في أسبوع واحد انتقل الحقل السياسي المغربي من الإنصات إلى أحاديث عن ممارسات الاغتيال المادي والتصفيات الجسدية (شباط تحدث عن تفجير طائرة الى العيون وبنكيران أعلن استعداده للاستشهاد) الى أحاديث عن مسارات الاغتيال الرمزي والسياسي.. والتوقيف الارادي لما تحمل به المرحلة من استمرارية سياسية.(انظر عمود عودة زمن الشك )…
ويستفاد من الكلام الرائج في البيانات وفي الصحافة وفي التصريحات القيادية أن وراء كل هذه السيناريوهات المتعلقة بالقتل ، المادي منه والرمزي تكمن… الدولة..
لا المخزن ….
لا الحكم الفردي….
لا القوة الثالثة بلغة الفقيد الكبير (ما أحوجنا إليك يا عابد الجابري)…
بل الدولة في هلامية التقاء الاداري بالمخابراتي بالمؤسساتي وبتراكمات البناء الذي تم إلى حدود الآن..
وكان المفروض أن يدافع الاستاذ عبد الاله بنكيران من موقعه في هرم الدولة عن .. الدولة.
ويبرئها من أي تهم من هذا القبيل، غير أنه اختار أن يواجه «ضرتها»، الفتية، السادرة في سحر المجهول، الغامضة مثل معشوقة في قصيدة رومانسية ،والمغرية التي تغري اصحاب القرار بالانزلاق وبـ»الفجور» الديموقراطي!
وهو في عمق هذا الحديث يحاول الرد على حديث يضع وصوله الى السلطة ضمن سيناريو تتحكم فيه «دولة « أخرى، لها باع في صناعة أقدار الدول… وهي ليست دولة محمد السادس الحقيقية!
هل أُجبر الأستاذ عبد الاله بنكيران على ذلك، لشعوره بأن الاشياء قد تسير في منحى مغاير لما أبانت عنه انتخابات ٤ شتنبر ، ثم الاستطلاعات التي قامت بها مؤسسات اعلامية، أم اختار أن يستبق أي تفكير في الموضوع؟…

الجواب يملكه السي عبد الاله، ولكن الذي يحدث هو أن سياقا مفارقا طبع الآونة الاخيرة ( منذ مارس تقريبا )، والحديث عن الربيع العربي «اللقيط ديموقراطيا»، من زاوية غير الزاوية الجميلة التي فتنت الشعوب ، باعتباره كان سببا في الكوارث، وتزامن ذلك مع مراجعات كبيرة، استراتيجية دوليا وإقليميا، وهوما جعل الريبة تطال مسيرة ما بعد هذا الربيع العربي، الذي أصبح يبعث على الحيرة، بعد أن كان الجميع يعتبر أن المغرب نجح في امتحانه الربيعي وأن الديموقراطية لا تخيفه ، بل هي ميزته البارزة في وسط جاف يخشى منها..!

وبالعودة الى الاستعمال السيء للملكية في النقاش العام ، فإن ما يحدث في هرم الدولة، ( على الأقل ذلك الكيان الموحد الذي يعرفه المغاربة ) يدعو الى توقعات غير مسبوقة، ويخلق أفق انتظار لدى الرأي العام، يخرج فيه الملك عن صمته الدستوري بطريقة من الطرق. وسيكون من عناصر هذا الانتظار ، في هذا الحال، «استنطاق» الملك ، أي طلب نطقه وخروجه عن صمته الملزم له دستوريا في النقاش السياسي ، بعد أن تم إقحامه في ذلك..
«إن الظن لا يغني من الحق شيئا».. أي «لا يقوم في شيء مقامَه، ولا ينتفع به حيث يُحتاج إلى اليقين» وبالتالي ليس للقيادة السياسية سوى تسمية الاشياء بمسمياتها، في الحديث عن «نوايا الدولة» والانتقال الى «يقين» مخاطرها.

ولابد أن نستحضر الثابت في الفترة التي نحن بصددها:
*لم يكن الربيع العربي «مهر» القيادات التي استفادت منه، للديموقراطية.. ولا كان هو الخيار الذي اعتمدته في المرافعة من أجل حقها في أرباح ما بعد التغيير الديموقراطي.. بل يجب الإقرار بدور الملكية في قيادة الإصلاح ورسم سقفه، وهو ما جعل الغائب عن المشاركة في الترافع من أجل الاصلاح (عبر المذكرات ومساندة الشارع المغربي مساندة واضحة والتعامل بأريحية نضالية مع مطالبه عوض استعداء الدولة ضده )،في لحظة ضعف متمادية، وفي حالة انتظار دائمة لما ينجم عن مركز الدولة القائدة للإصلاح!
* إن الصراع من أجل الديموقراطية، لا يبدأ من صناديق الاقتراع فقط، بقدر ما يبدأ من الكفاح من أجل سيادتها أولا في تنزيل الاصلاح!، وفي ما يسبق الاقتراع من علاقة ديموقراطية سيادية ، بين المنتخب وبين الدولة…وهو ما ظل الاستاذ عبد الاله بنكيران يتفاداه ، ويتهرب منه بل ينفر منه أتباعه.
* إن الحديث اليوم ينبئ بفشل شعار «بناء الثقة قبل الاصلاحات»، بل يمكن الاقرار بأن رد الفعل قوي للغاية يتجاوز كثيرا سقف الثقة المطلوب، وهنا يكون على السيد الرئيس الإقرار بسوء فهمه للأولويات، ووضعها خارج الممارسة الدستورية، في ميزان العاطفة والتوادد!
وقد يسقط الدفاع لمستميت والمشروع عن سلامة الانتخابات بذريعة الجدوى من الإصلاح مع تمادي القوى المعادية للسيادة الشعبية وهي ليست دائما في الاوساط الحزبية ..!!!
يستفاد مما سبق أنه سيكون من الخطأ الجسيم، في الدفاع عن الديموقراطية ، تحنيطها في المكسب الشخصي، -وأعتقد بأن ملامحه الكبرى ظهرت في اقتراع شتنبر- عوض البناء الشامل لها.
كما أن من الخطأ الجسيم أن نغامر بالبلاد خارج السلاسة الديموقراطية ، بعد أن اصبحت الخيارات المعاكسة لها من شبه المستحيل في عالم اليوم.
علاوة على ذلك، نقول من جديد إن استهداف المغرب، لن يكون من بوابة المطلب الديموقراطي، كما قد يستفاد من قراءة الربيع العربي الجديدة، لأنها ليست نقطة ضعفه، بل من القضية الوطنية، وهي في حاجة الى القوة الديموقراطية للبقاء والانتصار..
إن الدولة -الظل ، اليوم هي قرين لحالة شك استراتيجية، فائقة الخطورة، ولا يمكن أن تركن في الرف، كما لو أن كل ما قيل «ترمضينة» سياسية، بل إن كل أصحاب القرار، في الدولة والاحزاب والمؤسسات، مطالبون بالخروج عن صمتهم!
ولا يمكن لأي كان أن يحرم خصمه من إعلان نيته في الفوز، لأن نتيجة سابقة منحته إياه، وإلا أصبحنا في منطق لا معنى له، سوى أن من سبق الى الإعلان بالفوز … سيكون هو الفائز، كما تقول النكتة السياسية عن دول العسكر والقبيلة في القارة السمراء!.

*عمود كسر الخاطر

   الاربعاء 29 يونيو 2016.