أضحى التأكيد على حاجة السياسة والنظام السياسي إلى المعارضة من نوافل أبجديات السياسة وبديهيات حقائقها. ربما كان ذلك ضعيف الوضوح في بعض الوعي الجمعي، خاصة في البلاد العربية التي عانت غياب السياسة فيها ردحاً طويلاً من الزمن . لكن تلك ليست الحال في بيئات سياسية وثقافية أخرى عدة في البلاد العربية اليوم. انصرمت الأحقاب التي كان يسع فيها جاحد أن يجحد وجوب تلك الحاجة وضرورتها، أو أن يجادل فيها: فرداً كان الجاحد ذاك أو تياراً أو نظاماً سياسياً. صار مثل ذلك من الماضي، من ماضٍ بعيد اختلط فيه معنى المعارضة بمعنى المروق عن الدين، والانشقاق عن الجماعة وإحداث الفرقة في الأمة، ومن ماضٍ قريب اقترن فيه معنى المعارضة بمعنى المجموعة السياسية الخارجة عن «الإجماع» الوطني، والمتربصة بالسلطة والدولة، المهددة للأمن والاستقرار. وهكذا، كما كان يمكن تكفير المعارضة في القديم، أو تبديعها وتخوينها في الأمس القريب، أو التشكيك في أدوارها، أمكن أن يعاد النظر إليها، اليوم، بما هي جزء لا يتجزأ من نظام اشتغال السياسة والدولة والمجال السياسي. وهكذا، من حسبان المعارضة مروقاً وانشقاقاً، وسبباً من أسباب الاضطرابات والقلاقل، إلى حسبانها عاملاً من عوامل الاستقرار السياسي والسلم المدنية، قطع الوعي العربي شوطاً طويلاً على طريق التحرر من يقينيات الأمسين، البعيد والقريب، وتوطين الفكرة الحديثة عن السياسة ومكانة المعارضة في عمرانها.

لم يجر ذلك على نطاق عام وشامل، في البلاد العربية قاطبة، كما ألمحنا إلى ذلك قبلاً، لكن وقائعه، كما الشعور به، سرت في أوساط اجتماعية اتسعت نطاقاً في الأعوام الثلاثين الأخيرة، إلى حد بات لجمهور هذا الوعي الجديد مكان محسوب في التوازنات الداخلية العربية. وما أغنانا عن القول إن الحديث بلغة العموم، في مثل هذه الحال، لا يجوز لوجود فوارق بين الحالات العربية المتباينة. وهذه فوارق تعود إلى واقع التفاوت في التطور السياسي للمجتمعات والدول، فمن هذه ما شهدت على وجود تاريخي لمعارضات سياسية فيها منذ عشرات السنين، مقرون بتجربة في الحياة السياسية والمؤسساتية (الحزبية، والنقابية، والنيابية، والدستورية…) بلغت من التراكم حداً ما، ومنها ما صودرت فيها السياسة والسلطة، وفرض على المجتمع فيها طيف واحد متكرر الطبعات والنماذج، كما في تجارب نظام الحزب الواحد (من دون أن يلغي ذلك وجود المعارضة فيها وإن ضيق عليها الخناق بالمنع والقمع)، ومنها ما لم يشهد من السياسة الحديثة مظهراً ولو رمزياً!

ربما يعسر على المرء أن يتخيل إمكان حصول وعي جمعي سريع بالحاجة إلى وجود معارضة، في البلدان التي لم تشهد حياةً سياسية منتظمة، والتي ظلت فيها السياسة شأناً من أحكار النخب الحاكمة، وامتنعت فيها الحزبية السياسية والتعددية بقوة التشريع. غير أن هذا الإمكان يعسر، فقط، حين يبنى على فرضية سوسيو-ثقافية تقول إن الأفكار، نشأةً ونمواً ونضجاً، إنما تتولد من أوضاع موضوعية دافعة، أو في سياق من تراكمات داخلية، وهي فرضية صحيحة متى أخذنا في الحسبان أولوية عوامل الداخل على العوامل الخارجية. غير أن التحولات الكبرى الحاصلة في العالم، اليوم، في ميدان الحقوق الديمقراطية وحقوق الإنسان، والانتفاضات الشعبية والمدنية المتعاقبة – في غير مكان من العالم- المطالبة بإقرار الحقوق تلك وتشريعها ودسترتها، وما واكبها من اهتمام إعلامي كثيف نقل وقائعها إلى كل بيت في الكرة الأرضية، والآثار البالغة التأثير لصورة تلك المطالبات الشعبية العارمة… جميعها تعيد جسر الفجوة بين عوامل الداخل ومؤثرات الخارج، وتسمح بإمكانات تيسير ما كان في حكم العسير، وبالتالي عدم استبعاد احتمال أن تنتقل مفاعيل ذلك الوعي الجمعي بقيمه المعارضة إلى البلدان العربية التي لم تعرف حياةً سياسية في تاريخها الحديث.

من يتحسس من وجود معارضة، ويعلن ذلك الوجود رفضاً واعتراضاً، ينس أن للوجود ذاك مبررات موضوعية لا حصر لها، ناهيك عما يحمله معه من مكتسبات تغتني بها عملية التنمية السياسية في أي بلد، وفي جملتها تنمية الدولة الوطنية، بما هي هدف كل سياسة وطنية. نشير، سريعاً، إلى ثلاثة من تلك المبررات والمكتسبات التي يضمرها قيام المعارضة:

أولها، أنه لا دولة ممكنة في التاريخ تقوم على رجل واحدة هي السلطة أو النخبة الحاكمة، إذ ليس في المجتمع رأي سياسي واحد، بل آراء متعددة لا تقبل المحو والإلغاء . المجتمع طبقات وفئات شتى، وتيارات من الرأي والخيارات عدة، ولا يمكن لأي سياسة وطنية رشيدة إلا أن تأخذ في الحسبان هذه الحقيقة، وتوفر لها فرص التعبير عن نفسها، إن هي أرادت – حقاً – بناء دولة وطنية.

ثانيها، أن النظام السياسي العقلاني، والذكي، هو النظام الذي يوفر الأقنية، والأطر المؤسسية، والتشريعات المناسبة لقيام معارضة وطنية يتقوى بها المجال السياسي. أخطر شيء على نظام سياسي ما وجود حال من الفراغ السياسي في مركز المعارضة، هذا الفراغ ينذر الحياة السياسية بهزات اجتماعية غير متوقعة، باحتمال صعود قوى غير مؤطرة، أو غير منتظمة تحت سقف الشرعية الدستورية والقانونية، لملء ذلك الفراغ. النظام السياسي الحكيم هو الذي يقدم، بشجاعة، على إجراءات تدفع نحو خلق تلك المعارضة إن لم تكن تتمتع بوجود موضوعي، فذلك من ضمانات استقراره.

وثالثها، أن وظيفة المعارضة في أي دولة ومجتمع – إن كانت معارضةً مدنيةً- هي تحقيق التوازن الاجتماعي والسياسي الذي لا غنى عنه للدولة والمجتمع ، لأنه البنية التحتية للأمن الاجتماعي، والسلم المدني، والاستقرار السياسي.