عندما تقدم النخب خطاباً مثالياً أقرب إلى المستحيل وتندفع المجتمعات والجماهير وراءها في الوقت الذي تنظم السياسات والتشريعات، بعيداً عن اهتمام المجتمعات والرأي العام فإن ذلك يؤشر إلى فشل أو اتجاهات وسياسات مريبة، لأنها حالة تقود إلى العنف والصراع المدمر أو غير المفيد في شيء؛ أو أنها تعمل لأجل حماية التجاوزات الفردية أو المؤسسية على القانون والحقوق والموارد العامة والتهرب الضريبي والفساد المالي والإداري والشراكات المشبوهة بين المصالح والنفوذ، أو هي تعكس تعصباً دينياً أو جهوياً أو عرقياً، أو شعوراً عميقاً بالنقص والذنب لدى نخب أو مجموعات سياسية واجتماعية، أو مصالح ومكاسب معزولة عن مصالح المجتمعات وأغلبية المواطنين.

والحال أن الحراك الاجتماعي والسياسي في عالم العرب تحكمه ثنائية لعينة: عاطفية الجماهير والشباب وعقلانية/ انتهازية النخب والكهول، وفي ذلك تنشأ متوالية من الفشل، تجعل الإصلاح يعتمد على القائد المنتظر، كما تحول دون نشوء مؤسسات وتنظيمات وقيادات سياسية واجتماعية تعكس المصالح والأولويات الحقيقية للمجتمعات، وتجعل الدينامياكيات والحوافز المنظمة للفضاء العام تعمل ضد نفسها، فإن يكون الشباب عاجزاً عن البناء العقلاني لمنظومة المواقف والأفكار والقيم يجعل القاعدة الاجتماعية للأفكار والتيارات منفصلة عن الرؤية المفترض أن تدير بها سياساتها وبرامجها، وعندما يستمد الشباب رؤيتهم للكمال الذي يسعون وراءه أو يحلمون به من مصادر ونماذج مناقضة للكمال الذي يتبعه الكبار يتحول المشهد السياسي والاجتماعي إلى قيادات بلا قواعد اجتماعية، أو قيادات تتبع الشباب بدلاً من أن تلهمهم وتقودهم، فتنفصل الحركات والتيارات عن الجدل المفترض أن يدور حول تنظيم الموارد العامة بعدالة وكفاءة، وتنفصل قيادات الجماعات عن قواعدها، وتجري تسويات تمضي بالعمل العام إلى الغيبوبة والتناقض، وحين يدرك الناشطون القواعد العقلانية الملهمة والمنظمة للعمل والتجمع يكونون قد بلغوا مرحلة من العمر والانشغال تجعله إدراكاً يأتي بعد فوات الأوان؛ في حين يكرر الجيل التالي الدوامة نفسها.

والأسوأ من ذلك كله، أن يغلب على المجتمعات والمهمشين والمستضعفين عدم الإدراك لمصالحهم، وعزوفهم عن العمل في الاتجاه المفترض أن يؤدي إلى تشكلهم وتنظيمهم حول أولوياتهم، فيزداد العمل الإصلاحي صعوبةً، ذلك أن الحركات السياسية والاجتماعية الإصلاحية لا يُفترض أن تعمل بالنيابة عن المجتمعات، ولا يمكنها أن تقوم بواجباتها ومسؤولياتها، لكن العمل الإصلاحي السياسي والاجتماعي يركّز دائماً (يفترض) في محتواه وأهدافه على الارتقاء بالمجتمعات، وبناء قاعدةٍ اجتماعيةٍ واسعةٍ وملائمةٍ للإصلاح. وهكذا، فإن تنظيم المجتمعات وحشدها باتجاه الإصلاح سوف يكون عملية يائسة إذا لم تكن المجتمعات مستعدة للتأثير والتجمع لأجل مصالحها، وإذا لم تلهمها الحريات والحياة الكريمة، أو كانت تستمد إلهامها من آمال بعيدة من الواقع أو مستحيلة، هي أقرب إلى الوهم أو الفساد، وإنه لمن العجب كيف يندفع الناس في بطولةٍ وحماسةٍ إلى المواجهة، بلا خوفٍ من الموت، لكنهم يتقاعسون عن التجمع السلمي والعقلاني لأجل كرامتهم وتحسين حياتهم.

إن المجتمعات تتبع في علاقاتها وتجاربها القيم والأخلاق التي تنشئها أو تتواضع على احترامها، ثم تدور حولها المؤسسات السياسية والعامة أو تستهدف تغييرها وتطويرها الحركات والتيارات السياسية والاجتماعية، لكنها قيم وأخلاق يفترض أن ينشئها موقف عقلاني، فإذا لم تكن الأخلاق والقيم عقلانية، فإن السلوك السياسي والاجتماعي الفردي والجمعي يمكن أن يتحول إلى تسويات غير أخلاقية، ويزود التخلف بمبررات ومسوغات دينية أو اجتماعية وثقافية، وليس غريباً في ظل هذه الحالة أن يكون التطرف والكراهية بطولة، وأن يكون الشتم والتذمر بلا عمل أو إنجاز يسمى معارضة ومقاومة.

الخميس 9 يونيو 2016.
* ابراهيم غرايبة كاتب أردني