كل نظام سياسي ينفرد بالسلطة، ويحتكر السياسة، ويستبد بالقرار، فيمنع المعارضة من القيام، أو يهمشها ويضيق الخناق عليها حين توجد، أو يحرمها من التمتع بالشرعية القانونية، ومن المشاركة السياسية في المؤسسات وفي صنع القرار…، إنما يعرض نفسه للمخاطر التي تتولد-موضوعيًا-من حالة الفراغ السياسي، أي التي يقود إليها غياب التوازن الاجتماعي والسياسي والثقافي الذي به، وحده، يتأمن الاستقرار ويستتب السلم المدني.

وهكذا من رفض المعارضة المدنية، وغيبها بسياسات القمع، فإنه قد أوجد معارضة أخرى متشددة ومسلحة يضطر النظام عينه لمفاوضتها، في المطاف الأخير، تحت وطأة الأمر الواقع، على تسوية سياسية داخلية يكون هو قد فقد فيها الكثير مما كان له من قبل، والكثير مما كان سيظل له فيها لو تعايش مع معارضة مدنية، واعترف لها بحقوقها، واندماجها في الحياة السياسية والمؤسساتية.

ما الذي حصل في ما سمي «الربيع العربي» غير هذا؟ ! إذا جاز افتراض وجود حيز من «المؤامرة» الخارجية وراء ما جرى – وهو مما ليس يمكن استبعاده تماماً – فمن الجائز القول إن فعل تلك اليد الخارجية لم يفلح في تحقيق مآربه إلا حين وقع على نظم سياسية مغلقة وأحادية. إن الاستبداد شريك ندي للتآمر الخارجي في تمزيق الدولة والمجتمع، في بلدان عربية عدة، لأن الاستبداد يفقر الدولة والمجتمع معاً من أسباب الحصانة الذاتية ضد التأثير الخارجي، ولأنه يدفع المعارضة إلى اليأس فركوب المجهول، قبل أن يأتي عليها – هي الأخرى – من يرثها فيطوعها لمشروعه، أو يطيح بها إطاحة نهائية لا يقوم بعدها لها بنيان.

مشكلة النظام السياسي الاستبدادي أنه يذهل عن منطق السياسة وضروراتها، ويجذف ضدها كأنه وحده في الحلبة! وهكذا، حينما تدعوه الأوضاع والضغوط الشعبية إلى التراجع خطوة، وتقديم التنازلات الضرورية في الوقت المناسب، يستصغر شأن تلك اللحظة الاضطرارية، ويضعها في جملة ما يمكن استيعابه بالمكابرة، فتكون النتيجة أنه يخسر الكثير من تفويته فرصة الاحتواء الإيجابي، والمتوازن، للأزمة الداخلية التي تعصف بالبلد، فيفتح عليه وعلى البلاد أبواباً كان يسعه إغلاقها بالقليل من الحكمة والمرونة وحسن التصرف.

في نموذج الدولة الوطنية الحديثة، حيث يختلف الأمر عن حال الدولة في بلادنا، تقوم العلاقة بين النظام الحاكم والمعارضة على قوام مختلف تماماً، المعارضة في هذا النموذج، شريك للنخبة الحاكمة في السلطة بالمعنى الحقيق لا بالمعنى الرمزي. من الزاوية القانونية تدير النخبة الحاكمة سلطة الدولة، بتفويض شعبي من خلال الاقتراع، وتطبق برنامجها الاجتماعي – الاقتصادي الذي صوتت الأغلبية عليه، ولكن نظام الدولة ودستورها يضمنان للمعارضة حقوقاً واسعة، ليس في الرقابة على السلطة التنفيذية ومساءلتها، فحسب، بل في المشاركة في صنع القرار، إذ المعارضة – في منطق الدولة الحديثة – هي جزء من السلطة، وليست جسماً سياسياً خارج السلطة كما قد يظن. لم تعد الديمقراطية تعني حقوق الأغلبية، ووجوب خضوع القلة لها، وإنما باتت تعني حقوق القلة/القلات، في المقام الأول، ولأن المعارضة تنتمي، حكماً، إلى بيئة تلك القلة (بمعناها السياسي لا بمعناها الأقوامي أو الديني)، فإن الدولة الحديثة تلحظ اليوم، وعلى نحو غير مسبوق، المعارضة وتتخذ من إشباع تلك الحقوق أو التحيف ضدها معياراً لقياس معدل القيم الديمقراطية في أي نظام سياسي.

اعتراف الدولة الحديثة بالمعارضة، جسماً سياسياً ضرورياً فيها، وإقرارها حقوقها الدستورية والسياسية كمعارضة، يرتب على النظام القائم، أو النخبة الحاكمة، أخذ مصالح القوى الاجتماعية التي تمثلها تلك المعارضة في الحسبان، واستدخالها في البرنامج الحكومي المطبق حتى دون أي وجود للمعارضة في الجهاز التنفيذي. ويفسر ذلك أن النخب الحاكمة، التي تصل إلى السلطة بالاقتراع، لا تمثل إلا نسبة تزيد، قليلاً، على نصف نسبة الناخبين الإجمالية.

قلنا إن المعارضة شريك في السلطة -في نظام الدولة الحديثة – وليست قوة على هامشها. وشراكتها فيها لا تكمن، فقط، في أن حقوقها تحفظ وتصان، إن كان بالنص التشريعي أو بقوة أحكام العرف، بل لأنها تمارس تلك السلطة، فعلاً، في مواقع مختلفة في الدولة: في البرلمان، كقوة تشريع ونقض، في السلطات المحلية أو اللامركزية (كالبلديات والمجالس المحلة، وفي البرلمانات المحلية في حال الدول الاتحادية أو النظم اللامركزية…)، ناهيك عن السلطة الإعلامية، والسلطة الثقافية، وسلطة التمثيل التي لها في المجتمع. إن قيل تلك السلطة، التي تحتازها المعارضة وتمارسها وتفرض بها حقائق مادية، إنما هي خاصة بنوع خاص من المعارضة لا يوجد سوى في الدول الديمقراطية، ولا يمكن بالتالي افتراضه في بلداننا المزدحمة بأنواع الاستبداد، قلنا: إذا صح ذلك – وهو فعلاً صحيح- فإن تلك المعارضة سلطة لا يمنحها لها أحد، لا دولة ولا نظام سياسي ولا دستور، هي سلطة التمثيل: تمثيل قطاعات اجتماعية من الشعب. وهي تستطيع بتلك السلطة، إن أحسنت استثمارها وإدارتها، أن تحصل على حقوق، وأن تحقق مطالب، وأن تفرض على النخبة الحاكمة – في الحد الأدنى – مراعاة حقوقها والمطالب تلك.

*الخميس 9 يونيو 2016.