قراءة تقرير وزارة الخارجية الأمريكية حول واقع ممارسة حقوق الإنسان خلال سنة 2015 بالمغرب… تلك القراءة تقود إلى فرضية واحدة تحتل كل مساحة استخلاص منطلقات ومرامي ذلك التقرير… فرضية أن الإدارة الأمريكية ركبت منصة إطلاق صواريخ استراتيجية بعيدة المدى معبئة بالتضليل، إندارا للمغرب.

التقرير في مجمله، وعلى كثرة أوراقه وفصوله وتفاصيله، هو تلفيف لأجزاء صورة تريد الخارجية الأمريكية أن تؤلفها حول المغرب… صورة أن النظام المغربي استبدادي قمعي كل مؤسساته مناهضة لحقوق الإنسان، بما في ذلك ما يعتبره التقرير «حقوق الشعب الصحراوي». وبين فقرات وأخرى يعود التقرير ليذكر بأن البلد محكوم ومدبر بيد من حديد من طرف الملك، الذي يمسك بكل السلط، والمتحكم في كل المؤسسات، فيما يشبه تحميل المسؤولية مباشرة أو بصيغة ضمنية في سوء أوضاع المغرب للملك.

أصحاب التقرير يعرفون أن ليست تلك الصورة الحقيقية للمغرب. ولكن، متى كانت الإدارة الأمريكية تهتم بالصورة الحقيقية، لما تقدمه للعالم، يهمها الصورة التي تريد إشاعاتها خدمة لهدف هي من حددته.

الخارجية الأمريكية، التي كتبت التقرير، لم تسمع أبدا ما كرره «البيت الأبيض» في عدة مناسبات من «تنويه بالتقدم الحاصل في إعمال حقوق الإنسان في المغرب وتطوير الممارسة الديمقراطية»، كما أنها لم تقرأ أبدا أن نفس البيت الأبيض سجل أن مقترح الحكم الذاتي جدي، ويشكل تقدما في المفاوضات لحل نزاع الصحراء.

لا شك أن المبتدأ في تعلم مفردات السياسة، يعرف أن الإدارة الأمريكية قلبها ليس على صون حقوق الإنسان، وليس ذلك هو ما يوجه سياستها تجاه دول العالم، كما أنها لا تقدس إلا مصالحها ومن أجلها تدوس وبدون تردد على أصدقاءها.

ومن تلك القاعدة، فالخارجية الأمريكية لا تقيم أي اعتبار للتصويت العارم للشعب المغربي على دستور سنة 2011، الذي جدد بنيات النظام السياسي المغربي. جدد تلك البنيات بهندسة ديمقراطية للعلائق بين سلطه ومؤسساته. وحرص في تجديده ذاك، على ترجيح وزن وفعالية منسوب التدخل الشعبيِ- عبر المؤسسات المنتخبة- في تدبير الشأن العام، وإنتاج وتوجيه السياسات العمومية. والملك محمد السادس هو من اقترح أصلا توسيع صلاحيات البرلمان والحكومة المنبثقة منه لفائدة تدبير سياسي للشأن العام، أساسه الصوت الشعبي. من هنا النظام المغربي ليس فيه استفراد للملك بالحكم، وليس فيه استبداد، هناك اليوم مرجع أسمى لكل من يمارس أي سلطة في البلاد، ولكل من تمارس عليه تلك السلط، وهو الدستور.

التقرير لم يجد بدا من الاعتراف بمصداقية العمليات الإنتخابية للسنوات الأخيرة، ويزيد بأن يقر باحترام المنهجية الديمقراطية في تشكيل الحكومة، على قاعدة منطوق الدستور، ذلك الاقرار لا يرتب عليه التقرير ملاحظة التقدم في الممارسة الديمقراطية في المغرب، وبكل امتدادات تلك الممارسة وتبعاته في أنسجة الدولة وفي شرايين المجتمع. أقول التقدم في الممارسة، ولا أقول الإنجاز التام للديمقراطية، ذلك الإنجاز التام، لن يدعي عاقل بأن دولة ما أو شعبا ما على مساحة هذه الأرض قد بلغه بتمامه وكماله…

والأبعد عن بلوغ ذلك الكمال هي الولايات المتحدة الأمريكية نفسها، التي تشهد قديما وحاليا، خصاصا بنيويا في تمكين المواطنين من الحقوق الإجتماعية، ويتحقق لديها إفراط في توليد الفقر، من فضلات آلية الرأسمالية المتوحشة، كما أن تلك الولايات نفسها، تقدم للعالم بصفة مستمرة مشاهد عن التمييز بين المواطنين في الجنس وفي اللون، وفي الهوية الثقافية، وعدا عن كل ذلك، تشتهر الولايات المتحدة ألأمريكية بهيمنة إعلام الرأي الواحد على وسائل الاتصال الجماهيرة الموجهة عن بعد من طرف قوى الصناعات المدنية والعسكرية على السواء… بما يقلص ويضعف فرص

الامتلاك الديمقراطي للرأي المستقل والوعي الحر، عند المواطن الأمريكي، وذلك ما لا يساعده على المشاركة الفاعلة في الشأن العام لبلده.

المغرب يتقدم في الممارسة الديمقراطية، وضمن منهجية التقدم أنه كرس الاختيار الديمقراطي ثابت استراتيجي من ثوابت الكيان المغربي إلى جانب الدين، الوطن، والملك.

وفي قلب منهجية التقدم الديمقراطي أسس المغرب آليات، هي مؤسسة مؤتمنة على تكريس الاختيار الديمقراطي، ثقافة وضبطا لممارساتها وتقويما لها.

المجلس الوطني لحقوق الإنسان، الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري، مجلس المنافسة، هيئة محاربة الرشوة، هيئة المناصفة، المجلس الوطني للغات والثقافة، المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، المجلس الأعلى للتربية والتعليم… إلى جانب تلك المؤسسات البرلمان، وهو من بين أهم أسس نظامنا الديمقراطي، بمجلسيه )والذي لم يشك التقرير في مصداقية انتخابهما(، يمارس مهام التشريع ومراقبة الحكومة – بالصراعات داخله، وبينه وبين الحكومة، وحتى ببعض الارتباكات أو التقصير أو الصواب- وفق ما هو متعارف عليه ومعتاد ومألوف ومشاهد في الأنظمة الديمقراطية كافة… كل ذلك يضاف إليه الآليات القانونية المعتمدة لصون الاختيار الديمقراطي من عبث مناهضيه والمفسدين الذين يستفيدون من منافعه ويحاولون تجييره لفائدة مصالحهم، وضدا عن الشرعية القانونية والديمقراطية.

لتأثيث صورة النظام الاستبدادي، وتلوينها بالقتامة المؤثرة، لا بد من التهويل أو التضليل في تقديم وقائع اليوميات المغربية، سواء عبر بعض أحداثها وحوادثها، أو عبر ميسمها العام.

يقول التقرير إن «المرأة تعاني من التمييز في المغرب»، وكأنه يكتشف العجلة، وكأن العالم خلا من التمييز ضد المرأة إلا المغرب… لكنه لا يقول أن أول من صرخ ضد ذلك التمييز المغربيات والمغاربة، مند عقود، وهم حتى اليوم يصرخون ويعملون ضده. وأيضا لا يقول التقرير بأن التمييز الإيجابي لفائدة المرأة، في السنوات الأخيرة، مكن المغرب من تطوير الحضور النوعي والكمي للنساء في المؤسسات المنتخبة وفي إدارات الدولة، وفي هياكل الأحزاب والنقابات والجمعيات… التقرير لا يقول أيضا أن المغرب أقر إنشاء هيئة وطنية للمناصفة ) هيئة دستورية( وأن مناهضة التمييز ضد المرأة، والعنف ضدها والتحرش بها هي ثقافة تسعى إلى إشاعتها المؤسسات الحكومية والمدنية وأدوات الإتصال الجماهيري على السواء.

يتوقف التقرير عندما يعتبره سياسة منهجية وقمعية مقصودة ويعني بذلك الاكتظاظ في السجون. مرة أخرى، التقرير لا يقول أن الاكتظاظ في السجون هو معضلة عالمية، وثانيا المغاربة هم، في الحالة المغربية، هم أول من يؤرقهم ذلك الواقع، بدأ من وزارة العدل والحريات، والمندوبية العامة للسجون، والجمعيات ذات الاختصاص، وجمعيات حقوق الإنسان كافة. وأن هناك نقاشا وطنيا وبين المختصين والمعنيين حول إقرار العقوبات البديلة عن سلب الحريات، وأن وزير العدل والحريات التمس من قضاة النيابة العامة والتحقيق تفادي إيداع المتابعين في الاعتقال الاحتياطي كل ما أمكن متابعتهم في وضعية سراح… التقرير، لم يرى ضرورة الإشارة إلى هذا الواقع.

الرشوة، حسب التقرير، عمت في البر وفي البحر، وهي لصيقة بكل من يتحرك في البلاد من قضاة وأمن وإدارة… وهل قال مغربي يوما ما بأن المغرب معقم ضد الرشوة؟ وسيكون البلد الوحيد في هذه الحالة، غير أن التقرير لا يضيف ولا يشرح بأن محاربة الرشوة هم وطني تشترك فيه كل مؤسسات البلاد، المدنية والحكومية، والجمعوية، والحقوقية. وقد أضحت كل إدارات الدولة حذرة ويقظة تجاه هذه الممارسة الفاسدة والمفسدة. ولا أدل على ذلك من قرارات العزل أو العقوبات الإدارية أو حتى الإحالة على النيابة العامة، التي أعلنت خلال هذه السنة فقط تجاه العديد من المشتبه فيهم بتهمة الارتشاء، سواء تعلق الأمر بقضاة أو بضباط او بأعوان أمن. بحيث بات هم تخليق ممارسة الإدارة العامة المغربية شاغلا لمسؤوليها وأيضا مادة مراقبة دائمة للجمعيات الحقوقية وللمواطنين عبر وسائل الإعلام، المتنوعة، وفي مقدمتها الإعلام الإلكتروني المزدهر والمنتشر والمتحرك في البلاد.

أما عن خلاصات أن أجهزة الأمن المغربية أدوات قمعية ومرتشية، فلنا أن نتسائل إذا كانت تلك الأجهزة على ذلك القدر من الفساد الذي يحاول إقناعنا به تقرير الخارجية الأمريكية، فلماذا هي على هذا القدر من الفعالية والاحترافية في مواجهة الإرهاب مغربيا وعالميا، مما جعل التعاون معها والاستعانة بخدامتها مطلبا أمريكيا وأوروبيا وعربيا، وقد انهالت عليها من تلك الجهات كلها باقات الإشادة والتنويه بكفاءاتها.

لا فائدة من مواصلة التوقف عن جزئيات التقرير، وما يميزها من انتقاء أو تحريف أو تجزئء أو تعويم، من نوع الحديث عن المعتقلين السياسيين في البلاد- والكل يعرف أن أولئك المعتقلين مرتبطين بالإرهاب- ومن نوع الحديث عن عدم توفير شروط المحاكمة العادلة لبعضهم…ومن نوع الجزم بالإجهاز على حرية الصحافة وعلى الحق في التعبير… وأكثر من نصف انتقادات التقرير مأخوذة من الصحافة المطبوعة والمنشورة في البلد. التقرير ينبغي أن يتعامل معه في كليته، وما يهدف إليه من وراء المرموز من جمله و”من حقائق وخلاصاته”.

هذا التقرير أداة تهديد أمريكية للمغرب ومحاولة للضغط عليه، لكي يعيد إلى حساباته الاستراتيجية الموقع المركزي للمصلحة الأمريكية فيه، على سبيل مراعاتها وعدم الابتعاد عن دائرة تحركها.

المغرب وضع قواعد جديدة لعلاقتها بالإدارة الأمريكية. قواعد توجب الاحترام المتبادل، وتبادل المنافع، ومراعاة التكافوء في استقلالية القرار السياسي لكل طرف. تلك القواعد حدت بالمغرب إلى تعميق تنويع علاقاته الخارجية، وشحنها باتفاقات استراتيجية، ذات حمولة اقتصادية) دول الخليج العربي، دول إفريقية، روسيا، الصين، الهند،…( ومن شان تلك العلاقات تدعيم استقلالية المغرب السياسية، وتحسين موقعه التفاوضي في أوضاع منطقته، منطقة شمال إفريقيا عمومية، ) وضمنها النزاع حول الصحراء المغربية(  وفي امتدادات تلك المنطقة إفريقيا وعربيا.

هذا الوضع الجديد للمغرب أربك الحسابات الامريكية، من جهة، لأنه أحدث تغييرا في موقع المغرب داخل تلك الحسابات، وبالتالي في هندسة تلك الاستراتيجية المتصلة بالمنطقة. ومن جهة أخرى، الديناميكية المغربية )مقابل جمود وحتى عجز القيادة الجزائرية وانشغالها بتدبير صراعات ما بعد بوتفليقة( غيرت ميزان القوى بين المغرب والجزائر لفائدة المغرب، خاصة وهو يكتسح المجال التقليدي لعلاقات الجزائر. ذلك التوازن بين المغرب والجزائر، حرصت الإدارة الأمريكية على تغذيته اللاستفادة من البلدين واستمالة كلاهما للتطلع إلى علاقات مع واشنطن أمتن من الآخر، وكذلك للحفاط على توتر العلاقات بينهما والتحكم في درجاتها وفي مآلها.

الوضع على درجة من الأهمية، بحيث فرضت على الإدارة الأمريكية توجيه هذا الإنذار إلى المغرب، حتى يدرك أنها، لا تستسيغ ارباك حساباتها أو التدخل في تغييرها دون رضاها، وبالتالي فهي قادرة على الإضرار بالمغرب حين يقرر لوحده استراتيجية علاقاته الخارجية، دون احتساب عائدات ذلك على المصالح الأمريكية في المدى المنظور أو البعيدة المدى.

إنه إنذار مقتطع من استراتيجية أمريكية تهم المنطقة العربية بكاملها، وهي حتى الآن قيد التمهيد للشق المغاربي من تلك الإستراتيجية ولعل ما يواريها عن مركز الاهتمام هو التحضير للرئاسة الأمريكية القادمة، وانتظار تفاعلات الفوضى المختلقة في مشرق الوطن العربي. والمغرب مدعو إلى أن يشحذ أعلى طاقات اليقظة فيه لمواجهة حسابات الغير بإرادته هو.

حسنا فعل المغرب على مستوى وزارة الداخلية كما على مستوى وزارة الخارجية، حين أشعرا الإدارة الأمريكية بأنه يفرض احترامه المستحق، وأنه لن يقبل مثل هذا الإنذار، طالما أنه في سعيه لتطوير إمكاناته الاقتصادية وفي تطوير علاقاته الخارجية لا يضر بأحد ولا يقيمها ضدا على أحد، ولا ينخرط في تحالف ضد تحالف، همه بالدرجة الأولى حماية مصالحه وحماية الأمن والسلام في منطقته.
وردنا الأنجع والأدوم هو مواصلة ترسيخ الاختيار الديمقراطي، لأنه وحده من يضمن مناعة المغرب وقوته في فرض استقلاليته، وحقه في استجلاب المنافع له، من تنوع علاقاته وقوامها الاحترام المتبادل، وساعتها ستفهم الإدارة الأمريكية أنها تستفيد أكثر من مغرب قوي فاعل دوليا، وقادر على صيانة مصالحه ومصالح علاقته الاستراتيجية على السواء.

*عن جريدة الاتحاد