ايها الإخوة المسلمون الأحباب ، أيتها الأخوات المسلمات الفاضلات ، يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه العظيم بعد أن أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ، بسم الله الرحمن الرحيم :

وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلاَّ خَطَئًا وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةً فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُواْ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِندَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُواْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا

صدق الله العظيم وبلغ رسوله الكريم ونحن على ذلكم من الشاهدين ، اللهم اجعلنا من شهداء الحق ، القائمين بالقسط آمين اللهم آمين ، إخواني وأخواتي :

قد يذهب بعضكم إلى أن حديثنا في هذه الخطبة سيدور على قتل البرئاء من المؤمنين .. ؛  في الحقيقة سيدور على قتل البرئاء من المؤمنين ومن غير المؤمنين وإن كانت الآيات الجليلة تتحدث عن القتل الإفرادي ، فحديث الخطبة هو القتل الجُملي  : القتل بالجملة إن جاز التعبير .

إخواني وأخواتي :

موضوعة دار الإسلام ودار الحرب : من الموضوعات المشكلة والملتبسة جداً ، والتي عولت عليها الجماعات العنفية والتكفيرية المتطرفة ، فاستحلوا بها الدماء  والأعراض والأموال المعصومة من المسلمين ومن غير المسلمين ، أحدثت نكبات وبلايا وكوارث لحقت بالأبرياء هنا وهناك ، وإن كان لحاقها أبشع وأشنع بالإسلام نفسه وبصورة الإسلام ، فما هى حقيقة هذه الموضوعة  ؟ …

نقرأ للأستاذ سيد قطب رحمه الله تعالى وعفى عنه في تفسيره : الظلال ، أن دار الحرب هى الدار التي لا يُحكم فيها بشرع الله ، لا تُطبق فيها أحكام شرع الله تبارك وتعالى ، قال هذه دار حرب أياً كان أهلها ، مسلمين أم غير مسلمين .

وهذا جذر من جذور التطرف ، على أن هذا الكلام ليس كلاماً علمياً وليس كلاماً دقيقاً ، ولا يلتئم بكلام الأئمة من الحنفية والشافعية والمالكية والحنابلة ، ولا بكلام أئمة الإسلام وفقهائه العظام في القرن العشرين المنصرم كالعلامة الأستاذ مثلاً : عبد الوهاب خلاف والشيخ الإمام محمد أبي زهرة …وأمثال هؤلاء وإن قل مثيلهم رضى الله عن الجميع ورحمهم رحمةً واسعة ، لا يلتئم بالمرة . طبعاً هو شبيه وملتئم بطبيعة الأستاذ سيد قطب رحمه الله الأدبية الشاعرية ، الرجل يتكلم كلاماً أقرب إلى الشعر ، أقرب إلى الأدب ، أقرب إلى الإنشاء منه إلى صحيح الدين ومتين القواعد والمقررات العلمية ، الفقهية الدقاق ، لكن العوام لا يعلمون هذا للأسف الشديد ، كما هو حاصل الآن في هذه الآونة أيها الإخوة : كل من هب ودب يتكلم في الإسلام والناس يسمعون ثم يكرثون في حق أنفسهم وفي غيرهم لأنهم ألقوا مقادتهم إلى من لا يجدر أن تُلقى بين يديه المقادة للأسف الشديد ، يظنون أنه على شئ .

ما هى حقيقة هذه الموضوعة المُلتبِسة ، المُشكلة والغامضة إلى حد ما أيها الإخوة ؟

من عباءة الأستاذ سيد قطب رحمه الله ، خرجت لنا الجماعات التكفيرية والجماعات المتطرفة وإن ادعت اسم الجهاد ،

فشكري مصطفى – مثلاً- الذي كان يعتبر نفسه تلميذاً وفياً لأفكار المرحوم سيد قطب ،  أوفى على الغاية – غاية السوء وغاية الباطل-  حين زعم أن مصر مثلاً وديار العروبة والإسلام- لكن هو اهتمامه بمصر ، مصر مثلاً – يقول : دار كفر !!..

فما هو شأن ساكنيها ؟ عشرات ملايين المسلمين المصلين ، يقطعون من أفواههم ليعطوا الفقراء والمحاويج ،  مسلمون موحدون من أهل لا إله إلا الله  :كفار !  وساكنها : كافر بعد أن تقوم عليه الحجة ، حجة من ؟ إنها ليست حجة محمد عليه السلام ، بل حجة شكري مصطفى!!! ، الرجل يظن نفسه  أعلى حتى من أن يكون إمام المسلمين بكتيباته وخربشاته وانشاءته، يظن نفسه مقطع الحق ، هو يُلقي ما عنده فيكون مباشرة قد أقام عليك الحجة ، وعليه فأنت كافر إن لم تنضو تحت لوائه ولواء جماعته ، نعوذ بالله من الضلال والخذلان والغرور ، هذا هو الغرور ، الغرور : أصل الجهل ، الغرور ليس هو العُجب أو الكبر كما يظن العامة ، كلمة غرور ليست معناها الكبر ، الغرور هو الجهل : (مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ) [الإنفطار :6].

يقول عمر : غره والله جهله ، الدنيا دار الغرور ، تغر الناس بجهل ، يجهلون حقيقتها ، نعوذ بالله منه ، نسلك أنفسنا في سلك العلم والعلماء والمحققين ولسنا هناك ، لسنا هناك ! …

أقل من مصطفى شكري درجة – بلا شك –  وهو أحسن حالاً ، وإن كان حاله ليست حسنة في الجملة : محمد عبد السلام فرج ، الزعيم والمنظر الأكبر ، وربما الأول لجماعة الجهاد ، طبعاً جماعة شكري مصطفى تدعو نفسها جماعة المسلمين  أو جماعة  الدعوة والهجرة ، وسماها الإعلام وأجهزة الاستخبارات التكفير والهجرة ، لكن هذا الاسم ليس افتراء !، بل هى جماعة تكفير وهجرة ، طبعاً لماذا هاجرت ؟ وهجرت ماذا ؟ هجرت المجتمع .

في هذه النقطة كانت متناسقة مع مبادئها التنظيرية الواهية : لأنك حين تحكم على دار المفروض أنها دار إسلام ومسلمين بأنها : دار حرب أو دار كفر وشرك ، انتبهوا هذا يلزم منه لوازم وتتلوه توالي كارثية مخيفة ، أكثر هؤلاء التكفيريين والجهاديين لا يدرونها ، أو لا يُدرَون بها ، لا يُقال لهم هذه التوالي ، هذه اللوازم والتبعات ، مثل ماذا ؟

أولا : لا تُقام فيها الجمعة ، تسقط الجمعة…

ثانيا : تسقط فريضة الدفاع عن هذه الأرض إذا دهمها أو صال عليها أو غزاها غاز كافر محتل ، مستعمر : ممنوع أن تدافع عنها ، كيف تدافع عن أرض حرب أو أرض شرك ، أو أرض كفر ، لا يُدافع عنها ، عجيب !

ومن هذه اللوازم أن تهجرها ، يجب أن تهجر دار الشرك ، هم فعلوا هذا ، لكن هاجروا إلى مناطق في الصعيد في كهوف ومغاوير في الجبال ، أرادو أن ينشئوا مجتمعهم الإسلامي النقي الصرف الذي حدثهم عنه بشاعرية منفلتة وهائمة المرحوم سيد قطب  ، هكذا ظن أن المجتمع يمكن أن يكون بهذه الطريقة، اعتزلوا الناس وآووا إلى هذه المغاوير وتلكم الكهوف وظنوا أنهم أصبحوا أمة الإسلام وأن دارهم : دار إسلام أما بقية الدولة المصرية والمجتمع المصري فهؤلاء كفار وأرضهم دار كفر .

ستقولون برح الخفى !، الآن فهمنا لماذا كانوا يستحلون دماء الناس ، دماء الأبرياء من الناس ، إنه لأمر فظيع مخيف !…

هذا باسم الإسلام ، باسم قراءات فقهية في الكتب الصفراء والحمراء ، ممن لا يُحسن ولا يفقه  ، كما قلت لكم : جماعة الجهاد أقل درجة في هذه البشاعة والشناعة ، التي نظر لها محمد عبد السلام فرج في كتيبه ليس في أطروحاته العظيمة ولا مجلده العملاق ، بل في كتيبه :”الجهاد الفريضة الغائبة”  والذي عُرف اختصارا : “بالفريضة الغائبة”، كتيب صغير.

بالمناسبة فإن محمد عبد السلام فرج هو الذي أفتى بقتل السادات وأعطى الأمر المباشر الشخصي بقتله رحمة الله عليه وغفر الله له ، يقول : مصر دار كفر ، فالتقى في هذا الأمر بسيد قطب وبشكري مصطفى ، ولكن أهل هذه الديار ،  ليسوا كفاراً !  هؤلاء لابد أن ندعوهم وأن نبيّن لهم وأن نعلمهم لا نحكم عليهم ، هو يحكم على  الدار  بأنها دار كفر ، يحكم على  النظام  بأنه كافر ، يحكم على  رأس النظام  بأنه كافر ويجوز قتله بل يجب قتله ، يجاهد في سبيل الله بقتله ، شيء خطير وكارثي وعبث ، عبث بالدين والدنيا… لكنه أقل كارثية من جماعة شكري مصطفى .

القضية هنا تدور على ماذا ؟

تدور على هذا المفهوم الغامض المُلتبس ، مفهوم الدار : دار الإسلام ودار الكفر .

قبل أن نخوض في هذا الموضوع ، أحب أن أقول: إن بعض كبار العلماء والمحققين من المعاصرين رحمة الله عليهم أجمعين ذهبوا إلى أن هذا الإصطلاح الثنائي : دار الإسلام ودار الكفر ، هذا المركب الإضافي، ليس له أساس في كتاب الله ولا سنة رسوله ،

إنما هو من تصنيف ووضع وصناعة الفقهاء خضعوا فيه لإملاءات الواقع وشروطه وظروفه ، وهذا الكلام فيه حق وفيه غلط ، ولا أحب أن أقول باطل  . وهي وجهة نظر العلامة الإمام : محمد أبي زهرة وشيخه الأستاذ عبد الوهاب خلاف وأيضاً كثيرون تابعوهم على هذا ، كثيرون تابعوهم كالعلامة المتوفى قريباً رحمة الله عليه رحمة واسعة الدكتور الشامي وهبة الزُحيلي في رسالته للدكتوراة :  آثار الحرب في الإسلام .

فهذه التسمية لها أصل من الواقع ،  لكن له أساس ومستند أيضاً من التنزيل والسنة ، الآيات التي تلوتها على مسامعكم  صدر هذه الخطبة تشير إلى هذا ، ما معنى أن الله تبارك وتعالى يفرق بين تبعة قتل المؤمن خطأ استناداً – بحسب فهم الآيات – إلى : الدار ، إن قتل مؤمن مؤمناً خطأً بين المؤمنين يعني في دار المؤمنين ، ففي هذه الحالة : لابد أن يحرر رقبة مؤمنة وأن يسلم دية إلى أهل هذا القتيل ، ثم قال عز من قائل : (فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ) [النساء :93].

إذن:مؤمن قتل مؤمناً خطأً ، لكن المقتول خطأً وهو المؤمن يعيش بين قوم هم عدو لنا ، أي  في دار  كفار معادين ؛ فدار الحرب لم يسمها الله ، لكن من الواضح أنه تحدث عنها ، فهناك أساس للتسمية : الآيات تشير إلى هذا الفهم ، الفقهاء لا يبتدعون شيئاً بالمرة من عنديتهم ، يعني يأتون بشئ من عدم ، بل  يستلهمون الكتاب والسنة وآثار الصحابة أيضاً رضوان الله عليهم أجمعين ، ثم يقول عز من قائل : (وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ) [النساء :93].

عجيب ! يعني قوم كفار  لكنهم  مُعاهدَون ، موادَعون ، مصالَحون ، مهادَنون ،  أين عُرِفَ بعد ذلك خصوصاً في مدونات الفقه الشافعي ، بماذا ؟ بدار العهد ، دار المعاهدة ، دار المهادنة ، دار المصالحة ، دار الموادعة .  فالقرآن أشار إلى دار  العهد التي أكثر فيها القول السادة الشافعية خلافاً للسادة الحنفية ، إذن : (وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ).

والتقدير : وهو مؤمن -أيضاً -،  لأن الآية تتحدث عن قتل المؤمن خطأً ، في هذه الحالة قدم الدية ، تهمهم أكثر ، قدم الدية تُسلم إلى أهله وبعد ذلك تحرير رقبة مؤمنة ، واضح أن الآيات تتحدث عن الدور  ، الآية الجلية تتحدث من سورة النساء ، الآيات التي تعرفونها في أواخر سورة الأنفال : (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ) [الأنفال :72].

إذن أين يقيمون ؟ بين ظهراني كفار ، هؤلاء الكفار أيها الإخوة : محاربون ، معادون ،  إذن تشير إلى الدور ، المؤمنون الأولون الذين هاجروا إلى المدينة المنورة ، إلى دار الهجرة ولذلك ورد في حديث بُريدة بن الحصيب أيها الإخوة في صحيح مسلم وعند غير مسلم أيضاً من بعض أهل السنن : (كان عليه الصلاة وأفضل السلام إذا أرسل أو أمر أميراً على جيش في غزورة أو سارية أوصاه في خاصة نفسه بتقوى الله تبارك وتعالى ومن معه أي من الجيش خير ، ثم قال لهم إلى أن قال فإن هم أجابوك أي إلى ذلك فاقبل منهم وكف عنهم ثم ادعهم إلى التحول عن دارهم أو من داهم إلى دار المهاجرين وفي رواية إلى دار الهجرة ).

إذن لا يُقال هذا التقسيم لا أصل له هكذا بالمطلق في الكتاب والسنة : هذا كلام غير دقيق ، النبي يقول في الحديث :  (عقر دار الإسلام  الشام) .  إذن يقول  دار الإسلام  هناك أحاديث كثيرة : أرض العدو ، أرض الشرك ، حديث أبي داوود وغيره وإسناده صحيح : إذا أبق العبد إلى أرض العدو – في رواية إلى أرض الشرك- برأت منه الذمة – وفي رواية حل دمه – ، إذن في مصطلح  أرض العدو ، أرض الشرك.

أحدهم يقول :  طبيعي وبدهي!! ولا يُمكن أن يُنكر هذا لأن لواقع يقول هذا ، وليس الفرض العلمي فقط ، الواقع يقول : هناك أرض إسلام وأرض موحدين إذن لابد أن تكون هناك أرض وثنية  ، أرض مشركين وهؤلاء المشركون إما كانوا : محاربين ، معادين وإما كانوا : مسالمين ، كافين ، مهادنين .

هذا لابد أن يكون له أصل وجاءت الشريعة بمراعاة هذه الوقائع والشرائط وأطلقت مثل هذه المصطلحات ، حديث عبد الله بن عمر في الصحيحين : نهى النبي عليه الصلاة وأفضل السلام أن يُسافر بالمصحف إلى أرض العدو .  ينبغي أن أشير – بين قوسين- إلى أن هذا الحديث  من الأحكام التي تتغير باختلاف ما يكتنفها ، يعني لا مساغ لأحد أن يقول يحرم السفر بالمصحف إلى أرض العدو ، أرض العدو تطبع المصاحف وتطبعه مُترجماً بالألمانية وبالإنجليزية وبالسويدية أليس كذلك ؟

وهناك PDF و Text Word ، ثم الناس -الآن- ارتقوا بفضل الله تبارك وتعالى : لم نعد نرى – إلا قليلاً من المتعصبين المحترقين تعصباً – من يمزق المصحف أو يبصق عليه والعياذ بالله ، بالعكس يتلقى الناس المصجف كمصدر من مصادر النظر والمعرفة والنقد ، اختلف الحال إذن.

بالعودة إلى الموضوع : فإذن هناك أصل أيها الإخوة في الكتاب والسنة يقول تبارك وتعالى: (وَاَلَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا) – في أخر الأنفال – (مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ).

فمعنى هذا أن هناك : مؤمنين ، مسلمين ، موحدين يعيشون في غير دار الهجرة ، في غير المدينة ، بل يعيشون في أرض الكفار ،  بين كفار معادين محاربين ،  وهؤلاء لهم أحكام : (مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ)

ليس لهم علينا حق النصرة الكامل ، قلنا أكثر ما تتحدد الولاية : بالحب القلبي والنصرة الظاهرة ، نحبهم بلا شك ، نحب هؤلاء لكن ليس لهم علينا ( كامل النصرة ) لماذا ؟

قال تبارك وتعالى : (وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ) [الأنفال :72]

وشرحنا هذا في أكثر من خطبة ، إذن هذا الميثاق الذي واثق به ووفقه المسلمون يعني النبي ، وأصحابه وأتباعه جماعة من المشركين فصاروا مُعاهدين ، موادَعين ، مُصالحَين ، مُهادَنيين ، أقوى من حيث الأثر من الاشتراط في الإيمان والتوحيد ، وهذا من  السياسة  ، القرآن يخط لك أصولاً في السياسة : السياسة الشرعية ، سياسة الأمم أيها الإخوة ، سياسة الاجتماع الديني، القرآن كتاب اواقعي ، إذن أيها الإخوة هؤلاء المسلمون الذين يعيشون بين كفار  إذا اعتُدى عليهم من قبل كفار معاهدين : لا ننصرهم لكن إن جاء العدوان عليهم من قبل كفار محاربين من أجل الدين : (وإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ)

وهذا يعني أنهم اعتدوا عليهم ليس لأجل ثارات شخصية  : لا علاقة لنا بهم ، لا نخوض حرباً من أجل ثاراتهم الشخصية ، من أجل أموال  ومبادلات وأشياء من هذا القبيل ، لكن ننصرهم من أجل  الدين ، اعتًدى عليهم في الدين ، أُريد إكراههم وفتنتهم عن دينهم : لابد أن ننصرهم  على القوم المحاربين ، فإن كان الذين اعتدوا عليهم مُعاهَدين – يجوز أن تقول : مُعاهَد و مُعاهِد ، وإن كان الأفضل أن يُقال في الجهة الأقوى وهى جهة المسلمين التي أعطت العهد  مُعاهِد  والذين أخذوا العهد  مُعاهَد  لكن كلاهما صحيح ، يُقال في كل طرف : مُعاهَد و مُعاهِد ،كما قال السادة الفقهاء -…

إذن هذه الآية أيضاً تشير إلى موضوع  الدار .. بل أكثر من هذا :

آية سورة الفتح وهذه حجة تفقأ عيني التكفيريين الذين كَفّروا أهل الدار بعد أن كَفّروا الدار واستباحوهم والعياذ بالله : أموالهم  ودماءهم  بعض الجماعات التكفيرية الجهادية كما تُسمي نفسها في مصر وغيرها ، كان تمويلها من  سرقة أموال الناس ، بحجة أن  أموالهم مباحة ، شئ عجيب !

المسلم معصوم لا تنقطع عصمته ، أقام بين المسلمين أو بين المشركين في دار شرك ، في دار حرب ، في دار إسلام :  له عصمة  ولا يُعتدى عليه ، لا يُقتل أيها الإخوة المؤمن إلا بسلطان من الله ، قال عز من قائل ، تأملوا وهذه قل أن التفت إليها أحد : (هُمُ الَّذينَ كَفَروا وَصَدّوكُم عَنِ المَسجِدِ الحَرامِ وَالهَدىَ مَعكوفًا أَن يَبلُغَ مَحِلَّهُ) [الفتح :514].

يتحدث هنا عن كفار مكة (هُمُ الَّذينَ كَفَروا وَصَدّوكُم عَنِ المَسجِدِ الحَرامِ وَالهَدىَ) أي : منعوا الهدي (مَعكوفًا أَن يَبلُغَ مَحِلَّه) امتناع لوجود إذن : (وَلَوْلا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَأُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا).

خطر لي الآن ، و أعود إلى تفسير الآية قد يقول قائل هل الجمعة ، هل خطبة الجمعة مكان مناسب لشرح مثل هذه المعطفات ، هذه القضايا العويصة ، الغامضة ؟ : أنسب شئ أيها الإخوة تعرفون لماذا ؟

لأنه ليس مناسباً أيضاً أن يُسرق منا أبناؤنا وبناتنا في كل صوب ومن كل حدب وفي كل ساحة بمثل هذه الأفكار ونحن قعود مشبكي الأيدي لا ندري شيئاً أيها الإخوة ، يسرقونهم في الجامعات ، في المدارس ، المساجد ، في الأوكار ، الآن على “الفيس بوك” ، بالكتب ، بالكتيبات ، بالأشرطة ويتحدثون هم عن دار الإسلام ودار الكفر ، ودار الحرب والحاكمية ، وشمولية الإسلام وتحكيم شرع الله وهكذا ، ويحولوهم إلى قتلة وإلى مفجرين وإلى مُكفرَين … ونحن ننظر هكذا !  أنا أقول لكم هذه المنابر اليوم واجبها العتيد هو واجب الوقت ، لسان الفقهاء : واجب الوقت لا أن تتحدث الأحاديث الموسمية ، الأحاديث الموسمية اتركوا  لها فسحة في برامج متلفزة وغيرها وحتى في دروس منزلية …

القضية إشكالية ، واجتهادية ومعقدة وكبيرة وفيها كلام في الجملة يخالف كلام سيد قطب وشكري مصطفى ومحمد عبد السلام فرج والتكفيريين والجهاديين ، الأمة تكلمت وخالفت ، كل الأمة : حنفية ، شافعية ، مالكية ، حنابلة ، ابن حزم ، ابن تيمية ، علماء الأمة الكبار…

نعود إلى الآية الجليلة من سورة الفتح ، الله تعالى يقول بعد أن يشنع ويبشع من حالة كفار مكة المُعتدين ، المجرمين ، المحارِبين يقول : (وَلَوْلَا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ)

أين هم ؟ بينهم ، يعيشون مستضعفين ، مستخفين ، مستترين بدينهم بين  ظهراني مشركي مكة ، كم كانوا ؟ عن جنيد بن سبعُ وقيل ابن سباع  جُنيد بن سبعُ أو ابن سباع قال : “كانوا سبعة”!

يا الله ! يا ربنا أمن أجل سبعة تُنزل تشريعاً مثل هذا ؟ وهذا التشريع مقتضاه أن يُكَف عن المشركين المحاربين الذين لا يزالون يناوشون  دولة الإسلام في المدينة ومجتمع المسلمين ، مجتمع النبي ، قال كف عنهم لا ندهمهم ، لا نكرثهم من أجل ماذا ؟

من أجل ألا يضيع تحت الأقدام  سبعة من المؤمنين والمؤمنات : سبعة ! وسبعة مجهولون يعني واحد يقول لك هم مجهولون لو ذهبوا في من قُتِل وفي من وُطِئ ، وذكر منهم جُنيد بن سبعُ أو سباع :

الوليد بن الوليد بن المغيرة ، هشام بن سلمة وسلمة بن هشام ، عياش بن أبي ربيعة ، ثم ذكر أبا بصير القرشي وأبا جندل بن سهيل بن عمرو ، وقيل كان منهم ثنتان من النساء : أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ، وأم الفضل زوج العباس عم النبي بن عبد المطلب ، عليهم السلام أجمعين .

وقيل : كانوا  ثلاثة رجال وتسع نسوة  يعني اثني عشر ، اثني عشر ! قلة ، الله يقول لا ! ، لأجل معصومية  هؤلاء المؤمنين والمؤمنات : كفوا عن كفار مكة رغم ما فعلوا وما أجرموا (لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَأُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ)

المعرة : مصدر ميمي من عَرَّهُ وهو إذا ألحق به ما يكرهه من فعل أي من ضر أيها الإخوة أو غرم أو قالة سوء يُقال هذه معرة ، لا يُقال بعد ذلك : محمد وأصحابه قتلوا بعض أولياءهم ، بعض المؤمنين ، انظروا :

هؤلاء يقطعون ما أمر الله به أن يوصل ، هؤلاء يرفعون عصمة  معصومي الدم ، يبدأون يثربون على رسول الله وعلى مجتمع المسلمين ، هذه هي المعرة ، جزء من المعرة ، فضلاً عن القتل بحد ذاته لمسلم معصوم الدم ، أين شكري مصطفى  من القرآن الكريم ؟ أين هؤلاء التكفيريون وهؤلاء المهرجون الإنشائيون من كتاب الله ، هل قرأوه ، هل طالعوه ، هل دققوا وأمعنوا النظر فيه ، أم أنها هيجات نفسية وثارات شخصية ة وأوهام قيادة  فارغة دمرت أمتنا ؟

اللهم عصمتك وحفظ وصونك ، قال :

(لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ)

مكة ، أهل مكة

(عَذَابًا أَلِيمًا)

قال يستحقون ، يستحقون عذاب السيف ، ما معنى : (لَوْ تَزَيَّلُوا) ؟

أي لو افترق المؤمنون المجهلون لكم الذين لم تعلموهم ، لو افترق المؤمنون من الكافرين وامتازوا بحيث يتبينون ، قال تبارك وتعالى في سورة يونس :

(فَزَيَّلنا بَيْنَهُم)

ما معنى زيلنا ؟تزيل : إذا نحاه من المكان ، أبعده من المكان ، نفاه من المكان فانتفى.

(لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا).

إذن هذا هو التزيل : التفرق أيها الإخوة والانمياز ، انماز هؤلاء من هؤلاء ، لكن لأجل  عصمة  هؤلاء القلة من المؤمنين والمؤمنات أنزل الله تبارك وتعالى وجل مجده ما أنزل ،ونعود الآن إلى موضوعتنا :

ما حقيقة وما قصة دار الحرب ودار الإسلام ؟

تعريف السادة الفقهاء والعلماء  من المذاهب الأربعة المتبوعة ، تختلف لفظياً بقدر  لكن يوشك في نهاية المطاف أن تلتقي على قدر من المعنى المشترك ما هو ؟

أكثر تعاريف السادة العلماء من المذاهب المتبوعة تدور على أن  دار الإسلام  هى :

الدار التي تكون السلطة فيها للمسلمين أو للإسلام ، ثم وقع بعد ذلك خلاف يسير – وقد لا يكون كذلك – بين أن تكون السلطة للإسلام بمعنى أن يكون أهل الدار الذين لهم القوة والمنعة والغلب كلهم أو أكثرهم مسلمين أو يكون الحكم إسلامياً ، فيكون الحاكم مسلما ، هذه وجهة وهذه وجهة .

أن يكون الحكم إسلامياً : قد تكون أرجح ، مصر مثلاً حين افتتحها المسلمون صارت ديار إسلام مع أنها إلى ما بعد فتحها ، إلى ما بعد حين فتحها بأربعة قرون معظم قطانها كانوا  من الأقباط المسيحيين ، أقل سكانها كانوا : مسلمين ، لكنها من أول يوم ، من ساعة فُتِحَت أصبحت دار إسلام بحكم أن  السلطة كانت مسلمة.

السادة الحنفية لهم تعريف لدار الإسلام تعكسه تقريباً يصبح  دار حرب ، تعريف دقيق وأكثر المعاصرين يدورون عليه ويستوجبونه يرونه وجيهاً ، ما هو ؟

يقول أحدهم :  دار الإسلام  تجمع شرطين :

الشرط الأول أن يكون فيها  الظهور والغلبة للإسلام ، يسميه محمد بن الحسن الشيباني صاحب السير رحمة الله عليه ، أحد الصاحبين الجليلين لأبي حنيفة يسميه ظهور الإمام  غيره يقول  ظهور الإسلام يُستعلن يعني فيها بأحكام الإسلام وشعائره ، ما هى شعائر الإسلام التي يُعلن ويُستعلن بها ؟

الجمعة ، الجماعة ، الآذان ، صلاة العيدين وأمثال هذا  ،

لذلك صح عن النبي عليه الصلاة وأفضل السلام أنه كان ينهى الجيوش و المجاهدين بالكف عمن في دارهم أو في ديارهم مسجد ،

يقول إذا رأيتم مسجداً أو سمعتم ماذا ؟ منادياً ، مجرد وجود مسجد : كف ،  لأنها من شعائر الإسلام ، أحدهم يقول: هذه قضية أصبحت الآن  معقدة لأن المساجد تزحم أوروبا الآن ، صحيح ،  فيينا وحدها فيها كم من مسجد ؟ ربما أكثر من أربعين مسجداً و أنا أقول لكم عكس ما قال بعض العلماء الأفاضل المعاصرين : ليس من شرط المسجد أن تكون له  قبة ومنارة ، بالعكس هذا تقليد شبهنا فيه النصارى القباب أيها الإخوة من ابتداعهم والمنائر من ابتداعهم أيضاً ،  بل المسجد مكان السجود الذي تجتمع فيه جماعة من المسلمين يصلون لله الخمس : هذا يعتبر مسجداً ، اسمه  مسجد ،  هناك تفرقة مانعية عند الفقهاء بين  المسجد  والجامع ، هناك مساجد  لا تُجَمّع فيها الجمعة : مساجد قولاً واحداً ، وهناك  مساجد  تًصلى فيها الجمعة فتسمى  جوامع ، ويًسمى المسجد الجامع،لكن هذه المساجد  في أوروبا وأمريكا واستراليا وكندا تزحمها الآن :  المساجد النبي كان يأمر بالكف عن أي مكان وعن أهل ذلك المكان إذا رأى  مسجداً  في دارهم وفي دارتهم ، بل أكثر من هذا : جماعة من كبار علماء ومحققي فقهاء السادة الشافعية ،كالماوردي أقضى القضاة صاحب الحاوي رحمة الله عليه ، والعلامة الخطيب الشربيني في مغنى المحتاج ، والعلامة ابن حجر الهيثمي المكي في تحفة المحتاج ،  ذهبوا إلى أن المسلم أو المسلمين -وإن كانوا قلة- ، إذا كانوا  بأرض شرك أو بأرض كفر أو بأرض حرب  معادية للمسلمين وانحازوا في مكان ، استقلوا فيه وأمنوا على أنفسهم لم يُهدَدوا ، لم يخافوا واستعلنوا بشرائع أو بشعائر دينهم : صلوا ، أقاموا ، أذنوا ، صلوا الجمعة والجماعات والعيدين ، من غير تخويف من غير إرهاب ، فالبقعة التي انحازوا فيها  دار إسلام ، فإن هجروها وخرجوا عنها استحالت دار حرب ، وبعضهم حكم بأنهم يستحب أن يظلوا فيها وبعضهم قال :إن لم تكن ضروة يحرم عليهم أن يتركوها لأنك إذا تركتها أحلت دار الإسلام إلى دار حرب  إذن القضية الآن في كلام السادة الفقهاء عبر الأعصار المتفاوتة ي قضية يُلمح فيها التغير في الواقع ، يعني في مكة -مثلاً- أيام رسول الله في البداية وقبل الحديبية : مستحيل أن مؤمناً يُسمح له بالاستعلان بدينه ، يؤذن ويكبر : إن فعل ذلك يُقتل و يُسجن و يُعذب ويُمنع أليس كذلك ؟  الآن هذا لا يحصل في أوروبا ، ولا في غير أوروبا ولم يحصل أيضاً في بعض ديارات الكفار أيام هؤلاء الفقهاء الأجلاء المذكورين ،إذن هناك متغيرات  لابد أن تًراعى ، فالقضية أيضاً يدخل فيها ما يُعرف ليس فقط بتخريج المناط ، تخريج على الحكم على دار بأنها دار إسلام أو دار كفر او حرب  ، بل يدخل فيها : تحقيق المناط  هل هذه الدار الآن بعد أن نتفق على  تخريج المناط ، تحديد وتعيين المناط  ،ما هو مناط الحكم على دار بأنها دار إسلام أو دار حرب ؟ ما هو مناط التفريق بين الدور ؟

قضية إشكالية واجتهادية  كما قلت لكم ، فتحقيق هذا المناط يعني تطبقه في الواقع ، وهي قضية تخضع أيضاً للنظر والاجتهاد ، قد تنظر أنت إلى أمر من جهة وأنظر إليه أنا من جهات أخرى ، بعد ذلك يكون الحكم لأرجح النظرين ،  هكذا يكون نظر الفقه ، فالسادة الحنفية قالوا :

أولا : الاستعلان بالإسلام يعني السيادة اليوم باللفظ القانوني السيادة ، تكون السيادة للمسلمين ، واحد.

ثانيا : وأن يأمن كل من بهذه الدار  من مسلم وذمي ، أمانهم مأخوذ  بسلطة الإسلام .

طيب .. هل يمكن أن تستحيل الدار  دار الإسلام  إلى دار كفر أو  دار حرب ؟

عند السادة الحنفية ، عند أبي حنيفة بالذات ، أبو حنيفة قال نعم لكن بثلاثة شروط صعبة:

أولا : ألا تكون  السيادة للإسلام ، للمسلمين ، بمعنى أن يكون الحكم لغير الإسلام ، الأحكام المُعلنة والتي يُعمل بها : أحكام الشرك ، أحكام الكفر ليست أحكام الإسلام .

ثانيا : ألا يبقى أحد من  المسلمين في هذه الديار آمناً بالأمان الأول أو حتى الذميين ،  والأمان الأول هو أمان  إمام المسلمين  ،  فحتى لو كنت آمناً فبأمان إمام الكفار: حاكم كافر ، سلطان كافر .

والشرط الثالث وهو مهم : أن تتاخم هذه الدار ديار الحرب والكفر من غير توسط  بلاد إسلامية ،  طبعاً متاخمة هذه الديار  لديار الكفر  يجعلها أقل حصانة وأضعف ، ويمكن أن تُجتاح في أي لحظة ، وأن يرتفع أمانهم إذا اُعطوا أمان .

هذه شروط ثلاثة صعب جداً أن تتحقق ولذلك الإمام بهاء الدين الاسبيجابي ، نسبة إلى اسبيجاب من بلاد الترك وهو من أئمة الأحناف في القرن السابعي الهجري لما سُئل عن بعض البلاد الإسلامية التي دهمها التتار وغلب عليها المغول هل استحالت إلى  ديار حرب  أو ديار كفر وشرك  ؟

قال : لا ، لأنه يؤذن فيها ، والقضاة فيها من المسلمين ، تًصلى فيها الجمعة والجماعات وتتاخم بلاد المسلمين ، قال رحمة الله عليه  :

وقد تقرر أن بقاء شئ من العلة يبق الحكمة  ،

بقاء شئ من العلة قالوا : واضح في استظهاره بأحكام الإسلام ، (هناك نوع سيادة للمسلمين ، وهناك متاخمة ، فهي ديار إسلام .

لماذا نرجح نحن في هذه الحالة مثل المذهب الحنفي هذا ؟

أولا : ترجيح لجانب الإسلام ، ألا يسعدك ، ألا يطمئنك ويرضيك أن تكون هذه الديار محسوبة  للإسلام وللمسلمين  ؟ يرضيك أن تكون  ديار كفر وحرب ؟ وأن يهجرها المسلمون وألا تُقام فيها الجُمع وألا يُدافع عنها وألا وألا ؟ ، كما قلت لكم هذه أحسن هدية ، أحسن ما تقر به عيون أعداء الأمة ، أعداء الإسلام ، احكم عليها كلها أنها  دار حرب  أحسن ، ادخلوا بعضكم في بعض …

إذن ترجيحاً لجانب الإسلام  لحديث الدارقطني وغيره : (الإسلام يعلو ولا يُعلى عليه).ترجيحاً للإسلام .

ثانيا :  احتياطاً للدماء والأعراض والأموال :  حين تحكم على الديار بأنها أصبحت  ديار حرب  ما معنى ذلك ؟ تترتب عليه أحكام كثيرة ترفع  العصمة ، لذلك نجد العلامة المصري الكبير الشيخ عبد الوهاب خلاف رحمة الله تعالى عليه حين تكلم عن  مناط الحكم على الدار بأنها دار إسلام ودار حرب قال : المناط هو انقطاع  العصمة  ، يعني ما يُعبر عنه بلغة مفهومة : الأمن والفزع  وقيام الحقوق ، وحياطتها …

لا أريد أن أسترسل في نقل أقوال الأئمة والإثقال عليكم …لدينا  ستة أقوال ، يمكن أن نذكرها ونأتي عليها ، ولكن هذا الموضوع أصبح تخصصياً … ،فقط نريد أن ننتهي إلى نهاية تتأملون فيها  ، أنا اقترح ما لدي ، أقول ما فتح الله به علي ، قد أكون مصيباً ، قد أكون مخطئا، الفضل كله بيد الله ، والملامة دائماً تُعزى إلى العبد لكن فكروا فيه  وتمعنوا فيه النظر ، أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم .

الخطبة الثانية :

الحمد لله ، الحمد لله الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون ، ويستجيب للذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله والكافرون لهم عذاب شديد ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً .

إخواني وأخواتي :

وعدتكم أن أتكلم عن دار الحرب  وعلاقتها بدار الكفر ، بعض الفقهاء- ربما جماهير الفقهاء من الحنفية بالذات ثم الشافعية والحنابلة – يطابقون ، يوشكون أن يطابقوا بينهما ، عندهم دار الكفر  تعادل دار حرب ، قد يعترض مُعترِض منكم يقول : عجيب لماذا ؟ الواقع والتاريخ يقول ليس بالضرورة أن تكون  ديار الكفر  : ديار حرب ، يمكن أن تكون  ديار صلح ،  يعني بيننا وبينها تمثيل دبلوماسي ، علاقات مشتركة :  ديار هدنة ، ديار موادعة …

واضح إذن  أن الجماهير كانوا يتلمحون الواقع المعيش ، إذ لم يكن يُنظر إلى المسلمين -ليس المسلمين وحدهم هكذا كانت العلاقات -، على أنهم أمة من حقهم أن يعيشوا مُستعلنين بدينهم ، بشرائعهم ، بقوانينهم ،

سأقول لكم أكثر من هذا ويمكن أن تعودوا بالتفصيل إلى كلام العلامة المصري القانوني الكبير محمد حافظ غانم الوزير الأسبق للتعليم العالي في مصر رحمة الله عليه ، عنده محاضرات تدرس في الجامعة العربية ، محاضرات مهمة جداً ومتينة ، اسمها : محاضرات في العلاقات الدولية الإقيلمية  ، هكذا ، يقول الأستاذ البروفيسور  محمد غانم حافظ ، يقول :القانون الدولي إلى وقت قريب جداً ، إلى الثلث الأول من القرن العشرين لم يكن يتعاطى مع الشعوب الإسلامية والأمم الإسلامية على أنها شعوب وأمم ودول تُعامل بمقتضى ما يُعرف بالقانون الدولي ، بل  خارج مُقتضى القانون الدولي  : شعوب همجية ، دول بربرية ، يحث ويحفز ويدعى إلى استعمارها وأكلها ،  عجيب ! وهذا رجل قانون كبير ويعرف ماذا يقول ، وأكد كلامه بأن مؤسس القانون الدولي الحديث كما يُقال –  في الحقيقة لي خطبة وإن شاء الله وعدتكم بخطبة ربما أو محاضرة أوسع سنثبت أن الذين أسسوا القانون الدولي أيها الإخوة هم  المسلمون تأسيساً علمياً متيناً جداً وخاصة فقهاء الحنفية ، خاصة محمد بن الحسن الشيباني ، وليس هوجو جرتيوس Hugo Grotius الهولندي صاحب الكتاب الشهير جداً :  قانون الحرب والسلام تحميل الكتاب

هوجو جرتيوس أيها الإخوة في كتابه ، قانون الحرب والسلام دعى إلى  عدم مساواة الدول والشعوب المسيحية بالشعوب والدول غير المسيحية ، قال : لا يستوون ، أبداً ودعى الأمراء المسحيين والملوك  إلى : التكتل في وجه أعداء العقيدة ، وبدرجة أولى : المسلمين ، فقال : لابد أن نقاتلهم و أن نستبيحهم !، فرنسوا الأول ملك فرنسا حين عقد المعاهدة الشهيرة ،  يسمونها معاهدة فرانكو ، سنة ألف وخمسمائة وخمسة وثلاثين، مع سليمان القانوني ، فحصل أن كبار القانونيين الفرنسيين انحوا عليه باللائمة ، لاموه على رؤوس الأشهاد كيف يفعل هذا ؟ كيف يجرؤ ؟! وحين تقرأون أنتم بنود معاهدة سليمان القانوني مع فرنسوا الأول صدقوني في معظمها لصالح الفرنسيين ، تعطي إمتيازات هائلة ، رهيبة للرعايا الفرنسيين في الإمبراطورية العثمانية ، غير مسبوقة قبل ذلك الحين ، لكن هؤلاء أعماهم التعصب يقولون عن المسلمين : ليسوا أمما تستحق أن تُقاد وفق مقررات القانون الدولي الناشئ ،  قالوا :  لأن هذه المعاهدة في شكل تعاون ولا يسوغ التعاون مع المسلمين ، عجيب !

إذن كانوا  – أي الفقهاء – يتلمحون الواقع ، الواقع أنه ما من كافر إلا ويعلن الحرب على الإسلام ودولة الإسلام ويريد أن يجتثها ، قال تعالى: (وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ)

والمُخاطَب : الصحابة ، النبي وأصحابه ، هكذا عقدوا العزم على أن يجتثوهم لكن الآن : ألم تقع وتتفق معاهدات ومصالحات بين ديار الإسلام حتى أيام رسول الله وبين بعض المشركين ؟نعم ، هذا حصل في الحديبية وغير الحديبية، طيب ، بشكل جزئي مُفرَق ، مُفصَل ومع النصارى أحياناً أليس كذلك ؟ ومع اليهود أيضاً حين قدم المدينة ، الإمام الشافعي قال في كتابه “الأم” : وادعهم على غير جزية وعلى غير مال .

من أجل هذا الذي وقع ،  جاء السادة الشافعية بالذات وقالوا : الدور ثلاثة : دار إسلام  و  دار حرب و  دار عهد.

السادة الحنفية قالوا : لا ننكر أن هناك  دار عهد  لكن دار العهد : دار حرب  ، فالقسمة تبقى ثنائية :دار إسلام  ، دار حرب

قالوا دار العهد ، لا تخرجها المعاهدة عن كونها  دار حرب  في الأصل  .. وهذا كلام ليس دقيقاً في الحقيقة ، لماذا ؟ يمكن وجه الصحة فيها أنهم منعوا أن تكون المعاداة مفتوحة ، لا إلى مدة يعني أبدية قالوا لا ، ثم اختلفوا في المدة التي ينبغي أن تنتهي إليها المعاهدة ، بعضهم قال : عشر سنين كما فعل النبي في الحديبية وليس بمُلزِم ، وبعضهم قال غير ذلك ، على كل حال ،الذي أحب أن أقوله ، هذا أخر ما أدلي به إن شاء الله تعالى والله المستعان إخواني وأخواتي :

لا يخفى على بصير وعلى متتبع بل على من له بادئ النظر في التطور التاريخي للبنى الدولية أن العالم اختلف كثيراً ، إذا كان السادة الفقهاء في الماضي يرون أن المسلم من الصعب جداً أن  يأمن بين غير المسلمين ، فالواقع اليوم هو العكس تماماً : نحن نرى اللاجئين السوريين المنكوبين وحالهم ، هؤلاء وأمثالهم ونحن منهم أيضاً نأمن في هذه الديار ما لا نأمن في بلاد المسلمين والإسلام ، أليس كذلك ؟ وكما قلت لكم في كندا ، في استراليا ، في أمريكا الشمالية ، في أوروبا لدينا مساجد ، لدينا مُصليات ، نستعلن بديننا ، الحجاب ، النقاب ، الصلوات ، الجلباب ، ليس لديهم مشكلة مع كونك تصلي في مسجد ، وتذهب تحج ، وتعتمر ، وتصوم رمضان ، وتصلي التراويح وتلبس زيك ، ليس لديهم مشكلة مع هذا ، لديهم مشكلة مع الإرهاب ، مع القتل ، مع استباحة أموالهم ، مع استباحة دمائهم ، مع التحريض عليهم ، وحق لهم أن تكون لهم مشكلة مع هذا ، وليس هذا جزاء من أسدى إلينا يداً وأسدى إلينا معروفاً ، لكن كما قلت لكم نحن الآن آمنون ، نأمن هنا تماماً على طريقة الماوردي والشربيني وابن حجر الهيثمي ، نحن هنا في دار إسلام على طريقة هؤلاء لكن نحن لا نتعاطف مع هذا ، أيضاً هذا لا يسر من نحن بين ظهرانيهم ، هذه الديار يأمن فيها المسلمون ،ليس بأمان سلطان المسلمين  وليس بأمان حاكم الدولة  .

بل بأمان  القانون الدولي  ، هذا وضع جديد جداً ، لا يستطيع الآن حزب يميني – ورأيتم ماذا حصل لحزب يميني هنا في النمسا -،  أن يجاوز الخطوط الحُمر وينتهك مقررات إنسانية أوجبها القانون الدولي ، تسقط مباشرةً حكوماته وقد يقدمون إلى محاكمات دولية ،  يتحركون في إطار محدود ، إذن هنا شئ الآن اسمه  القانون الدولي ، المرعي تقريباً والمفروض على سائر الدول والأمم بقوة أو بأخرى  نأمن بمقتضاه، ونقيم شعائرنا ، ونستعلن بهذه الشعائر …

أنا أقول لكم ليس ثمة مانع لا من أصول الشرع ، ولا من مقرراته: ما يمنع من أن نجعل القسمة قسمة جديدة بالكلية ولا نقول دار إسلام تقابلها دار كفر، و دار السلم تقابلها دار حرب، أو دار إسلام تقابلها دار حرب بالعكس نتحدث بلغة الدول ، هناك دول ، دولة كذا والدولة الكذائية والدولة العلانية وهذه الدول إذا نظرنا إلى طبيعة العلاقة معها من حيثية : السلم والحرب  تقريباً كلها أو معظمها بإطلاق في حالة سلم مع الدول والكيانات الإسلامية ، هذه الدول كلها تقريباً  ليس لديها غرض في إجتثاث الإسلام كإسلام ، كدين ، و تكفير المسلمين وأن يعودوا عن دينهم وأن يُفتنوا في دينهم ، كيف يُقال هذا ؟ !وهى التي تفتح لكم المساجد والجامعات الإسلامية وكليات تخريج الأئمة وتُطبع فيها المصاحف مُترجمة وغير مُترجمة ، كيف يقال هذا ؟!!  هذا كلام باطل وكذب على الواقع ، علينا أن نعيد النظر في المسألة ، لننقذ صورة الإسلام أولاً ، لننقذ عالم المسلمين من هذه الكوارث والدواهي التي لا تزال تدهوه وتكرثه من حوالي أربعين سنة ، لننقذ أيضاً الأبرياء معصومي الدم والأموال والأعراض في كل مكان .

نسأل الله تبارك وتعالى أن ينفعنا بما علمنا وأن يعلمنا ما ينفعنا وأن يزيدنا فقهاً وعلماً ورشدا .