هناك قضية أساسية في الواقع السياسي المغربي، والعربي أيضا، لايمكن تجاهل الخوض فيها، بكل عمق وبدون محرمات، تهم علاقة الدين بالسياسة، خاصة بعد أن تناسلت حركات ما سمي بالإسلام السياسي، بتلوينات مختلفة، منها من اتخذ صبغة ثورية/انقلابية، من بينها من سلك طريق الإرهاب، ومنها من اعتبر أنه يمكن تحقيق نفس الهدف، بأسلوب معتدل، يبتغي التدرج حتى يصل إلى التمكن. غير أنه من المهم أن ندرك، أولا، ماذا يريد أصحاب الإسلام السياسي؟

إن اليوتوبيا التي تجمعهم، على اختلاف تياراتهم، هي العودة لنموذج الخلفاء الراشدين، التي يعتبرونها الفترة الذهبية، للدولة الإسلامية، استنادا على ما هو رائج من روايات، تم تدوينها قرنين، بعد هذه الفترة.

غير أن السؤال الكبير الذي يثيره الدارسون للتاريخ الإسلامي، هو: هل كانت هناك أصلا دولة دينية، في وقت من الأوقات؟
فالقرآن لا يحدد شكل الدولة الإسلامية ومؤسساتها وكيفية تسييرها وتداول السلطة فيها وميكانيزمات الحكم والتنظيم الإداري… لذلك حصلت النزاعات والحرب الأهلية بين المسلمين، مباشرة بعد وفاة الرسول، ولم تتوقف إلا ليتم استئنافها، حيث كان الصراع سياسيا وليس دينيا، بين الصحابة أنفسهم، وبعد ذلك خلال حكم الأمويين والعباسيين.

ويؤكد عدد من الدراسات العلمية، أن الكثير من أشكال الحكم و التنظيم الإداري وجلب الضرائب، تم اقتباسه من الفرس والبيزنطيين، منذ عهد الخلفاء الراشدين، و أن نظام الدولة الإسلامي، المعتمد على الشريعة، فقط، لم يحصل في يوم من الأيام.
فالناس» أعرف بشؤون دنياهم»، لذلك بدأت «العلمنة»، منذ الوهلة الأولى للتاريخ الإسلامي.

غير أن تيارات الإسلام السياسي، تتجاهل هذه الحقائق، لأنها لا تخدم اليوتوبيا التي تستند عليها في دعايتها، ونفس الموقف يتم تصريفه تجاه العلمانية، التي يصورون للناس أنها مرادف للإلحاد، بينما تعني في النموذج الغربي، وخاصة الفرنسي، فصل نظام الدولة عن الدين، أي عن هيمنة الكنيسة ورجال الدين، وليس الدعوة للإلحاد.

في البلدان العربية، مازال هذا النقاش محتشما، تؤثر فيه سلبا، حملة التكفير المناهضة للعلمانية، التي تعني في نموذجنا الخاص، قيام علاقة الدولة على أساس المواطنة وليس العقيدة الدينية، واستناد التشريعات إلى القانون الوضعي، كما هو واقع الحال في الأغلبية الساحقة منها، في المغرب، والعالم العربي، بالإضافة إلى ابتكار أنماط السلطة وأنظمة الحكم وتسيير شؤون الدولة من تجارب العصر الذي نعيش فيه، وليس من تجارب القرن السادس الميلادي…

لذلك من المفيد إثارة نقاش شامل في المجتمع، على أسس علمية، ومواجهة الترهيب الفكري، لجماعات الإسلام السياسي، على اختلاف مذاهبها، بهدف وضع المرجعيات التي تعتمد عليها تحت المجهر، وافتحاص صدقيتها ومناقشة جهازها المفاهيمي، من قبيل الإسلام» دين ودنيا ودولة» أو «الحاكمية لله»، التي وضعت في سياق تاريخي/سياسي، وليس ديني.

هل يقبل أصحاب الإسلام السياسي، التناظر حول هذه القضايا، أم أنهم سيلجأون إلى مبدإ التقية، ليدعون أن تنظيماتهم ليست دينية، وأنهم لا يدخلون في خانة الإسلام السياسي؟ هذه هي الموضة الجديدة للتنظيمات «المعتدلة»، التي لا تعمل، في الحقيقة، إلا على إعادة إنتاج نماذج الحركات السرية التي عرفها التاريخ الإسلامي، والتي تعلن شيئا و تضمر أشياء.

*بالفصيح

     الثلاثاء 28 يونيو 2016.