ما الذي يفسر أن تصبح بلادنا العربية، وسياساتنا ومصيرنا، مسرحاً لنفوذ الأجانب فلا نكون، نحن، أكثر من شركاء صغار لهم في تقرير صورة مستقبلنا لآماد بعيدة؟ ما الذي يفسّر هذا الكمّ الخرافي من تدخّلات دول كبرى وإقليمية-مثل الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا وفرنسا وبريطانيا وتركيا وإيران- في شؤون دولنا ومجتمعاتنا، هل لأنّ لهذه الدول استراتيجيات كبرى تتجاوز حدودها القومية، وتصل إلى عقر دارنا، أم لأننا نوفّر لتدخّلاتها تلك الأرضية الخصبة والبيئة المناسبة للاشتغال؟ لماذا تبلغ الاستباحة الخارجية للداخل العربي حدوداً لا يَقوى فيها بلدٌ عربي على اتخاذ قرار مستقل في شأن وطني أو قومي؟ وحتى إذا كان مفهوماً أنّ ميزان القوى لا يسمح للعرب إلاّ بالقليل من الإمكان لحماية سيادتهم واستقلال قرارهم في وجه قوى عظمى مثل الولايات المتحدة وروسيا، فهل من المفهوم أن يسمح العرب لأنفسهم بأن يكونوا تحت رحمة سياسات لدول أصغر مثل تركيا وإيران لهما في الداخل العربي من النفوذ ما ليس لدول عربية على داخلها؟

نحن- عربُ هذا الزمان أعني- لا ننظر إلى الأشياء بعينيْن، بل بعيْن واحدة، ولا نقول الحقيقة كاملة، وإنما نقول نصفَها، فنكذب على أنفسنا ونحن نعتقد أننا نخدع العالم. نلجأ إلى أسهل الحلول: تعليل مشكلاتنا وإخفاقاتنا ب«مؤامرة» العالم علينا، ولا نضع أنفسَنا وخياراتنا وسياساتنا- كما تفعل دول الأرض قاطبة – موضع مساءلة ونقد، فالخلل في غيرنا وليس في سياساتنا التي لا يأتيها باطلٌ من بين يديْها ولا من خلفها! والمؤامرة، والقولُ بها تبريراً، سلاحُ الضعفاء، سلاحُ مَن لا حس بالمسؤولية عن الحاضر والمصير لديه؛ سلاح مَن يُخفي ضَعفه ومسؤوليته عن ضعفه بتعليق فشله على شمّاعة الغير. أمّا الشجاعة فلا تكون إلاّ بأخلاق المسؤولية، بما فيها مواجهة النفس بأخطائها، وممارسة الاحتساب عليها، والرجوع عن تلك الأخطاء في الوقت المناسب: حيث يكون الرجوع عن الخطأ فضيلة، فيجنِّب ذلك صاحبَهُ مغبّةَ صيرورة الخطأ خطيئة لا ترتفع أحكامُها لأزمنةٍ متطاولة! ومن فكرة المؤامرة تتناسل التبريرات وتتكاثر، لتستمر معها الرؤيةُ بعينٍ واحدة، ويستمرّ معها قول نصف الحقيقة. نقول، مثلاً، إن «إسرائيل» صنيعةُ الغرب الاستعماري (البريطاني والفرنسي والأمريكي): الذي رَعَاها ماديًّا، وأجازها سياسياً، وطوَّرها عسكرياً وتكنولوجياً، وغطَّى جرائمها قانونياً، وفرضها علينا جسماً غريباً في قلب الوطن العربي بين مشرقه ومغربه، لتكون له كلبَ حراسةٍ ووكيلاً يرعى مصالحه… إلخ. أمّا نصفُها الثاني الذي لا نقوله، ونُغمض عنه العين الثانية، فهو أنّ «إسرائيل» صنيعةُ التأخّر العربي والضَّعف العربي والعجز العربي وأنه لولا هذه الآفات الثلاث (التأخر، الضّعف، العجز)، ما قامت ولا كان لها في قلب ديارنا وجود. والعجزُ هذا، والضَّعف ذاك، والتأخّر ذلك، تفسِّر جميعُها لماذا لم نستطع أن نستعيد الحدّ الأدنى القليل من الحقوق العربية والفلسطينية المهضومة، منذ الاغتصاب الصهيوني في العام 1948، ومنها الأراضي التي احتُلّت في العام 1967 بما يتيح لشعب فلسطين ممارسة حقه في تقرير مصيره على جزء صغير من أرضه مقدّمةً لاستعادته حقوقه كافة.

ثم نقول، مثلاً، إن الجماعات المسلّحة والمتطرفة، مثل تنظيم «القاعدة»، وتنظيم «داعش»، و«جبهة النصرة»، و«أحرار الشام»، و«أنصار الشريعة»… إلخ، صنيعة الغرب الإمبريالي، الذي موَّلها ووفّر لها الدعم اللوجيستي، واتخذها مخالب وأنياب له للنهش في مجتمعاتنا ودولنا؛ وأنّ الإرهاب شديدُ الصلة بالعولمة، وأداةٌ من أدواتها الوحشية، وأنّ أفقع الأدلة على الترابط بين الإرهاب والسياسات الإمبريالية والصهيونية أنّ الجماعات «الجهادية» لم تُلْقِ حجرًا واحدًا على الكيان الصهيوني-وهو على مرمى البصر- فيما هي مزّقت أوطانًا ودمرت بلداناً عربية، وأنّ جرحاها يعالَجون في المستشفيات الصهيونية ويزورهُم قادةُ الكيان…إلخ، وكلّ ذلك صحيح، ولكنه لا يقول إلاّ نصف الحقيقة؛ أمّا نصفها الثاني فهو أن جحافل المتطرفين أولاء من إنتاج مجتمعاتنا وبيئاتنا السياسية والتعليمية والدينية، لم يتكوّنوا وينشأوا ويترعرعوا في واشنطن أو لندن أو باريس أو تلّ الربيع («تل أبيب») المحتلة، وإنما في بلادنا! من أُسَرِنا خرجوا، وفي مدارسنا تعلّموا، وفي مساجدنا ومن خطب خطبائها تلقّنوا الدين. إنهم الثمرة السيئة للنظام الأسري البطريركي، والنظام التعليمي المُنْحَطّ، ولنوعية الثقافة الدينية المنغلقة السائدة في المجتمع والمدرسة والمؤسسات الدينية. وهم، أيضاً، ضحايا التهميش الاجتماعي والبطالة والفقر التي أنتجتها السياسات الاقتصادية والاجتماعية المتّبَعة في بلادنا العربية. مَن قال، إذن، إنّ مجتمعاتنا بريئة منهم ومن أفعالهم وهي التي صنعتهم؟

لا معنًى لتبرئة النفس، وإلقاء اللوم على الآخرين، سوى التهرّب من مسؤولية أفعالنا، حتى لا يحاسبنا أحد. أمّا أن نحاسب أنفسنا، بشجاعةٍ أدبية، فذلك من مستحيل المستحيلات؛ ألسنا دائماً على صواب؟ أليست خياراتنا في السياسة معصومة من الخطأ، محصَّنة ضدّ الوقوع في الزلل؟ ألسنا عرضةً لحسدِ الحاسدين وتآمر المتآمرين، وبالتالي عرضةً لحشر أنوفهم في شؤوننا؟ فلماذا نحاسب أنفسنا ونحن أبرياء؟ من النافل القول إنّ هذا المنطق- وهو لسان حالنا-لا يقود صاحبه إلاّ إلى المزيد من ارتكاب الأخطاء: كما نفعل بامتياز!

لستُ أريد، هنا، أن أنفيَ حشر القوى الدولية والإقليمية أنوفها في شؤوننا، ولا أن أنفي أنها ذات أطماع في ديارنا، وذات أهداف سياسية مع قوى محلية داخل تلك الديار؛ فهذه من أبجديات الواقع السياسي. ولكن، هل كان لتلك القوى أن تجترئَ علينا، وعلى مصالحنا وأمننا، لو لم نوفّر لها الأسباب والذرائع بأخطائنا التي يستغلّها الأجانب ضدّنا، أو يتسرّبوا إلينا من شقوقها؟ هل كنّا لنصل إلى هذه الحال من التدخلات الأجنبية لو نجحنا في تحصين أمننا القومي، وأخمدنا صراعاتنا العربية العربية، واحترمنا سيادات بعضنا، وأحجمنا عن التدخل في الشؤون الداخلية لبعضنا بعضاً؟ لو أحجمنا عن هذا لما أمكن قوة خارجية أن تتطاول أو تتدخل، وسيكون عليها أن تضرب الأخماس في الأسداس قبل أن تفكّر في ذلك.