هل نضجت التجربة السياسية للإسلام الحزبي، في دولتين من دول المغرب الكبير، بما يكفي لكي تسائل نفسها عن حدود الدعوي (من الدعوة) وحدود السياسي في ديناميتها الميدانية؟ بمعنى آخر، هل تسامى العقل السياسي للإسلاميين إلى درجةٍ، يمكن معها أن يعيد النظر في سؤال كينونته الأصلية: هل الوحي فاعل سياسي، كما في المضمر الوجودي الذي بنت عليه الحركة الإخوانية، ثم بعدها الحركات الإسلامية وجودها كله، أم على الحركات نفسها ألا تحرم الحداثة السياسية (وهي في جوهرها التنافس المدني على السلطة) من تأسيس قداستها؟ يبدو السؤالان مشروعين، من حيث أن حزبين رئيسين، هما النهضة التونسي والعدالة والتنمية المغربي، يواجهانه، على مرأى من أنصارهما وأمام الملأ.

والظاهر أن تجربة الحكم، في تونس ما بعد الثورة وفي المغرب ما بعد النقلة الثورية في المؤسسات، فرضت أدبياتها على من يمارسونها، بنوعٍ من النجاح، وبعد التطبيع مع الدولة التي كانت تنعت دوماً بأنها متغربة، أو مستلبة حضارياً، أو خاضعة لمربع علماني يعادي الإسلاميين. ومن دون أن تصل المقاربة إلى وضع قواعد ناظمة، فإن المشترك أن كلا الحزبين استطاع أن يوجد، بعد فترة حرجة من تاريخ المنطقة، بعد دخوله المعترك السياسي من باب المشاركة المؤسَّسة على تضمين الدعوة (الدينية أصلا) عنصر الديموقراطية المخصّب. 

لا أحد يمكنه أن ينتظر، في المحاولة التونسية، كما في المغربية، انسلاخاً كاملاً وحدوداً (لائكية بمعنى من المعاني) بين منظومتي الدعوة والسياسة. لكن، من المرجح أن الفاعل السياسي استطاع أن يكيّف وجود الفاعل الدعوي، بعد أن كان الأخير قد مكّنه من الهيمنة السياسية. وهذه الجدلية التي نظَّر لها، وأرَّخ لها المنظر الماركسي أنطونيو غرامشي، لم يستفد اليسار منها للوصول إلى السلطة، بقدر ما استفاد منها لتبيئة وجوده في عالمٍ مبنيٍّ على منظومةٍ مغايرة، في حين نقلت الجدلية نفسها الفاعل الإسلامي، من تربةٍ تعرفه ويعرفها في محافظة مشتركة، إلى منظومةٍ سياسيةٍ غريبةٍ عن ثقافته وعن مرجعيته، وهي غربية ليبرالية في مكنونها ومكوّنها، ونقصد بذلك الدولة الديموقراطية المبنية على سيادة الشعب. 

في المغرب، «تسرّب» الفاعل الإسلامي إلى الحقل السياسي، عبر بناءٍ سابق عنه، وهو حزب الحركة الشعبية الدستورية الديموقراطية، القريب من القصر، والذي رأى النور في الستينيات بعد إعلان الملك الراحل الحسن الثاني حالة الاستثناء. وطل منكمشاً على نفسه، إلى حدود التسعينيات، عندما صار العتبة السياسية لدخول المعترك الشرعي للتنافس. وفي أقل من عشرين عاماً، (1997/2016) صار الحزب الأول في البلاد، بل الشريك الأساسي للملكية في تدبير الدولة، وفي تغيير طبيعتها، كما نص على ذلك دستور 2011، في سياق التغيّرات الكبرى التي عاشتها المنطقة. 

في خضم هذا التحول، حافظ الحزب الحاكم في المغرب على جوهره الدعوي أو «نقابته الروحية»، وهي حركة التوحيد والإصلاح التي تضم كل الوجوه السياسية والفكرية ذات المرجعية الإسلامية اليوم في المغرب. ولعل الشعار الذي رفعه عبد الإله بنكيران، أحد الوجوه المؤسسة للحركة، كما للحزب، «الإسلام هو الحق، وليس الإسلام هو الحل»، تمت ترجمته اليوم، في تعريف الحزب نفسه، بأنه «حزب سياسي ذو مرجعية إسلامية». ويواجه اليوم أربع معضلات رئيسية، لا شك في أنها أثرت في نقاشاته: 

أولاً، تطبيع العلاقة مع الملكية، والملك نفسه، كما يصرح بنكيران باستمرار، حتى ولو كان هذا التطبيع على حساب استكمال الانتقال الديموقراطي. 
ثانياً، حقل سياسي غير مكتمل، بوجود حركة إسلامية قوية، ممثلة في جماعة العدل والإحسان، والتي لا تتردّد في إعلان معارضتها النظام الملكي الوراثي، وهي قوة سياسية، يُحسَب لها ألف حساب. وبالتالي، يظل الحقل السياسي المغربي حقلاً غير مكتمل، بوجودها خارج الرقعة المشاركة، وهو ما يُعاب على الحزب الإسلامي في الحكومة، إذ لم يستطع تطبيع وجودها إلى جانبه في العمل المشروع والقانوني. وقد سارت تياراتٌ أخرى على نهجه، ففي 1993، بعد ميلاد حركة الإصلاح والتجديد، حاولت اختراق حزب الاستقلال الذي يمثل «الوفد» في التجربة المصرية، بدون فلاح. وبعدها نجحت في الانخراط في حزب الدكتور عبد الكريم الخطيب، ودخول الانتخابات في 1997، والحصول على تسعة مقاعد. ومن فوضى السلفية الجهادية، اجتهدت أنماط الحركات المنبثقة عن «الحركة الشعبية»، في فتح الطريق للتيارات الأصولية. وبعد الخطيب، جاء الدور على محمد الخالدي، رفيقه في تجربة «العدالة والتنمية»، قبل انفصاله عنها، وتأسيس حزب النهضة والفضيلة، ليعبّد الطريق لدخول السلفيين إلى الحقل السياسي المغربي. ثم جاء الدور، مرة ثالثة، على محمود عرشان، الكوميسير المشهور في سنوات الرصاص ومؤسس حزب الحركة الاجتماعية الديموقراطي، ليتابع السلفية الجديدة وتركيبتها السياسية، من أجل تقنين مشاركتها، برموزها الذين جرّبوا السجن طويلاً، بعد تفجيرات الدار البيضاء في مايو 2003.

*عمود كسر الخاطر

     الجمعة 6 يونيو 2016.