لقد دخل نظام التعليم في المغرب مرحلة جديدة في عهد الحماية، حيث تحوَّل آنذاك إلى وسيلة لتكوين نخبة اجتماعية مغربية تجمعها روابط متينة بمصالح القوى الاستعمارية، وتُشكِّل أداة ناعمة للسلطة الاستعمارية تساهم في الوقت نفسه في احتواء الشعور الوطني المتنامي للمواطنين. كما عملت سلطة الحماية على توظيف التعليم في تطوير قدرات جهازها الإداري الذي كانت توليه أهمية مركزية ليساهم في إدارة نظام الحماية، ويقوم باستخلاص الموارد التي كانت تحتاج إليها…

ويبدو لي أن فترة ما بعد الاستقلال قد شكلت أهم مرحلة في تاريخ منظومة التعليم، نظرا لظهور ملامح تعليمية آنذاك ظلت سائدة إجمالا إلى اليوم. فقد تم الشروع حينئذ في بناء منشآت القطاع العام باعتبارها لبنات لإطلاق عملية التنمية، وسعت السلطة إلى البحث عن شرعيتها في التعليم وغيره من الخدمات الاجتماعية العمومية كمجانية التعليم، وتوفير فرص العمل لخريجي المنظومة التعليمية… لكن مع تكاثر أعداد الملتحقين بالتعليم العمومي، وعدم انتظام تطور البِنَيات التحتية للبلاد، أصبحت السلطة عاجزة عن الاستمرار في الوفاء بالتزاماتها المتمثّلة في تقديم خدمات عمومية للمواطنين، لاسيما أمام إخفاق المنظومة التعليمية…
تحمل هذه التطورات التاريخية دلالات عديدة، منها:

-1- بقاء نظام التعليم منذ الاستقلال حتى اليوم محكوما برؤية السلطة التي تتعامل معه من منظور الشرعية وضمان البقاء لا غير. ومع ذلك، لم تستطع ضمان استمرار تمويله دون توظيف أساليب عديدة وملتوية لفرض رسوم ضريبية على المواطنين، ما يؤكد عجزها عن مواصلة تقديم خدمات اجتماعية تستجيب لحاجات المواطنين، وتساهم في الاستقرار السياسي…

-2- حدوث انفصام كبير بين حجم الإنفاق على التعليم في بلدنا ومردوديته!! فالإحصاءات تشير إلى أن بلادنا تُخصص نسبة لا بأس بها من ميزانياتها للتعليم، حيث يفوق متوسط ما تنفقه على التلميذ الواحد في مراحل التعليم المختلفة نظيره في أغلب بلدان منطقة جنوب شرق أسيا، وأمريكا اللاتينية. والمأساة أن هذا الإنفاق لم تصاحبه طفرة في جودة التعليم، إضافة إلى أن أغلب خريجي نظام التعليم هم عاجزون عن الإنتاج، حيث لا يؤهل التدريس عندنا التلميذ للانخراط في بناء معارفه وقيمه وذاته…

-3- خلق بنية تعليمية مأزومة تتجلى في الازدواجية التي تحكم نظام التعليم منذ عقود، حيث ما يزال هذا القطاع عندنا يعاني من ثنائيات اختزالية من قبيل تعليم ديني وتعليم يقال عنه إنه “مدني”، تعليم “وطني” وتعليم أجنبي، تعليم عام وتكوين مهني… وقد أدت هذه الثنائيات تدريجيا إلى ظهور تشوُّهات كبيرة في بنية التعليم، كما في التركيبة المجتمعية، إذ شكلت هذه التمايزات مدخلا للفرز الفئوي والطبقي. بالموازاة مع ذلك، هناك معضلة تتجلى في استمرار انتماء نظامنا التعليمي إجمالا إلى عصر ما قبل العلم، حيث لا نتوفر إلى اليوم على مشروع مدرسة أو مناهج دراسية تقيم علاقة سليمة مع المعرفة، ومنخرطة في روح العصر…

هكذا، فقد أصبحت قضيةُ “إصلاح” التعليم عندنا معضلة كبرى، خصوصا مع تزايد الضغوط الداخلية والخارجية على الحاكمين لإدخال “تغييرات” على قطاع التعليم. فعلى الصعيد الداخلي، نلاحظ اليوم انفجارا ديمغرافيا للشباب صاحبته مطالب بإصلاح تعليمي واقتصادي واجتماعي وسياسي يفضي إلى توفير فرص عمل فعلية، وذلك في الوقت الذي بدت فيه السلطة عاجزة عن تحمل نفقات التعليم، ما دفع بعض الرافضين لمجانية التعليم إلى السعي، باسم واقعية استسلامية، إلى إلغائها وتحميل الأسرة المغربية العبء الأكبر…

وعلى الصعيد الخارجي، تكاثرت الضغوط الدولية المفروضة على الحاكمين لإدخال “تغييرات” على المنظومة التعليمية، حيث تعتقد الدول الغربية والمؤسسات الدولية أن التعليم هو سبب الإخفاقات والمشكلات التي يواجهها بلدنا، والتي يتم تصديرها بشكل أو بآخر إلى البلدان الغربية، ما يعني أن المصلحة هي وازع هذه الضغوط الدولية.

ومع تزايد الضغوط الخارجية والداخلية، شرع الحاكمون في وضع ما سمَّوه بـ”برامج للإصلاح التعليمي” اقتصرت فقط على استحداث بعض الهياكل الإدارية الشكلية التي تبيَّن في ما بعد أن إنشاءها لا علاقة له بالإصلاح، حيث لم تنطوِ هذه العملية على التخلص من المركزية التعليمية، فبات التحوُّل نحو اللامركزية أمرًا صعبا. كما أن هناك عددا كبيرا من المستفيدين الذين يعملون على بقاء المنظومة التعليمية القائمة على حالها، إذ ثمة حساسية شديدة تجاه أي تغيير، خاصة إذا كان سيفضي إلى تحولات اجتماعية وسياسية يعتقدون أنها تشكل خطرا عليهم…

وجدير بالذكر أن العديد من السلوكات غير المألوفة التي بدأت تصدر عن بعض الشباب، كإحراق بعضهم لأنفسهم في الشوارع، لا يمكن اعتبارها مجرد أحداث عابرة في تاريخنا، بل إنها تشكل مؤشرات دالة على أن مجتمعنا مفرغ من أي مضمون، وأن هناك أجيالا ضائعة لم يقدم لها التعليم ما تطمح إليه، فبدأت تُقدِم على ما تقدم عليه من سلوكات لم يعهد لها مثيل من قبل، وقد يتكرر ذلك، لأن الشباب فقد الأمل في المستقبل…

ولكي يحافظ مسئولونا على استقرارهم، فقد بدأوا يتظاهرون بالانفتاح و”التحرر”، لكنه “تحرر” بدون ديمقراطية، ما يدل على أنهم سيواجهون مشكلات كبرى في المستقبل، خصوصا مع تنامي طموحات المجتمع الذي صار يطالب بالانفتاح السياسي والديمقراطية والتنمية، ناهيك عما يلحق المدرسة العمومية من تدمير. فالكثير من “الإصلاحات” الإدارية للمنظومة التعليمية هي مجرد إجراءات شكلية يتم اللجوء إليها للتظاهر بالإصلاح، مع أنها تمكِّن أهل المركز وحدهم من قضاء مآربهم الخاصة، واتخاذ قرارات ترمي إلى تطبيق سياسات المنظمات الدولية التي تكمن في انتقاء التلاميذ الذين سيلجون التعليم العالي، ما يعزز المركزية والسلطوية…

لقد بدأ المغاربة يكتشفون تدريجيا أن ما يُسمَّى بالإصلاحات التعليمية هي مبادرات مفروضة من الخارج، ولا يتم إشراك المواطنين في وضعها… أضف إلى ذلك أن التعليم لا يتم توجيهه نحو تحسين قدرات المواطنين، حيث ليس هناك اهتمام بالتدريس ولا بالتعلُّم، وإنما بالبحث عن أساليب تمكن الحاكمين من التخلص من مسؤوليتهم عن التعليم العمومي. وهذا ما تعبر عنه بوضوح رغبة البعض في التدريس بالعامية وتفويت عقارات القطاع العمومي إلى القطاع الخصوصي بهدف تجهيل الأغلبية الساحقة من مواطني المستقبل، علما أنه لا يمكن أن تكون هناك دولة حديثة، ولا ديمقراطية، ولا مواطنة، ولا وطن مستقر بدون إصلاح جذري للتعليم وجعله حقا وليس امتيازا.

*الثلاثاء 28 يونيو 2016.