لا يمكن لأي عملية تحول حقيقية أن تقف على قدميها دون إحداث تحول جاد في بنية الثقافة القائمة التي تحدد موقع أي مجتمع على خارطة العالم الحديث وترتيبه الإنساني والحضاري في سلمها.

يتداول الكثيرون على مواقع التواصل ما يمكن أن أسميه: إعادة تقييم الذات الجماعية، ففي الوسم (#الصحوة_من_الصحوة) ناقش جيل جديد من السعوديين مسيرتهم الاجتماعية خلال حقبة الصحوة وما اصطلحوا على اعتباره استيقاظا من تلك المرحلة، وما الذي خسروه أو كسبوه؟ وما الذي أحدثته فيهم ثقافيا واجتماعيا تلك الحقبة التي ألقت بظلالها على كامل المشهد السعودي بكل تفاصيله.

حين تنطق تلك (الأغلبية الصامتة) وتقود دفة تلك النقاشات، ثم يرد على أي مزايد على بعض القيم بلغة صارمة لم تكن معهودة قبل عقود، وتعلو لغة المنطق على لغة الدروشة، يصبح الحديث عن التوازنات التي تراعي منظومة الممانعة ورغباتها ضربا من تضييع المزيد من الوقت الذي يمضي بنا دون رحمة.

السعوديون اليوم يعيدون تقييم أنفسهم بكل صراحة ووضوح، يتلمسون مواضع الخلل الاجتماعي والتربوي الذي أنتج مختلف الأمراض والتعقيدات التي باتت تؤرق الفرد وتنحو به إلى العزلة عن الوسط الذي لم يتجاسر بعض أفراده لإعلان رفض المنطق السائد الذي استخدم لغة الدين والهوية وزايد بهما ردحا من الزمن حتى أفسد منطق التدين ومنطق الانتماء في ذات الوقت.

العبور إلى المستقبل يتطلب تمحيص الواقع جيدا، ثم الإيمان بأن المزيد من تأجيل حسم التصحيح في المسار والتصورات سيؤثر حتما على ديناميكية ذلك العبور ويعيق من حركته. التصحيح المقصود هو محاولة ضبط تدفق البث الوعظي والتربوي والتعليمي الذي أنتج ذات الإشكاليات التي نعاني تعقيداتها في مسارات الوعي الجمعي يوميا.

الحوار ظاهرة صحية، يخوضه المجتمع على مواقع التواصل بكل انسيابية، فلماذا لا يكون على مستوى أكبر في مؤتمرات وندوات مدعومة تخصص لبحث الهوية وطرح أسئلة النهضة، إحياء جادا لفكرة الحوار الوطني الداخلي.

الجيل القادم سيكون أكثر صرامة في طرح الأسئلة، وأكثر رغبة في مساءلة الخلل الحضاري والإنساني، وحينها لن تجدي التنازلات التي ستقدمها منظومة الممانعة آنذاك لتثبت أنها تستلهم روح الزمن والمرحلة، الصحيح أنها لا تستلهم ذلك إلا بعد الشعور بالهزيمة دائما، فاليوم مثلا لم يعد أحد يحرم التصوير ولا الفضائيات، والأمثلة كثيرة جدا على هذا النوع من الانفصام مع الأشياء وصولا إلى الانسجام التام معها. نعم يحصل دخول في الزمن وفهم له ولكنهما دخول وفهم متأخران لم يكونا نابعين من الإيمان به كحاجة زمنية بل بضرورة استراتيجية للحاق بزمام المجتمع، وتدخل فيما يؤطر له بعنوان (مما عمت به البلوى). وهكذا في كل مرة.

لم يعد من الممكن تحمل كل الاتهامات التي يكيلها العالم علينا اليوم ونحن بإمكاننا ممارسة التصحيح الشجاع والحر والمنطلق من دوافع ذاتية لا بإملاءات الظروف وإجبارها، فحين يتم تقييد المزايدة الحزبية على تدين وقيم الناس، ثم يتم الانتقال إلى شمولية الدين الإسلامي والانفتاح على مدارسه الفقهية كافة دون الاختناق بالرأي الواحد، حينها.. نكون قد وضعنا أولى أقدامنا على القنطرة التي ستقلنا إلى المستقبل بأقل قدر ممكن من الخسائر.