إن الحديث عن «الاستراتيجية المستقبلية» بالنسبة لنزاع الصحراء المغربية لا يعني، ولا يجب أن يعني غياب استراتيجية وطنية في تدبير ملف النزاع المفتعل حول أقاليمنا الجنوبية.

بل إن النجاحات المتلاحقة، المتعاقبة التي حققها المغرب في مجال تحرير أقاليمنا الجنوبية، وإحباط مناورات خصومه، منذ سنة 1975 إلى يومنا الراهن، في ظل القيادة الرشيدة لجلالة الملك، ما كانت لتحصل لولا توفر المغرب على استراتيجية وطنية شاملة، متجددة، بمتغيراتها المتعددة: العسكرية، والسياسية، والدبلوماسية، والمؤسساتية، والتنموية، والحقوقية وغيرها…

فالأمر يتعلق إذن، في ظـل ما يعرفه هذا النـزاع المفتعل من تطورات، وما يطاله من متغيرات – باستجلاء متطلبات ووسائل تكييف استراتيجيتنا الوطنية، التحريرية مع مستجدات وتطورات ملف النزاع المفتعل حول أقاليمنا الجنوبية من جهة، ومع دينامية التحولات السياسية والجيوسياسية التي تغشى منطقة المغرب العربي، وفضاء الحوض الغربي للمتوسط، كما تطال موازين القوى على الصعيد الدولي والجهوي من جهة أخرى…

وعلى قاعدة هذا التدقيق المنهجي لمعنى الموضوع، يمكن مقاربة مبناه على ضوء أربع مقتربات مترابطة:

أولها: استحضار أهم الدروس التي تمخضت عن الأزمة الناشبة مع الأمانة العامة للأمم المتحدة؛ إذ أنها تمثل في نظرنا متغيراً جديداً في مسار هذا النزاع المفتعل.

ثانيها: رصد بعض العناصر في ملف النزاع، التي من شأنها تحويل الأزمة الناشبة إلى فرصة سانحة.
ثالثها: توضيح زيف الأطروحات التي يُوظفها حكام الجزائر من أجل تبرير مؤامرة «الانفصال»، والتعمية على مطامع التوسع نحو المحيط الأطلنطيكي.
رابعها: الاستمساك بأفق استراتيجي، مستقبلي لإنهاء هذا النزاع المفتعل الذي عمر أزيد من أربعة عقود (1975-2016).

أولاً: المقترب الأول: دروس الأزمة الناشبة:

لقد تابع الرأي العام الوطني والدولي تفاصيل الأزمة الناشبة بين المغرب والأمانة العامة للأمم المتحدة، بسبب تصرفات وتصريحات الأمين العام للأمم المتحدة، أثناء زيارته للجزائر وتندوف.
وتسمح القراءة المتأنية لتصرفات وتصريحات السيد بان كي-مون، بخلفياتها ومراميها، من جانب أول، وبمحتوى تقريره السنوي، حول تطورات النزاع من جانب ثان، وبمداولات مجلس الأمن الدولي حول توصيات «التقرير»، ومواقف مختلف أعضائه، لدى إقرار فقرات القرار 2285/2016، حول النزاع من جانب ثالث – ضرورة استخلاص الدروس الدالة من كل هذه التطورات، في اتجاه استثمارها المنتج والفعال في الدفاع عن الحوزة الترابية للمغرب.
وفي هذا المضمار، نركز النظر على ثلاثة دروس أساسية، ذات دلالة سياسية، وجيوسياسية بالغة.

1- الدرس الأول ويتعلق بضرورة استخلاص العبرة من ازدواجية الموقف الأمريكي إزاء نزاع الصحراء المغربية.
إن مبادرة البعثة الأمريكية بالأمم المتحدة سنة 2013، في شأن «توسيع مهمة المينورسو» لكي تشمل «مراقبة حقوق الإنسان» بالصحراء المغربية، ثم مبادرة نفس البعثة سنة 2016، في شأن الموقف المغربي من المكون المدني-السياسي في تشكيلة «المينورسو»، في سياق الأزمة الناشبة مع الأمين العام للأمم المتحدة، لتكشفان بالملموس الطابع الإزدواجي لـ «الحليف» الأمريكي في شأن النزاع المفتعل حول الوحدة التربية للمملكة المغربية. وهو الموقف الذي يشي – بالنسبة للمغرب، شعباً ودولة – بمناهضة مضمرة لشرعية ومشروعية موقف المغاربة قاطبة في الدفاع عن وحدة بلادهم الترابية.
وهو الموقف الأمريكي الذي أضحى يطرح جدية وفاعلية «العلاقة الاستراتيجية» ما بين المغرب والولايات المتحدة، وهي العلاقة المبنية على ثلاثة مرتكزات حيوية: أولها: التضامن المتبادل، في القضايا الحيوية، المشروعة، لكلا البلدين على الصعيدين الجهوي والدولي؛

ثانيها: اقتسام المسؤوليات وتشاطر الالتزامات لتعزيز الأمن والاستقرار في الحوض الغربي للمتوسط، وفي منطقة الساحل-جنوب الصحراء؛ ثالثها: تقاطع المواقف والسياسات في مجال معالجة النزاعات الإقليمية والدولية، على أساس الشرعية الدولية، وعبر قواعد الحوار، ومبادئ العدل والتفاهم والتوافق.
ولا مراء، فإن هذا الشرخ الذي أحدثه الموقف الأمريكي المكشوف في العلاقات «الاستراتيجية» الأمريكية-المغربي، ليستدعي، من جانب المغرب، أمرين ضروريين:

أولهما: قيام المغرب بطرح ومناقشة واقع «الشراكة الاستراتيجية» بين المغرب والولايات المتحدة، وذلك في إطار جولة جديدة من الحوار السياسي-الاستراتيجي بين البلدين؛ ثانيهما: المضي قدماً في نهج تنويع الشراكات الاستراتيجية للمغرب، مع أقطاب دولية بازغة، وهو النهج الذي أطلقه خطاب جلالة الملك في «قمة المغرب-دول الخليج العربي» التي عقدت أخيراً بالرياض. وهو التوجه الذي يتفاعل إيجاباً مع التحولات الجارية على مستوى التوازنات الدولية، وانعكاساتها على المستويات الإقليمية والجهوية…

2- الدرس الثاني، وينصب على ضرورة استخلاص العبرة من واقع الحيادية النسبية التي تطبع تصرفات ومقاربات عدد غير قليل من أجهزة الأمم المتحدة…
وأخذاً بعين الاعتبار مضاعفات هذا الواقع المؤسف على صعيد ملف النزاع المفتعل حول الصحراء المغربية، كما تكشّف ذلك خلال الأزمة الناشبة مع الأمانة العامة للأمم المتحدة، فإن إعادة تقييم، وضرورة تقويم للفعل والحراك الدبلوماسيين المغربيين، باتتا تفرض نفسيهما.
وفي هذا الاتجاه، يبدو من المناسب تجديد وتكييف المخطط الدبلوماسي المغربي على الصعيدين الثنائي والمتعدد، استناداً إلى المرتكزات التالية:

أولها: تعميق الوعي وإثراء الإدراك بجوهر المحددات والمعايير (Les paramètres) التي حددها مجلس الأمن الدولي، منذ سنة 2004 (القرار الأممي رقم 1720/2004) أساساً ومساراً لتسوية النزاع، وهي التسوية (Le Règlement) القائمة على «حل سياسي، توافقي، قائم على روح التراضي (compromis) والواقعية”.
ومن أجل تفعيل هذا المسار الأممي في تسوية النزاع، تجاوباً مع مناشدة مجلس الأمن لأطراف هذا النزاع، تقدم المغرب بمقترح “الحكم الذاتي” في إطار السيادة المغربية، في أبريل 2007. وهو المقترح الذي أنضجته مشاورات دولية قبلية، واكتسب شرعية أممية بعدية، باعتباره مقترحاً يتسم بـ “الجدية والواقعة والمصداقية”، كما دأبت قرارات مجلس الأمن على توصيفه منذ تاريخ تقديمه، أي منذ 30 أبريل 2007.
أما الطرف الآخر في النزاع، طرف الجزائر-البوليساريو، فإنه ما انفك متمترساً خَلف موقف سوريالي، عفا عنه زمن النزاع، منذ أن أقر المجتمع الدولي بفشل “مخطط التسوية الأممي (1991-2004)”، وتبنى مجلس الأمن الدولي مساراً أممياً بديلاً لمعالجة النزاع، هو مسار “الحل السياسي، التفاوضي” (2004).
وقد تجاوب المغرب، بمسؤولية وحسن نية، مع هذا المسار الأممي البديل، فتقدم بمقترح “الحكم الذاتي” في ظل السيادة المغربية، كأرضية للتفاوض في أفق الحل السياسي المنشود.
وعلى ضوء هذه التطورات السياسية والقانونية التي كيفت موقف المجتمع الدولي من النزاع، ينبغي قراءة الإجراء المغربي، القاضي بترحيل المكون السياسي-المدني لبعثة المينورسو.
إن المحدد الوجودي لبعثة الأمم المتحدة (المينورسو) في الصحراء المغربية، وكذا ولايتها لتكمنان في مطابقة مهمتها لروح ومقتضيات مسار الحل السياسي الذي أقره مجلس الأمن. ولئن ظلت مهمة الشق العسكري في تشكيلة “المينورسو” حيوية وضرورية لمراقبة سريان “وقف إطلاق النار”، وفقاً لـِ “الاتفاق العسكري” بين أطراف النزاع سنة 1990، فإن شقها المدني-السياسي قد أضحى في أمس الحاجة إلى تكييف، منذ سنة 2004، مع مقتضيات القرار الأممي (1720/2004)، وأكد القرار ( 1954/2007 ) وهو القرار الذي طوى مسطرة “الاستفتاء” (=مخطط التسوية/1991)، وتبث خيار “الحل السياسي” بديلاً عنه.
وطالما أن جوهر إشكالية الشق المدني-السياسي في تشكيلة المينورسو، يكمن في مدى تكييف مهمته مع مسار “الحل السياسي”، الأممي، فإن المفاوضات بين المغرب والأمانة العامة للأمم المتحدة، حول “عودة” المكون المدني-السياسي، المرحل، ينبغي أن تتمركز حول طبيعة دوره ومهمته، بما يتوافق ويتجاوب مع إرادة المجتمع الدولي في تفعيل خيار التسوية السياسية للنزاع.
ولقد أوضح السيد بيتر فان فالسوم (Peter Van Valsam)، المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة سنة 2008، هذا الإطار الجديد الذي باتت تُطرح في سياقه معالجة النزاع المفتعل حول الصحراء المغربية، وهو إطار “المفاوضات”، باعتبارها “الطريق الوحيد للوصول إلى حل نهائي”.

3- الدرس الثالث، ويحيل على ضرورة إجراء تكييف ملائم للحراك السياسي والدبلوماسي المغربي، خارج أورقة الأمم المتحدة، بما يعزز جانب الأطروحة المغربية في النزاع المفتعل، ويفضح الأراجيف التي دأب خصوم وحدتنا الترابية على ترويجها دولياً.
ويتعلق الأمر، تحديداً، بضرورة تجديد منهجية العمل الدبلوماسي في مجال تدبير النزاع، وذلك في اتجاه عمل استباقي لمناورات خصوم الوحدة الترابية للمغرب.
وفي هذا المضمار، قد يكون من المفيد تركيز الاهتمام في عملية التجديد هذه على التوجهات التالية:

أولها: تتويج الجهود الجبارة التي اضطلعت بها الخارجية المغربية، بمهنية وكفاءة عاليتين، في تدبير الأزمة الناشبة مع الأمانة العامة للأمم المتحدة، بوضع برنامج استعجالي لتقويم وتعزيز عمل الدبلوماسية في “المناطق الرمادية” التي يسجل فيها غياب أو حضور باهت للعمل الدبلوماسي، والإشعاع السياسي المغريين (الفضاء الاسكندافي/المجموعات الدولية البازغة/المناطق الأنجلو-ساكسونية/مناطق في أمريكا اللاتينية الخ…).
وقد يكون من المفيد استناد صياغة هذا البرنامج الاستعجالي، لتعزيز وتوسيع النفوذ الدبلوماسي المغربي، على تحديد دقيق للمناطق الجغرافية الرمادية، والفضاءات السياسية الجديدة من جهة، وعلى استدماج خلاصات وتوصيات ندوة وطنية، تشاركية، تضم أكاديميين مختصين، وفاعلين مجتمعيين مهتمين، وناشطين اقتصاديين-سياسيين في صياغة هذا البرنامج الاستعجالي من جهة أخرى.
ثاني التوجهات ويخص التزام الحكومة المغربية بتنمية الموارد التمويلية الكافية لقطاع وزارة الخارجية والتعاون، برسم القانون المالي الجديد، لمواجهة الإكراهات والتحديات التي تحيط بالنشاط المغربي. وندعو البرلمانيين، نواباً ومستشارين، إلى دعم هذا الاقتراح.
ثالث التوجهات، تعزيز وهيكلة الدبلوماسية “الموازية”، البرلمانية منها والحزبية والمجتمعية، استناداً إلى معايير صارمة، معايير الخبرة المعرفية، والفعالية الميدانية، والحصيلة الفعلية للأداء السياسي والدبلوماسي.
ويتعين في هذا المضمار العمل على إرساء شراكات في مجالات دبلوماسية حيوية محددة مع مراكز بحثية كفؤة في مجال العلاقات الدولية، ومع الشُعب المتخصصة في مختلف الجامعات المغربية.
رابع التوجهات، إحداث أطر تداولية سنوية ملائمة، من قبل وزارة الخارجية والتعاون، من أجل تقييم وتقويم الحصيلة الدبلوماسية على مستوى كل جهة من الجهات الجغرافية الدولية، المندرجة في جغرافية الانتشار الدبلوماسي المغربي، في سياق ندوات إقليمية تضم سفراء المغرب على صعيد كل جهة جغرافية، يستدعى لحضورها ملاحظون أكاديميون، وخبراء جامعيون، ومراكز بحث وخبرة، متخصصة.

ثانياً: المقترب الثاني، ويقوم على رصد بعض العناصر في ملف النزاع التي من شأنها تحويل الأزمة الناشبة إلى فرص سانحة.

ويتعلق الأمر بضرورة التركيز على مسائل حيوية في ملف النزاع، باتت شحناتها قوية، متأججة، في شروط الأزمة الدبلوماسية الناشبة.

I- أولى هذه المسائل الحيوية في ملف النزاع، تتصل بالوضع المأساوي للساكنة الصحراوية في مخيمات تندوف.
وكما هو معلوم، فإن الحكومة الجزائرية التي تحتجز بالقوة العسكرية آلافاً من المغاربة الصحراويين، منذ ربيع 1976، في مخيمات تندوف-لحمادة، بذريعة أنهم “لاجئون”، قد طالبت، ولا تزال تطالب، اللجنة التنفيذية للمندوبية السامية للاجئين (H.C.R) بتقديم المساعدة لهم، مشيرة في تقريرها إلى هذه الهيئة الأممية، سنة 1976، إلى “أن 50.000 لاجئ قد استقروا فوق ترابها”.
بيد أن استحضار الشروط والملابسات التي أحاطت بـ “لجوء” جزء من ساكنة أقاليمنا الجنوبية إلى تندوف، ما بين شهر نوفمبر 1975 وشهر يناير 1976، ليؤكد بحكم الواقع، ودليل الحقيقة، أن الأمر لم يكن يتعلق بحالة “لجوء”، بل بحالة تنقيل إكراهي (Transfert)، وبجريمة ترحيل قسري، تعسفي (Déportation).
وبالفعل، فغداة توقيع “اتفاقية مدريد” في منتصف نوفمبر 1975، سارع الجيش الجزائري، متبوعاً بميلشيات بوليساريو، حديثة التشكل، إلى السطو على مناطق من الصحراء المغربية المسترجعة، واحتل بعض المراكز الصغيرة التي كانت تحت سيطرة الجيش الإسباني المحتل.
وفي ظل التدخل العسكري الجزائري السافر، تمت عملية التنقيل القسري لآلاف من الساكنة الصحراوية، عبر الابتزاز وخلق حالة من الرهاب (Psychose)، وتعبئة العديد من الشاحنات العسكرية الجزائرية لنقلها نحو تندوف، حيث تمت إقامة قواعد عسكرية جزائرية-بوليسارية.

. ولئن أوقفت المعركة التي خاضتها القوات الملكية المسلحة في موقع “أمجالا”، في 29 يناير 1975، عملية التدخل العسكري المباشر، فإن ذلك قد تم، بعد أن تمكن الجيش الجزائري وميليشيات البوليساريو من تنقيل وتهجير الآلاف من الساكنة بوسائل الإكراه والترهيب…

وإزاء فظاعة هذه الجريمة الإنسانية المزدوجة، جريمة “الترحيل القسري” لآلاف من المغاربة الصحراويين، وجريمة حرمانهم من أبسط حرياتهم وحقوقهم داخل معسكرات الاحتجاز في تندوف، فضلاً عن مصادرة المساعدات الإنسانية المتحصل عليها باسمهم – يصبح من المشروعية بمكان، في هذه الظرفية الدقيقة التي يمر منها ملف النزاع في أروقة الأمم المتحدة، توسيع وتكثيف نضال المغرب السياسي والدبلوماسي، في سبيل تعبئة الرأي العام الحقوقي، الدولي من أجل تمكين محتجزي تندوف من ممارسة حرياتهم الجوهرية، وحقوقهم الأساسية، كما تنص عليها المواثيق والعهود الدولية، وفي صدارتها “الإعلان العالمي لحقوق الإنسان”، و”العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية”، وأحكام “الاتفاقية الدولية” لسنة 1951، الخاصة بـ “اللجوء”، ذات الطابع الدولي العام، وأحكام اتفاقية “منظمة الوحدة الإفريقية” لسنة 1969، ذات الطابع الدولي الإقليمي.

وفي سياق الحملة السياسية والدبلوماسية المطلوبة من أجل فك الحصار المضروب على محتجزي تندوف، ينبغي مطالبة الأمم المتحدة والمجتمع الدولي بالعمل الواجب على توضيح ومعالجة الوضع المزري، اللإنساني المفروض على هذه الساكنة المغربية المحتجزة بمخيمات تندوف منذ أربعين سنة، وذلك:

إما باعتبار وضعهم الحقيقي كضحايا “تنقيل قسري”، تعسفي، اقترفه الجيش الجزائري في إطار مخطط سياسي يرمي إلى اتخاذهم رهائن للمساومة بهم في النزاع المفتعل حول الصحراء المغربية. وفي هذه الحالة، يتعين تحريرهم بدون تأخير، وطرح المسؤولية الجنائية الدولية لأولئك الذين ارتبكوا جريمة “تنقيلهم القسري”، وحرموهم من حريتهم الجوهرية، وسلبوا حقوقهم الإنسانية الأساسية؛
ب- وإما باعتبارهم “لاجئين”، مشمولين بالمعايير والمقتضيات القانونية الدولية، الإنسانية، الأساسية المعتمدة، وفي هذه الحالة يتعين العمل على تفكيك المعسكرات التي تحشدهم، وإنها الحصار العسكري المضروب عليهم، السالب لحقوقهم الإنسانية، ولحرياتهم الأساسية.

II- ثانية هذه المسائل الحيوية وتتصل بوضع «المنطقة العازلة» (Zone tampon)، الواقعة خارج الجدار الأمني، وهو الوضع الذي سعت زيارة السيد بان كي-مون لـ “بئر لحلو”، برفقة قيادة البوليساريو، إلى تغيير طابعه: كمكون تاكتيكي في منظومة الدفاع المغربية عن الأقاليم المسترجعة، ليصبح – في منطق ومدلول هذه الزيارة “الأممية” ومراميها السياسية – “قطاعاً محرراً” في قبضة البوليساريو، وهو المدلول الإشكالي الذي يطعن في منطق وصدقية المسار الأممي في معالجة النزاع.

ومن أجل احتواء عواقب ما أقدم عليه الأمين العام للأمم المتحدة من تصرف غير مسئول، من شأنه الإيحاء بتزكية سياسية “أممية” لادعاءات خصوم وحدتنا الترابية، يبدو من الأهمية بمكان إطلاق حملة سياسية-دبلوماسية مكثفة لتوضيح طبيعة ووضع “المنطقة العازلة”، والتذكير بأسباب نزول إقامتها على جزء من أراضي الصحراء المغربية المسترجعة، وهي الأسباب التي تنصب على المقتضى الدفاعي، والمرمى السلمي، في استراتيجية المغرب الدفاعية.

III- ثالثة المسائل الحيوية، وتحيل على عناصر الفشل في مقاربات المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة في ملف الصحراء المغربية، السيد كرستوفر روس.
ومما لا شك فيه، فإن انفجار الأزمة السياسية-الدبلوماسية مع الأمين العام، بسبب مواقفه اللامسئولة، قولاً وفعلاً، لدى زيارته إلى الجزائر وتندوف، ليعكس بالملموس فشلاً ذريعاً لمهمة مبعوثه الشخصي في تفعيل المسار الأممي الذي أقره مجلس الأمن لمعالجة النزاع.
وحرصاً من المغرب على التشبث بالشرعية، وبممارسة ضبط النفس، وعلى تأكيد رغبته الراسخة في التعاطي بجدية وحسن نية مع الجهود الحثيثة لمجلس الأمن الدولي، وهي الجهود الرامية إلى إرساء «حل سياسي، تفاوضي» للنزاع – فإن المطالبة الحازمة بإنهاء مهمة السيد كرستوفر روس، كمبعوث شخصي، تصبح ذات موضوع، فضلاً عن كونها إجراءً ضرورياً لإرساء علاقات إيجابية وبناءة مع الأمانة العامة للأمم المتحدة، من شأنها المساهمة في فتح فصل جديد من التعاون والتفاهم، يتأسسان على الثقة والموضوعية وحسن النية، ويتحليان بفضائل الممارسة القويمة، الجديرة بدبلوماسية الأمانة العامة للأمم المتحدة.

ثالثاً: المقترب الثالث، وينصب على فحص ودحض الدعاوى الجزائرية الموظفة في دعم وتبرير المخطط الانفصالي المدبر ضد المغرب.

وتعتمد الدبلوماسية الجزائرية في سياق تغذية النزاع المفتعل حول الصحراء المغربية على ثلاثة مرتكزات:

1- أولها: دعوى مساندة «حركة تحرير»، أطلق عليها اسم»بوليساريو». ومعلوم أن بعض القيادات الشابة التي ستتزعم فيما بعد «البوليساريو»، قد اتخذت موقفاً راديكالياً ضد الاحتلال الإسباني في مرحلة 1973-1974 – وهي مرحلة التأسيس في شمال موريتانيا – لكنها سرعان ما دخلت في تفاهمات – على حساب المغرب – مع القيادة العسكرية الإسبانية في الصحراء المغربية المحتلة في مرحلة تالية (1974-1976)، وهي المرحلة التي وقع فيها بعض قادة البوليساريو الشباب تحت هيمنة المؤسسة العسكرية الجزائرية.

في حين فقد تجاهلت سلطات النظام الجزائري حركات التحرير الصحراوية التي شرعت في مقاومة الاحتلال الإسباني فعلياً وميدانياً منذ بداية السبعينات، وعلى مدى خمس سنوات (1970-1975). وفي مقدمة هذه الحركات التحريرية: تنظيم «حركات التحرير»، وهي حركة عروبية وحدوية، كانت وراء تنظيم مظاهرات العيون سنة 1970. وإلى جانب هذه الحركة التحررية، تأسست «جبهة التحرير والوحدة»، وهي من تأسيس شباب صحراوي، عام 1972، قام نضالها على المطالبة بتحرير الأقاليم الجنوبية وعودتها إلى الوطن-الأم.

كما واصلت «الحركة الثورية للرجال الزرق» (MOREHOB) نضالها التحريري، انطلاقاً من الجزائر في البداية من أجل تحرر «الساقية الحمراء» ووادي الذهب، ثم انطلاقاً من الخارج بعد ذلك.
وبطبيعة الحال، فقد تجاهلت السلطات الجزائرية هذه الحركات التحريرية، المناهضة للاحتلال الإسباني للصحراء، لأنها اتخذت موقفاً وطنياً، يطالب بعودة الأقاليم الصحراوية إلى وطنها-الأم: المغرب.

ولقد كان إقدام حكام الجزائر على استقطاب وإعادة هيكلة «البوليساريو»، بما يتلاءم ومقتضيات مخططها الانفصالي، حَلقة أساسية في استراتيجية عسكرية-سياسية، رامت تبرير تدخل عسكري جزائري، في ميدان الصحراء المغربية، غداة إطلاق المرحوم الحسن الثاني للمسيرة الشعبية الحاشدة: «المسيرة الخضراء» (نفمبر1975).

وبالفعل، فقد سارع الجيش الجزائري إلى التوغل في المنطقة الجنوبية-الشرقية من الصحراء المسترجعة (المحبس، بئر لحلو، تيفارتي، أمجالا، ﯖلتة زمور)، في مستهل دجنبر 1975، بتواطؤ سافر مع قيادات عسكرية إسبانية، ميدانية، كانت متذمرة من توقيع الحكومة الإسبانية، بمدريد، على «الاتفاق» الثلاثي بين إسبانيا من جهة، والمغرب وموريتانيا من جهة أخرى.

وفي ظل واقع التواطؤ الميداني – الذي فاجأ الإدارة المغربية بالعيون – بين قيادة الجيش الإسباني (TERCIO)، ووحدات الجيش الجزائرية المتدخلة من أجل عرقلة تطبيق مقتضيات «اتفاق مدريد»، برز دور جماعة «البوليساريو» في ترهيب أعيان وشيوخ الساكنة الصحراوية، وتحريضهم على مناهضة السلطات الوطنية المغربية التي استلمت إدارة الأقاليم الصحراوية المسترجعة.
وفي هذه الأثناء – نوفمبر 1975/يناير 1976 – كان الجيش الجزائري المتدخل، يسلك في المناطق الصحراوية التي احتلها في الشرق الصحراوي، مسلك جيش احتلال بكامل أوصافه: كان يتمركز، ويُدمر، ويتابع إرساء تحصيناته وتعزيز مراكزه..

2- ثانيها: دعوى التشبث بمبدأ «تقرير المصير» الذي أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة في دجنبر سنة 1960 (1514/XV)، في سياق دعم “حركات التحرر الوطني” في الأقطار الإفريقية-الأسيوية المستعمرة. ولئن شكل إقرار هذا المبدأ الحقوقي، الأممي أداة نضالية فعالة لدعم ومساندة كفاح الشعوب المستعمرة من أجل تحقيق استقلالها الوطني – فإن المشرع الأممي حرص كل الحرص على منع تحريف هذا المبدأ التحرري عن جوهره وهدفه، فتضمنت الفقرة السادسة من القرار مقتضى ينص تصريحاً على منع اتخاذه مطية لتفتيت الوحدة الترابية للشعوب والأقطار.

وقد نصت هذه الفقرة السادسة بوضوح: “كل محاولة ترمي إلى تدمير، جزئياً أو كلياً، الوحدة الوطنية، والحوزة الترابية لبلد ما، إنما تناقض الأهداف والمبادئ المنصوص عليها في ميثاق الأمم المتحدة”.

واستناداً إلى مقتضيات هذه الفقرة السادسة من نص القرار الأممي، دافع فقهاء القانون الدولي الفتناميون عن وحدة الشعب الفتنامي شمالاً وجنوباً، وكسبوا بمقتضاها تأييد العديد من الدول في المجتمع الدولي. بل إن “جبهة التحرير الجزائرية” ذاتها احتجت في الأمم المتحدة بهذه الفقرة السادسة من نص القرار، لمنع فصل فرنسا لمنطقة الهكار (Haggar)، سنة 1961، عن بقية الصحراء الشرقية، وهي المنطقة التي كان لها وضع خاص (Statut spécial) في نظام الاحتلال الفرنسي للجزائر. وقد ساندتها في ذلك نحو 30 دولة أسيوية وإفريقية في الأمم المتحدة.

وتجنباً للاستعمال السياسي المغرض لمبدأ «تقرير المصير»، لم تلبث الجمعية العامة للأمم المتحدة أن أصدرت قراراً يحدد مدلولات «تقرير المصير»، مصنفة إياها إلى أربع صيغ سياسية لـِ «تقرير المصير»، وذلك وفق الشروط التاريخية والسياسية المؤطرة لكل حالة من حالات القائمة.

وهكذا، «فتقرير المصير» يتحقق أولاً عبر آلية «الإدماج»، وهو ما حصل بالنسبة لتحرير مدينة افني المغربية سنة 1969، استناداً إلى مقتضيات اتفاقية فاس (يناير 1969) بين المغرب وإسبانيا، وهي المقتضيات التي نصت على إلحاق وإدماج «مستعمرة افني» بالمغرب.

ويتم «تقرير المصير» ثانياً، عبر آلية «الحكم الذاتي»، وهي الصيغة التي تقدم بها المغرب في مبادرته المعلنة في 13 أبريل 2007.
ولدى تعليقه على مبادرة المغرب هذه، فقد أكد الممثل الشخصي الأسبق، للأمين العام للأمم المتحدة، السيد بيتر فان فالسوم، أن «لا تماثل، ولا تماهي ما بين مدلول مبدأ تقرير المصير والاستقلال»، موضحاً «… إن تقرير المصير ليس مرادفاً بالضرورة للاستقلال».
ويتم ثالثاً، «تقرير المصير» عبر آلية الاستيعاب، وهي الصيغة التي بمقتضاها تم استيعاب الولايات المتحدة، سنة 1952، لجزيرة بورتو ريكو (Porto Rico).

ويتم رابعاً، «تقرير المصير» عبر آلية الاستقلال، وهي آلية «غير قابلة للتطبيق لا على الدول المستقلة ذات سيادة، ولا على الأجزاء الداخلة في ترابها، ولا على قسم من شعب مستقل أو من أمة»، كما جاء في وثيقة أممية، تقدم بها المغرب، يوم 15 يونيه 1977، إلى الأمم المتحدة، وتم نشرها ضمن وثائق الأمم المتحدة.

3- ثالثها: دعوى مساندة «الشعب الصحراوي»، وهي دعوة ما انفكت الدبلوماسية الجزائرية تتبجح بها في معاكستها للوحدة الترابية المغربية.

وكما هو واضح، فإن الدبلوماسية الجزائرية تمارس بهذا الإدعاء خلطاً سافراً، لكنه ماكراً، ما بين ساكنة الأقاليم الجنوبية المغربية التي اندمجت، بعد التحرير، بكيفية طوعية وديمقراطية في وطنها-الأم منذ سنة 1975، متوجة بذلك مسيرة مديدة من النضال التحرري (1957-1975)، وبين الجزء من الساكنة الصحراوية المغربية الذي تم ترحيله قسراً وتعسفاً من طرف الجيش الجزائري لدى احتلاله مناطق قي شرق الصحراء المغربية، ما بين نوفمبر 1975 وأبريل سنة 1976، وتم احتجازه بالقوة العسكرية في مخيمات تندوف إلى يومنا الراهن.

ولعل أقوى دليل، وأفصح تعبير عن زيف هذه الدعوى، الدعائية، الجزائرية ما صرح به رئيس الحكومة الإسبانية، السيد أرياس ناڤارو (A. NAVARRO) يوم 28 يناير 1976، أمام الكورتيس (CORTES) الإسباني، بصدد عقد “اتفاق مدريد”: “إن إسبانيا لم تعمل سوى على احترام إرادة الساكنة الصحراوية، وتوجهات الأمم المتحدة. لقد سعت الحكومة الإسبانية إلى غاية عام 1974، إلى تنظيم استفتاء، ولكنها عدلت عن الفكرة أمام “محكمة العدل الدولية” فيما يتعلق بسيادة الإقليم. ومن جهة أخرى، فإن إسبانيا قد احترمت إرادة الساكنة (=الصحراوية) عبر البند الذي ينص على استشارة الصحراويين عبر قناة جمعيتهم (البرلمانية): “الجماعة””.
وكما هو واضح، فإن هذا التصريح يشكل دحضاً حاسماً لدعاوى الدبلوماسية الجزائرية التي ما فتئت تجتر أطروحات مزيفة، انتهى مفعولها السياسي، والجيوسياسي بانتهاء مرحلة “الحرب الباردة”.

4-رابعهاً: المقترب الرابع، ينصب على الاستمساك بأفق استراتيجي-مستقبلي لإنهاء النزاع المفتعل حول الصحراء المغربية.

كما يعلم الجميع، على الصعيد الوطني والجهوي والدولي، فإن جوهر النزاع المفتعل حول الصحراء المغربية، كان ولا يزال كامناً في الموقف العدائي المتوارث من قبل حكام الجزائر لوحدة المغرب الترابية.
فلقد كان المرحوم هواري بومدين يرى أن استثناء الجزائر من مفاوضات مدريد (نفمبر 1975) يعتبر “خيانة”! وإجحافاً لها. وأن استرجاع المغرب لأقاليمه الجنوبية يشكل “إخلالاً بالتوازن في المنطقة”، وأن “اتفاق الحدود” المبرم مع المرحوم الحسن الثاني في يونيه 1972، كان مجرد “خدعة”، اقتضتها معركة تحرير “الصحراء الإسبانية”، وأن ذكرى “حرب الرمال” في أكتوبر 1963، جرح لا يندمل، وما كان له أن يندمل…

وهكذا فقد تراصدت عدة عوامل سياسية، وجيوسياسية، وذاتية، لا يتسع المجال لتحليلها، تبدأ بالهواجس الحدودية، وتتواصل بالتطلعات الجيوسياسية، وتتفاقم بمفاعيل “العقدة الباتولوجية”، الناجمة عن المواجهات العسكرية المتكررة مع المغرب الجار: “حرب الرمال”، سنة 1963، ومواجهة “أمجالا” سنة 1976، وحرب الاستنزاف المدارة من تندوف سنوات 1976-1991. وقد تمخضت محصلة هذه العوامل مجتمعة عن استقرار عداء مستحكم، لدى النخبة العسكريتارية والأمنية الجزائرية ضد المغرب، وأصبح مصدر “التهديد” في “العقيدة العسكرية” الجزائرية لا يتموضع في الشمال “الاستعماري”، بل في “الغرب” المغاربي.
وبالتالي فقد تبنت أطراف متنفذة في دوائر السلطة الجزائرية العقيدة العسكريتارية التي صاغها الجنرال بيجو – الذي أرسى دعائم السياسة الاستعمارية بالجزائر – في منتصف القرن التاسع عشر. فقد كان هذا الجنرال يردد على مسامع ضباط قيادته العامة: “إن الضرورة تفرض أن نكون أسياداً في كل مكان، خشية ألا نكون في أمان في كل مكان”.
ومن أجل حلحلة هذا المركب المعقد الذي أمسى متحكماً في العلاقات المغربية-الجزائرية، منذ سنة 1963، يتعين، بدون شك، البحث عن تسوية تاريخية شاملة لمصادر الأزمة في العلاقات المغربية الجزائرية، بما يتجاوب وإرادة استئناف مسيرة اتحاد المغرب الكبير…

ويمكن أن تقوم هذه التسوية التاريخية، لأزمة العلاقات الثنائية الجزائرية-المغربية، على ثلاث مرتكزات مترابطة:
أولها: إنهاء النزاع المفتعل حول أقاليمنا الجنوبية، باعتبار ذلك يشكل المدخل الضروري لهذه التسوية التاريخية، وذلك على قاعدة خيار “الحل السياسي” للنزاع، كما أقره مجلس الأمن الدولي، منذ سنة 2004، وفي إطار مبادرة “الحكم الذاتي” لهذه الأقاليم، في ظل السيادة المغربية.
ثاني المرتكزات للتسوية التاريخية يتصل بإنضاج منظور استراتيجي للعلاقات الثنائية المغربية-الجزائرية، يروم إقامة نظام من التعاون الثنائي الشامل، في إطار شراكة سياسية واقتصادية وجيوسياسية، تحتوي تضارب المصالح بين البلدين، وتصب في أفق تعزيز وتطوير وتسريع التعاون الثنائي.
وفي هذا الاتجاه، فإن انخراط البلدين في إطار اتفاقية ثنائية لـِ “التعاون والأمن وحسن الجوار”، تفتح صفحة جديدة من علاقات التعاون والتآزر، لمن شأنه إعادة بناء الثقة بين البلدين، وتوفير مناخ جديد للتأليف بين المصالح المتضاربة، والتوفيق بين المواقف المتناقضة، وتجاوز النزاعات الموروثة، بما فيها النزاعات الحدودية.
ثالث المرتكزات: إعادة إطلاق دينامية بناء “اتحاد المغرب العربي”، عبر تضافر الجهود المشتركة للبلدين… ومن نافل القول، فإن تضافر جهود البلدين في مجال استئناف وتسريع بناء الاتحاد المغاربي، لمن شأنه أن يحتوي دينامية الإرهاب المستشري في المنطقة، ويقوي مناعة الأقطار المغاربية من بلواه، فضلاً عما يتيحه للأقطار المغاربية الخمس من فرص بناء فضاء مندمج، قادر على تطويق الانعكاسات السلبية للعولمة الجارفة على أقطار المنطقة المغاربية من جهة، وعلى إعطاء مجهود التنمية القطرية بعداً مجالياً، اقتصادياً وبشرياً، جديداً، يمكن أقطار المغرب الكبير من كسب رهانات التطور والتقدم من جهة أخرى.

وتأسيساً على القولة الحكيمة التي فاهت بها، منذ زمن بعيد، إحدى الشخصيات السياسية الجزائرية المرموقة قائلة: “لا يمكن للجزائر أن تظل شاهرة سلاحها مائة سنة من أجل دعم مطلب خلق دولة جديدة”، فإننا نردف القول بأن العلاقات الجزائرية-المغربية لا يمكنها أن تظل إلى الأبد سجينة منطق جامد، ونظرة حولاء، بل آن الأوان لأن تنخرط هذه العلاقات في منطق العصر، وتتبنى رؤية للمستقبل، فتغدو علاقات متبصرة، متطورة، جديرة بتحقيق مصالح ومطامح البلدين، كفيلة بإرساء دعائم نظام جهوي، مغاربي فاعل، يعيد لشعوب المغرب الكبير الثقة والأمل في المستقبل المشترك.

خاتمة:
وفي كل الأحوال، فإن المغرب الذي أبدى من المرونة، والمثابرة والمصابرة، على مدى أربعة عقود، في سبيل بلورة حل سياسي، عادل ونهائي لهذا النزاع المفتعل، لا يمكنه أن يتحول إلى رهينة مقيدة الحركة، بسبب تعنت خصوم وحدته الترابية، بل سيواصل مسيرته التحررية، الديمقراطية، التنموية إلى الأمام، جاعلاً من أقاليمنا الجنوبية المسترجعة، نموذجاً حياً للجهة المتقدمة، وقطباً تنموياً إفريقياً جاذباً، كما أكد ذلك جلالة الملك محمد السادس: “المغرب لا يمكن أن يبقى مكتوف اليدين، أمام عرقلة خصوم وحدتنا الترابية للمسار الأممي، ( بل يسعى) لإيجاد حل سياسي وتوافقي للنزاع المفتعل حولها، على أساس مبادرتنا للحكم الذاتي، الخاص بالصحراء المغربية” انتهى كلام جلالة الملك.

(*)نص المداخلة التي ألقاها السفير محمد الاخصاصي في الندوة البرلمانية حول موضوع: «الصحراء المغربية: من أجل استراتيجية مستقبلية»

*عن جريدة الاتحاد

        الاربعاء 25 ماي 2016