامت عليه جمهورية كمال أتاتورك بعد إنهيار الخلافة العثمانية، وهذا الأمر لم يقتصر على إستيراد ماهو تركي، بل حتى العديد من المصطلحات والتعبيرات التي أنتجها تيار التوظيف السياسي للدين في فترة الإنتفاضات الشعبية التي سميت بالربيع العربي، إلى حد أن البعض هنا كان يعتقد أنه قاد ثورة وأسقط نظاما…

تفكيك بنية المخزن عملية معقدة، و لها أبعاد متعددة سياسية وإقتصادية وإجتماعية ودينية وثقافية، وهذه البنية تختلف تماما عما تم إنتاجه من أشكال للدولة والسلطة في المشرق، هذا لا يعني أنه ليس هناك تطابق في الطبيعة السلطوية للمخزن وغيره من الأنظمة في شمال إفريقيا والشرق الأوسط، لكن لكل تجربة سياقها و العوامل التي تؤثر فيها، وهو ما يعني في نهاية التحليل، إستحالة تطبيق نفس الوصفات لبنيات سلطوية مختلفة.

قد لا تكون مقاطعة حزب العدالة والتنمية لبرنامج “ضيف الأولى” بالأهمية التي تجعل هذه المقاطعة يتم إستحضارها في سياق الحديث عن الدولة العميقة، لكن قليلا من العمق في التحليل، يستوجب وضع هذه المقاطعة في جميع سياقاتها الممكنة، و إستخلاص ما يمكن من خلاصات، هذا الأمر يستدعي الملاحظات التالية:

1- أن يقاطع حزب معين وسيلة من وسائل الإعلام التابعة للقطاع الخاص، فهذا قد يكون مفهوما، ولو أنه غير مقبول على إعتبار أن الإعلام والإخبار يبقى خدمة عمومية وفقا للقانون، حتى لو تعلق الأمر بإستثمار خاص.
2- مقاطعة وسائل إعلام عمومية من قبل الحزب الذي يترأس الحكومة، والذي يتولى حقيبة وزارة الإتصال، يجعل الأمر سورياليا، فحضور الحزب الذي يقود الحكومة إلى وسائل الإعلام العمومية، لا يمكن التعامل معها على أنها مسألة تتعلق بإختيارات داخلية للحزب المعني بالأمر، بل تتعلق بحق المواطنين في المعلومة، إذ لا يمكن لحزب حائز على السلطة، أن رفض أن يكون موضوع مسائلة، فالمساءلة لا تتمثل فقط في صناديق الإقتراع بل أيضا وبصفة أساسية أمام السلطة الرابعة، لأن هذه المساءلة هي ما يسمح للمواطنين بتكوين وجهة نظر حول الفاعلين السياسيين.
3- إذا كان حزب العدالة والتنمية ينظر إلى البرنامج المذكور أو القناة المعنية، بأنها لا توفر شروط الحياد، وهو ما يعني مسا بمبدأ التعددية الذي يوجد في صلب دفاتر التحملات التي أشرف عليها -يا للمفارقة- وزير ينحدر من نفس الحزب، فإن الأمر كان يقتضي اللجوء إلى العيئة العليا للاتصال السمعي البصري، كما فعلت أكثر من هيئة سياسية للرد على تصريحات لرئيس الحكومة.
4- هناك جانب أخلاقي في الموضوع، فالإخوان في العدالة والتنمية زمن المعارضة، كانوا يحضرون جميع البرامج لتوجيه الإنتقادات لحكومات، لم تنجز حكومة السيد بنكيران حتى ربع ما حققته، بينما عندما يوجد الإخوان في موقع المسؤولية الحكومية، يصير الهروب من محكمة الرأي العام هو الوسيلة الوحيدة.
5- هذا الإختيار للعدالة والتنمية يمكن إدراجه في توجه أكبر يتعلق بالإستراتيجيات التي يتبعها في تسويق نفسه، وهنا يظهر من خلال إختياراته الأخيرة أنه يتجه إلى خلق أدواته الإعلامية الخاصة بعيدا عن وسائل الإعلام الوطنية المعروفة، والتي كانت وراء كثير من نجاحات حزب العدالة والتنمية، فالحزب حول موقعه الإلكتروني من موقع للتواصل الداخلي والتعريف بالحزب وتنظيمته، كما هي عادة وظيفة المواقع الخاصة بالأحزاب، إلى موقع إخباري عام يحاول عبثا منافسة المواقع الإخبارية بشكل يدعو للإستغراب، إضافة إلى إحداث تلفزة وإذاعة إلكترونيين.

ويبقى السؤال هو هل يسعى حزب العدالة والتنمية إلى خلق دولة موازية؟

*عن موقع عادل بنحمزة .