مهما كانت جنسيتك أو ثقافتك فأنت لاشك تحب أباك وتدافع عنه اذا تعرض للخطر.. ماذا لو اكتشفت ان أباك يعتدي على حقوق الآخرين؟! هل تؤيده في ظلمه أم تعارضه؟!. الواقع أن حبك لأبيك لا يمكن أن تمارسه الا في اطار الحق. نفس المنطق ينطبق على الوطن. كل انسان يحب بلاده و يدافع عنها اذا تعرضت للخطر..؟ ماذا لو شنت بلادك حربا ظالمة على بلد آخر ..؟ هل تكون الوطنية أن تناصر العدوان أم أن حبك لبلادك يجعلك تمنعها من الظلم..؟ قال رسول الله(صلى الله عليه وسلم ): “انصر أخاك ظالما أو مظلوما” ولما سئل “كيف ننصر أخانا وهو ظالم ..؟ قال الرسول: تنصروه بأن تردوه إلى الحق”.

أثناء الاحتلال البريطاني لمصر حدثت واقعة دنشواي عام 1906 عندما اشتبك جنود بريطانيون مع فلاحين مصريين ثم أجريت محاكمة ظالمة قضت باعدام بعض الفلاحين المصريين وحبسهم وتم جلد بعضهم أمام أهلهم. عندئذ عارض الكاتب الانجليزي جورج برنارد شو بشدة الجريمة التى ارتكبها الجيش البريطاني وكتب: “اذا كانت هذه الأخلاق التى ستحكم بها الامبراطورية البريطانية العالم فلا يوجد واجب انساني أهم من هزيمة هذه الامبراطورية وكسرها”.

منذ أعوام عارض المخرج الامريكي مايكل مور حرب العراق وهاجم الرئيس جورج بوش وقال صيحته الشهيرة وهو يتسلم جائزة الأوسكار:

-“نحن لانريد هذه الحرب يامستر بوش .. ماتفعله عار عليك ..”.

بل ان وكالة الاسوشيتد برس الأمريكية لعبت دورا أساسيا في كشف جرائم الجيش الأمريكي ضد معتقلين عراقيين في سجن أبوغريب في العراق. إن حب الوطن لايمكن ممارسته خارج اطار العدل والحق. من يحتكم لضميره ويدين جرائم قام بها مواطنون من بلده ليس خائنا وانما هو يحب وطنه ويريده أن يقدم نموذجا أخلاقيا.

هذا المفهوم للوطنية غائب في مصر الآن تماما. منذ أن تولى عبد الفتاح السيسي رئاسة الجمهورية تم تقسيم المصريين إلى وطنيين وخونة. الوطني في مصر الآن -باختصار – هو الذى يؤيد كل ما يفعله السيسي بلا نقاش أو مراجعة . أما اذا اعترضت على سياسات السيسي فأنت في نظر النظام اما خلية نائمة لتنظيم الاخوان أو عميل لأجهزة مخابرات غربية تقبض أموالا من أجل تدمير مصر. هذه الحالة الذهنية المتردية وصلنا إليها عن طريق الاعلام.

لقد سيطر النظام تماما على كل القنوات التليفزيونية الحكومية والخاصة ولأول مرة تتم الاستعانة بأشخاص لا علاقة لهم اطلاقا بالاعلام: لاعب كرة طائرة سابق وسيناريست وممثلة وخبير أعشاب. مثل هؤلاء تم اعطاؤهم برامج تليفزيونية ليكونوا موجهين سياسيين للشعب. يتحدثون ساعات يوميا ليقنعوا المشاهدين بالخط الوطنى الصحيح (المؤيد للسيسي) ثم يمارسون اغتيالا معنويا لكل من يختلف مع السيسي في الرأى. هؤلاء الموجهون السياسيون وجهوا لي بالاسم في التليفزيون شتائم واتهامات بالعمالة والخيانة، وحيث أن القانون المصري يعاقب على جريمة القذف والسب فقد تقدمت ضدهم ببلاغ للنائب العام أرفقته بفيديوهات تحتوى على السب والقذف الذى مارسوه في حقي. ظل النائب العام يدرس البلاغ لمدة عام كامل ثم قرر حفظه لأنه لاوجه لاقامة الدعوى. كل من يعارض السيسي الآن كرامته مستباحة.

شبان مصريون يتظاهرون في القاهرة احتجاجا على اتفاقية الجزيرتين تيران وصنافير.

لأول مرة منذ أعوام يدخل فيلم مصري اسمه”اشتباك” المسابقة الرسمية لمهرجان “كان”. يفترض أن يسعد المصريون بهذا الانجاز الفني ولكن لأن مخرج الفيلم محمد دياب اشترك في الثورة وقدم وجهة نظر نقدية لنظام السيسي فقد أذاع التليفزيون الرسمي تقريرا يهاجم الفيلم ويثير الشكوك حول وطنية دياب ويعتبر احتفاء مهرجان “كان” بفيلمه دليلا على عمالته للغرب. تماما مثلما احتكر حكم الاخوان الدين فان النظام الحالي يحتكر الوطنية ويحصرها في التأييد المطلق للسيسي..

هذه الحالة الهستيرية التى يبثها الاعلام للأسف أثرت بالفعل في قطاع من المواطنين فصاروا يعتبرون من يعارض السيسي يشتم مصر لأن السيسي فى وجهة نظرهم هو مصر وأي نقد له إهانة للوطن. على أن التناقض وصل إلى الذروة عندما استيقظ المصريون ذات صباح فوجدوا الرئيس السيسي قد تنازل عن جزيرتين مصريتين هما “تيران وصنافير” للمملكة السعودية. عشرات الوثائق تؤكد أن الجزيرتين مصريتان لكن مجلس الوزراء أصدر بيانا أكد فيه أن الجزيرتين سعوديتان ثم دارت ماكينة الاعلام لتتهم كل من يدافع عن الجزيرتين بالعمالة.

صرنا هنا بين مفهومين متناقضين: الوطنية المغشوشة التى تختصر الوطن في شخص الرئيس وتفوضه ليفعل ما يشاء “حتى لو تنازل عن الاهرامات فنحن معه” كما قال أحد مؤيديه في التليفزيون، والوطنية الحقيقية التى تعتبر الوطن أهم من أي شخص وتؤيد الرئيس أو تعارضه وفقا لمصلحة الوطن كما تراها.. المدافعون عن الجزيرتين، ومعظمهم من شباب الثورة، اشتركوا في مظاهرات سلمية فتم القبض عليهم بطريقة عشوائية وتم الحكم بحبسهم من سنتين إلى خمس سنوات طبقا لقانون غير دستوري هو قانون التظاهر بالاضافة إلى باقة من التهم المطاطة التى تستعمل لحبس أي معارض مثل: التحريض ضد الدولة وإثارة البلبلة وتكدير السلم العام.

إن التأييد المطلق للزعيم ليس وطنية وإنما فاشية تحتكر الصواب وتسعى لتدمير كل من يختلف معها. في الدول الديمقراطية فقط هناك دائما مكان للمختلفين في الرأي أما في الأنظمة الاستبدادية فإما أن تؤيد الزعيم الملهم أو يتم حبسك و تدمير سمعتك.

الديمقراطية هي الحل.

*عن صفحة الكاتب

وعن موقع DW