بدت الأمريكية التي قبلت بسرير إضافي في أحد منازل أقاربي بحي سيدي فاتح بالمدينة القديمة بالرباط، هذا الأسبوع ، غير عادية. كنت أتساءل مرارا دون الوقوف عند التفاصيل، عن عدد الأمريكيات اللواتي يخترن لعيش لشهور متعددة، في جبالنا ، ورمالنا ، وبأكواخنا، لحد أنهن أبدين إعجابهن بشاينا وخبزنا، وطرق عيش نسائنا، فتشوا في كل دواخلنا حد معرفة أماكن تبول نسائنا، دون إغفال أي بنذ في علاقتهن بأبناهن وأزواجهن، وبمحيطهن في الدرب والممرات والأكواخ المجاورة. كان المشهد يساءل قلقي الدائم حول الوظيفة الحقيقية لهؤلاء الجميلات الموزعات بإتقان في أحيائنا الفقيرة منها على الخصوص،.. وكثيرا ما حاولت أن أطرد الصور التي تلاحقني، من مخيلتي، كلما تعرضت للانتقاد من طرف زملائي وأصدقائي اللذين أردت مرارا أن أقاسمهم ما يدور في ذهني، هؤلاء سمعت منهم، دروسا في كون مفهوم المؤامرة انتهى في ثقافة ماتت مع «الحرب الباردة»، ورددوا على مسامعي أن العالم تغير نحو بناء ديمقراطي في قرية صغيرة تستدعي القطيعة مع ثقافتنا المتخلفة، نحو «الأنسنة» التي خاض المغرب فيها معركة ، بالتوقيع على كافة الاتفاقيات الكفيلة بوضعنا صفا الى جانب الدول الديمقراطية,,

كانت تدوينات الأمريكية التي قادتني الصدفة – في غيابها- للإطلاع عليها في مفكرتها ، تقول غير ذلك، فالدقة التي تنقل بها المعلومات تهيئ لتعامل آخر، لرقيب يريد بناء جسر مختلف لبلدنا، لا تكافؤ فيه ولا أنسنة.. تساؤلات مرت بذهني قبل أن أنسخ ما كتبته الأمريكية التي كانت تدون المعلومات ليلا، وتترك أغراضها نهارا لتجوب أماكن عدة في الممرات الضيقة على الخصوص.

لم أنتبه أني أقوم بسلوك ضد مبادئي التي تمنعني من التفتيش في أغراض الآخرين، أحسست أن شيئا ما يعلقني من أمعائي لفعل ذلك. قرأت الكراسات مرات، احتفظت بها في مخيلتي، لا أحد يسمع كل خرافاتي، في كون الأمريكية لا تقوم بفعل نبيل.كما لا أحدهم من أصدقائي المثقفين مستعد للنقاش في الموضوع، كلهم وكلهن مشغولين بالسؤال الكبير جدا حول «حوار الحضارات»، هؤلاء في أغلبيتهم ،ضحكوا من خروج مفهوم «صدام الحضارات» على لسان الفقيد المهدي المنجزة ، الذي قال أن «ثمة ظلم هائل في العالم، ومن اللازم إيجاد الحلول كي يكون كل الناس رابحين وكي لا يكون هناك خاسر» و على إثر هذا الموقف الذي سجله المنجرة كتابة وتحليلا، اعترف المفكر الأمريكي صامويل هنتجتون بمرجعية وأسبقية المهدي المنجرة في طرح مفهوم صراع الحضارات. و يرى المنجرة أن الغرض من ذلك يكمن في ترسيخ قيم العدالة الإنسانية، وتفادي الكوارث اللاإنسانية في حق البشرية جميعا، بنبذ الكراهية والتحريض، وضمان سيرورة تاريخية للقيم المثلى، التي تحكم وتحكمت في العامل الإنساني ، أي علاقة إنسانية تحكم في ثنائية الشمال -جنوب، مؤكدا أن التخلف الذي يعانيه العالم الثالث ثقافي قبل أن يكون اقتصاديا واجتماعيا، وأن التنمية أو مفتاحها هو الثقافة، وأنه لا توجد ثقافة بدون منظومة قيم ، ودون ذلك سيعاني الضعفاء من الشيوخ والأطفال بل سيؤدون الثمن باهظا.فلا بد للإنسيين من خلق حوار حضاري بين شمال العالم وجنوبه. تذكرت يوم أبان زميل لي عن أسنانه الخلفية عندما سمع تدخلي حول «أفريكوم» في إحدى مساهمتي في ندوة بدولة مجاورة، كما تذكرت يوم عمل زميل، اختار محاورتي، بإحدى القنوات الالكترونية ، على توقيفي عندما سألني عن «الساحل والصحراء» فقلت له «ما يحدث في الساحل والصحراء خطا دولي، يتحمل فيه المجتمع الدولي مسؤوليته، وعلى رأسه دول مراكز القرار، أمريكا على الخصوص»، لم يتردد زميلي في الإشارة أني خرجت عن الموضوع، وأن زمن البرنامج ضيق للاسترسال…لا أخفيكم قرائي أني لست مقتنعة بثاتا أن أمريكا تؤسس للعالم الآمن، وقبل أن تتحرش بقضية بلدي العادلة ، كنت أقرأ لغة الدمار التي نشرتها، في عيون أطفال العراق، هؤلاء اللذين وقفت قبل سنتين عند حجم الكارثة التي لحقت ببلدهم، كما قرأت ذلك في عيون اطفال فلسطين وفي دول الطوق، قبل أن أقف عند الخراب، تحث عنوان ما سمي» بالربيع العربي « الذي أسست له الدولة العظمى، تلك التي توخينا منها رعاية السلام العالمي، وضمنه دول الحراك العربي، التي تهدمت في غالبيتها تحت وابل شعارات القيم التي دافعنا عن تشارك حقيقي بخصوصها. وهي اللغة –أصدقائي- التي تستعمل ، الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية والديمقراطية وحقوق الإنسان ، لكي توظفها في لعبة تكرس بالفعل أن يظل الشمال شمالا والجنوب جنوبا، وأن الإنسان ليس واحد، وأن العالم خلق ليحكم الأقوياء فيه الضعفاء ، بمنطق يتم محاربته في الظاهر و تعميقه بالخفي في العلاقات الدولية، التي يتضح اليوم فيها، بشكل جلي، أن الضحية هو الإنسان الذي آمن «بالانسنة» في غياب الشروط الكفيلة بممارسة الفعل الإنساني بالتوازنات الدولية، بالفعل الديمقراطي ، بثقافة الند للند، لا فرق بين دول كبيرة وصغيرة إلا بالإرادة والقدرة والرغبة في النهوض بالإنسان أينما كان شمالا أو جنوبا شرقا أو غربا.

*ماي 2016.