تتعامل الإيديولوجيا الإسلامة السائدة مع العالم ومختلف قضاياه، بذهنية التحريم، كما وصفها الكاتب والمفكر، صادق جلال العظم، أي أن هناك معيارين للتعامل مع كل شيء، الحلال والحرام، وما بينهما غير موجود. وتضع هذه المؤسسات التي تسهر على هيمنة هذه الإيديولوجيا، الضوابط والقوانين والشرائع، انطلاقا من تصورها.

فالشخص مؤمن، بالوراثة، قبل أن يكون مواطنا، وعالمه ثنائي، يتراوح بين الحلال والحرام، و لاحق له في المجادلة والتفكير، إلا في السقف المرسوم من طرف هذه السلطة الإيديولوجية، التي هي المؤسسات الرسمية الدينية، وشبه الرسمية، والجماعات الدينية، وفقهاء وشيوخ، نصبوا أنفسهم حراسا على عقول الناس وقناعاتهم وحياتهم.

و إذا كانت السلطة الكنسية، كما عرفتها أوروبا، غير موجودة في العالم العربي/الإسلامي، فإن هناك ما يوازي هذه السلطة، ممثلة في هذه المؤسسات والجماعات والشيوخ، الساهرين على أن يظل فهم العالم وإشكالاته، خاضعا لرؤيتهم الضيقة والمتخلفة، في الوقت الذي تواجه البشرية، باستمرار، أسئلة متجددة، لا يمكن معالجتها، بهذه الرؤية.

من بين أهم هذه القضايا في عالم اليوم، مسألة الحقوق الفردية، التي أصبحت لها أهمية كبيرة، في أغلب البلدان، نظرا لما تمثله في منظومة القيم، من احترام للاختيارات الشخصية في حياة الناس، ما دامت لا تمس بأمن وحرية الآخرين، رغم أن هناك تفاوتا بمدى الاعتراف بها، غير أن الشعوب تتجه نحو القضاء النهائي، على الحظر الذي كان مضروبا على هذه الحقوق، إذ تَبَيَّنَ أنها طبيعية، وأن محاربتها لا تجدي، إذ أن منعها قانونيا، لا يعني أنها لا تمارس في الخفاء.

ما تسير نحوه أغلب شعوب العالم، هو القضاء النهائي على السكيزوفرينيا، أو ما نسميه بالنفاق الجماعي، الذي يسود في مجتمعاتنا، حيث يتسامح الجميع مع ما يمارس في الخفاء، كما كان الشأن لدى الكنيسة الأوروبية في القرون الوسطى، التي كانت العلاقات الجنسية «المحرمة»، سائدة فيها، فتم وضع نظام سري/علني، للاعتراف بالبنات والأبناء، ثمرة هذه العلاقات، لرفعهم إلى درجة النبلاء.

ما بين الحلال والحرام، عوالم واقعية وطبيعية، لا يمكن لأيّ كنيسة أن تقضي عليها، لكن يمكنها أن ترغم الناس على العيش في ظل نفاق جماعي، يشكل فقهاؤها جزءا هاما منه.

*بالفصيح

    الخميس 16 يونيو 2016.