في يناير 1973، قدم  الوالي مصطفى السيد، مؤسس جبهة البوليساريو، للقادة الاتحاديين، مذكرة حول الصحراء شدد من خلالها على الارتباط التاريخي بين الصحراويين وباقي إخوانهم المغاربة. وهي وثيقة ثتبت بما لا يدع مجالا للشك أن الانفصال السياسي والجغرافي كان بعيدا عن تطلعات البوليساريو التي كان لها ارتباط كبير بجيش التحرير وزعماء الحركة الوطنية، أكثر من ذلك رد مؤسس الجبهة الشعبية على المشروع الاسباني المنادي بدولة مستقلة في الصحراء قائلا: «كما أن الشعار الاستعماري المغالط المستنزف لطاقتنا وهو توجيهنا إلى صديقنا بعد أن فرض علينا انه عدونا، وذلك كي يستدرج هو منا وهو عدونا الأساسي والأصلي و الرئيسي الأبدي، شعار انه يحمينا من الدول المجاورة، فإنه كما قلنا شعار استعماري ليس إلا، إما في أصل الحقيقة فإن الشعوب المجاورة لنا هي شعوب عربية افريقية إسلامية أصيلة، ومصيرنا هو مصيرها وهي صديق دائم لنا بل هي جزء منا، وهذه حقيقة خالدة خلود السماء فوق الأرض…». 
إن هذه المذكرة، التي ننشر نصها الآن، تؤكد أن الشباب المؤسس للبوليساريو لم يكن انفصاليا بالضرورة. فالكثير من أعضاء القيادة كانوا طلبة مناضلين في الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، وكان همهم الأساس هو تحرير الصحراء من المستعمر الإسباني والعيش في وطن حر ديمقراطي.
ومن هنا يتضح، لولا بعض الأخطاء التاريخية ولولا الدور الجزائري والليبي، لكان بالإمكان أن يساهم هؤلاء الشباب في تسريع وتيرة البناء الديمقراطي بالمغرب، و تحقيق حلم الشراكة المنصفة في الثروة و السلطة و القيم الذي أجهضته الطريقة التي دبر بها ملف نزاع الصحراء، وهذا ما ستعرض له المرحوم باهي في مجموعة من مقالاته التحليلية حول أزمة الصحراء، والأخطاء الديبلوماسية التي ارتكبت أثناء إدارة النزاع، وقد اخترنا أن ننشر ضمن هذا الملف مقاله التحليلي حول «الصحراء المغربية ولعبة الدول في المغرب العربي» الذي يتحدث فيها عن الطبخة الجزائرية، وعن ولادة «الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب» ولادة شرعية مغربية، ولكنها تمردت وشقت عصا الطاعة ووجدت من شجعها على العصيان، فترعرعت ونمت ونبتت لها أجنحة حاولت أن تطير بها، وها هي تجد نفسها اليوم مطالبة بأن تتخلى عن «عقوقها»، كما قال الباهي.

… بعد أن تمكن الإسلام في شمال افريقيا، وبعد أن توافد المهاجرون العرب من الشرق،صار الاهتمام يزداد بافريقيا وينشر الإسلام فيها، بعد ما اطمأن الفاتحون على مستقبل الإسلام في جنوب أوربا (الأندلس) وكان من الطبيعي ان تكون المنطقة الصحراوية طريقا إلى افريقيا مما جعلها تكون محط اهتمام بالغ من الدول المتعاقبة على المغرب خصوصا.
ونتيجة للتشابه التام بين مناخ الجزيرة العربية وطبيعتها الصحراوية بمناخ وطبيعة المنطقة ولتشابه المعيشة، فإن كثيرا من المهاجرين بعدما انتهوا من مهامهم كفاتحين في الشمال الافريقي، هاجروا إلى هذه المنطقة تعويضا لهم عن وطنهم، نظرا للاختلافات المتتالية والمناوشات التي تنشب من حين إلى آخر داخل المغرب.
وكما أن تعاقب الدول والتنازع على السلطات وتناحر القبائل، أدى إلى ازدياد الهجرة لهذه المنطقة المحايدة الآمنة واللجوء إليها من كل مغلوب، بل وفي كثير من الأحيان الاعتصام بها من طرف الثائرين الذين يحضرون للانقضاض على أعدائهم.
ونتيجة لهذه الهجرة المتعاقبة صوب الصحراء والمعاكسة أحيانا منها إلى المغرب، فقد كانت المنطقة مرتبطة ارتباطا وثيقا في غالب الأحيان بالسلطة القائمة في المغرب، وكثيرا ما كانت تمارس سلطات مركزية من قبل هذه الحكومات على سكان المنطقة، خصوصا في حالات الحروب، فكانت كثير منها تجند سكان المنطقة لنصرتها. ويمكن القول إن المنطقة كانت إقليميا مغربيا كسائر الأقاليم المغربية الأخرى.

المنطقة والأطماع الاستعمارية
بعد النهضة الصناعية وما تبعها من بحث عن الأسواق، وبعد الاكتشافات الجغرافية الكبرى، وبعد تحويل الاهتمام من البحر المتوسط إلى المحيط الأطلسي، وبعد كساد الطرق البرية الطويلة واتخاذ طريق المحيط الاطلسي لبلوغ أسواق الهند وغيرها من المناطق، بعد كل هذا، ونظرا لأن البرتغال، كانت من أوائل المكتشفين لهذه الطرف والأسواق، فإنها اكتشفت من جملة اكتشافاتها جزر كناريا كما اكتشفت شواطئ الصحراء.
وقد رست سنة 1834 بواخر برتغالية في شاطئ الداخلة قد الحصول على العبيد الأفارقة وبيعهم في أسواق أوربا. وفي هذا الأوان أيضا، أسس البرتغاليون محطة تجارية في (بوجدور) ويظهر أن السكان لم يحاربوا البرتغال، نظرا لكونهم كانوا أي البرتغاليين يقتصرون على البحر الذي لم يكن يكتسي أي أهمية في حياة السكان، ولأنهم من ناحية أخرى كانوا تجارا ليس إلا. فلم يتدخلوا في شؤون السكان في بادئ الأمر. فربطت بينهم هذه العلاقات التجارية. وفي هذه الأثناء، كان اهتمام دول أوربا الأخرى باكتشاف مناطق جديدة للنفوذ، وباكتشاف أسواق لتصريف منتوجاتها، ولجلب المواد الأولية من هذه المناطق، وكان دور اسبانيا من الطليعة وتطلعها إلى الغنائم كبيرا، وكانت جزر الكناريا من أقرب هذه الغنائم إليها. فاتخذت كل الوسائل للسيطرة عليها، وقد تم ذلك فعلا. ونظرا للطبيعة الاستعمارية، ونظرا لحرصها على الاحتفاظ بمكاسبها، فإن اسبانيا ارتأت ان عليها للحفاظ على جزر كناريا أن تحتل الشواطئ الصحراوية المجاورة لهذه الجزر، والتي شأنها أن تهدد أمنها إن وجدت بها قوة أخرى للسيطرة على سوق العبيد المستوردين من افريقيا، واستيراد المنتوجات الاسبانية، واستغلال الثروة السمكية في المنطقة، ولم يقتصر التكالب الاستعماري على البرتغال واسبانيا، بل انضافت إليهما قوة امبريالية ثالثة معروفة باهتمامها بالبحار هي بريطانيا، حيث حطت أول باخرة لها بقيادة «جورج كليس» في «اخنيفس».

المنطقة مع نهاية القرن التاسع عشر
في نهاية هذه الفترة، كانت ثلاث دول استعمارية توجه أنظارها إلى المنطقة باهتمام: البرتغال واسبانيا وبريطانيا. وفي هذه الفترة أيضا، بدأ اقتسام النفوذ بالطرق السلمية والمشاورات فيما بينها. ونظرا لقرب اسبانيا من المنطقة جغرافيا لأهميتها بالنسبة إليها كحجاب للجزر الكنارية ولاهتمام الدول الأخرى مناطق نفوذ أخرى كآسيا بالنسبة لبريطانيا وافريقيا الجنونية بالنسبة للبرتغال ولاهتمام اسبانيا الكبير بالمنطقة سواء نتيجة لتمركزها في الجزر الكنارية أو نتيجة اهتمامها بالثروة السمكية التي ازدادت اهميتها يوما عن يوم، لهذا نشأت شركة الصيد الكناريو الافريقية التي تهتم بالمنطقة وتعمل على تركيز النفوذ الاستعماري والتي ضغطت على الحكم الاسباني، فصدر مرسوم ملكي بإنشاء مرفأ (بونتون) بالداخلة، ونتيجة للأعمال الاستغلالية في المنطقة، تأسست الشركة التجارية الاسبانية الافريقية لوضع محطة تجارية ولإنشاء خط دائم للبواخر التجارية وذلك سنة 1883 وكان لنفوذ الشركتين الاستعماريتين داخل اسبانيا وتأثيرها على الحكم فيها ان انشأت شركة ثالثة لصنع الأسلحة تدعي (لوبيز) والتي كونت شركة أخرى هي شركة (ترانز اتلانتيكا) والتي أخذت تتزعم المطاعم الاستعمارية في المنطقة مدعمة بأطماع البورجوازية الاستعمارية، كما ظهرت أيضا مساعدة البنك العام بمدريد الذي أنشئ بأموال اسبانية مساهمة مصالح استعمارية وأخذت هذه الشركة تعبئ الرأي العام الاسباني باديولوجية توسعية استعمارية. وفي خريف 1883 توجت هذه الشركات بالشركة الافريقية الاستعمارية. وفي 30 مارس قدم المجتمعون في الحمراء ملتمسا إلى الكورتس يعلنون تأييدهم الاستعماري للشركة الاسبانو -الافريقية. وفي عام 1884 نزل »اميلو بونيلي« في شاطئ وادي الذهب وعقد معاهدة مع بعض رؤساء القبائل الجهلة الخونة تهدف إلى تنفيذ المخططات الاستعمارية، فمنح بموجبها لشركة افريقيا الاستعمارية حق استغلال منطقة تضم 500 كلم من بوجدور إلى الكويرة. وقد لعبت هذه الشركة دورا رئيسيا في تركيز الاستعمار في المنطقة.
وفي هذه السنة أيضا قرر مجلس الوزراء وضع وادي الذهب وعنكرة سنيتاس هذه المناطقة الواقعة في الصحراء تحت الحماية الاسبانية
وأشعرت الحكومة الإسبانية بهذا القرار كلا من الحكومة الإنجليزية والفرنسية في 9 يناير 1885 إلا أن هاتين الدولتين لم ترضيا عن هذا القرار فاحتجت عليه بريطانيا، وتخوفت منه فرنسا خصوصا وأن فيه منافسة لها. وهي تريد إقامة خط حديدي من الجزائر إلى السينغال. إلا أن مؤتمر برلين سوى المشكلة بين المتنافسين. فتوجهت انجلترا إلى الشرق الأوسط و«قنعت» فرنسا بشمال افريقيا. وفي هذه الأثناء دخل منازع آخر إلى الميدان هو ألمانيا بقيادة بيسمارك الذي يقول «إن ألمانيا تأخذ مؤقتا إزاء الخلاف الفرنسي – الإسباني موقف الملاحظ الساكت الصامت».
والجدير بالذكر أن بلجيكا اهتمت بالمنطقة هي أيضا. فاعلن «ليوبولد الثاني» عن ذلك قائلا «هناك تعاون اسباني – بلجيكي لإنشاء محطة في وادي الذهب».
ونتيجة للتواطؤ الحاصل بين اسبانيا وبعض الدول الاستعمارية الأخرىن والتنافس بينها وبين البعض الآخر، فقد سارعت إلى إلحاق ما بين «الكويرة» و«بوجدور» مع 150 ميلا داخليا لجزر كناريا بواسطة ظهير ملكي منح اسبانيا التمتع بوضعية حقوقية في المنطقة.
إلا أن التناقضات الأساسية الخانقة التي أصبحت تعيشها الرأسمالية آنذاك والتي سببت أزمات مالية وسياسية لم تسمح بتوغل الاستعمار داخل المنطقة وكذلك المواجهة الوطنية للسكان، وبعدما أحسوا بالخطر الاستعماري الذي أصبح يهدد كيانهم داخل ديارهم، وكعلاج للأزمات المالية التي يعاني منها النظام الرأسمالي داخل اسبانيا، تركت حواجز بين اسبانيا والصحراء سنة 1895 وواكب ذلك ظهور ألمانيا كدولة رأسمالية قوية تريد حقها من الأسواق وخلق امبراطورية تابعة لها، ونتيجة مزاحمتها للدول الاستعمارية السابقة لها، نتجت الأزمة المغربية سنة 1899 . فحاولت ألمانيا السيطرة على المغرب بواسطة سيطرتها على الصحراء مهما كان الثمن ولو بالشراء. ووعدت النامسا بالاقتسام معها. ولكن السكان لم يريدوا بيع أرضهم ولا التعامل مع ألمانيا لأنهم ندموا على الحيلة التي وقعوا فيها في الماضي مع اسبانيا المتثعلبة. وقد ساعد على إبعادها عن منطقة التسوية التي قامت بينها وبين فرنسا فمنحتها منطقة في افريقيا «طوغو» بدلا من منافستها على المغرب.
وهنا وقعت المواجهة بين اسبانيا وفرنسا مرة أخرى نتجت عنها معاهدة باريس في 27 يونيو 1900 التي تممت بمعاهدة 1904 والتي تبعتها معاهدة 27 نونبر 1912. وعندما خلا الجو لاسبانيا في المنطقة، احتلت طرفاية بقيادة «فرانسيس بانس» ولما تركز قدم الاستعمار الإسباني في الصحراء، أنشأ «باتس» محطة «ماكوتيكي» في «الكويرة» سنة 1920 وحطت الشركة الاستعمارية الافريقية قواعد في كل من الداخلة وطرفاية. ونظرا لإحساس السكان بالخطر، ونظرا لتحركاتهم المناهضة لهذا التمركز الاستعماري، نقلت اسبانيا إلى المنطقة أكثر من ألف جندي كسند لجنودها هناك.
وأمام هذا الوضع، لم يزدد السكان إلا نفورا من الاستعمار وحقدا عليه ومقاومة له، فبدأ تنسيق العمليات بينهم وبين الحركة في المغرب، أي الطرف الذي تسيطر عليه فرنسا. وقد واجهت الدولتان المستعمرتان – خصوصا وأن فرنسا تعاني من المجابهة في موريتانيا من طرف نفس السكان – هذا الوضع بتنسيق عملياتها ضد الثوار وتكوين جيش خاص بالصحراء «مهاريست» للقضاء على العمليات الفدائية المناوئة لهما. ونظرا للتفوق العسكري للاستعمار على السكان في المنطقة، تم احتلال مدينة «السمارة» سنة 1934 وفي سنة 1946 قام الاستعمار الإسباني بتقسيم المنطقة إلى ثلاث مناطق.
– منطقة ملحقة مباشرة بالدورة الإسبانية تحوي ما بين الكويرة وبوجدور.
– منطقة مستعمرة من بوجدور إلى الدورة.
– منطقة محمية من الدورة إلى وادي درعة «تافنيدلت».
لكن سكان هذه المنطقة ظلوا يحاربون في كل المناطق الثلاث ومرتبطين بنضالات إخوانهم في المغرب، ولما ظهرت الحركة التحررية أرفدوها تحت شعار الجهاد في سبيل الله أو على الأقل تأثروا بتأثيرها.
وقد استقطب جيش التحرير في المغرب عددا هائلا من المناضلين المنتمين الى المنطقة، والذين قاموا بعمليات بطولية كادت تحطم الاستعمار في المنطقة لولا القضاء على جيش التحرير. وهكذا طلبت الحكومة المغربية في السنوات الأولى من الاستقلال من جيش التحرير الصحراوي الانخراط في الجيش النظامي، ولكن المقاومين الصحراويين في جيش التحرير رفضوا لأنه في نظرهم مازال باب الجهاد لم يقفل لأن العدو مازال يحتل أراضيهم، وهكذا حل جيش التحرير ودخل عدد قليل منه في الجيش النظامي. ورجع العدد الآخر وهو الأكثر إلى الأرض المستعمرة، وهو الآن يعمل في الطرق، أو في حفر الأرض ومنهم من يعيش في بطالة دائمة. ومنهم من فرضت عليه الإقامة في البادية، ومن المعلوم أن المظاهرات التي يقوم بها العمال في الطرق وفي وادي بوكراع والعيون والداخلة والسمارة يقودها عمال سبق لهم أن كانوا في جيش التحرير، كما أن العمليات التي تدار ضد المستعمر الفاشتي لهم باع كبير فيها.
هذه الفئات أيضا تتفاوت من حيث تناقضها مع الاستعمار. فالعمال الذين يوجدون في أقبح ظروف العمل والذين لا يتمتعون بأي تنظيم سياسي ولا أي تكوين تقني، والذين يستغلون بصورة وحشية ذات ميز عنصري فهم يحسون بالتناقض أكثر من أي فئة أخرى، والجنود الذين لا يلحقون بالجيش الاسباني النظامي، ويبعدون عن أي تكوين حربي حقيقي، كما أنهم يبعدون عن المدن وعن التشبع بالمظاهر الحضرية رغم غرابتها وعشوائيتها واستغلالها كسياط ضد إخوانهم الصحراويين، هؤلاء أيضا يجدون أنفسهم في تناقض واضح مع المستعمر لما يظهر لهم من ميز عنصري بينهم وبين الدخلاء المستعمرين.
وما قلناه عن العمال والجنود ينطبق ايضا على بقية الموظفين الثانويين – وان كان الكل ثانويا – وعلى صغار التجار الذين يتعرضون لأسوأ عمليات الاستنزاف.
أما الفئة التي يعتمد عليها المستعمر التي سخرها لمصالحه، فهي من يسميهم بالشيوخ يعينهم الامبريالي المستعمر، بالرغم من كل معارضة، وينفخ في أذهانهم من حيله وأكاذيبه. والغريب في الأمر أن مفهوم الشيخ قد تغير من شخص له قبيلة معينة يتزعمها الى شخص يعينه المستعمر بغض النظر عن وجود القبيلة، مما أدى الى أن يوجد اليوم الواحد عشرات الشيوخ، وهي عملية يقصد بها تفتيت وحدة القبيلة، وبالتالي تفتيت المجتمع والقضاء على مراكز الشيوخ الحقيقيين الذين يهددون مصالح الاستعمار، ثم كذلك فتح باب التنافس بين الشيوخ على باب العمالة والخيانة وخدمة الاستعمار.

3 – الوضعية التعليمية
قديما كان التعليم محصورا في المبادئ الدينية وما يتصل بها من علوم العربية. ولم يكن يلقن في مدارس نظامية بل في مساجد متنقلة مع الرحل أو في مساجد القرى الموجودة في المنطقة. وفي بداية الاستعمار، نظرا لعدم تمركزه اولا، ولنفور المواطنين من أي تعامل معه لم يفتح مدارس عصرية، كذلك لأن الاستعمار لم يرد إنشاء هذه المدارس لانه يشعر أنها هي السلاح ضده، بل تأخر ذلك الى الخمسينات، والى أن فرضته الظروف. ومع ذلك أيضا، فإن مختلف الحواجز توضع امام المنخرطين في هذا النوع من التعليم. فالنسبة القليلة التي تتاح لها فرصة الالتحاق بالمدارس، توجه إلى التعليم المهني البسيط الذي يخدم مصالح الاستعمار، وكذلك في وظائف ثانوية تستخدم سلاحا ضد الصحراويين، ولا ينتقل من الابتدائية من هذه المدارس الى الثانوي إلا 5 بالمئة ويعلمون في هذه المدارس كيف يقدسون اسبانيا كأرقى دولة وأحضر وأغنى وأجمل وأكثر انسانية.. من أي دولة أخرى، ثم من جهة أخرى بأن أقبح وأرذل مجتمع. هو مجتمع الصحراويين، وأن الذي أخرج التلميذ من ذلك الجحيم هو اسبانيا، فعليه ان يقدسها لإنسانيتها، أما الذين يصلون الى الثانوي، فإنهم يفصلون عن المجتمع الصحراوي ويلحقون بالمجتمع الإسباني، وذلك اولا بتعميق جهلهم ونسيانهم لمجتمعهم وأرضهم، ثم من ناحية أخرى بتعليمهم كل حسن في اسبانيا مهما صغر، بل انه في بعض الأحيان تشوه اليهم الحقائق، فيقلب السيء اليهم حسنا، كما يربطون أيضا اسبانيا بتلك الزيارات المدبرة لداخل اسبانيا، حيث يحاول الاستعمار غرس عادات المجتمع الاسباني، تلك العادات التي تكره الشاب الصحراوي تلقائيا في عادات مجتمعه وتشيينها اليه. ويرجع بأغلبيتهم الى وظائف ثانوية في البنايات الحكومية الاستعمارية، و 3 بالمئة منهم تصل الى الجامعة لكي تكلف بها تنظيمات شبابية فرنكوية لتغرس في عقولهم حب الكرة والأغنية الإسبانية والفتاة الإسبانية، وهي حسب طريقة التعليم الفرنكوية لا تعلم إلا كيف تحكم وكيف يجلس على المكاتب حتى ولو قدم اليها الاستعمار تلك المكاتب صنعا من جماجم الصحراويين. والجدير بالذكر أن هذا التعليم شجع بعد حرب جيش التحرير التي أبانت ان المبادئ الاسلامية مهما عمل الاستعمار على تجميدها وسطحيتها وتغيير محتواها في بعض الأحيان فهي صالحة لتعبئة الجماهير عليه كوضعية لا إنسانية اوصى الدين الاسلامي بوصفه فكرة إنسانية على محاربتها، ولكن خطة ما بعد التحرير ايضا، أي ما بعد حرب جيش التحرير أبانت عن فشلها أي أن ثقافة الاستعمار ستصبح ضده – هذا ما أثبتته حادثة الزملة – أصبح أيضا يحاول القضاءعليها، وذلك بخنق الشباب وطرده من المدارس، والدعاية ضد هذا التعليم، ومحاولة الركوب على الدين باستقطاب حملته وخلق طبقة مرتزقة منهم تعمل في القضاء المصطنع، وتصلي في المساجد الرمزية، ومحاولة التلاعب بالجماهير وذلك بتهنئتهم بالأعياد، وحمل عملائهم الى الحج السياسي الهادف إلى مد سيطرة اسبانيا على الصحراويين.

4 – الوضعية الصحية  والنمو الديمرغرافي
نظرا لانعدام وجود وسائل عصرية للفلاح، فالوضع الصحي سيء إلى حد كبير، خصوصا بين البدو الذين يشتد بينهم نقص التغذية، وبين العمال الذين يتحملون اقبح ظروف العمل، وهذا يؤثر بدوره على الوضعية الديموغرافية، فتكثر الوفيات بين المواليد حيث تتعدى 6/10وتقل نسبة النمو الديموغرافي، وتسود البنية الهرمة وينخفض مستوى متوسط العمر، حيث لا يصل تقريبا إلا 40سنة.

5 – عملية الاستيطان الاسبانية
من جملة الوسائل التي تعزز اسبانيا بها وجودها داخل المنطقة المحتلة، انها عمدت إلى تشجيع الإسبانيين على الهجرة إلى المنطقة. فوفرت لهم ظروفا حسنة للعمل في مختلف المجالات. وقد شجعها على ذلك مبدأ تقرير المصير، فصارت تنقل أفواجا عديدة منهم الى المنطقة وتغريهم بكل الوسائل المادية التي يفتقدونها داخل اسبانيا، في نفس الوقت تضايق الصحراويين وتجتهد في وسائل التضييق عليهم ليخرجوا الى البلاد المجاورة، او في البادية، هذا اذا لم تطردهم. وهكذا بعد أن كان المجتمع عربيا محضا يتألف من قبائل عربية، أصبح اليوم مجتمعا مخضرما يوجد فيه الاوربي الى جانب الصحراويين، بل ربما عدد الاسبانيين في بعض المدن يفوق عدد الصحراويين نتيجة عملية الهجرة العكسية بين الصحراويين والاسبانيين.

6 – المدن
أهم مدن المنطقة ثلاث:
1 – العيون: عاصمة المنطقة اداريا، وترتكز فيها الإدارة العامة الاستعمارية التي تسيطر على الاقليم الشمالي، ويوجد فيها كبار الضباط وقيادات الجيوش الاستعمارية، كما توجد فيها المكاتب الرئيسية للشركات الاحتكارية العاملة في المعادن، او الباحثة عنها، هذا الى جانب الشركات التجارية التي تجذب أنواع السلع الغربية لتغزو بها شمال افريقيا.
ورغم كل هذا، فإن الصحراويين الذين يسكنون هذه المدينة يقطنون في أكواخ قصديرية او في بيوت ضيقة وغير صحية، والسلطات الاستعمارية تضع كل العراقيل أمام السكان حتى لا يبنوا مدنا وحتى على الأقل مداشر أهلية، وخصوصا ابتداء من سنة 1967
2 – الداخلة: أول ميناء في المنطقة، وبها منطقة صيد هامة، اصبحت اليوم تكتسي اهمية دولية بعد هجرة الاسماك اليها من شمال وغرب المحيط. وفيها قواعد عسكرية من جملتها، قاعدة الولايات المتحدةالمطرودة من ليبيا.
3 – مدينة السمارة: تقع في قلب الصحراء، توجد بها معاقل الجيوش البرية الاسبانية، وتكتسي صبغة بدوية، لأنها موضوعة في منطقة البدو، كما انها تكتسي صبغة استراتيجية أيضا، لأنها في وسط المنطقة تقريبا.
يظهر من هذه المدن أنها مخططة من طرف المستعمر الفاشيستي لأغراض تركيز أنيابه الخشنة في المنطقة، ويظهر كذلك واضحا ان المستعمر يحارب بكل الوسائل حركة البناء في القرى، إذ أنه يجمع رأس المال في هذه المدن. كما أنه لا يوفر مواد البناء ويمنع البناء بدون رخصة ولا يعطي الرخصة، وإن كان الواقع فرض أن تبتدئ معالم مدينة عمالية بالظهور في وادي بوكراع.
كالإبل وتشكل العماد الرئيسي لتحركاتهم ومقاومتهم للاستعمار الدخيل، الشيء الذي دفع بقوات الدوائر الاستعمارية إلى إصدار قانون يقضي بمنع الخيل في المنطقة، فتم ترحيل الكثير منها إلى جزر كنارياس وتهجير مابقي إلى الأراضي الشمالية.

التجارة: من الأسباب التي دفعت بالاستعمار الغربي إلى التسرب والتمركز في المنطقة دوافع تجارية واستراتيجية والتي تجلت في إحداث منطقة لترويج البضائع الغربية، واستبدالها بأخرى محلية وعلى العموم فقد مرت التجارة بمرحلتين:
1 – التجارة القديمة كبقية الأراضي الافريقية كانت تتميز التجارة في الصحراء بالمقايضة. فعلى المستوى المحلي، كان السكان يتبادلون موادهم بأخرى، فالخيمة من الشعر مثلا تساوي جملين، والرأس من الغنم، يساوي 10 أمتار من الكتان. ويكثر التبادل وينقص نتيجة لكثرة القوافل الواردة من الشمال الافريقي وافريقيا السوداء. وكانت تتوقف هذه التجارة على بضائع مستوردة ومحلية. وكانت الواردات تشمل القطن والصوف والحرير والزيت والوقود والسكر والشاي والشمع…، وكانت تجارة القوافل مزدهرة ومشكلة في خطين:
القوافل التي ترد محملة من الأسواق الشمالية، بمافي ذلك كلميم وتندوف (السكر، الشاي، الثياب، الزرابي والمواد الغذائية) المتوجهة إلى موريتانيا والسنيغال.

– أما الخط التجاري الثاني، فهو يشمل القوافل الذاهبة من تندوف وتاودني وتمبكتو المحملة بالمواد الصناعية المتوجهة إلى الشمال الغربي.
وتعود من السودان بالقطن والتوابل والعطر.
وهناك أسواق الجمال في كولمين وآسا التي يفد إليها سكان الساقية الحمراء ووادي الذهب.
2 – التجارة حديثا: تطورت التجارة شيئا فشيئا منذ الثلاثينات، فمن تجارة متنقلة إلى تجارة قارة. ومن تجارة تعتمد على المقايضة إلى تجارة نقدية ومن تجارة حرة إلى تجارة احتكارية استعمارية، فكان من نتائج ذلك ظهور بعض القرى، وتسرب مواد اوربية عن طريق ميناءي الداخلة وميناء انوا ذيبو قبل الستينات مازال ولكنه باعتبار اخر إلى المناطق الصحراوية المعروفة آنذاك ببلاد شنقيط وسياسة تسرب التجارة الاوربية كانت مدعمة بالاحتلال الفعلي للصحراء، فكان متعاطفو هذه التجارة عسكريين اسبانيين من الوحدات العسكرية وفرق البوليس المركزي والوطني واكتست التجارة صيغتها النقدية، خصوصا بعد الخمسينات، حيث تمركز الاستعمار الاسباني الذي لاقى أعنف مقاومة. واتضح ان هذه التجارة الاحتكارية الغربية، كانت تدخل في نطاق المخططات الاستعمارية التي تهدف إلى أن تجعل من المنطقة سوقا للاحتكار الاسباني، فكانت بهذا وسيلة تفقير واستغلال.

التجارة الحديثة وسيلة تفقير:
أ – أمام قساوة الطبيعة يتضاءل أمل الصحراوي في مواصلة تربية المواشي والاعتماد على المتوجات الحيوانية، فتصبح بذلك الحياة في البادية صعبة. وأمام يأسه من انتظار المطر، يعود مرغما إلى اللجوء إلى المدينة، فيبيع مالديه من شياه وغنم وإبل لاقتناء سيارة »لاندروفر« الباهظة الثمن والكثيرة التكاليف، فيصبح فقيرا أو يتعاطى التجارة.
وغالبا ما يقع في الافلاس، لأن الصحراوي ليس محترفا في التجارة، ولأنه مازل يحتاج إلى الاستهلاك لا إلى التوفير، وهو حامل لأعباء عائلة، تتكون في الغالب من ما وراء 10 أفراد، فيوزع عليهم المواد فتكون النهاية الخسارة ثم البطالة.
ب – توجد ظاهرة منتشرة صنعها الاستعمار الفاشيستي، وهي ظاهرة القروض “»ليطرات”« المصممة في كل القطاع التجاري. فأمام انعدام النقود لاقتناء بعض المواد لتعاطي التجارة، يأتي الاستعمار الاسباني متقنعا كمساعدة بواسطة »لليطرات« ليدفع للصحراوي سلعا تعاني من الكساد والتكدس، مقابل »”ليطرات”« لكل منها ثمن يجب أداؤه في ظرف معين. وكثيرا ما يصعب على التاجر الصحراوي بيع ما لديه وحتى أخذ ثمنه في الكثير، لأنه أعطاه لذويه المحتاجين، غير أن تسديد الديون المجمدة في “»ليطرات”« يتوقف على البيع، أو تسلم الأثمان، وفي هذا الظرف تطالب السلطات الاسبانية بأداء ما عليه، وأمام عجزه المالي، يؤخذ منه المتجر، وتفرض عليه كل الوصايا والضغوط، كي يؤدي ما عليه، فيضطر للعودة إلى البادية، فيبيع ما لديه من حيوانات إذا كانت لديه وإلا اشتغل لحساب الشركة.
التجارة وسيلة استغلال: يتجلى هذا الاستغلال في ظاهرتين أيضا:
– من المفروض على التاجر ألا يستورد إلا بضائع غربية معينة ومجلوبة من جزر كناريا. أي أنه يحكم على التاجر أن يستورد البضائع التي تعاني من التكدس في الأسواق الغربية من آلات ودخان وثياب ومواد غذائية مستوردة من أمريكا واليابان التي تعاني من تضخم الانتاج.
– وتتجلى الظاهرة الثانية، في ظهور فئة من التجار الاحتكاريين تتألف من تجار اسبانيين ومغاربة وتستغل الطاقة الشرائية للسكان وتتعامل مع السلطات الاستعمارية.
الصيد: يشكل الثروة الحقيقية والأصيلة في الساقية الحمراء ووادي الذهب. ولعل السواحل الصحراوية من أغنى السواحل السمكية في المحيط الاطلسي بافريقيا.
وهذه الثروة كانت السبب في محاولة الاستيلاء على المنطقة منذ بداية عهد الاحتلال. فمنذ القرن السابع عشر والمنطقة مسرح أحداث وتطاحن بين الدول الاستعمارية وعلى رأسها البرتغال التي أنشأت محطة للصيد سمتها “»ودان«” كاب بوخاذور وانجلترا التي سجن قائها جورج أكلاس في باخرة »هيلزبورو« في سانتا اكروث دي كنريفي من طرف السلطات الاسبانية. فتكونت شركة الكناريو الافريقية الممولة من طرف الشركة التجارية الاسبانية التي تهدف إلى:
– استغلال الشواطئ السمكية
– تبادل تجاري
– حماية جزر الكناريا

تشكل الصحراء إحدى حلقاتها. فقد تكلفت شركة كروب ببناء حلقة أوتوماتيكية، تمتد من وادي بوكراع إلى ميناء العيون. ويبلغ طولها حوالي 100 كلم، وتعد من أحدث وسائل الاستغلال، وستبتدئ بنقل 10 مليون طن سنويا على الأقل، ترفعها إلى 15 مليون طن. وقد لاقت شركة كروب، كحليفاتها الغربيات، عطف وتجشيع الحكومة الفاشستية الإسبانية، وقد ابتدأ الطابي رولن tapis roulant في العمل في نهاية شهر أكتوبر سنة 1971.

عواقب اكتشاف الفسفاط
1– الأثمان: هناك تأثيرات على الثمن الدولي للفوسفاط. يصل ثمن الفوسفاط الأمريكي 11.5 دولارات في ميناء روتردام، بينما يصل ثمن فوسفاط المغرب 11.75دولارا في ميناء الدار البيضاء، وهو من نفس النوع. والفوسفاط الصحراوي من درجة أعلى. ومع ذلك فهو أقرب من سطح الأرض، وأقرب من البحر. كما أن اليد العاملة فيه صحراوية منخفضة الأجور ومهضومة الحق. إذ أنها بلا ضمان اجتماعي ولا مراقبة صحية. ولا تنظيم سياسي، وتشغل أغلب الوقت اي حوالي 12 ساعة. كما أن الاعتماد في استخراج الفوسفاط وحمله للآلات الاتوماتيكية، وهذه الوضعية ستزعزع سوق الفوسفاط، إن لم تدخل الدول المنتجة له في تحالف مع الاستعمار الفاشستي الاسباني وأعوانه الإمبرياليين على حساب الصحراويين. وربما أن هذا طبق بالنسبة لبعض الدول المنتجة له.
2– ظهور طبقة عمالية، قد يكون لها الدور الحاسم في حمل مشعل التحرر، نظرا لهضم حقوقها من طرف الاستعمار الإسباني والامبريالية الغربية، الظاهر في عدم إعطاء تكوين تقني، ثم في بشاعة الفرق بين أجر العامل الإسباني المرتزق، والعامل الصحراوي. وفي استنزاف الطاقة الإنتاجية للصحراوي المتجلية في ساعات العمل التي قد تصل إلى 14‪,‬13‪,‬12 ساعة في اليوم. ثم دورية أعمال العمال الصحراويين، كي يربط الاستعمار أكبر قدر من السكان بعجلته. ثم كذلك لئلا يشعر العامل بوعي وطني. ثم كذلك لقطف قدرة مستجدة على العمل. كما أن اسبانيا الآن تقضي على مستقبل الشبان، تحد من فعاليتهم الفكرية، وحتى العضلية، لتنزعهم من المدارس وتوجيههم رغم حداثة سنهم لتشغيلهم أكبر قدر ممكن في المنجم، وتخفيض أجورهم، وعلى العموم، فالعمال في هذا المنجم قسمان:
– العزاب: أصبحوا يشكلون امتدادا استهلاكيا للسوق الإمبريالية التكنولوجية ومفصولين عن المجتمع، إذ أنها بنت لهم سكنا خاصا، ثم تأتيهم بالإسبانيات والسينما وكل المتطلبات الاستنزافية في تلك السكنى، ويقضون عطلهم في الجزر الكنارية.
– المتزوجون: مشاكلهم عديدة، من تمييز عنصري إلى مشاكل السكنى الضيقة الغالية الكراء، وعدم كفاءات الأجور للحصول على الضروريات، وعدم العناية الصحية، وعدم تدريس الأطفال في الغالب، وتراكم الفقراء العاطلين والقادمين من البادية.
البترول: كان مشروع التنقيب عن البترول في المناطق، بعد انتهاء أحداث 1958 لسببين:

1– بعد انتهاء حوادث 1958.
2– أمام الترخيص للشركة الإيطالية من طرف الحكومة المغربية في الجزء المحرر (إقليم طرفاية). ظهر لمدريد أن هناك امكانيات بترولية هائلة.
وهكذا نرى، أن اسبانيا تنهج نهجا ليبراليا، ولأول مرة، إذ سمحت بدخول الرأسمال الأجنبي للأراضي المحتلة. ولهذا سنت قوانين 31‪-‬29 دجنبر 1958. التي أعلن عنها الجنرال العجوز فرانكو. والتي بمقتضاها يستغرق مدة التنقيب 6 سنين تجدد بثلاث سنوات.. ورخصة التنقيب هذه، تعطي لصاحبها حق الاستغلال وبكامل الحرية لما اكتشفه مدة 50 سنة مجددة، والدولة الإسبانية لا ترغب بالمساهمة في الأرباح إلا بما قدره ‪%‬12.1 من البترول الخام، وما يعادلها من الوقود المباع.
أمام هذه التسهيلات، هزمت الشركات الغربية، التي تشكل الكارتيل الدولي للبترول، فسلمت لها رخصة التنقيب على مساحة 400 الف كلم2. ولقد سلمت لـ union carped patrolum corporation مساحة مائية، تقدر بـ170 مليون دولار، وقد اكتشفت C‪.‬C‪.‬G البترول في ناحية أوديات أمريكية في نهاية 1970. إلا أن اسبانيا تزعم أن استغلال هذه الآبار صعب، ومن المبررات، لاكتشاف كميات هائلة من البترول، هو تصريح وزير السياحة لحكومة الفاشستيين الإسبانيين عام 1968، عندما دشن قصر السياحة للصحراء في العيون، إذ قال: «إن الصحراء لا تحتاج إلى قصور لجلب السياح إليها لأن فوسفاطها الكثير الجيد، وبترولها القريب من سطح الأرض، ومعادينها الأخرى، تكفيها مما سينفق السياح في أرضها».
وقد اكتشفت كميات هائلة أيضا، في الظروف الأخيرة، سواء في «افيم الواد» غرب العيون، أو في غيره. ومن أسباب السماح للشركات الأجنبية باستثمار رؤوس أموالها في منطقة الصحراء المستعمرة، نجد:

1– التخلف التكنولوجي الإسباني
2– ارتفاع التكاليف الناتجة عن الاستغلال، الشيء الذي يفرض على اسبانيا التحالف مع الامبريالية الغربية لتحمل التكاليف.
3– ويدخل هذا كله في إطار استراتيجية معينة للامبريالية العالمية بقيادة أمريكا، تهدف من ورائها الى استغلال سريع واستنزاف لخيرات العالم الثالث.. فإذا ما هددت مصالح اسبانيا، كانت الإمبريالية كلها متكاثفة إلى جانبها، لأن مصالحها كلها مهددة.
4 – وبدأ تعزيز التمركز السياسي الاستراتيجي الإسباني في المنطقة، بحيث يصبح من السهل عليها، ضرب كل حركة تحررية، من شأنها أن تقلق راحتها، ومصالح حليفاتها الغربيات، وضرب ما تسميه أطماع الجيران.
يمكن تنظيم استفتاء»، وكان المندوب التونسي قد طالب بالتعجيل بهذا الاستفتاء. وأيد المشروع المندوب المغربي والجزائري والموريتاني و عارضه الاسباني وصوتت عليه 19 دولة وأمسكت 3 عن التصويت.
ومهما يكن من شيء، فبعد القرار مباشرة أصبحت الدولة المحتلة الفاشيستية تعمل كل ما من شأنه أن يضمن لها البقاء في المنطقة واستنزاف خيراتها للتغذية عليها اقتصاديا واعتمادها مصيريا عليها.
وكان من هذه الأعمال تهجير السكان إلي المناطق المجاورة. وجلب المرتزقين الاسبانيين. والقضاء على السمات العربية بمحاصرة الأفكار العربية. وعزل الفئات التقليدية، أي ذات الشخصية العربية المحتواة وسط التقاليد والأخلاق والأفكار الإسلامية.
وحاولت خلق جيل متأسبن، وذلك بفتحها للمدارس الابتدائية ذات المحتوى التبعي العدمي التقديسي. كما كثفت كميات الجنود في المنطقة ليس من حيث العدد فقط،ولكن أيضا من حيث العدة والتنويع.
ثم ربطت كذلك نفسها بالدول الامبريالية لعجزها التقني الحالي عن مواجهة متطلبات الثروات المتدفقة والمتنوعة، ثم لعجزها عسكريا كذلك عن مواجهة موجات السخط المحلية التي خلقها الضغط والقمع والتمزيق، ثم الدولي عموما والافريقي خصوصا الذي ولده الفكر التحرري الذي يعادي الامبريالية والاستعمار بوصفها أبشع تعبير عن وحشية الانسان التي فرضتها عليه الآلة ومطامعها. وفعلا دخلت في هذا الطريق مباشرة بعد اتخاذ هذا القرار الدولي غير المحض. وكانت اولى نتائج نشاطها التوسعي العلني اتفاقية 1969 المتعلقة بتمديد بقاء القواعد الامريكية الامبريالية في اسبانيا والتي كان من نصوصها نقل القاعدة المطرودة من القطر الليبي الشقيق ويلز الى الداخلة.
وتوظيف رؤوس الاموال الامريكية في المنطقة ثم وضع تقنية خاصة داخل قاعدة الداخلة لمحاربة حرب العصابات التي ستنصب فيها حركة الجماهير الساخطة، على الاحتلال والسيطرة السياسية والفكرية والاقتصادية والمستنزفة للشرف والكرامة والثروة. ثم اتفاقية 1970 مع فرنسا التي كان من نتائجها اتفاقية الدفاع المشترك واستثمار رؤوس الاموال الفرنسية بل وجعل بنك باريس كمعبر تمر عليه رؤوس الاموال الغربية إلى خيرات المنطقة لجلب الأرباح وتسليم 50 طائرة ميراج فرنسية للجيش الاسباني النازي. وأخيرا ربط اسبانيا بأصلها الذي كانت موضوعة وسطه دون ان تقوم فيه بأي دور. ذلك هو الامبريالية الغربية. وأصبحت بذلك اسبانيا حائزة لثقة الامبريالية الغربية. فأصبحت عمليا من شخصيات الحلف الاطلسي اللعين، وذلك بعد دمجه كاملا في مناجم وطننا سواء في الفوسفاط او البترول او في غيرهما. ولم تلبث ان توصلت نتيجة لما سبق الى اتفاق مع ألمانيا الغربية في فبراير 1972 وفي الوقت الذي كانت فيه اسبانيا تربط نفسها بالامبريالية الغربية كمرتكز دائم.
كانت تربط نفسها باتفاقيات ثنائية مع الأطراف المعنية. وبداية بالمغرب ابتداء من سنة 1963 في لقاء برخاص الذي أنتج ما يسمي ب(…) وباتفاقيات أخرى عديدة ومتنوعة كاتفاقية الصيد المشترك. هذه الاتفاقية كانت مثار نقد عنيف مما أدى إلى التراجع عنها – والمساعدة التقنية والمساهمة في التصاميم الخماسية ثم المحافظة على أمن البحر المتوسط، ثم اتفاقية تسليم المجرمين! ثم أخيرا اتفاقية نتجت عنها شركة للصيد مشتركة. كحل لمشاكل شركات صيد السردين المغربية. تلك المشاكل التي نجمت عن هجرة السردين خصوصا إلي المنطقة. وكانت ايضا اسبانيا الفاشيستية تحاول ابرام اتفاقيات اقتصادية مع الجزائر. وفعلا توصلت الى ذلك ابتداء من سنة 1966 نظريا، والتي ابتدئ في تطبيقها ابتداء من سنة 1969 وكانت هذه الاتفاقيات تدور في جلها حول تسويق الغاز الى اسبانيا واتفاقية أنابيب الغاز الطبيعي لتسويقه الى اوربا وأمريكا، ثم شراء البترول الجزائري. كذلك كانت اسبانيا اللعينة ايضا تبرم اتفاقيات مع موريتانيا انتهت سنة 1970 بتكوين اسطول بحري للصيد المشترك ممول بأموال اسبانية زيادة على المساعدة المادية، خصوصا في مجال تكوين البوليس الموريتاني.

*عن جريدة الاتحاد

      السبت 18 يونيو 2016.