ملاحظة ..اخترنا لكم من مقال تحت عنوان “الحاصلون الأوائل على شهادة الباكالوريا”.. ما يتعلق بالاب جيكو

 

ولد محمد بن الحسن التونسي العفاني، المعروف بلقب «الأب جيكو» الذي أطلق عليه من طرف الصحافة الفرنسية، تشبيها بأحد اللاعبين الفرنسيين اسمه «جيكو»، سنة 1900 في بلدة إيسافن المتاخمة لتارودانت جنوب المغرب. جمع الرجل بين الرياضة والصحافة والعمل البنكي، قبل أن يقرر الارتماء في حضن صاحبة الجلالة.
يعتبر من أول المدربين المغاربة الحاصلين على دبلوم تكوين المدربين، وذلك بإنجلترا خارج الإطار الفرنكوفوني المؤثر آنذاك في المغرب، إضافة إلى ثقافته الواسعة في الميدان الصحفي والاقتصادي، حيث حصل على شهادة الباكالوريا في باريس سنة 1923. وبدأ مساره الدراسي حين انتقل رفقة والده من إيسافن إلى الدار البيضاء، واستقر بحي الدالية بالمدينة القديمة، هناك زوجه والده مبكرا بفتاة في عنفوانها تدعى زهراء.
كان محمد طالبا ولاعبا لكرة القدم، لكنه كان الابن الوحيد للتونسي. اختزل الفتى اهتماماته في الكرة والدراسة، فظهرت مواهبه في الملعب وعلى طاولة الدرس، فيما كان والده يحاول توريثه التجارة وإدارة الأعمال، سيما بعد أن أصيب بمرض رئوي حتم عليه مغادرة الدار البيضاء والابتعاد عن المحيط الرطب، فاختار العودة إلى قرية إيسافن في ضاحية تارودانت بتوصية من طبيب فرنسي، بينما ظل الابن في درب الدالية يواصل تعليمه وركضه خلف الكرة ويقدم دروسا في محو الأمية تطوعا بمدرسة الضرباني بالمدينة العتيقة.
حصل الفتى على شهادة الباكالوريا وحين عاد إلى المغرب عين مسؤولا بنكيا وصحفيا ومسيرا ومدربا، خاصة وأنه كان من مؤسسي الوداد الرياضي ومن أوائل مدربي الرجاء البيضاوي، بعد أن حقق هذا الأخير الصعود إلى القسم الأول.
ظلت زهراء تعتبر «الكرة» أكثر من «ضرة»، بل هي الزوجة الأولى لمحمد بلحسن، بعد أن أسرت لبه وسيطرت على كل اهتمامه، وكان يصرف من أجلها راتبه الذي يتقاضاه من عمله في البنك، بينما كان يشتغل كمدرب بشكل تطوعي حبا في الكرة، لم تنفع تحذيرات الزوجة كلما دخل زوجها البيت، قبل أن يقرر الابتعاد عن المدينة القديمة ويستقر في درب السلطان.
لم يتحمل الرجل عتاب زوجته فقرر دخول تجربة الزواج مرة ثانية في خلوته بإيسافن، من فتاة ذات أصول أمازيغية، تدعى فاطمة بنت إبراهيم، وتتحدر من قبيلة إدا وزكري غير بعيد عن إيسافن، وأنجب منها أربعة أبناء لترتفع تشكيلة «خلفته» إلى ثمانية، كما تزوج من فتاة ثالثة بتوصية من أحد رفاقه وتدعى فاطنة الحنك، إلا أنها سافرت إلى الديار المقدسة لأداء فريضة الحج دون أن يظهر لها أثر بعد ذلك.
في سنة 1970 انتابت الرجل نوبة مرض، فانقطع عن الكرة وعاش عزلة قاسية، لاحظت زوجته زهرة أن عينيه تدمعان وهو يتابع مباريات كأس العالم بالمكسيك بمشاركة المنتخب المغربي، فقال لها: «الآن حققت أمنيتي أن أرى لاعبي الوداد والرجاء في كأس العالم، مرحبا بالموت الآن».
بعد أقل من شهرين وتحديدا في 31 غشت تجمعت زوجات محمد بلحسن حول سريره، أوصاهن خيرا بالأبناء، واعترف لهن بالتقصير في حقهن وصرف كل ما ملك من أجل الرياضة والرياضيين، كان الوداع على شمعة بعد أن قطعت «لاراد» التيار الكهربائي لعدم تسديد فاتورة متأخرة، أسلم الروح إلى بارئها وعلى خذيه دمعة أسى بسبب جحود الكرة.

*الاخبار