يبدو أن المغرب لم يستقر بعد في مساراته السياسية على «الوضع العادي» . لم يوضع قطار السياسة فيه بعد على سكة دون تأخر مواعيد أو لبس الوجهات أو ضبابية تلف المحطات . ففي كل مرة بمناسبة استحقاق وحتى دونه نعيش وضعا، وكأن العجلة تخترعنا لندور مثلها في دائرة تاه عنا منطلقها وفقدنا حتى نقطة الصفر فيها بسبب تكرار نفس الإشكالات والقضايا .
إن المغرب الذي حصل على استقلاله منذ ستة عقود لم يعثر بعد على أجوبة عن أسئلته المجتمعية والسياسية والاقتصادية والثقافية .
قبل أربعة عقود، انطلق مسلسل الانتخابات بعد عقدين عاصفين من التوترات والانقلابات وحالة الاستثناء وحملات القمع الرهيبة التي استهدفت قوى اليسار ومحورها الرئيسي حزب القوات الشعبية . وكان الأمل يراود القادة الوطنيين بأن يتم بناء مغرب جديد. وها نحن اليوم بعد سبعة استحقاقات تشريعية مازالت تشكل الانتخابات حدثا استثنائيا محفوفا بمخاطر شتى. لم نضع بعد قوانين انتخابية تجعل من لحظة الاقتراع تعبيرا غير متنازع عليه . ولم نؤسس بعد لآلية للإشراف يستظل بعملها كل القوى السياسية والنقابية. وما زال الحق في الحصول على المعلومة الانتخابية من نتائج مفصلة ووثائق ذات العلاقة مازال حقا تمسك بتلابيبه السلطة دون أن تطلق سراحه للرأي العام . وحتى التقطيع الانتخابي، فقد حول مقص المشرفين عليه خلال السبعة استحقاقات برلمانية ومثلها جماعية حول الجسد الترابي، إلى رقع لامنطق لها ولا أسس علمية.
وفي معالجة وتدبير الملفات الكبرى، لم تتبلور تلك المقاربة التي تضع المستقبل نصب أعينها ومغرب الغد القوي أحد أبرز مراميها.
ففي كل نقاش عمومي حول قضية كبرى، يبدو أن الأطراف تتحرك فوق قاعدة رخوة متنافرة مشبعة بالمزايدات والتعنت. فالحوار الاجتماعي مثلا، لم يؤسس لميثاق يؤطره. والحوار بالمؤسسة التشريعية، أصبح مجرد صراخ وحوار صم تسعى الحكومة للإفلات من المراقبة الدستورية . والشعارات أضحت هدفا أو مجرد لغة انتخابية ليس إلا . وخير دليل محاربة الفساد التي بنى عليها حزب حملته قبل أربع سنوات وحين تحمل إدارة الشأن العام استشرى الفساد وتوارى الشعار سنة بعد سنة .
قبل خمس سنوات، صادق المغاربة على دستور جديد كانت آمال ضخمة تحيط به في أن يتم إعمال روحه في المناحي السياسية والتشريعية والاجتماعية وغيرها . لكن حكومة انتخابات 2011 أفقدته تلك الروح التي بثتها فيه الحراك الاجتماعي والخطاب الملكي ل 9مارس . وهاهو رئيس الحكومة الذي أقر له الدستور اختصاصات واسعة يختبئ وراء عفاريت وتماسيح ويقول للمغاربة بأن وزارة الداخلية مازالت لها أمومة على بقية الوزارات .
إن الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية الذي جعل من الخيار الديمقراطي استراتيجية له، ومن بناء مغرب قوي متضامن مؤسس على الحقوق والحريات هدفا له . حينما ينادي بضرورة التوافق حول الملفات والقضايا الكبرى للبلاد، فإنما يوجه هذا النداء استشعارا لأهميته، وتنبيها لما قد يحصل خارج هذا التوافق . لقد أخلفت حكومات عدة موعدها مع التاريخ . وحين تستهتر حكومة لها صلاحيات لم تتوفر قط لسابقاتها بالموعد الفرصة فإنها تستهتر بالتاريخ وبمستقبل المغرب.

* رسالة الاتحاد

     الثلاثاء 14 يونيو 2016.