ترتبط السياسة، نشأة واستواء واشتغالاً- بما هي فعالية اجتماعية منظَّمة- بالطبقة الوسطى في أيّ مجتمع من مجتمعات العالم المعاصر. لا تعني الصلة التلازمية هذه أن السياسة ليست من عُدّةِ اشتغال الأرستقراطية، والبرجوازيات العليا، والطبقات والفئات الاجتماعية المنتجة (من عمّال وفلاحين وحِرَفيين) والطبقات المهمَّشة والمَقصية من دائرة الإنتاج، وإنما تعني أنّ حاضنتها الاجتماعية الرئيسية هي بيئة الطبقة الوسطى، وأنّ جسمها الفاعل الأساسي من هذه الطبقة. وكلّما اتسع نطاقُ هذه الطبقة، اجتماعيّاً، وتعاظمت أدوارُها اتَّسعتْ، بالتَّبعة، مساحةُ السياسة والعمل السياسي في المجتمع، واستقرّت شروطُها، ومالت الصراعات الاجتماعية، في ذلك المجتمع، إلى الانتظام في مجرى السياسة، وإلى التعبير عن نفسها من خلال الأطر المؤسّسية التي توفّرها البيئة السياسية للطبقة الوسطى.

في المقابل، تضيق مساحة السياسة، وتضطرب علاقات التمثيل السياسي، وقد تنفلت الصراعات الاجتماعية من ضوابطها كلّما اضمحل موقع الطبقة الوسطى في المجتمع، وهو عادة ما يضمحل بتجفيف ينابيعها الاجتماعية والحد من توسعها، بسياسات اجتماعية-اقتصادية نابذة لتكونها كطبقة، أو كفئات اجتماعية، أو بتعريض مصالح الفئات الدنيا منها لضرر كبير يتولد منه إفقارها وتهميشها.

على أنّ السياسة، التي تنشأ في بيئة الطبقة الوسطى وتنتعش، كناية عن سياسات متعددة أو، قُلْ، عن وجوه من السياسة وأشكال متعددة، فمن رحمها الاجتماعية تولَدُ الديمقراطية، والديكتاتورية، والاشتراكية، والاستبداد، والشعبوية، والفوضوية… إلخ. ومَرَدُّ ذلك إلى ما في بيئة تلك الطبقة من تنوُّع فئوي، وتباين في المصالح، وتعدد في الأفكار والمرجعيات والرؤى، يترتّب عليه تباين في وجوه السياسة ومضامينها. وإذا كانت هذه الحقيقة تُفْصِح عن غياب وحدة عضوية في بنية هذه الطبقة – وهو ما ليس سمة خاصة بها وحدها دون سائر الطبقات – فهي تميط اللثام عن واقع بيئة اجتماعية حيوية ومزدحمة بالأفكار والمصالح والرؤى، ومشدودة الروابط بقوى اجتماعية أخرى: مالكة أو منتجة، تنعكس مصالحها-هي الأخرى – على بيئة الطبقة الوسطى وتتمفصل مع مصالح فئات بعينها منها: فئاتها العليا والأدنى، فتنْشَدُّ إلى هذه أو تلك منها، وتكسر بذلك الانشداد حدّةَ الاستقطاب الاجتماعي الطبقي، فتتنزّل، لذلك السبب، منزلة القوة التي تستطيع النهوض بأدوار التوازن الداخلي. لا عجب، إذن، إنْ كانت أدوات السياسة ومؤسساتُها من إنتاج هذه الطبقة وإدارتها، فالذين ينتمون إليها هم، عمليًّا: مسيِّرو أو مديرو الشأن العام، والقائمون على أطره التنظيمية حتى وإنْ كانت برامجُ السياسة ومضامينُها تعبّر عن مصالح طبقات مالكة أو طبقات منتجة مسحوقة، أي حتى وإن كانت مصالح طبقات أخرى تشتري قوّةَ العمل، أو تبيع قوّة العمل، غير الطبقة التي تتميّز بكونها لا تشتري ولا تبيع قوّة العمل (أي الطبقة الوسطى). تشكل هذه الطبقة في الدولة جسماً إدارياً رئيسياً وحسَّاساً؛ إذ الطبقة الإدارية (البيروقراطية) منها، ناهيك بأجسام اجتماعية وسياسية – سيادية أخرى في الدولة تتعهّد القانون وتطبيقه: (القضاة، مديرو الأجهزة الأمنية)، أو تنهض بحفظ السيادة (الضباط وضباط الصف)، ناهيك بمؤسسات السلطة (الحكومة المركزية والحكومات المحلية)، والمؤسسات التمثيلية (البرلمان والمجالس المحلية)…إلخ. وهي، بالمقياس العددي، الأكبرُ في الدولة، وبالمقياس السياسي الأفعل. تتغيّر السلطة، فترحل نخبة حاكمة وتأتي أخرى، وتتغيّر الحكومات والأنظمة والبرلمانات، وتتبدّل التوازنات، لكن هذا الجسم الاجتماعي، البيروقراطي والأمني والعسكري والقضائي، الآتي من منابت الطبقة الوسطى الاجتماعية، يظل في مواقعه في الدولة الجسم الذي يديرها. إنه وعاء السياسة كفعاليةٍ من فعاليات الدولة. يسمّيه بعضهم، عن خطأ وسوء تشخيص، بقوى «الدولة العميقة»، والحال إنها القوى الرئيسية في الدولة، وليس بالضرورة أن تكون في حكم قوى النظام أو النخبة الحاكمة: المنظور إليها في ذلك التشخيص الخاطئ بما هي الدولة!

وكما هي بيئة اجتماعية للجسم العريض الذي يعمل في أجهزة الدولة والسيادة، تشكّل البيئة الاجتماعية الأساس لقوى المعارضة والمجتمع المدني، نعرف أن منها فئات من المثقفين، والناشطين المدنيين، والطلاّب، والمهنيين من المواقع كافة، سواء كانوا من الخواصّ (كالمحامين، والأطباء، والمهندسين، والتجار، والمقاولين الصغار…) أو من المنتسبين إلى الوظيفة العامة، ك(المدرسين وأساتذة الجامعات، والأطباء ومهندسي القطاع العام، وموظفي الإدارة العمومية والشركات العامة…)إلخ. في هذه البيئة تنشأ الأحزاب السياسية، والنقابات، والاتحادات الطلابية والنسائية، والمنظمات والجمعيات الحقوقية والمدنية والثقافية… إلخ، وفيها يضطلع أطر من المنتمين إلى هذه الطبقة بأدوار قيادية أو إدارية وتلك الأحزاب والنقابات والمنظمات والاتحادات والجمعيات، ومهما كان التكوين الطبقي لقواعدها الاجتماعية سواء أكان من (العمّال أو الطبقة الوسطى، البرجوازية الكبرى…)، فإنّ الجسم الناشط فيها: الحركي، والقيادي، والإداري، والأيديولوجي… ينتمي إلى البيئة الاجتماعية للطبقة الوسطى مثله، في ذلك، مثل الجسم الرئيسي والحيّ الذي يشتغل في أجهزة الدولة.

ليس للطبقة الوسطى وحدة أيديولوجية داخلية لتبايُن مكوّناتها الفئوية وتراتُبها (تماماً كما أن مثل هذه «الوحدة الأيديولوجية» يغيب في سائر الطبقات الاجتماعية)، ولذلك تتّسع بيئتها لتغييرات مختلفة ومتناقضة، ففي أحشائها تنمو تيارات اليسار، وتيارات اليمين، والوسط، ويسار الوسط ويمين الوسط، ومنها يخرج الإصلاحيون، والثوريون، والمحافظون، والشعبويون، والفوضويون، والديمقراطيون، والإرهابيون… إلخ. جميع أطياف الأفكار والفسيفساء السياسية، وجميع الألوان الحزبية ومدارسها تنمو في أحشاء هذه البيئة الاجتماعية. وهذه قرينة أخرى على التلازم بين السياسة، كفعالية اجتماعية، وهذه الطبقة الحاضنة.

*الثلاثاء  12 يوليوز 2016.