امتاز القرن التاسع عشر والثلاثينيات من القرن العشرين بمحاربة الاستعمار الفرنسي والاسباني من طرف أجدادنا وكل الغيورين على دينهم ووطنهم الكبير. وقد تميزت هذه الحقبة بالسيطرة الاستعمارية على كافة التراب المغربي، والاتفاقيات المتلاحقة بين اسبانيا وفرنسا (1900/1902) ثم (1906/1912) قصد تقسيم مناطق النفود بينهم مما نتج عن ذلك خلق كيان جديد (موريتانيا) وبتره من أرض الوطن وإبقاء فقط 266 ألف كلم من التراب الوطني تحت السيطرة الفرنكوية الرهيبة بعد التخلي عن طنطان وطرفاية (1958) وافني (1967).

… في أواخر الخمسينات، لبى الصحراويون نداء الوطن بانضمامهم الى جيش التحرير المغربي الذي كان يقاوم الاستعمار الفرنسي على وجه الخصوص وهو الآخر تعرض لإكراهات ومناورات يراد منها استضعاف النظام المغربي والنيل من السيادة الوطنية . وفي بداية الستينات من القرن الماضي اشتعل ما أصبح يعرف بحرب الرمال (1963) بين الدولة الثورية الجزائرية والمملكة المغربية الأصيلة. وفي هذه الحرب القصيرة المدى شارك الصحراويون المغاربة مع دولتهم المغرب، وعند انتهاء الحرب وقع ما وقع، ومن بين هؤلاء الشباب من كان مؤسسا فعليا لجبهة البوليساريو 1973. وبعد الضغوطات المتلاحقة من طرف الدبلوماسية المغربية من أجل تحرير الصحراء، أي الجزء المتبقي منها، سارعت اسبانيا لوضع اسس المقاطعة رقم 53 لفصلها نهائيا عن الوطن الأم وخلقت من أجل ذلك الغرض «الجمعية العامة الصحراوية» وهذه الجمعية فيما بعد كانت من بين المدافعين الأشداء في الامم المتحدة من أجل البقاء الاسباني في الأراضي المغتصبة، وقد توج هذا العمل بما أصبح يعرف بعام «السنيات» (1967) . وفي سنة 1968 طالبت لجنة الوصاية بالأمم المتحدة اسبانيا بتنظيم الاستفتاء بالصحراء بإشراك اللاجئين وهي نفس السنة التي جاء فيها المناضل، ابن الزاوية الشريفة، سيدي محمد ابراهيم بصيري إلى السمارة المحتلة بعد انتهاء دراسته في الشرق العربي وتأسيس جريدة الشموع (الدار البيضاء) رفقة مناضل آخر، هو باهي محمد، الذي عانى بدوره مرارة السجون والتهميش. وهذه السنة كانت أساسية في تكوين الأحداث التي وقعت في السنوات القادمة. وكانت السنة الفاصلة. ومن سنة 1968 إلى 1970 برز أول تنظيم صحراوي سري ينادي بالمزيد من الحقوق للصحراويين وبالحكم الذاتي، وطبعا هذا التنظيم أي الحركة الجنينية كانت أول «حزب مسلم »كما يسميه الاستعمار، برز إلى الوجود بصفة علنية في مظاهرة سلمية بخط الرملة يوم 17 يونيو 1970 وهذه التجمع السلمي والعفوي سرعان ما تم إخماده بقوة السلاح الفاشي حيث قام قبطان اللفيف الاجنبي (DIAZ ARCOCHA) برمي المتظاهرين العزل بالرصاص الحي، قتل العشرات وهرب الكثيرون إلى الدول المجاورة وخاصة موريتانيا وامتلأت السجون الاستعمارية بالصحراويين الرافضين للوجود الاسباني.

تحولت المنطقة إذن إلى سجن كبير ورهيب، وبرز الوجه الحقيقي للاستعمار الاسباني، أي الوجه الفاشي اللعين الذي كان يتماطل في تنفيذ القرارت الأممية ويتعامل بيد من حديد. وفي يوم 18 يونيو، أي يوم واحد بعد المذبحة الرهيبة، اختطف المجاهد المناضل مؤسس الحركة المناهضة للاستعمار سيدي محمد بصيري من طرف الاستعمار الاسباني، الشريف الذي استطاع في مدة وجيزة من الزمن تحويل الوضع المرفوض الذي كان راكدا إلى متحرك وإشعال النقاش الوجداني في كل الأزقة والديار وخاصة لدى الشباب المتعلم في المدارس والمعاهد أي انه عبد الطريق من أجل السير إلى الامام وإقبار الاستعمار إلى الأبد.

بعد نكسة مذبحة الزملة التاريخية تولد لدى الشباب الصحراوي في كل مكان فكرة الرد السليم على هذا الوضع المخزي. ومن بين هؤلاء الشباب برز الى الوجود السياسي، شاب آخر نشيط، تربى في الأوساط السياسية وخاصة التقدمية منها وفي الرباط خاصة عاصمة المملكة الشريفة ألا وهو الشريف الركيبي الولي الذي كان يدرس بالرباط ضمن مجموعة أخرى من الصحراويين المتعطشين إلى بناء دولة كبيرة مترامية الأطراف أي استكمال وحدتها وبعد محاولات متعددة من أجل إقناع أوساط حزبية وسياسية مغربية بدعم مشروعه، شارك رفقة أصدقاء له في مظاهرة سلمية بطنطان سنتي 1971 و1972 حاملين الشعار «اسبانيا تمرك برا والصحرا تبقى حرة» وفي المظاهرة الأخيرة كان الرد من طرف السلطات عنيفا وغير مقنع، مما أدى به الى الخروج مسرعا كما خرج الكثيرون من مختلف المدن المغربية إلى دول العالم. من المغرب إلى الجزائر ومن الجزائر إلى تونس حيث تعرف على الصحافية ليلى شهيد الذي كتبت عنه كتابا وساعدته في الأوساط الليبية بعدما تم دعمه من طرف بعض الشخصيات المغربية المعارضة التي كانت لاجئة هناك، وخاصة المرحوم الفقيه البصري الذي مد له يد المساعدة وسهل له المأمورية حيث استقبله القذافي ووعده بالدعم من أجل تحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب، وكتب في هذا الاتجاه في جريدة ليبية تدعى «الوحدة» نشرت له مقالا مطولا تشرح فيه مذبحة «الزملة» 1970 وتعرف بالمنطقة والصحراويين على وجه الخصوص، وللتذكير كان القذافي قد زار موريتانيا 1971 ونادى بتحرير الأرض المغتصبة من طرف اسبانيا وبالمناسبة فتح بنواكشوط بنكا وكان يدعم بالمال مجموعة صغيرة من الفارين الصحراويين من العيون بعد أحداث الزملة الذين انضموا فيما بعد إلى البوليساريو سنة 1973 .

وكان الدعم الليبي حاسما فيما بعد في نجاح الحركة الجديدة «البوليساريو» حيث كانت ليبيا سباقة في الدعم بالسلاح والمال إلى سنة 1984، وبعد الاتفاقية الليبية المغربية، وهذا الدعم طبعا كان يزعج النظام الجزائري الذي لم يعترف بالحركة رسميا الى اواخر 1974 . والقذافي كان يعتبر الولي رمزا وصديقا قادرا على تحقيق الشيء الكثير عكس الجزائر التي كانت ترى فيه الرجل الغير مناسب لأهدافها الخاصة وحاولت دائما أن تتركه جنبا أو أن تتغاضى عليه لكي لا يلعب دورا مهما في هذه القضية . وفي سنة 1973 كان الاتفاق بين كل المجموعات الشبابية الآتية من كل الأقطاب المغاربية التي تتفق على قيام حركة أخرى مناهضة للاستعمار الاسباني. ومن قلب الصحراء نفسها ومن العيون خاصة انطلقت مجموعة كبيرة تتكون من 25 شابا بسياراتها وامتعتها وبمعية ضابط إسباني صديق (ROLAND EMILE) الذي كان سيقوم بتدريب الجيش المستقبلي والذي أعدم فيما بعد من طرف السلطات الاسبانية «باوسرد» يوم 22/03/73 . ومن الزويرات شمال موريتانيا بعثت السلطات الموريتانية مجموعة منا إلى «إطار» وبعدها نواكشوط وهنا استقبلنا «المختار ول داده» رئيس الدولة الموريتانية الذي طلب منا عدم استعمال العنف تحت ذريعة ضعف موريتانيا وقوة اسبانيا. والموقف الموريتاني استغل جيدا من طرف الولي مصطفى السيد وبعد عودته من ليبيا تم الاتفاق على التجمع بالزويرات في شهر ابريل 1973 وترتيب كل الأعمال اللازمة لنجاح إنشاء حركة مسلحة جديدة ضد الاستعمار الاسباني، وفعلا وبعد المداولات الطويلة بين المجموعة المؤسسة التي لا تتعدى 21 فردا والتي طلب من كل واحد منها اعطاء شعار خالد ومبدإ من مبادئ الثورة وهكذا تأسست الجبهة الشعبية لتحريرالساقية الحمراء ووادي الذهب يوم 28/04/1973 . وفي اليوم الموالي طلب مني أن أركب اسما بالاسبانية سهل الاستعمال واخترعت كلمة F.POLESARIO التي أصبحت شائعة في كل مكان في العالم بل كنت من طبعها في اول جريدة «20 ماي» في مطبعة جزائرية في ساحة الامير عبد القادر (الجزائر العاصمة ).

ماهو ملفت للنظر اننا أي تلك المجموعة الشبابية لم تأسس حركة من اجل تحرير الصحراء الغربية بل من اجل تحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب اما مفهوم «الصحراء الغربية» اتت به الجزائر بعد تدخلها مباشرة في الصراع. وطبعا «الولي مصطفى» كعادته كان يتنقل بسرعة فائقة من مكان إلى آخر حيث إن شخصيته كانت تتميز بالانسانية وذكاء خارق وتواضع لا متناهي وكان لا يعجز عن الوصول إلى أهدافه ويمتاز بصفات القائد الفذ من دين ويقين وتفاني بعد نظر وطول النفس والتفكير غير القاصر وكان سريا للغاية وجديا للغاية ايضا، اما اديولوجيته السياسية كانت مزيجا من القومية العربية التقدمية وخاصة الوحدوية التي كانت ضد أي انشقاق او انفصال وكان يؤمن بالوحدة العربية كهدف سامي لا مناص منه حسب اعتقاده . وهذه الحركة المسلحة التي تاسست في «الزويرات» وأصدرت بيانها السياسي الأول يوم 10 ماي 1973 ومن بين مبادئها الأساسية المناداة بالحرية للساقية الحمراء ووادي الذهب متجنبة ذكر الاستقلال أو بناء دولة. وفي الواقع البيان السياسي الأول كان يتطابق مع روح الشعار المحمول في مظاهرات طنطان ويفتقد لرؤية سياسية مستقبلية، وإني من موقعي هذا كعضو مؤسس للبوليزاريو أوكد عدم وجود أي وثيقة رسمية تدل على عكس ما سبق في السنوات الاولى . بل أكثر من هذا، حينها ، عرض الولي مصطفى السيد على رئيس موريتانيا المختار ولد داداه تأسيس فدرالية من أجل بناء دولة واحدة بعدما أحس بالضغط الشديد من طرف الجزائر التي لا تحبه.

وكما سبق في السنوات الاولى افتقدت الحركة المسلحة لبرنامج واضح المعالم ولنظرية سياسية بعيدة المدى والهدف الأوضح المتفق عليه من طرف الجميع كان إخراج «النصارى» من البلد . وبعض الاخوة كانوا يعتقدون ان هذه الحركة الجديدة ستتبنى الفكر البصيري وستقوم بالبحث عنه، وتبين بعد ذلك أنها تجاهلته كليا الى مطلع الثمانينات وبعد رضوخها لضغط عائلته وحاجة ماسة إلى توجه سياستها الى الساكنة التي كانت مستعمرة من طرف اسبانيا، لتطلق اسمه على بعض الذكريات البسيطة ولم توليه اهتماما مركزيا. فالبوليزاريو أصبحت لديها وحدات منظمة ومسلحة بالسلاح الليبي وباتت تغازلها السلطات الجزائرية حتى إنها أوقعتها في الفخ الأول واستدرجتها للقيام بمؤتمرها الثاني، من يوم 25 الى 30 غشت 1974 «بأم غريد» جنوب «تيندوف» (بالاراضي الجزائرية) وهذه هي اللعبة التي كانت تعمل من أجل بلوغها السلطات الجزائرية . وهذا المؤتمر قد احتلته مجموعات من الصحراويين الجزائريين معظمهم من الجنود شبه المتقاعدين والذين كانوا خارج الإطار التنظيمي، والهدف من هذا الإنزال هو السيطرة على دواليب الحركة الجديدة والإطاحة بالأمين العام المنتخب الولي مصطفى السيد الذي كان يحظى بشعبية كبيرة وكان وراء وضع برنامج عمل وطني على المدى القريب والمتوسط والبعيد والفصل بين الجناحين العسكري والسياسي.

يجب ان نتذكر ان في مطلع السبعينات كانت هناك لقاءات رؤساء وملوك الدول الثلاث في (أكادير، نواذيبو وتلمسان) ومن بين نتائج هذه اللقاءات البحث عن حل سليم للمستعمرات من طرف إسبانيا، والجزائر قطعت على نفسها أنها ليست لها مصالح ترابية في الصحراء، ولكن في نفس الوقت بدأت تخطط للسيطرة الكلية على الحركة المسلحة الجديدة كما سبق. وبالفعل قامت السلطات الجزائرية ولأول مرة باستدعائنا، أواخر سنة 1974 لحضور مؤتمر «الشبيبة التقدمية» الدولية المنعقد بـ «تبازا» (قرب الجزائر العاصمة) وكانت المناسبة ملائمة للقاء الراحل هواري بومدين على هامش أشغال المؤتمر، وكان يتزعمنا في هذا اللقاء مع الرئيس الجزائري الولي مصطفى السيد، وطبعا قد وعدنا بالدعم الكثير ومد يد المساندة. وعند عودتنا الى قواعدنا العسكرية بدأ تنفيذ الخطة الجزائرية بالإطاحة بالولي مصطفى السيد بعدما اجتمعت اللجنة التنفيذية، أعلى سلطة آنذاك، والتي كان معظمها ضعيفا ومواليا للجزائر.

هذا العزل بدون مبرر للأمين العام المنتخب فرض ردات فعل قوية من طرف القوات الحية للبوليزاريو، خاصة الجيش من أجل إعادة الأمور إلى مجراها الطبيعي وبعد إنذار اللجنة التنفيذية المتواطئة مع الجزائر قامت الوحدات العسكرية باعادة رد الاعتبار للأمين العام المخلوع وسجن أعضاء اللجنة التنفيذية لأيام قليلة. ولما تأكدت الجزائر أن للولي دعما كبيرا قامت بفتح أبواب مركز التدريب العسكري بترابها (اجنين) من أجل تشتيت القوات المساندة له وقطع رؤؤسها من أجل بلوغ مطامحها، وحينها كنت رئيسا للجنة العسكرية التي كان من بين صلاحياتها التنسيق ما بين الجناحين العسكري والسياسي، وأصبحت فيما بعد رفقة أول سجين مع مجموعة كبيرة من الأطر الشابة التي تنتمي الى قبائل لا تدور في الفلك الجزائري، وبعد التعذيب وقتل شخصين رميا بالرصاص زجوا بنا في سجن: (لكصيب) المتواجد بين حدود مالي و موريتانيا والجزائر. وهكذا بدأ مسلسل العذاب وتم إضعاف الولي مصطفى السيد ومن يدعمه في خططه حيث صرح لاحدى اقاربه: «حفرت لي حفرة وأشعلت فيها النار وطلبوا مني القفز ففعلت، قطعت راس الحركة التي كان من بينها بشير الدخيل وواجهت الواقع ثم ذهبت الى الفروع لنعرف ماذا يرون في الحل». وبالفعل اشتعلت النيران في كل مكان وبدأ مسلسل التصفيات الجسدية والنفسية وسجن الابرياء واخترعت فكرة «الشبكات الرهيبة» من اجل ترهيب المواطنين العزل والنساء والاطفال، حينها امتلات مخيمات اللاجئين من الوافدين من كل مكان لتكون أول مخيمات للاجئين معسكرة ومسيسة ومنظمة وتعيش بالترهيب والعذاب. وللتذكير لم يسجن قط في مخيمات تندوف أي كان من القبائل التي تعيش في الأراضي الجزائرية اصلا وكل المعذبين هم من الساكنة الغربية .

هكذا إذن دفنت البوليزاريو الأولى تحت رمال تيندوف وتحت ذريعة التخوين والعمالة للمغرب وإسبانيا، وولدت بوليزاريو جديدة بهوية مفبركة ومصنوعة، وكان الهدف الوحيد ديمومة الصراع من أجل سيطرة الجزائر على مسار الأحداث ورد المكيال بمكيالين للاخوة المغاربة لان حرب الرمال مازالت في الاذهان وطبعا «لا احد يمكنه أن يعرف من اين يبدا لبوليزاريو ومن اين تنتهي الجزائر لانهم متماسكون». بعد هذه الاحداث المؤلمة جاءت سنة 1976وفرض على الولي مصطفى السيد الانتحار بعد تذليله وقطع راسه بـ «بنشاب» غرب مدينة نواكشوط يوم 09/06/1976 بعدما اعترف بأخطائه في خطابه المشهور، يوم 20 ما ي من نفس السنة، في الرابوني، مطالبا السماح لشعبه وقال: «قد ظلمنا شعبنا » وبعدها ذهب قصرا ولم يعد. وهكذا اذن تخلصت الجزائر من الولي مصطفى السيد، وفي نفس الوقت قامت بحملة واسعة من الاعتقالات لكي تغطي على موته وتقلل من شأنها.

*عن جريدة الاتحاد