إن معرفة الإنسان لطبيعته ومعرفة قابلياته ومعرفة مفتاح هذه القابليات هي أهم وأعظم ما يجب أن يهتم به وأن يتعمق فيه إلى أقصى حدود التعمق الممكنة لأن وجوده مرتبط بهذه القابليات إيجابًا أو سلبًا فهي عظيمة النفع أو فظيعة الضرر حسَب الأسبقية فهي تتبرمج بالأسبق إليها وتتخذه معيارًا وهي على المستوى الإنساني بأجمعه تمثِّل مفتاحًا لقفزة نوعية هائلة إنها تحمل وعْدًا مضيئًا بتحقيق تغيرات نوعية عظيمة أما الآن فهي مطمورة ومبددة ومختطَفة في اتجاهات متناقضة ومتصارعة وكلها تقريبًا تسير في غير الاتجاه الصحيح فالعقل البشري عمومًا محكومٌ بالبدايات الثقافية التي تكوَّنَتْ تلقائيًّا في أعماق الماضي لذلك فإن المهمة الكبرى المنتظَرة هي تحرير العقل البشري من الجهل المركَّب المكتسَب الذي يتحكم بالعقول ولكن هذه العقول لا تدرك ذلك فتبقى مغتبطة بهذا التحكم فرغم كل التطورات المدهشة التي تحققت للإنسانية في مجالات الوسائل فإنها مازالت شديدة التخلف قياسًا بما تتيحه القابليات العظيمة المفتوحة المتاحة لها ولم تستثمرها في الاتجاه السليم لذلك فإني مؤمنٌ بأن الوضع البشري القائم ليس سوى تمهيد متعثر لما هو متوقَّع للإنسان الفرد وللإنسانية أجمع وما يجب أن تكون عليه الأوضاع البشرية ففي اعتقادي ليس أعظم من المستقبل المغاير جذريًّا الذي ينتظر اليقظة الإنسانية التي يتأسس بها الوجود الإنساني الحق الذي يتناسب مع قابليات الإنسان المفتوحة..

لقد خلَق الله الإنسان بقابليات عظيمة فارغة مفتوحة مطواعة تتيح تكوين تصورات صحيحة وتشييد قدرات عالية ومتنوعة ذات فاعليات غير نهائية. إن من يتعرف على القابليات الإنسانية سوف يدرك فداحة الخسارة على المستوى الإنساني بأجمعه، فليس أروع من قابليات الإنسان وليس أعظم منها في دنيا البشر لو أنه أدركها واستثمرها إلى أقصى درجات الاستثمار، إن الإنسان لو أجاد استثمار قابلياته لصار كائنًا مدهشًا ولكن الإنسانية كلها مازالت تهدر هذه القابليات فتغرق في آلاف المشاكل والمعضلات، إن الإنسانية مازالت محكومة بعقلية التنازع والتنافر وليس بعقلية التعاون وتبادل الفهم سواء على مستوى المجتمعات أو الجماعات والفئات أو على مستوى الأفراد لقد تركزت طاقات الإنسانية أممًا وأفرادًا في الصراعات وفي تطوير وسائل التغالب كما كانت الحال منذ آلاف السنين حتى العلوم مازالت فاعليتها محصورة في مجالات الوسائل لأنها لم تمتزج في ثقافات الشعوب التي يتبرمج بها الأطفال تلقائيًّا وتبقى هذه البرمجة تتحكم بهم مهما تلقوا من تعليم وبذلك غابت إمكانات الارتقاء الحقيقي الذي يليق بالإنسانية لقد ظل الإنسان عن فهم قابلياته ولم يدرك مفتاح طبيعته كما غاب الاهتمام بالجامع الإنساني فتفاقمت حالات الاختلال..

إن الإنسانية مازالت تتحكم بها أفكار وتصورات الأموات وصراعاتهم وتاريخهم وأوهامهم وأساطيرهم وعُقَدهم وزائف مفاخرهم وضلال رؤيتهم عن أنفسهم وعن غيرهم أما تحرير الإنسانية من هذا الانسياب التلقائي لضلالات الماضي فإنه يقتضي قطع هذا التدفق التلقائي واستئناف تكوين العقل البشري بمكونات مغايرة ممحصة لذلك فإن من أكبر القضايا التي استهدَفَها (تأسيس علم الجهل لتحرير العقل) هي قضية تحرير العقل البشري من هذا الركام الفظيع الذي تتوارثه الأجيال تلقائيًّا في كل المجتمعات. إن أكثر الناس ينخدعون بما تحقق من إنجازات باهرة في مجالات الوسائل ويغيب عنهم أن المجتمعات في الغرب والشرق وفي الشمال والجنوب مازالت تتوارث تلقائيًّا ثقافات ما قبل كل هذه التطورات الحضارية المدهشة وأن العقول الفردية تتبرمج تلقائيًّا بما هو متوارث وسائد في البيئات المتناقضة وبذلك تتنوع عقول الأفراد بتنوع الثقافات بل تتعدد بتعدد الأفراد، أما التعليم فنتائجه على الأفراد محصورة غالبًا في التكوين المهني وفي بناء القدرات العملية وهي قدرات لا تتكوَّن إلا بالمران الدقيق والممارسة الحية والخبرة المستغرقة وليست المعرفة النظرية سوى خطوط إرشادية..

إن من أشد المعضلات الإنسانية تفريقًا للبشر وتنويعًا لأنماط التفكير ومنعًا لإمكانات تبادل الفهم واستعصاءً على الحل هو أن البشرية في كل مكان وفي مختلف الثقافات مازالت تَعتبر العقل جوهرًا قائمًا بذاته وأن كل فرد يولد مزوَّدًا بهذا الجوهر العام المتوهَّم فعلى امتداد العصور ساد الوهم بوجود عقل جوهري مشتَرَك بين كل البشر مهما اختلفت ثقافاتهم بينما أن العلم قد كشَف بأن الفرد لا يولد بعقل جوهري جاهز وإنما يولد بقابليات فارغة مفتوحة مرنة متعطشة للمثيرات فتتشكل بالأسبق إليها ثم يبقى الوعي السطحي كقدرة آنية معيشية تنحصر فاعلياته غالبًا في الحياة العملية ويتيح التفاهم العملي المعيشي بين المختلفين ثقافيًّا مهما تباينت بنياتهم الذهنية كما أن هذا الوعي السطحي يعمل كقدرة عملية وللتعلُّم المهني من أجل مواصلة العيش وبناء القدرات المعيشية، أما القضايا الوجودية فتبقى محكومة بالبرمجة التلقائية. هذه هي الرؤية التي توصلتُ إليها عن طبيعة ووظيفة الوعي وعلاقته بالبنية الذهنية المتكوِّنة تلقائيًّا وأيهما يتحكم بالآخر ومتى تنقلب الأدوار بينهما فيصير الحاكم محكومًا ولكن ذلك لا يحصل إلا في حالات استثنائية نادرة أما استعراض ومناقشة الرؤى الفلسفية والعلمية حول الوعي وعلاقته باللاوعي فسوف أفرده بمقال آخر..

إن قضية تكوين العقول الفردية واكتساب اللغة تلقائيًّا في الطفولة وانبثاق الوعي قد شغَلَت الفلاسفة منذ أقدم العصور فمنذ انبثاق التفكير الفلسفي العقلاني في اليونان قبل خمسة وعشرين قرناً ورواد الفكر يحاولون أن يفهموا ما هو العقل وكيف يتكوَّن وكيف تنبني تصوراته ومعارفه والقيم المحركة له وبسبب ذلك كانت نظرية المعرفة من أهم أقسام الفلسفة وظلت كذلك قرونًا طويلة لكن مع ظهور العلم الحديث لم يبق الجهد محصورًا في التأملات الفلسفية العميقة الخارقة وإنما تنوعت مسارات البحث وتعددت أشكال التجارب ثم مع تقدم التقنيات صارت تتقدم إمكانات التحقق بسرعة مذهلة حتى إذا وصلنا إلى نهاية القرن العشرين بلغ تقدم التقنيات درجة عالية خارقة مكَّنَتْ العلماء من الاختراق والكشف والرؤية المباشرة الواضحة للدماغ والتحديد الدقيق لوظائفه ومكوِّناته وتضاريسه..

وليست الاستشهادات التي سيتضمنها هذا المقال سوى نماذج من فيض الدراسات والمؤلفات التي صدرت بهذا الخصوص فاكتظت بها المكتبات في كل العالم ومنها ما كتبه أستاذ علم النفس العصبي كريس فريت في كتابه (كيف يخلق المخ عالمنا الذهني) حيث يقول: “إن مخي يكتشف ما هو في الخارج في العالم عن طريق بناء نماذج عن هذا العالم، فإدراكي ليس إدراكًا للعالم بل هو إدراكٌ لنموذج صاغه مخي عن العالم” إن تصورات الإنسان عن نفسه وعن العالم والوجود والحياة والمصير تتكوَّن تلقائياً بما تنقله الحواس إلى الدماغ من البيئة التي ينشأ فيها الفرد لكن المعضل في الأمر أن الدماغ لا يملك آلية للتفريق بين التصور الصحيح من التصور الخاطئ ولا بين الوهم والحقيقة وحتى في الأشياء المحسوسة فإن ما تنقله الحواس إلى الدماغ لا يمثل غالبًا سوى جانب واحد مما يراد معرفته ولكن الدماغ يُرَمِّزُه وكأنه الحقيقة كاملةً..

لو عرف الناس الطريقة التي تتكون بها إدراكاتهم وتصوراتهم للواقع لكانوا أقدر على التحقق كما أنهم سوف يصيرون متواضعين ومدركين لنسبية هذه الإدراكات وكما يقول الطبيب العالمي ديباك شوبرا في كتابه (عقلٌ يتخطى الزمن): “يبدو أن العالم الذي نعتبره واقعيًّا يتميز بخاصيات محددة ومع ذلك لا تعني أيٌّ من هذه الخاصيات شيئًا خارج إدراكك الحسي” ويقول: “العالم هو انعكاسٌ للجهاز الحسي الذي يقوم بتسجيله، إن الجهاز العصبي البشري يتقبَّل فقط أقل من جزء من كل مليار من كم الطاقة الكلية التي تنفث ذبذباتها في البيئة” ومع هذه الضآلة في نقل الصورة الحقيقية للواقع فإن ما يصل إلى الدماغ أوَّلًا يصير عنده حقيقة مطلقة فيصير معيار القبول أو الرفض ومن المعلوم أن ما يصل إليه أوَّلًا في الطفولة يأتي وصوله قبل أن يتكوَّن الوعي فالتشكُّل لبنية العقل الفردي يحصل تلقائيًّا فهو لا يخضع لأي فحص أو غربلة أو تحليل ومن هذا التشكُّل التلقائي ينبثق الوعي كقدرة آنيَّة وكمعْبَر لمحتوى البنية العقلية التي تشكلت تلقائيًّا فالوعي في القضايا الوجودية الأساسية محكوم بالبنية المتشكلة تلقائيًّا وهذا هو السبب في أن العلوم لم تؤثر على الثقافات المتوارثة حيث يبقى الجميع في كل العالم مبرمَجين بما توارثوه تلقائيًّا إلا في حالات فردية نادرة حين يستيقظ الوعي يقظةً استثنائية خارقة فيدرك بهذه اليقظة الاستثنائية طبيعة البنية الذهنية التي تتحكَّم به ففي هذه الحالة النادرة الخارقة فقط تنقلب الأدوار بين الوعي واللاوعي فيصبح الوعي متحكماً بالبنية الذهنية ويضطلع بإعادة تكوينها وفق المعطيات الممحصة المتاحة له..

ومع أن كل فرد تتكوَّن له تلقائيًّا بنية ذهنية مختلفة عن البنيات الذهنية لكل الأفراد الآخرين حيث لا يتماثل اثنان تماثلاً كاملاً فإن الذين ينشأون في بيئة ثقافية واحدة لابد أن تجمعهم عقلية عامة مشتركة تُعرَف باسم الحس المشترك تُوَحِّده مجموعةٌ من الأنماط، وكما كتَب توم ستونير في كتابه (التاريخ الطبيعي للذكاء) يقول: “إن الأمر الذي يجيده المخ البشري أفضل إجادة هو اكتشاف الأنماط. واكتشاف الأنماط يتأسس على ربط أحداث أو تصرفات معينة مع أشياء أو ظروف معينة أو ربط أحدها بالآخر فالكثير مما نسميه الحس المشترك يتأسس على إدراك الأنماط” وأخطر ما في هذا التشكل التلقائي هو أنه يصير معيارًا للقبول أو الرفض وللاستحسان أو الاستهجان وللموالاة أو المعاداة من دون أي محاولة للتحقق ومن غير أي إحساس بأنه نتاج التبرمُج التلقائي وبهذا يتفاقم تبادل سوء الفهم بين الأمم بل وبين الأفراد داخل المجتمع الواحد وتنغلق المسارات أمام أية محاولة لتصحيح التصورات والرؤى والمواقف لأن كل اتجاه يحكم على كل الاتجاهات الأخرى بمعاييره هو وليس بمعايير محايدة ولا يوجد فرقٌ في هذا الصمم البشري العام بين المتعلمين وغيرهم فالبنيات الذهنية لا تتأثر بتعلُّم استهدف إعداد موظفين ومهنيين وربما كان تركيزه على ترسيخ المتوارث تلقائيًّا..

إن التعليم في كل العالم وفي أحسن حالاته يقدم معلومات عن الفيزياء والكيمياء والأحياء والفلك وغيرها من تجليات الخلق لكنه لا يهتم بتفهيم الدارسين وتحريك عقولهم للنُّظُم المدهشة التي وضعها الخالق لهذا الكون، إن الإنسان ذاته كونٌ عجيبٌ مذهل في تكوين أجهزته الرائعة وفي التكامل التلقائي المدهش بين هذه الأجهزة وكما يوضح تشالز سايف في كتابه (فكُّ شفرة الكون) بأن علم المعلومات الجديد يفسر كل شيء في الكون، أما عن تبرمُج قابليات الإنسان تلقائياً بالمعلومات فيقول: “يبدو من الصعب تصديق أن المعلومات في عقولنا مشابهة للمعلومات في جيناتنا (تختلف) بشيء واحد فعلى خلاف المعلومات الوراثية التي تحاول أن لا تتغير بالبيئة فإن عقولنا تكتسب المعلومات التي تجمعها من البيئة وتقوم بالتكيُّف معها فالدماغ البشري آلة لاكتساب المعلومات تماماً كما أنه آلة لمعالجتها” وبهذا الاكتساب التلقائي وترميزه وتصنيفه ومعالجته يتكوَّن العقلُ ذاته بما هو تصورات ونماذج ومعايير وقيم واهتمامات ومنه ينبثق الوعي كما ينبثق المطر من الغمام المكتنز..

لقد تَعَرَّف العلماء على طبيعة الدماغ وكيفية استجاباته كما اكتشفوا الدوائر الكهربائية والأجهزة الدقيقة المتناغمة وتعرفوا على الغدد الصماء بهرموناتها العجيبة المختلفة وفاعلياتها التلقائية المذهلة وبهذا الوعي الجديد راح الباهرون يحاولون تقليد الذكاء البشري حتى وصلت العقول الإلكترونية إلى المستوى المذهل الذي نشهده الآن وكما يؤكد العالم فريتيوف كابرا في كتابه (الصَّلات الخفية المتبادلة) حيث يقول: “ويشَكِّل علم التحكم الآلي (السيبرنيتيكا) الأساس النظري للتقانة الحاسوبية” ويقول في موضع آخر من الكتاب ذاته “فالفهم المنظومي للحياة يرى فيها نظاما متغلغلًا وتنظيمًا ذاتيًّا وذكاءً يُظهر كلٌّ منها وجوده على نطاق عالم الحياة بأكمله” أما سوخنوس وهو عالمٌ روسي ومهندسُ نُظُم فيقول في كتابه (التناغم المقياسي للكون): “عندما أخذ العلمُ يدْرس بجدية الأداء الوظيفي للنظم الحيوية تبين أن الكثير من الاختراعات التقنية هي بالإجمال شبيهةٌ بآليات ونُظُم بيولوجية موجودة منذ القدم.. قاد هذا الإدراك إلى نشوء اتجاه علمي جديد هو الإلكترونيات الحيوية وبقدر تقدم الغوص في أسرار العمليات الحيوية أخذ يتعزَّز الفهمُ” وبذلك حصلتْ طفرةٌ في التفكير الإنساني أدت إلى هذا الازدهار الهائل في العلوم والوسائل..

ومع أن فكرة الحاسب الآلي قد انبثقت من معرفة الأداء التلقائي للأجهزة الحيوية في جسم الإنسان مثل آلية عمل الجهاز المناعي أو آلية مبادرة خلايا الجسم إلى التكاثر لترميم الجروح أو غيرهما من الأداء التلقائي فإن أليكس روزنبرج يوضح في كتابه (فلسفة العلم) بأن علماء النفس قد صاروا: “يسعون إلى فهم العقل كمنظومة فيزيقية تحاكي منظومة الحاسوب.. ذلك أن البناء العصبي للمخ مماثل للحاسوب في الكثير من الجوانب الهامة فهو يعمل بالإشارات الكهربية التي تنسج شبكة معينة تحدد وضع التشغيل ووضع التوقف” ثم يقول روزنبرج: “وقد سعى علماء النفس المهتمون بفهم المعرفة البشرية إلى إقامة نماذج معينة لهذه المعرفة على غرار الأنواع المختلفة من الحاسبات الآلية” وبهذا لم يعد إدراك طبيعة المعرفة البشرية مبنيًّا على التأمُّل المحض والحدس الخالص وإنما صار مبنيًّا على المشاهدة والكشف والاختبار والتحقق..

ولأن الذي يهمني هو إبراز الفكرة وحشد ما يتسع له الحيز المتاح لهذا المقال من النتائج العلمية المؤيدة فإنني سوف أترك المساحة الباقية للدكتور ديباك شوبرا حيث يقول في كتابه (الحلول الروحية): “عرفَتْ العقودُ الماضية ثورةً في كيفية النظر إلى الجسد.. إن خمسين تريليون خلية تعمل باستمرار ويتحدث بعضها مع بعض مستخدمة مواقع استقبال موجودة على الغشاء الخارجي للخلية.. تلتقط المعلومات من الجزيئات التي تتجول بحرية في مجاري الدم.. لقد تكشَّفَتْ عن معلومات صارت في متناول الجميع فالرسالة التي ترسلها الكبد هي بأهمية المعلومات التي يرسلها الدماغ وجلائها وإحكامها” إن علينا أن ندرك ذلك وأن نهتم بكل ما يتعلق بطبيعتنا وما نملكه من قابليات هي مصدر فاعلياتنا الجيدة أو الرديئة فهذه المعرفة هي أهم ما يجب أن نهتم به وأن نتابع كل ما يستجد حوله فليس أهم من أن نعرف تكويننا وأن نتفهم طبيعة الأجهزة التي تتفاعل داخل كل منا وتؤثر علينا تأثيرات إيجابية أو سلبية وأن نستثمر هذه المعرفة إلى أقصى مدى ممكن لتنمية الإيجابيات ومقاومة السلبيات..

عوالم مدهشة تتفاعل داخل جسد كل إنسان لكنه لا يحس بهذا التفاعل العجيب وكما يقول الطبيب العالمي ديباك شوبرا: “كل خلية تتنصَّتْ على الدماغ أو تتلقى التعليمات منه مباشرة وخلال ثوان تحمل الرسائلُ الكيميائية أخبارًا إما سيئة أو جيدة إلى كل مكان في هذا النظام البالغ التعقيد”إنها تتفاعل بشكل تلقائي فتجعلك تشعر بالرضى والسعادة أو تحس بالتوتر والتعاسة..

وفي كتاب آخر للدكتور ديباك شوبرا مترجَم بعنوان (القوة والحرية) يقول: “الجسد هو مثال ذكاء في حقل من الوعي المحض.. الفكر هو نبضةٌ من الطاقة والمعلومات فعندما يخالجنا إحساسٌ أو فكرةٌ يصنع دماغنا مجموعة من الكيمائيات فبهذه الطريقة تتحدث خلايا الدماغ بعضها إلى بعض بلغة رسائل كيميائية. إذن التفكير هو كيمياء الدماغ” ولكن هذه التفاعلات تستجيب لحالاتك الانفعالية إن غضبك أو رضاك وفرحك أو حزنك وهدوءَك أو توترك وكل انفعالاتك تؤثر بشكل مباشر على الأجهزة التي تنظم تفكيرك وسلوكك وتتحكم في مزاجك وتؤثر في علاقاتك…

إن جسد الإنسان وسلوكه وتفكيره وحالاته ورضاه وغضبه وفرحه وترحه وكل تقلبات مزاجه محكومة بتفاعلات تلقائية، وكما يقول الدكتور ديباك شوبرا: “فالفكر في كل خلية من خلايا الجسد.. عندما نفكِّر أو نحلم أو تختلج في خاطرنا نبضةُ ذكاء تكون الخلايا المناعية في حالة تُصغي وتصنع الكيميائيات ذاتها التي ينتجها الدماغ عندما يفكر إن الخلايا المناعية كائنات صغيرة واعية لها تفكيرها الخاص وذكاؤها الخاص وعاطفتها الخاصة.. حقيقة علمية إنك تملك جهازًا مناعيًّا مفكرًا يعرف كيف يميز بين بكتريا مفيدة وأخرى مضرة وبين مواد كيميائية مسبِّبة للسرطان وأخرى غير مؤذية وعندما يواجه الجسم خلية بكتيرية حتى ولو لم يكن قد واجهها من قبل فإنه يصنع المضاد الحيوي المناسب لتلك الخلية ويمكن للجسم أن يصنع أي دواء بالجرعة المناسبة وفي الوقت المناسب للعضو المناسب من دون أي تأثيرات جانبية وتدلِّل هذه الطاقة على ذكاء عميق فالجسم بأكمله هو في الحقيقة هذا الحقل من الذكاء” ويقول: “إن الجسد هو حقلٌ من الأفكار.. حقلٌ من الذكاء يتخلل كل خلية ويربط بين جميع تلك النشاطات ويقوم بكل ذلك تحت مستوى إدراكنا الواعي” ويقول في كتابه (القوانين السبعة): “فخلية واحدة في جسم الإنسان تنجز ستة تريليونات عمل في الدقيقة وعلى هذه الخلية أن تعرف ماتنجزه كل خلية أخرى في الوقت نفسه” ومع كل هذه الروعة وهذه الجاهزية في كل خلية وفي كل جهاز في جسم الإنسان إلا أن الدماغ ينفرد بقابليات أخرى عظيمة مذهلة تتيح للإنسان أن يرتقي إلى مالا نهاية وأن يبني ذاته بقدرات وأخلاق وعادات ومعارف ومهارات تجعله أعجوبة، فالإنسان بما ينضاف إليه ولكن ما أقل الذين يستثمرون هذه القابليات العظيمة.

*عن صحيفة الرياض
 الجمعة 27 ماي 2016