أن تستدعي الحكومة المغربية السفير الأمريكي دوايث بوش، مرتين، في بحر يومين، لتقديم توضيحات رسمية حول تقرير الخارجية الأمريكية (من 32 صفحة) الخاص بوضعية حقوق الإنسان بالمغرب، إلى وزارة الداخلية أولا، ثم إلى وزارة الخارجية تاليا، فهذا شئ جديد، ضمن منظومة العلاقات الكلاسيكية بين البلدين.

تقنيا، الأمر قد يبدو عاديا، لأنه لقاء تفسيري (كما أعلن عن ذلك رسميا)، لكنه سياسيا غير عادي. وما يجعله غير عادي، هو قرار تعميمه إعلاميا. لأنه جرت العادة في مناسبات عدة، أن تنظم لقاءات تفسيرية مماثلة، دون الحاجة إلى إعلانها إلى العموم (مع تسجيل أن الكثير من تلك اللقاءات غير المعلنة كانت تتم بين القصر مباشرة وبين سفراء الدول الأجنبية، خاصة باريس وواشنطن ومدريد). فالرسالة إذن، مغربيا، كامنة في جعل الأمر عموميا، هذه المرة. وفي مجال السياسة، هذا يسمى «الإحتجاج المهذب»، رسالة عن أن مستوى ما قد بلغه «قلق الدولة» المغربية، بالمعنى السيادي الإستراتيجي، هو قلق جدي. دون إغفال معطى مهم، هو التوقيت. فالأمر يتم في الوقت الميت للولاية الرئاسية للرئيس الأمريكي باراك أوباما، وأيضا في الوقت الميت للولاية الحكومية للخارجية الأمريكية بواشنطن، على عهد الوزير جون كيري، الذي لا يمكن إنكار أنه واحد من أهم وزراء الخارجية الذين بصموا الديبلوماسية الأمريكية، خلال العشرين سنة الماضية. ومعنى أن يتم ذلك، مغربيا، في هذا الوقت الميت لولاية رئاسية وديبلوماسية أمريكية، فهو رسالة إلى المستقبل. أي، أنه رسالة سياسية، إلى الوجوه القادمة في صناعة القرار السيادي الأمريكي، بعد الإنتخابات الرئاسية في آخر 2016، في ما يرتبط بشكل علاقتها مع هذا الجزء الصغير من العالم، الحليف، حتى منذ ما قبل استقلاله، مع بلاد أبراهام لينكولن، الذي إسمه «المملكة المغربية». وفي هذا ملمح ذكاء ديبلوماسي، مغربي، لا يمكن إنكاره، بمنطق إعداد الأرضية لشكل العلاقة المطلوبة في المستقبل بين الدولتين، بمنطق حسابات القرن 21، ما بعد 11 شتنبر 2001.

المغرب والعقيدة الأمريكية الجديدة للقرن  21

لكن، تمة سؤال يطرحه الكثيرون: هل يملك المغرب الأوراق الوازنة المؤثرة، التي تجيز له القيام بذلك؟. الجواب هو أن الجغرافية تمنحه ذلك، متوسطيا وإفريقيا وأطلسيا. لكن السؤال الأعمق، هو: ما الذي يعلمه المغرب، عبر وسائله الخاصة، الذي جعل القلق يصل في ضفته هذا الحد من التصعيد تجاه حليف تقليدي (كانت الرباط، جزء من ضمن منظومته الدفاعية الباليستية الأطلسية زمن الحرب الباردة ضد المعسكر الشرقي. ولا تزال بمنطق الأفريكوم اليوم)؟. سيكون من الخطأ، ربما، الإعتقاد أن الأمر مرتبط فقط بقضية وحدة المغاربة الترابية، من خلال ملف الصحراء الغربية للمغرب، التي هي قضية الشعب المغربي وليست قضية الدولة المغربية، والتي هي أساسا قضية وجود وليست قضية حدود. ربما الأمر أكبر من ذلك، وبعض جوابه كامن في الجزائر ومنطقة الساحل، وكذا في الخليج العربي.
كيف ذلك؟.
هنا مهم، العودة إلى الحوار المنهجي، الذي أجرته مجلة «دو أتلانتيك» مع الرئيس باراك حسين أوباما، خلال مارس الماضي، الذي يقدم الخطاطة الكبرى، للعقيدة الأمريكية الجديدة، الخاصة بالقرن 21. التي لا تزال محكومة، نعم، بذات الرؤية الغربية لنهاية القرن 19 وبداية القرن 20، التي ترى إلى «الكتلة العربية الإسلامية»، من طنجة حتى كابول، كمنظومة سوسيو ? سياسية ذات مرجعية موحدة، وأن «الكتلة تلك» بمنطق خطاب وزير الخارجية الإنجليزي لسنة 1900، لانزدوون، في حاجة ملحة لإعادة هيكلة شمولية. وهي الهيكلة التي تمت على كل حال في ما بين 1916 و1972، من خلال التنفيذ الوئيد لمشروع تأسيس الدول القومية العربية والإسلامية الجديدة (تحت سقف مبادئ الرئيس الأمريكي ويلسون الشهيرة، التي تقول بمبدأ تقرير المصير وحرية الشعوب)، ضمن ما عرف بتنفيذ خرائط «سايكس بيكو».

أقول، إن تلك الخطاطة الجديدة للعقيدة الأمريكية، لا تزال محكومة، نعم، بذات خلفية الرؤية الغربية الأروبية، إلى هذه الشساعة الجغرافية العربية الإسلامية، الوسيطة جغرافيا بين الشرق الآسيوي والغرب الأروبي، وبين الشمال الأروبي والجنوب الإفريقي. لكنها عقيدة منخرطة، هذه المرة، ضمن منطق جديد، متأسس على رؤية جيو ستراتيجية تحكمها حسابات القرن 21. وهي الرؤية التي سبق وبشر بها الخبير الإستراتيجي الأمريكي (الديمقراطي مرة أخرى)، زبينيو بريجنسكي، مستشار الأمن القومي الأمريكي الأسبق، من خلال أطروحته العميقة والدقيقة حول «الخرائط الأوراسية الجديدة». ومن لم ينتبه لتلك الخرائط منذ نهاية الثمانينات، لا يمكنه أبدا أن يفهم معنى ما بلغته اليوم الإستراتيجية الغربية، وفي مقدمتها واشنطن وبرلين ولندن وباريس، في تجسير العلاقة مع إيران (الدولة والنظام)، الذي شكل اتفاق فيينا تتويجه الأبرز.

لقد أعادت المنظومة الغربية عمليا، منذ الثمانينات، أي منذ الحرب الأفغانية بعد الغزو السوفياتي لكابول، ترتيب الخرائط «الأوراسية»، بالشكل الذي أعاد ولا يزال يعيد تشكيل خرائط الدول في الشرق الأوسط كله. وهو اليوم، عكس ما قد يعتقد، أمام فظاعات الأزمة العراقية والسورية، في مراحله النهائية. والمسألة هناك، الآن مسألة شهور وليس سنوات، لإعادة ترتيب خرائط الدول تأسيسا على منطق خرائط المياه وخرائط «طريق الحرير» الجديدة (وهنا مهم الإنتباه للفكرة الكردية التي تشكل حجز الزاوية في ذلك كله، التي هي فكرة مدنية سياسية، لا دينية).

علينا، هنا الإنتباه، إلى أن «العقيدة الأمريكية» الجديدة، التي سلخت 25 سنة الماضية، في إعادة ترتيب مصالح تلك البقعة من خرائط المصالح العالمية، بما يتساوق وحسابات صعود قوى عالمية جديدة، في المحيط الهادئ وآسيا، قد شرعت في الإنتقال إلى فتح جبهات جيو ستراتيجية جديدة عبر العالم، في مقدمتها إفريقيا وأمريكا اللاتينية. والعشرين سنة القادمة، ستكون سنوات إعادة ترتيب المصالح الحيوية في هاتين المنطقتين الحيويتين بالعالم، خاصة إفريقيا، التي تعتبر خزانا بكرا للمشاريع المهيكلة على كافة مستويات التنمية. هنا التنافس، سيكون بحسابات مختلفة، يحضر فيها التدافع بين واشنطن والإتحاد الأروبي (والعقيدة الأمريكية الجديدة متوجهة أكثر صوب المحيط الهادئ وتبتعد تدريجيا عن منطق الأطلنتي بالشكل الذي تبلور منذ الحرب العالمية الثانية)، وأيضا التنافس الشرس بين واشنطن وبكين، الذي هو لحد الآن تنافس اقتصادي مشاريعي مالي محض، وقد يتطور إلى المواجهة العسكرية في بعض المناطق بإفريقيا وأيضا ببحر الصين، خاصة في الملفين الفيتنامي والتايواني (حتى وواشنطن لا تغامر أبدا بفتح جبهة مواجهات عسكرية مع الصين، لأن التقارير منذ عهد الرئيس الأمريكي بيل كلنتون قد نبهت إلى أن فاتورة ذلك ستكون كارثية على التراب الأمريكي. لأن الحرب لن تبقى محصورة في بحر الصين، بل إنها ستكون في قلب كل كبريات المدن الأمريكية، اعتبارا لقوة وكثافة الحضور الصيني بها). والرؤية أمريكيا إلى كل الشمال الإفريقي ومنطقة الساحل (والمغرب في القلب من ذلك)، ليست معزولة عن هذا التحول الجيو ستراتيجي الجديد.

خرائط واشنطن الإفريقية الجديدة.

من الأمور التي شرع في التنظير لها، بواشنطن، شهورا قليلة بعد سقوط نظام بنعلي بتونس والتخلص من حسني مبارك (وأساسا من نجله جمال مبارك، الذي كان يتم تلميعه ليخلف والده في قيادة مصر)، في بداية 2011، هو الإنهاء مع الفكرة الأمريكية المعلنة منذ نهاية الثمانينات وبداية التسعينات من القرن 20، التي تقول «بالشرق الأوسط الجديد وشمال إفريقيا». والتأسيس، تأطيريا، لفكرة جديدة، هي الفصل بين الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، ضمن مصالح وزارة الخارجية الأمريكية. من خلال إعادة موضعة شاملة لآليات التفاعل مع الفضائين بشكل جديد، من خلال الإنفتاح على فعاليات إجتماعية وشبابية وأكاديمية وإعلامية جديدة، تنهي مع شكل التعامل الكلاسيكي، الذي كان يعتمد فقط على العلاقة مع الدول وأجهزتها ومؤسساتها المتعددة. أي أن الخطة الجديدة، هي الإعتماد على العلاقة مع الأنظمة وأيضا العلاقة مع المجتمعات بشكل مباشر.

بالتالي، مهم هنا، التذكير ببعض التفاصيل المرتبطة ببنية اشتغال الديبلوماسية الأمريكية، ضمن فضائنا العربي والإفريقي، هذا. فقد سمحت لي زيارة إلى مقر وزارة الخارجية الأمريكية بواشنطن، منذ أكثر من 16 سنة، أن أقف عند معطى هام شرحه لي بمكتبه، الديبلوماسي الأمريكي «آدم أورلي»، مساعد وزيرة الخارجية حينها مادلين أولبرايت، يتعلق بالمكانة التي يحتلها العالم العربي في أجندة السياسة الامريكية الخارجية.  والذي يتأسس على نتائج علمية مدققة من وجهة نظر الإدارة الأمريكية، خاصة في مجالات علوم الإجتماع والأنثربولوجيا، وأيضا ما يوصف ب «الوزن الإقتصادى» و «الثقل الإستراتيجي». بهذا المعنى، فإن من يتتبع ذلك التحليل الرسمي، يدرك أن العالم العربي عند واشنطن هو «عوالم عربية» وليس عالما واحدا موحدا. وهذه حقيقة علمية واجتماعية وتاريخية، يتفق عليها الكثير من الفاعلين السياسيين والباحثين العرب أيضا.

هكذا ففي واشنطن، تمة يقين أن شعوب شمال إفريقيا، العربية الأمازيغية، ليست هي التجمعات العربية في شبه الجزيرة العربية حتى بلاد الرافدين، وليست هي الكتل العربية الوازنة والهامة ببلاد الشام الكبرى. بالتالي، فالتعامل تقنيا، مع ذهنية الخليج والعراق، ليس هو ذات التعامل مع مصر والمغرب والجزائر وتونس، أو هو ذات التعامل مع عرب الشام.. وتكاد الخلاصة العلمية التي يخرج بها المرء، انطلاقا من تلك الرؤية الأمريكية، هي أن العقلية الشامية (سوريا، لبنان، فلسيطن والأردن) هي عقلية ليبرالية بالمجمل، لما لذلك من سند تاريخي، كون تلك الشعوب تكونت كشعوب وسيطة في المجال الإقتصادي، ولها تربية اقتصادية خاصة، تمتلك قوتها من تراكم تجربة التجارة كعصب للإقتصاد وللحياة ولتراكم الثروة هناك. وهذا هو الذي وهبها دوما، منذ الفينيقيين القدامى أن تكون شعوبا تركب البحر، مسافرة ومهاجرة، وأنها شعوب تنزع نحو الحلول البراغماتية وهي سلوكيا متحررة. فيما الطبيعة الصحراوية للخليج والعراق، قد جعلت الذهنية هناك ذهنية بدوية عشائرية، تربط بينها عصبيات، وأنها تنزع أكثر نحو التعصب والتشدد، وأنها سلوكيا جد محافظة. فيما شعوب شمال إفريقيا، هي نسيج لوحده، تتداخل فيه الأبعاد المتوسطية والصحراوية والأمازيغية. وأنها ظلت دوما شعوبا محاربة، منذ العهود الغابرة، لأنها في تماس دائم مع البحر ومع الطامعين الخارجيين. وأنها ذهنيا، شعوب غير طائفية، وسلوكيا منفتحة.

لقد اكتشفت من خلال تلك الزيارة إلى مقر الخارجية الأمريكية، أن مكاتب الوزارة تتوزع إلى قسمين كبيرين، هي: «المكاتب الجغرافية» و»المكاتب الوظيفية». وما يهمنا منها، هنا، هو قسم المكاتب الجغرافية، الموزع بدوره إلى ستة مكاتب هي:
– الشرق الأوسط
– إفريقيا
– أروبا
– شرق آسيا
–  جنوب أسيا
– أمريكا الجنوبية
ويرأس كل قسم منها مساعد مباشر لوزير الخارجية. فيما المكاتب الوظيفية، هي إدارات تقنية محضة، تنتظم فيها عدد من المصالح، لعل أهمها قسم التواصل الذي يترأسه الناطق الرسمي باسم الوزارة.
ما يهمنا من الأقسام الست تلك، للمكاتب الجغرافية للخارجية الأمريكية، هو «مكتب الشرق الأوسط». فهذا المكتب موزع بدوره إلى جهات أربع، حرصت الخارجية الأمريكية أن تضع لها عناوينها بدقة، هي:
– شمال إفريقيا ومصر
– السعودية والخليج
– إسرائيل والشؤون العربية
– ثم جهة لبنان، سوريا والأردن.

هذا يؤكد أن واشنطن تقسم العالم العربي إلى ثلاث مناطق جغرافية كبرى، هي الشمال الإفريقي كله من مضيق جبل طارق بالمغرب حتى قناة السويس بمصر. ثم دول البترول والغاز بشبه الجزيرة العربية يضاف إليها العراق واليمن بزعامة السعودية. ثم تجمع دول الشام الثلاث. فيما خصت إسرائيل بملف مستقل في علاقته بكل العرب.

والتغيير غير المعلن عنه، حتى الآن، هو تغيير بنية «مكتب الشرق الأوسط» ذاك بوزارة الخارجية، لتقسيمه إلى مكتبين، واحد خاص بالشرق الأوسط والآخر خاص بشمال إفريقيا. بما يتساوق والإستراتيجية الأمريكية الجديدة، التي عناوينها واضحة ودقيقة في حوار الرئيس أوباما مع مجلة «دو أتلانتيك»، الخاصة بإفريقيا. وموقع المغرب، بمنطق «الثقل الإستراتيجي»، أي ما قلت إنه قوة موقعه الجغرافي متوسطيا وأطلسيا وإفريقيا، جزء مركزي ضمن هذه الإستراتيجية الأمريكية الجديدة، التي يعاد تأسيسها بمنطق جديد، ضمن أفق حيوي لغزو واشنطن لإفريقيا، اقتصاديا وأمنيا، خلال 25 سنة القادمة. لكن موقع المغرب ذاك، من وجهة النظر الأمريكية الجديدة هذه، لا يكون بغير تحديد لأدوار جديدة لمصر والجزائر بكل الشمال الإفريقي.

الرقص الديبلوماسي الأمريكي الجديد بين الرباط والجزائر.

أذكر، أنه كانت معلقة بمكتب مساعد وزيرة الخارجية الأمريكية بواشنطن، السيد «آدم أورلي» (الذي عين في ما بعد سفيرا لواشنطن بالبحرين)، بالطابق الأول بمقر وزارة الخارجية الأمريكية بواشنطن، ست ساعات حائطية كبيرة، مرتبة على الشكل الآتي: واشنطن/ الرباط/ القاهرة/ القدس/ الرياض/ نيودلهي. مما يعني أن زمن الرباط، جزء استراتيجي في حساب التوقيت الأمريكي، وأن خريطة كبيرة لكل دول العالم، كانت معلقة بذات المكتب، أثارني فيها (ولا زلت أتوفر على صورة عنها) كيف أن خريطة المغرب إفريقيا كاملة غير منقوصة، أي بصحرائه الغربية الجنوبية، وأن حدود المغرب تمتد حتى لكويرة. والسؤال هو: هل لا تزال الرباط هي هي ضمن الحسابات الأمريكية الجديدة بإفريقيا؟.

نعم، الرباط لا تزال هي هي في تلك الحسابات الأمريكية. لكن الحقيقة، إن الجديد اليوم، ضمن «عقيدة واشنطن» الخاصة بالقرن 21، هو أنها كدولة تعيد النظر في شكل كل علاقاتها الإستراتيجية، تلك التي تأسست منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، في بعديها الأطلنتي والمتوسطي والإفريقي. وليس مستغربا أن أروبا بدأت تدخل مرحلة من «اليتم الإستراتيجي» أو «الفطام الإستراتيجي» في علاقتها مع واشنطن، التي تتجه أكثر صوب المحيط الهادئ، وأصبحت تتدخل أكثر في إفريقيا. وأن ذلك كله يتم على حساب المصالح الحيوية التقليدية لأروبا، التي تعتبر قارتنا السوداء عمقها الطبيعي، أمنيا واقتصاديا، خاصة الدول الإستعمارية التقليدية للجنوب الأروبي (إيطاليا/ فرنسا/ إسبانيا/ إنجلترا). وليس اعتباطا أن واشنطن تعزز علاقاتها أكثر مع برلين الجديدة، على حساب حلفائها التقليديين القدامى بأروبا، الذين أنجزت معهم منظومة العلاقات الدولية لما بعد الحرب العالمية الثانية، أي «حلفاء الحرب» تلك، التي كانت أساسا ضد ألمانيا، الساعية حينها للتحكم في أروبا كلها والعالم الغربي، عبر بوابة المشروع النازي.

وضمن هذه الإستراتيجية الجديدة، تأتي الرؤية الأمريكية لكل الشمال الإفريقي من المغرب حتى مصر، وأيضا لمنطقة الساحل. وأن المداخل مختلفة عن ما تم اتباعه في جغرافيات أخرى، خاصة بالمشرق العربي، وأفغانستان وإيران وتركيا. هنا لا يمكن إغفال، أن واشنطن، أصبحت أكثر حضورا في الملفين الليبي والجزائري، كل حسب مداخله الخاصة به. وما يعنينا هنا، مغربيا، هو الملف الجزائري، الذي تعيش فيه الدولة تحولا غير مسبوق (أقول الدولة وليس النظام). لأن المعطيات الجديدة، في فضائنا المغاربي، هو أن ما يصنع من قدر جديد بالجزائر العاصمة، ما بعد الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، لواشنطن الدور المؤثر الأكبر فيه، وهذا لأول مرة منذ استقلال الجزائر وتأسيس الدولة هناك سنة 1962. وهذا واحد من أكبر عناوين تراجع قوة النفوذ الفرنسي في ما كانت ولا تزال تعتبره، باريس، عمقها المتوسطي والإفريقي الإستراتيجي، أي بلاد الأمير عبد القادر الجزائري. لأنه علينا، مغربيا، أن لا ننسى أبدا، أن باريس تحبنا (ربما نعم)، لكنها تعتبر الجزائر رهانها المغاربي والإفريقي والمتوسطي الأكبر، لأن للجغرافية أحكامها الحاسمة هنا.
إن المداخل الحاسمة، من وجهة النظر الأمريكية الإستراتيجية، لترسيخ مكانتها ضمن هذا الجزء الحيوي من إفريقيا (ضمن عقيدتها السياسية الجديدة للقرن 21، الخاصة بقارتنا السوداء)، هو ملفات الأمازيغية والطوارق بالجزائر، وملف الصحراء الغربية والأمازيغية بالمغرب. وهي تؤمن بشكل راسخ، أنه لا يمكنها النجاح لتحقيق مصالحها الحيوية بالمنطقة، سوى بالحرص على التوازن بين المغرب والجزائر، لكنه التوزان الذي يكون ب «ترموميتر» المصلحة الأمريكية ضمن استراتيجيتها الإفريقية، وضمن رؤيتها الجديدة لكل الشمال الإفريقي ودول الساحل. وهذا دور بدأ ينجز بالمنطقة، على حساب الدور الكلاسيكي الذي كان لعواصم غربية وازنة من حجم باريس وروما ومدريد. ولعل ما يقلق، في سياقات هذه التطورات، التي ضمنها ملف وحدتنا الترابية بصحراء المغرب الغربية، هو أن «ورقة البوليزاريو» كما لو أنها قد بدأت تتحول من ورقة في يد الجزائر، إلى ورقة في يد واشنطن. هنا التحول غير مسبوق ومقلق وخطير، لأنه يخشى أنه سيقودنا مغربيا، إلى مستوى آخر من فطنة التعامل مع تحديات وجودنا كدولة ومجتمع. لأن ملامح تحول «ورقة البوليزاريو» كي تصبح ورقة أمريكية، إنما يتم ضمن حسابات أوسع لواشنطن بمنطقة الساحل. وأنها، صحيح ، لن تفرط في المغرب، لكنها تريده مغربا بأدوار محددة وبحساب خاص، لا يخدم بالضرورة مصالحنا الحيوية كدولة وكأمة.

هنا اللعب خطير ومقلق فعلا. وهنا ربما، يكمن سر القلق الرسمي المغربي. الذي علينا أن نوقن أنه لن يكون قلقا محصورا في الرباط، فقط، بل إنه قلق أكبر في باريس ومدريد وروما. لأن حسابا كاملا للقرن 20، جيو ستراتيجيا، كما لو أنه توضع له نقطة النهاية. والسؤال الوطني المغربي هنا، هو: كيف يجب علينا أن نخطو في حقل الألغام الجديد هذا؟ هل الحل مغربيا هو «وهم القطيعة» مع واشنطن، أو التصعيد ضدها؟ . من الخطل السقوط في هذه الإستراتيجية السلبية. فهذا خيار لا يجب أن يكون له مكان مغربيا، أبدا بمنطق الدولة.

علينا أن نوقن، كمغاربة، بأمرين حاسمين، هو أن واشنطن تدرك جيدا أننا في أرضنا بالصحراء، وأن إخراجنا منها سيكون بفاتورة ثقيلة، لن تخدم أبدا مصالح واشنطن الجديدة بالمنطقة. وأن التوجه الأسلم هو تعزيز قوة الداخل المغربي مؤسساتيا، بالشكل الذي يعزز من اللحمة بين المجتمع والدولة. وأن هذا لا يتحقق بغير مواصلة ترسيخ المشروع المجتمعي الجديد، المتأسس على منظومة «دفتر تحملات» العلاقات الدولية الجديدة، المحدد في احترام دولة الحق والقانون، واستقلال القضاء، واحترام حقوق الإنسان في أبعادها السياسية واللغوية والثقافية والإقتصادية، وإعادة هيكلة البنية التحتية والخدمات وإدماج المرأة ضمن منظومة التنمية والقرار السياسي، وتوفير يد عاملة مكونة ضمن منظومة تعليم حداثية. لأنه تلك هي الشروط الواجبة لتيسير اندماج السوق المغربية ضمن منطق السوق العالمية، ويسهل من انتقال الرساميل ويشجع على الإستثمار وبالتالي على تحقيق التنمية وترسيخ الإستقرار.

ذلك وحده الذي سيمنحنا القدرة على أن نشكل «ثقلا استراتيجيا» ضمن الحسابات الأمريكية الجديدة بإفريقيا، بالتوازي مع تعزيز تواجدنا كقوة إقليمية (بالمعنى التنموي والإقتصادي والديني) بإفريقيا الغربية، وعدم التفريط في خلق توازن مصالحي مع القوى العالمية الجديدة الطامحة لترسيخ موقع لها في إفريقيا، وفي مقدمتها الصين والهند والبرازيل. والرهان دوما على عمقنا المغاربي، لأن الشعب الجزائري الشقيق هنا، ونخبه القادمة لن تكون أبدا سجينة حسابات نخب حرب التحرير وزمن الحرب الباردة.

نعم، المغرب، بلد صغير، أمام حسابات الكبار من حجم واشنطن، لكنه ليس حائطا قصيرا في منطقته. هنا الإمتحان الجديد، الذي يتحدى ذكاءنا الديبلوماسي والإستراتيجي، وهذا لربما هو المشروع الوطني المفروض أن يبلور لنا جيلا جديدا من المغاربة، من قيمة الجيل الذي بلورته تحديات القرن 20، منذ 30 مارس 1912، حتى نهاية القرن الماضي.

*عن جريدة الاتحاد

   السبت 21 ماي 2016