ارتفعت أصوات عديدة، من مختلف الأعمار، من الشباب والكهول، من النساء والرجال، من المثقفين والباحثين، من النقابيين والحقوقيين، ومن الطلبة وغيرهم، للمطالبة، بتشكيل جدار قوي، في مواجهة الخطر الأصولي، الذي يهدد الكيان المغربي، وذلك خلال الندوة التي نظمها كل من الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والأصالة والمعاصرة، أمس الأول، تحت عنوان «أسئلة الدين والسياسة في الدولة المدنية».

تبلور هذا المطلب، من طرف الأساتذة الباحثين، الذين أطروا هذه الندوة، بمقترح تشكيل «جبهة وطنية فكرية» لمواجهة الأصولية، التي تسعى، بمختلف تلاوينها، إلى بناء ما تعتقده دولة دينية، التي تتقاسم نفس المرجعية، بمصطلحات تتغير حسب الظروف، لكنها كلها تسعى إلى نفس الهدف، وهو إقامة ماتسميه «دولة الخلافة» أو «الحاكمية لله» أو «لشرع الله».

وقد فصل الأساتذة المشاركون خلال هذا اللقاء الفكري، في تقديم نماذج من هذه الدعوات، سواء بالنسبة لجماعة العدل والإحسان أولجمعية التوحيد والإصلاح، الجناح الدعوي، لحزب العدالة والتنمية، واللتين لا تختلفان إلا في أسلوب التعبير، عن نفس الهدف، أي إقامة دولة، مستوحاة من الروايات السائدة في الكتب الصفراء، عن سلطة الخلفاء الراشدين وما يعتبر أنظمة خلافة بعد ذلك.

وتطرق الباحثون، في عروضهم، لتهافت هذه الصورة المثالية، عن «الدولة» الإسلامية، مؤكدين أنها لم تحصل أبدا على أرض الواقع، حيث لا يوجد أي مرجع قرآني حول شكل نظام الحكم، بل إن الصحابة اختلفوا، منذ وفاة الرسول على من سيخلفه، وتطاحنوا فيما بينهم سياسيا، من بعد، بل وصل الأمر إلى المواجهة المسلحة، كما أن التنظيم الإداري الذي تبنته الدولة الأموية، وبعدها العباسية، اقتبس، في جزء كبير منه، من الأمم المحيطة بهم، من بلاد فارس وبيزنطة ومصر…

ودعا المشاركون، في الندوة، من أساتذة محاضرين ومساهمين في النقاش، إلى ضرورة الانخراط القوي، للمثقفين والباحثين، في المجهود العلمي والفكري، لدحض الخرافات التي يروجها ما يسمى بالإسلام السياسي، وفضح الخلفيات المتشددة والمتطرفة، التي يحتوي عليها خطابهم وتصورهم حول مستقبل المجتمع وشكل الدولة، رغم كل الأقنعة التي يرتدونها، تارة باسم الاعتدال والتدرج، وتارة أخرى، بنهج التقية والسرية.

ويمكن القول إن أهم خلاصات الندوة هي ضرورةُ إخضاع الخطاب الديني الذي تروجه جماعات الإسلام السياسي، للعقل والتفكير النقدي. فكلما غاب دور المثقفين والباحثين، كلما حدث الفراغ الذي تملأه الغوغائية السياسية، وكلما تماهت السياسة مع الدين، أنتجت الانحطاط والتخلف والترهيب.

*بالفصيح

    الاربعاء 29 يونيو 2016.