جاء في الاية 118 من سورة هود قوله تعالى : (( و لو شاء ربك لجعل الناس امة واحدة و لا يزالون مختلفين الا من رحم ربك )) . و هذه الاية الكريمة تحيلنا الى ما تعرفه الاوضاع في بلداننا العربية الاسلامية و مدى مطابقتها لما جاء في مختلف التفاسير التي تناولها المفسرون للقران في شأنها . و في هذا الصدد اود الاشارة الى ما جاءت به الايتين 116 و 117 من نفس السورة و يتعلق الامر بقوله تعالى (( فلولا كان من القرون من قبلكم ينهون عن الفساد في الارض … الى قوله ((و ما كان ربك ليهلك القرى بظلم و اهلها مصلحون )) و جاء في تفسيرهما من طرف الزمخشري و غيره ان في الامم الماضية اناس اولو عقل و فضل و جماعة من الاخيار ينهون الاشرار المجرمين من الفساد  في الارض و هم الذين اصروا على عصيانهم لأنبيائهم كقوم نوح و عاد و ثمود و هؤلاء الظلمة اتبعوا شهواتهم و انشغالهم بالمال و الملذات مع اصرارهم على الاجرام و كان جزاؤهم الهلاك اما الصالحون المهتدون من اهل القرى فأنجاهم الله منه  لكونهم يتعاطون للحق فيما بينهم و هم المعنيون بقوله (( إلا من رحم ربك )) بسبب هدايتهم بعدما التزموا الحياد في الاختلاف و التفرقة بين الفرق المختلفة و التي تمادت في الاختلاف فيما بينها في اديان شتى و ملل متعددة هذا يهودي و هذا نصراني و هذا مجوسي ..الخ . لهذا كان اختلافهم مذموما . اما قوله تعالى (( و لو شاء ربك لجعل الناس امة واحدة ))  و هو ما اقتضته المشيئة الربانية الا يجعل الناس امة واحدة ليكونوا مومنين برسله و كتبه و ملائكته و ما انزل اليهم من البينات الا انهم اختلفوا لما جاءهم العلم بغيا بينهم و لم يكن اختيارهم الارادي على الهداية بملة الاسلام الا انهم اختلفوا بما جاءت به رسلهم و انبيائهم من البينات ليبينوا للناس ما انزل اليهم من الشرائع فمنهم من امن و منهم من كفر و الحال ان من امن بهم فهم مسلمون في عهدهم الى ان جاءت الرسالة المحمدية للإنسانية جمعاء اصبح الدين الوحيد الواجب اعتناقه هو الاسلام لقوله تعالى (( ان الدين عند الله الاسلام و من يتبع غير الاسلام دينا لن يقبل منه )) و الذين امنوا به اناس و اقوام هداهم الله اليه من فضله و هم اهل الحق و هم الذين يعملون بأحد الاصول الاساسية التي تميزت به الامة الاسلامية و يتعلق الامر بالأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و لذلك خلقهم و هداهم و هو فرض عين على كل مسلم و مسلمة لكن اغلب الناس من المسلمين و المتأسلمين لا يعلمون او يتجاهلون . لذلك لا يزالون مختلفين و زاد الاختلاف تعقيدا لما تجاوز الاختيارات العقائدية و الفقهية الى حالة الاقتتال يضرب بعضكم رقاب بعض خلافا للحديث المدكور في هذا الاطار ( لا ترجعوا بعدي كفار يضرب بعضكم رقاب بعض ) و كل ما اخبر به الصادق المهدي (ص) لا ريب فيه . هذا و بالرجوع الى تفسير الاية (( لا يزالون مختلفين ..)) يتضح ان هناك مفارقة بين ما اشارت اليه اراء العلماء السلفيين خاصة ما يتعلق بمواضيع الاختلاف التي ستأتي و مظاهرها و بين اراء المحدثين في الموضوع لبعد المسافة الزمنية بين القرون الماضية و الظرف الحالي دون اغفال ان القران فصل كل شيء بقوله تعالى  (( و قد صرفنا في هذا القران للناس من كل مثل و كان الانسان اكثر سيء جدلا)) الكهف .  

     و يبدو ان بعض العلماء و المفسرين الذين عاصروا التنزيل و من بعدهم يعطون في تفاسيرهم للآية بالنظر الى الاقوام الماضية قبل الرسالة التي جاء بها الرسول (ص) و من بعدهم بقليل . و هكذا فالطبري يعني بالاختلاف المشار اليه في الاية 118 (( و لا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك )) الشقاء و السعادة و هي الغاية من خلقهم فريق في الجنة و فريق في السعير فإذا اطلق الاختلاف فالجميع مذموم و قول النبي (ص) ( انما هلك من قبلكم بكثرة سؤالهم و اختلافهم على انبيائهم ) و لهذا فسر الاختلاف في باب هذا الموضوع بأنه كله مذموم .   

   قال الفراء في اختلاف هذه الاقوام وجهان :                                                                                     

  الوجه الاول : كفر بعضهم بكتاب بعض و الثاني تبديل ما بدلو و هو الكمال . فالمختلفين كل منهم يكون معه حق و باطل و يكفر بالحق الذي مع الاخر و يصدق بالباطل الذي معه . لذلك يبدو ان هذا الاختلاف لا بد ان يجمع النوعين و لهذا ذكر كل من السلف انواع منها . احدهما الاختلاف في اليوم الذي يكون الاجتماع و اليوم الذي امرو به يوم الجمعة فعدلت منه الطائفتان من اليهود و النصارى فالأولى اخدت السبت و الثانية اخدت بالأحد .و في الصحيحين عن النبي (ص) انه قال : ( نحن الاخرون السابقون يوم القيامة بيد انهم اتوا الكتاب من قبلنا و اوتيناه من بعدهم ) .فهذا اليوم اختلفوا فيه فهدان الله له و الناس فيه تبع اليوم لنا و غير اليهود و بعدهم النصارى .و الحديث بين ان الله تعالى هذا المؤمنين لما كان عليه المختلفون قل ما كانوا مع هؤلاء و لا مع هؤلاء و هو ما يبين ان الاختلاف كله مذموم ، النوع الثاني منهم من يصلي على الشرق و منهم من يصلي على الغرب و كلهما مذموم ما لم يشرعه الله ، اما النوع الثالث فجاء عن ابراهيم قالت اليهود كان يهوديا و النصارى نصرانيا و كلاهما اذى كان من الاختلاف المذموم . و الحال انه ((ما كان يهوديا و لا نصرانيا و لكن كان حنيفا مسلما و ما كان من المشركين )) الاية 67 من سورة ال عمران .و الرابع عيسى جعلته اليهود لغية ابن الزنا و في مقبضه هو ولد رشد و النصارى لها . و الخامس الكتب المنزلة امن هؤلاء ببعض و هؤلاء ببعض و مازالوا مختلفين . السادس اخد هؤلاء بدين و هؤلاء بدين و من هذا الباب جاء قوله في الاية 113 من البقرة (( و قالت اليهود ليست النصارى على شيء و قالت النصارى ليست اليهود على شيء و هم يتلون الكتاب . )). اما بالنسبة لاختلاف اهل البدع هو نمط الخارجي يقول ليس الشيعي على شيء و الشيعي يقول ليس الخارجي على شيء و يوجد ايضا هذا الخلاف بين اهل المذاهب الاصولية و الفروعية المنتسبين الى السنة كمثل الكلابي حيت يقول بان ليس الكرامي على شيء و يقول الكرامي ليس الكلابي على شيء و الاشعري يقول ليس السلامي على شيء و السلامي يقول ليس الاشعري على شيء و هكذا و الملاحظ ان المختلفين من اهل المقالات المذكورة في كتب الكلام اما نقلا مجرد للأقوال و اما نقلا و بحتا و ذلك الجدال هم من الذين حرفوا دينهم و كانوا شيعا و هم مختلفون في الكتاب (( ان الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاء بعيد )) الاية 177 من سورة البقرة . كل منهم يوافق بعضا و يرد بعضا و يجعل ما موافق رأيه . هو المسلم الذي يجب اتباعه و من يخالفه هو المتشابه الذي يجب تأويله و تفويضه و كذلك اهل المذاهب الاربعة لاسيما ان كثير منهم تؤسس بعض القيادات الاصولية وسط هذا منهم او صارت المعتزلة و الظلامية و الكلامية و هذا من حيت الرفض و التشيع لكنهم زرعوا  العداوة و البغضاء لان احدى الطائفتين لا تعرف الاخرى بما معها من الحق و لا تنصفها بل تزيد على ما مع نفسها من الحق و من الباطل و الاخرى كذلك . و كذلك جعل الله مصدر الاختلاف المذموم لقوله تعالى في الاية 213 من سورة البقرة (( و ما اختلف فيه إلا الذين اوتو من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم ))لان الغي مجاوزة الحدود و جاء  ذلك في مواضيع من القران ليكون عبرة لهذه الامة . و بين في هذا الباب ما جاء في الصحيحين عن ابي الزناد عن الاعراج عن ابي هريرة ان الرسول (ص) قال : ( ذروني ما تركتم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم و اختلافهم على الانبياء فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه و اذا امرتكم بأمر فاتو منه ما استطعتم ) و في هذا الحديث امر من الرسول امته بالإمساك عما لم يومر به معللا ذلك بان سبب هلاك الاولين انما كثرة السؤال تم الاختلاف على الرسل بالمعصية كما اخبرنا الله عن بني اسرائيل من مخالفتهم امر موسى في الجهاد و غيره و في كثرة سؤالهم عن صفات البقرة التي امرهم بذبحها . و انطلاقا مما ذكر يمكن ان نخلص الى ان الاختلاف في الكتاب هو الاختلاف القولي و اما الاختلاف العملي و هو الاختلاف باليد و السيف و العصا و السوط فهو داخل في الاختلاف و هكذا فان الخوارج و الروافظ و المعتزلة و نحوهم يدخلون في النوعي اما الملوك الذين يتقاتلون على محض الدنيا فيدخلون في الثاني و الذين يتكلمون في العلم و لا يدعون قول ابتدعوه و يحاربون عليه من خالفهم لا بيد و لا بلسان هؤلاء هم اهل العلم و هؤلاء خلافهم مغفور لهم و ليسو بمذمومين الا ان يدخلهم هوى و عدوان او تفريط في بعض الامور فيكون ذلك من ذنوبهم .  

            و في عصرنا الحاضر  اصبح قومنا ليس فقط مختلفين في المسائل الاعتقادية بل تعداه ليشمل مصالح سياسية و اقتصادية و اجتماعية و كانت الشعوب هي الضحية و هذا الوضع كان نتيجة انقطاع نور النبوة حيت تخفى اتار الرسالة في بعض الامكنة و الازمنة حتى لا يعرفون ما جاء به الرسول (ص) اما ان لا يعرفوا اللفظ و اما ان لا يعرفوا معناه فحينئذ يصيرون في جاهلية بسبب عدم نور النبوة و من هنا يقع الشرك و تفريق الدين شيعا كالفتن التي تحدت السيف فالفتن القولية و العملية هي من الجاهلية بسبب خفاء نور النبوة عنهم كما قال مالك بن انس ( اذا قل العلم ظهر الخفاء و اذا قلت الاثار ظهرت الاهواء و لهذه شبهت الفتن بقطع الليل المظلم لهذا فلا يزالوا مختلفين في اهوائهم الا من رحم ربك فهو اهل الارض الذي حصل لهم الهدى بنور النبوة مصداقا لقوله تعالى (( فإما يأتينكم هدى فمن اتبع هداي فلا يضل و لا يشقى )) الاية 133 من سورة طه . فأهل الهدى و الفلاح هم المتبعون للأنبياء و هم المسلمون المومنون في كل زمان و مكان و اهل العذاب و الضلال هم المكذبون للأنبياء . يبقى اهل الجاهلية الذين لم يصل اليهم ما جاء به الانبياء و لو وصل الى بعضهم لولوا عنه معرضين . هذا فان ما يجري في عالمنا العربي هو امتداد للاختلاف بين الحركات ذات الطابع الاسلامي شرقا و غربا و جور اغلب الحكام  و اختلافاتهم ايضا هو ما اوصلهم الى الوضع الكارتي الذي كان ضحيته الشعوب في اغلب بلداننا التي مازالت لا تعرف للأمن و الاستقرار مخرجا لان التطرف الديني و التعصب الفكري متجدر بقوة في احشاء مجتمعاتها اذكتها التيارات و التنظيمات التابعة للجماعات التي تنسب للإسلام الا انها مختلفة في اختياراتها العقائدية و كل منها تدعي انها على حق و ما كانت عليه الاخرى هو باطل و لو كان حقا و الحال ان ما يجمعهما زعزعة العقيدة و تحلل سفك الدماء بغير حق او فساد و لهذا اعتقد ان ما جاء في الاية 118 من سورة هود المشار اليها فينطبق عليها (( و لا يزالون مختلفين الا ما رحم ربك )) و لكن الاية ما قبلها فتسري عليها من حيت القول دون العمل (( و لو شاء ربك لجعل الناس امة واحدة )) و لا ريب ان البدع عند هذه الحركات كثرت في باب العبادة و الارادة اعظم مما كثرت في باب الاعتقاد و القول لان الارادة يشرك الناس فيها اكثر مما يشتركون في القول  وأما جنس الارادة فهو ما يتصف به كل الحيوان فما من حيوان إلا و له ارادته .                                                                 

   اما بالنسبة للمغرب فان الصراع القائم و الاختلاف فيه مستمد و محتد في الاونة الاخيرة و يتعلق الامر بالفصل و الوصل بين الدين و السياسة الذى كان موضوع حلقة سابقة إلا ان المتصارعين في هذا شانهما لا يزالون مختلفين و ما زاده تعقيد هو توظيفه في حزب العدالة و التنمية الحزب الاغلبي بواسطة اجنحته الدعوية للوصول الى سدة الحكم .هذا و نحن في المغرب مقبلين على اجراء انتخابات تشريعية يو 7 اكتوبر المقبل و جميع المؤشرات تفيد ان الصراع حول توظيف الدين في السياسة اصبح الان صيغا و طرقا مختلفة حسب المطالب و الخصوم لكن ليس هناك صراع ديني خالص من اجل الدين بل هناك صراع بالدين و بواسطة الدين من اجل غايات تتجاوز الدين نفسه   خاصة ان الدولة التي احتمت بالدين و احتكرته و استغلته و استعملته كأداة لمحاربة خصومها و غضت  الطرف عن مشكل اجرام باسم الدين و شاهدت بأم عينها قتل معارضين باسم الدين و من طرف محسوبين على الدين ” قتل عمر بنجلون نمودج ” و اليوم فليست نفس الدولة التي تقوم بتدبير الشأن الديني بل اصبح لهذه الدولة رئيس حكومة منسوب لمرجعية دينية و من دعاة حمايته حسب زعمه لما في ذلك من مصلحة البلاد و العباد و الحال ان الامر يتعلق بالتأسيس للدكتاتورية الدينية لتدبير الشأن السياسي و يتجلى ذلك في التدابير المتخدة في الحقل الديني لتوظيفه في الصراع و احتكار المشروعية الدينية التي هي اساس المشروعية السياسية في المغرب كما هو الشأن في مراقبته و التحكم في المساجد و مضامين خطب الجمعة و اعادة هيكلة المجالس العلمية الخ .

اما الخطير في الامر و الذي يجب على المغاربة ان يفهموه انه اذا تم حشد قوى المجتمع الحية للتطرف الديني لن يؤدي الا الى خلق اشكال وهمي يحجب الاشكال الحقيقي الذي هو فشل الدولة في  تدبير الشأن السياسي و الاقتصادي علما ان المتطرفين اقلية و من ثمة فالمشكل الذي يفرض نفسه هو لماذا يحظون بالتأييد الشعبي سواء بالصمت او الموالاة او التستر او المساعدة المالية و التقنية و الدعائية و الجواب يكمن في الداء الاصلي هو فشل سياسة الدولة و حكومتها . و في نظري فان التطرف الديني بغطاء سياسي اخطر من التطرف الديني لان المغاربة لهم ما يكفي من التجربة و اليقظة و ما يكفي للقضاء على الشبكات الارهابية إلا ان التطرف المشار اليه فان خطورته تكمن في سوء تدبير الشأن حيت اصبح سجين اختيارات تجهز بشكل واضح عن المكتسبات التي حققها الشعب المغربي و على رأسه قواه الحية في مختلف المجالات و لا شك ان التطرف الديني الذي تقوده اقلية و يجد صداه لذى اغلبية هو الشكل الممكن للاحتجاج الشعبي صار واقعا يتردى اقتصاديا و يفقد مصداقيته سياسيا . إلا ان المنتفعين من السياسة المنتهجة حاليا في البلاد يساهمون في تأزم الوضع و ذلك بحلول وهمية يتضح في الافق القصير فشلها و استمرار الوضع كما كان اما الاحزاب اليسارية التي يمكنها التصدي لهذا الوضع المتردي و على رأسها الاتحاد الاشتراكي فأصبحت فسيفساء في المشهد السياسي الحالي . و قوتها تكمن في الوحدة و تدبير الاختلاف الداخلي إلا انهم بدورهم (( لا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك )) .

و قبل ختم المقال اشير الى ان الشيخ الالباني يعتبر  الحديث المنسوب الى الرسول (ص) و التي مفادها ( ان في اختلاف امتي رحمة ) غير صحيح لان اصول الدين الثلاث من قران و حديث و اثار تدعو الى الاجتماع على الدين و نبد الخلاف و التفرقة و اذا تفرق القوم فسدوا و هلكوا و اذا اجتمعوا صلحوا و ملكوا فان الجماعة رحمة و الفرقة عذاب فظهر ان سبب الاجتماع و الالفة جمع الدين و العمل به كله .

*ذ.علي المرابط * وارزازات    
   الجمعة 17 يونيو 2016 .