قيل في الإنسان ما لم يُقل في أي كائن آخر، فهو “ناطق” و”عاقل” و”رمزي” و”سياسي” و”متدين” و”غريب الأطوار”، وكثير من خاصيات أخرى تختلف تجلياتها باختلاف الثقافات والأصول الحضارية. يتعلق الأمر بصفات تؤكد جميعها “تعددية واجهات الكينونة وتنوعها”، كما يشير إلى ذلك أرسطو. فالإنسان عاقل حقا، فهو يميز النافع من الضار والعادل من غير العادل. وهو رامز أيضا، إنه وحده من صَنَّفَ العالم في لغته وأودعها في مفاهيم تقوم مقام الحسي في أشياء الطبيعة وكائناتها،  لذلك كانت عوالم الرمز عنده أوسع بكثير من حاجيات الضرورة في حياته. وقد يكون جامعا لهذه الصفات وغيرها. فهو، في جميع الحالات، الكائن الوحيد الذي يملك تاريخا خاصا به باعتباره فردا يتحرك داخل حياة محدودة في الزمان وفي الفضاء، وآخر مرتبطا بفصيلته وممتدا في زمنية لا يعرف إلا القليلُ منا مصدرَها ومنشأَها واحتمالات التطور داخلها.

ومع ذلك، فإن هذه التعريفات ليست كافية للإحاطة بما يميز الإنسان فعلا عن الكائنات الأخرى. فهذه الصفات إما أشمل من الكينونة وأوسع منها، وإما أنها لا تغطي سوى واجهة من واجهاتها، وفي الحالتين معا لا يمكن أن تكون سبيلا إلى تحديد جوهر الكينونة عند الإنسان وامتداداتها في ما يأتي من الطبيعة أو ما يفرزه سلوكه. وقد يكون ذاك هو مصدر التخصيص الإقصائي فيها. وهذا ما يجعل التعريف الذي يقدمه جان جاك روسو للإنسان أدق من كل التصنيفات السابقة، وأكثرها قدرة على سبر أغوار عوالم الإنسان المادية منها والأخلاقية على حد سواء.

إن الإنسان عنده يتميز بخاصية رئيسة تستوعب مجمل التعريفات السابقة ضمن دائرة شاملة هي ما مكنه من الانفصال عن غيره من الكائنات الحية، وصياغة وجود ثقافي مواز للطبيعة ومكملا لها في الوقت ذاته. ويلخص روسو هذا التعريف في مفهوم خاص هو “القدرة على تحسين الأداء” ( la perfectibilité ) (1)، أي قدرة الإنسان الهائلة على الرقي الدائم بنمط وجوده فردا وجماعة، فالتطور في الملكات وتنوعها هو وحده مصدر اختلاف الحضارات المتعاقبة، ذلك أن الزمنية الإنسانية، على عكس زمنيات الطبيعة والحيوان، تتميز بخاصية المراكمة.

إن الإنسان، على عكس أقرانه من الكائنات الحية، لا يولد متعلما واعيا وعارفا بكل شيء، ولا مجهزا بأي قدرة مصدرها “طبيعة” أصلية فيه، فهو لا طبيعة له ولا جوهر، إن “الوجود عنده سابق على الجوهر” (سارتر)، بل إن “إرادته أقوى من الطبيعة” ذاتها، كما يقول روسو. فلو كان الإنسان أسير الطبيعة لتساوى الناس في القيم والقدرات وأنماط العيش، ولما كانوا في حاجة إلى مضاف أخلاقي يُميز من خلاله بين الخير والشر والصدق والكذب. لذلك عليه منذ الولادة أن يتعلم ويتألم من أجل ذلك ويتعب ويَكِد ويفشل، ويُعيد الكَرَة، ولا يتوقف عن القيام بذلك إلى آخر يوم في حياته. إن الحياة عنده لا تُدرك جَمْعا، فهي ليست لائحة مغلقة من المعارف التامة، بل سجلات تغتني بالممارسة وتَبَدُّلِ أحوال الناس ونفسيتهم.

وعكس ذلك ما يحصل للكائنات الأخرى، فهي محددة “بطبيعة” سابقة على وجودها، وهي ما يرسم لها كل ما يمكن أن يصدر عنها قبل الولادة وبعدها. بعبارة أخرى، إنها ليست “فردا” ينمو في الحياة ويتطور بتطور المحيط وتبدله، بل هي “قطيع” يتحرك ضمن قَدَر زمني سابق لا يمكن تغييره أو تعديله. إن الطابع “الحي” فيها، ليس “وعيا” بالوجود وإدراكا لتحولاته، وإنما هو “برمجة” مسبقة تشمل كل شيء في حياتها، بما فيها مظهرها وأفعالها و”موقفها” من نظيراتها في الفصيلة أو القسم الذي تنتمي إليه. إن الحيوانات تعيش في “الزمن المباشر”، إنها لحظية بلا ذاكرة أو مستقبل، وبذلك فهي أسيرة “برمجة” سابقة عليها في الممارسة، بالفعل والقوة.

إن الحمار ليس حرا في “سلوكه”، فهو لن يغير من طعامه وشرابه، ولا من طريقته في المشي ومن أثاث حظيرته، لقد وُلد لكي يكون حمارا، كما كانت الحمير قبله، وكما ستكون كل الحمير بعده. وليس هناك من عِلة تدعو الأسدَ إلى البطش بالغزلان ومثيلاتها سوى هذه البرمجة بالذات. وهذا أمر دال على أن “حياة” الحيوان هي مجرد تدبير قسري لانفعالات وردود فعل مودعة فيه بشكل سابق على كل أشكال الوجود، ما يُشبه البرماج (logiciel) الذي يكتفي بمعالجة ما في ذاكرته خارج تأثيرات الزمن والفضاء. لا “ثقافة ” للحيوانات ولا فواصل بين الأنفار منها، ولا تراتبية عندها في الفكر والأخلاق. إن الحيوان مسلوب الإرادة، لا يتحرك إلا وفق ما تقتضيه قوانين الطبيعة وحدها. وتلك هي الفواصل الصريحة بينه وبين والإنسان، ” إن “الشر” عند الحيوان أصل طبيعي، فهو يقوم به دون أن يتصوره، أما عند الإنسان فهو مشروع سابق ومفكر فيه”، كما يقول لوك فيري.

وذاك هو جوهر التخصيص والتعميم اللذين يتضمنهما تعريف روسو. فالزمنية مِلْك للإنسان وحده، هو من يحدد مضمونها وإيقاعها في الاتجاهين معا، ما مضى وما سيأتي وما بينهما. إن وجوده في تشكل دائم، إنه شامل لكل ما يمكن أن ينتجه ويصنفه ضمن خبرة قابلة للتداول بين جميع الناس. إن غياب طبيعة أصلية يتحدد من خلالها وجوده في الأرض هي أساس الحرية عنده. فأن لا تكون هناك طبيعة إنسانية معناه أن الإنسان كائن “حر”، ومصدر حريته ليس في مَلَكَة النطق والترميز وممارسة السياسة فحسب، بل في قدرته على التعلم الدائم في المقام الأول، ما يمكن أن نعبر عنه برغبته في التطور فسيولوجيا ونفسيا وأخلاقيا على امتداد عمره “الافتراضي”. إنه لا يحتكم إلى أي شيء سابق على ما أنتجته ممارساته وسلوكه وخبرته داخل زمنية هي قياس الوجود عنده.

 وهذا معناه أن الوجود الإنساني يُبنى في السلوك الواعي، لا في طاقات الانفعال العابر، أو ضمن قَدَر موجود خارج ممكنات الزمن. إنه بذلك يرغب ويشتهي ويحب ويكره ويقبل ويرفض ويسامح ويعفو ويقسو ويحقد بقرار إرادي؛ تماما كما يختار الطيب في الوجود والسلوك ويختار الخبيث فيهما أيضا. فلا شيء يجبره على عكس ذلك سوى الإرادة ذاتها. إن الحيوانات، كما يقول روسو،” تقبل وترفض بالغريزة وحدها، أما الإنسان فيفعل ذلك بإرادة حرة”. إنه لا يستطيع بالتأكيد تغيير ميراثه الجيني، فذاك جزء من ذاكرة بيولوجية قارة (أصبحت اليوم قابلة للتعديل في ما يبدو)، ولكنه يستطيع تغيير أخلاقه وسلوكه وآرائه السياسية، بل يستطيع تغيير جنسيته ودينه، فتلك اختيارات حرة هي حاصل التعلم، وليست إرثا من الطبيعة.

وبذلك، فإن هذا التعريف يستعيد لحظة تاريخية فارقة في وجود الإنسان على الأرض، لحظة انفصاله عن محيطه “الطبيعي” (فالإنسان حيوان غير سوي، في تصور روسو) (2)، ليختار ما يشبه “الاغتراب” الإرادي داخل نشاط ثقافي هو من صاغ شروط العيش داخل فضاءاته، بما يقتضيه ذلك من حرية وقدرة على استبطان حدود المحظور فيه في الوقت ذاته. فداخل هذا الفضاء سيمتلك أبعادا جديدة تجعله كائنا مختلفا يبني تاريخه الخاص، ويتحمل تبعات سلوكه في الخير والشر، بما فيها التدمير الذاتي بالكحول والمخدرات والاقتتال الديني والعرقي والمذهبي، والحروب المحلية والكونية، وبما فيها لحظات الإشراق الحضاري في تاريخه أيضا. هي ذي الطبيعة الحقيقية للإنسان، إنه كائن منذور لفناء يعي كل فظاعاته في الروح والجسد.

وليس غريبا أن يعتبر لوك فيري هذا التعريف أصلا و”مصدرا للإنسية الصاعدة آنذاك في أوروبا”، وإطارا حضاريا للأخلاق الجديدة التي ستُعمم على كل ربوع أقدم القارات وأكثرها خصوبة في الفكر والتأمل. فانطلاقا من هذا التعريف، حسب لوك فيري دائما، “ستنبثق الأخلاق العلمانية في الفلسفة الحديثة”. فغياب طبيعة أصلية في الإنسان معناه نبذ العنصرية والتمييز بين الناس على أساس اللون أو الجنس أو الدين، وأن يكون الإنسان حرا، معناه أنه كائن أخلاقي. إنه مخير بالثقافة، وليس مجبرا بالطبيعة على تبني هذا النمط من السلوك أو ذاك. وذاك أيضا أصل الشر فيه، فهو وحده من يقوم، عن وعي وقصد وتصميم وإصرار، بإيذاء الآخرين والتنكيل بنظرائه من الكائنات في الفصيلة أو في المحيط المباشر.

ويمكن أن يمتد هذا التعريف ليشمل الرغبة في التحرر من “المسبقات” العرقية والدينية أيضا، فهذه الأحكام تُعد في جوهرها طبيعة مضادة لما يُشكل خاصية من أهم خاصيات وجود الإنسان على الأرض: الحرية. فالإنسان الحر وحده يحترم الآخرين ويقدر الواجب ويتحمل مسؤولية قوله وسلوكه، ويكون متقبلا راضيا بالتعدد والاختلاف، ومؤمنا بحق الناس في أن يكونوا ما أرادوا هُمْ، لا لما نُذروا إليه بحكم الانتماء الموروث.

استنادا إلى هذا التعريف أيضا يمكن التداول في شأن سلسلة الأحكام والأوامر والنواهي التي جاءت بها المعتقدات المتنوعة. فهذه الأحكام جزء من مبدأ التطورية الذي يتضمنه التعريف السابق، ومظهر من مظاهر الوجود الثقافي في حياة الإنسان. فالكائنات “الحسية” وحدها يمكن أن تَبني عالما خاليا من الأخلاق والقيم، ولكنها لا يمكن أن تكون طبيعة جديدة مُضافة إلى وجوده الحر. لذلك وجب التعامل معها باعتبارها شكلا من أشكال تدبير قلق خاص بوجود الإنسان على الأرض، فهو وحده من يعي شرطه ككائن تاريخي، أي فان وهش ومحدود. وبذلك لن تكون هذه الأحكام سوى شأن فردي يختلف في الممارسة والتجليات، ولكنه لا يمكن أن يُعمم، بشكل قسري، على كل أفراد الفصيلة. فقد تصبح “التعاليم” هي الأخرى في حالة التعميم الإجباري، برمجة أولية لا تختلف عن باقي البرمجات؛ قد تكون لاحقة، وقد لا تكون بنفس قوة “البرمجة الطبيعية” وقطعيتها، ولكنها يمكن أن تقود، مع ذلك، إلى تقليص كبير لفضاءات الحرية في الوجود الإنساني. وربما طبيعتها تلك هي ما يشكل الأساس الذي يقوم عليه التشدد والتطرف والكراهية والعنصرية والرغبة في العودة بالإنسان إلى نمط سلوكي سابق، ليس هناك في الحاضر ما يستوعبه أو يكون غطاء له.

هناك، حسب هذا التعريف دائما، تناقض كبير بين عالم مغلق تحيط به أحكام سابقة على وجود الإنسان وموجه نحو زمنية منتهية في النص لا في الحياة، وبين عالم ممتد حيث الوجود الوحيد الممكن والمحتمل هو هذا الإنسان ذاته، منتج أخلاقه وقيمه. لا يتعلق الأمر، في أفق حل هذا التناقض، بقرار سياسي، وإنما هو سيرورة تاريخية لا أحد يستطيع الوقوف في وجهها، قد يكون ثمنها باهظا في الكثير من الأحيان. إنه الفاصل بين الانتماء إلى زمنية إنسانية كونية لا تُلْغي الخصوصيات الثقافية ولا تحاربها، وبين الانفصال عنها من أجل خلق تاريخ خاص “بفصيلة” لا تحددها الطبيعة، بل الانتماء العقدي.  

 * الجمعة 25 يونيو 2016.

*موقع د. سعيد بنكراد