لعل الانتخابات تظل أكبر فعل سيادي في الديمقراطيات المكرَّسة أو التي تتمرن على تصليب عودها.
وهي، بذلك ،محكومة، في جزء كبير من رهاناتها، بمجريات التطور الداخلي وتفاعلات موازين القوى الوطنية.
غير أن الانتخابات ، ككل ممارسة سياسية مرهونة بإرادة القوة، لا يمكنها أن تعفي نفسها من قلق الجوار وإدراك محيطها، بل لا يمكنها أن تعفي نفسها من ضرورة الارتقاء إلى رهانات ما تعرفه عن هذا المحيط.
ومن هذا الباب يملك سؤال الانتخابات المغربية القادمة مشروعية طرحه من وجهة نظر ربط القضايا الوطنية بلعبة الأمم والصراع الإقليمي.
فانتخاباتنا ، شئنا ذلك أم أبينا، تجري في جوار غير مستقر: جوار متوسط المدى في ليبيا المتقلبة والخاضعة لقوانين غير سلمية، وجوار محايث هو الجوار الجزائري..
والواضح أن الانتخابات المغربية، كما كل شيء مغربي منذ 2011،تخضع للقراءات العديدة من لدن الجوار القريب والبعيد على حد سواء..
كما أننا ندبر بها أيضا هذا الجوار.
لنتذكر أن انتخابات 25 نونبر 2011 خضناها تحت نيران «الربيع العربي» واندفاعاته، وتحت نيران التجارب التي كانت تصل بالبدائل السياسية للسلطة إلى السلطة بواسطة العنف السلطوي أو الانتفاضات أو التلاقي بين الجيش وبين الشارع،
ونحن اخترنا الحل السلمي للتناقضات التي بدأت تفرزها تراكمات عقد من الانفراج السياسي واستنفاذ مخزون الثقة الذي جاء به.
فهل يمكن اليوم أن نقارب انتخابات 7 أكتوبر بدون استحضار الوضع في الجزائر الشقيقة، وما بدأ يطفح من تناقضات داخل الكيان الحاكم، وعقلية النظام السياسي الجزائري في البحث عن عدو خارجي كلما تفككت الوحدة الوطنية حول برنامج سياسي داخلي؟
هذا سؤال لا يمكن أن تقتصد النخبة المغربية في الجواب عنه، وهي تعد العدة للمنافسات الانتخابية القادمة، كما لا يمكن أن تلغيه الدولة، بما هي تعريف للعقل الجماعي في الحفاظ على شروط استمرار الأمة، في تدبيرها للانتخابات ..

2- تجري الانتخابات أيضا ، في الفترة التي تفصلنا عن أكتوبر وقد دخلت القوة الكبرى، التي تطبع علاقاتنا بها توترات قوية، مرحلة الحسم في الرئاسيات، بين الجمهوريين والديمقراطيين.
و نحن إذ نتابع انتخاباتها، لا ننسى أن رأيها كان دائما يهمنا ، وننتظره رسميا، بغير قليل من الحماس والرومانسية أحيانا، لكي نرضى عن أنفسنا.
فهل سيكون الحال هو نفسه الآن…؟
وهل سيكون للانتخابات الأمريكية الرئاسية تأثير بعدي على تطورات الوضع في البلاد؟
يقودنا هذا إلى النقطة الثالثة.

3- – في العلاقة بين الجوار الصعب والانتخابات والقوة الكبرى، يستحضر المتتبع كما المواطن الخطاب المرجعي في العلاقة مع النتائج ، وهو خطاب الرياض الذي اعتبر أن الربيع العربي كان خريفا ..للتفكيك والتشتيت الخ..
وهنا لا بد من أن نلاحظ شيئا أساسيا:لقد كان المدخل إلى تفكيك الدول التي عصف بها الربيع العربي، هو غياب الديمقراطية، وتأبيد الاستبداد وإلغاء المجتمع، و لهذا كان شعار الحشود والجماهير الغاضبة هو إسقاط الأنظمة والاستبداد والفساد الخ..
في حين ميز خطاب الرياض بأن المدخل إلى محاولة تفكيك المغرب والإطاحة بدولته ، ليس هو المطلب الديمقراطي(الذي تم التنويه به من طرف الدول المتهِّمة ) بل هو … القضية الوطنية . وبمعنى آخر فالمطلوب هو الإطاحة بالدولة ككل :ككيان وكجهاز وليس النظام وحده..!
ومن اللافت للنظر أن الانتخابات الوطنية تقع في زمن تتقاطع فيه القضية الوطنية والجوار القريب والقرابة الاستراتيجية البعيدة،بمعني أن قضية المغرب الأولى، تجتمع حولها الجزائر، وموقفها مرتبط بتطورات الوضع وصراع الأجنحة في الداخل، والولايات المتحدة وموقفها وتطورات الانتخابات فيها و ما إذا كانت هيلاري كلينتون سترث الإدارة الديمقراطية، المعادية كثيرا للمغرب، بكل مكوناتها، أو ستعيد النظر في أجنحتها، في حالة الفوز، وموقف الإدارة الجمهورية، التي ستجنح إلى نوع من الانعزالية دوليا ..؟.
وبطبيعة الحال فإن لكل سيناريو من السيناريوهات تأثيرات وتبعات على الداخل، وعلى ما سنفعله بانتخاباتنا التي نريدها ديمقراطية حقيقية تضمن النزاهة، لكن يكون الفاعلون فيها على دراية بما يجول في محيط الوطن..
لا ما يجول في حساباتهم فقط!

*عمود كسر الخاطر

   الجمعة 10 يونيو 2016.