ليس هناك أفضل من حكمة الإنصات بعمق للفاعلين الأساسيين، في كل الموضوعات والقضايا، خاصة إذا كانت معقدة بطبيعتها ومتشعبة، لتداخل الأحداث والملابسات، كما هو واقع ملف النزاع المفتعل حول الصحراء المغربية، الذي تراكم على العديد من معطياته الحقيقية، غبار الدعاية الانفصالية، والحروب العسكرية والديبلوماسية التي تخوضها الجزائر، والمقاربات «الأممية»، التي تتعامل وفقا لمفاهيم جاهزة، تعتبرها صالحة لكل زمان aومكان.

جزء كبير من الأجوبة عن العديد من القضايا التي يثيرها هذا النزاع، يوجد في الصحراء نفسها وليس في أي مكان آخر، ومن بينها مسألة أساسية، كادت تطمس من طرف خصوم المغرب، رغم أهميتها البالغة، وهي تلك التي تتعلق بالذاكرة الحقيقية للمغرب، التي تشكل الأقاليم الصحراوية، أحد أهم مكوناتها.

ومن المثير في هذا الموضوع، أن نلاحظ أن مقاربة كل خصوم المغرب، تتجه إلى نفي البعد التاريخي في هذه القضية، حيث تكاد تبدأ من المسيرة الخضراء، بل إنها عندما تعود إلى الحكم الصادر عن محكمة العدل الدولية، بلاهاي، تتناسى أهم جواب قدمته على السؤال الذي تقدم به المغرب، وهو اعترافها بوجود روابط بين القبائل الصحراوية والعرش.

وبمراجعة بسيطة لأدبيات الانفصاليين، سنجد أنهم يمرون بشكل سريع على تاريخ المنطقة، ويحرفون الكثير من معطياته وأحداثه، لأنهم يعرفون جيدا أن الذاكرة الحقيقية، ليست لصالحهم، وهي، بالإضافة إلى ارتباطات القبائل بالمغرب، كفاح مسلح مشترك، لم يتوقف حتى منتصف ثلاثينيات القرن الماضي، ليس في الصحراء وحدها بل في العديد من جهات المغرب.

كل النضالات التي خاضها المقاومون وأعضاء جيش التحرير في الصحراء، كانت من أجل ربطها بالوطن الأم، واستمر هذا الموقف، إلى أن طرد المستعمر الإسباني، وعبرت زعامات قبلية وشخصيات سياسية ومقاومون وغيرهم عن ارتباطهم بالمغرب، من هؤلاء من مازال على قيد الحياة، ومنهم من مازال أبناؤه يحفظون ذاكرته ووثائقه.

في الجهة الأخرى، يبدأ التاريخ بعد أن احتضنت الجزائر جبهة البوليزاريو، وتأسس «الشعب الصحراوي»، بواسطة الإحصاء الإسباني، ونشأت الدولة «الصحراوية»، لأن بعض الدول، اعترفت بها، إما عن طريق الرشوة أو الجهل…
الذاكرة الحقيقية والحل الجذري، يوجد في أرض الصحراء، وليس خارجها، وما أحوجنا إلى إعادة فتح ملف الذاكرة، على أسس علمية وأكاديمية، لأن جزءا هاما من مقومات الصراع، سَيُحْسَمُ بالعقل والذكاء، وليس بالتضليل والتحايل على التاريخ.

*بالفصيح

       الثلاثاء 7 يونيو 2016.