تشكل زيارة الرئيس الرواندي، بول كاگام، للمغرب، حدثا سياسيا، له دلالات وأبعاد أعمقُ من مجرد الانفتاح على دول شرق أفريقيا، رغم ما لذلك من أهمية في إطار استراتيجية تطوير وتقوية التعاون جنوب-جنوب، التي ينهجها المغرب. غير أن التاريخ المعاصر لرواندا، يقدم درسا غنيا حول مخلفات الاستعمار و الانقسامات العرقية والقبلية، التي تعاني منها القارة السمراء.

ففي هذا البلد، الذي خضع للاستعمار البلجيكي، تم تكريس الانقسامات الإثنية، بين التوتسي والهوتو، التي كانت مجرد تقسيم للعمل في الإطار التقليدي، بين رعاة (توتسي)، ومزارعين (هوتو)، حسب النظرية التي روجها ما يسمى بالآباء البيض، أي مسؤولي الكنيسة الكاثوليكية، فحولوها إلى ركن أساسي من الهوية، مثبتة في بطاقة التعريف الشخصية، كما تحول هذا التوزيع الإثني، إلى إيديولوجية عرقية، بدعم من الإدارة الاستعمارية والكنيسة.

ورغم حصول هذا البلد على استقلاله، في بداية ستينيات القرن الماضي، إلا أن المشكل الإثني، ظل يلعب دورا خطيرا في المشهد السياسي، حيث تم استغلاله من طرف السلطات الديكتاتورية، المتعاقبة، التي كانت تنتمي للهوتو، لتكريس هيمنتها، واضطهاد التوتسي، بدعم من بلجيكا وفرنسا ونظام موبوتو في الزايير.

صراع التوتسي دفاعا عن حقوقهم، أدى إلى اندلاع حملة تطهير إثنية، كلفتهم مئات الآلاف من الضحايا، تحت أعين الوحدات الفرنسية والأممية، التي ظلت تتفرج على عمليات الإبادة.

بعد صراع طويل، وتدخل دولي، تمت المصالحة الوطنية، وانتخب الرئيس الحالي، الذي ينتمي لما يسمى الأقلية التوتسي، وَقاد عمليات كبرى للوحدة الوطنية ومحاربة الفساد. وفي إطار محاولات تجاوز مخلفات الإرث الاستعماري، أصبحت اللغة الانجليزية، هي اللغة الأولى، بدل الفرنسية.

ويمكن القول، إن هذا النموذج الذي خلف أكبر المذابح التي عرفتها إفريقيا، يستحق الدراسة والتأمل، لما له من دلالات بالنسبة لأغلب النزاعات، التي تشهدها هذه القارة، والتي نتجت عن الوضع الاستعماري السابق، كما هو الشأن في الصحراء المغربية، التي رغم خروج المحتل الإسباني منها، إلا أن حكام الجزائر ما زالوا يواصلون مهمة تكريس مخلفات الاستعمار، في دفاعهم عن التقسيم الذي خططت له ونفذته السلطات الاستعمارية الفرنسية والإسبانية، في بداية القرن العشرين.

التحول الاستراتيجي في الخطاب الرسمي المغربي، حول نزاع الصحراء، الذي أخذ يتبنى مقاربة مواجهة التقسيم والتجزئة الاستعمارية، من شأنه أن يوضح الرؤية أكثر لدى شعوب العالم، حول طبيعة الصراع وحقيقته، خاصة في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، التي عانت وتعاني من الاستعمار والامبريالية.

*بالفصيح

     الخميس 23 يونيو 2016.