يعتبر العمل الميداني تابعا نظريا للسياسي لاحتلاله مركز التوجيه والقيادة في كل حالة طبيعية من حالات المجتمع السياسي. لكنها تبعية نسبية بشكل عام، لكونها لا تخلو من جيوب مقاومة، ضمنية وخفية، تحاول، بمختلف الوسائل الممكنة، التحايل على توجيهات وخطط السياسي متى كانت غير متناسبة مع أجندات القيمين على التنفيذ على ارض الميدان. ويتجلى هذا بوضوح على مستوى الدولة وخاصة بين أجهزتها ومؤسساتها التقريرية وبين أجهزتها ومؤسساتها التنفيذية. وهذا ما تدل عليه محاولات عرقلة التنفيذ من خلال استغلال تعقيدات المساطر والاتكاء على تأويلات واجتهادات رجال السلطة المحليين للنصوص القانونية المعتمدة انطلاقا من هذه الثغرة فيها او تلك. بل يمكن القول، ولو بصورة جزئية، ان هذا ما يدل عليه تجنيد وسائل الإغراء الى درجة شراء ذمم بعض القيمين على التنفيذ، لإخراج الإجراءات التنفيذية غير المنصاعة لتوجيهات القيادة السياسية بمخرج يبدو، من حيث جوهره، مطابقا لمقتضيات القانون، مع العلم ان إمعان النظر فيها على ضوء القانون بمختلف بنوده الاساسية كفيل بإعادة تلك الإجراءات الى مصدرها غير القانوني، لكونها وليدة تأويلات يمكن إرجاعها الى كل المصادر الممكنة الا انها غير المصادر القانونية بالتأكيد. وهو ما يشكل احد المداخل الى استشراء الفساد في المرافق المعنية سواء كانت تابعة للدولة او لمختلف مؤسسات المجتمع المنظمة للاجتماع البشري.

وليس هناك مجال للشك في ان الامر في حالات الاضطرابات الأهلية والسياسية والنزاعات المسلحة، يختلف جذريا، من حيث علاقات الميدان بالقيادة السياسية. ففي هذه الحالات يمكن الحديث عن نسبة عالية من الاستقلالية لما هو ميداني عن دائرة ما هو توجيهي، لأن هامش حركة التنظيمات والقوى المسلحة غالبا ما يكون واسعا، خاصة اذا كانت تحقق إنجازات أساسية ونوعية في ميدان الصراع، انطلاقا من قراءتها للظروف الخاصة التي تعمل في سياقها وتفاعلها اليومي مع تطورات الأحداث. اذ ان ذلك يولد لديها، مع مرور الزمن، وتطور الممارسة ومراكمة الانجازات شعوراً لا يتوقف عن الاتساع والتجذر الى درجة يمكن معها تحولها الى قوة جذب مضادة على مستويات عدة. وهو ما قد يؤدي الى صراع مفتوح بين تلك القوى المفترض ان وظيفتها الاساسية تنحصر في تنفيذ تعليمات وتوجيهات القوة التي تمتلك في المنطلق جوهر القرار السياسي في توجبه دفة الامور السياسية والميدانية. وليس هناك ما يدعو الى استغراب ضياع البوصلة وضبابية المواقف في مثل هذه الحالة بما لا يترك مصادر التوجيه والقيادة بمنأى عن تأثيراته السلبية.

من هنا يمكن القول: إن الحرب الداخلية أو بالوكالة لها منطقها، خاصة مع تراجع سيطرة الدولة في الداخل، وامتلاك القوى والجماعات المسلحة على الارض إمكانيات لرسم خططها وتحديد نطاق عملياتها الحربية وتحقيق أهدافها التي لا تتماهى بالضرورة مع الأهداف التي حملت السلاح لتحقيقها عند نقطة الانطلاق وهذا ما يعكس الاستقلال النسبي الذي لتلك الجماعات عند نقطة الانطلاق او استطاعت اكتسابه مع استمرار النزاع المسلح واحتلالها مواقع تدفعها قدما الى تعديل أهدافها بما يتلاءم مع ما تعتقد انه ممكن تحقيقه، ولو كان على طرفي نقيض مع الحدود التي رسمتها لها القوى الممولة لها والداعمة سياسيا ودبلوماسيا وتسليحا.

وربما هذا الواقع هو الذي يفسر ظاهرة ما يسمى بأمراء الحرب الذين يبرزون، على السطح، ويبسطون نفوذهم وسيطرتهم على المجال الميداني. وهو ما يتم تجسيده وتحويله الى مواقع تفاوضية تنتهي بالاعتراف بهم على المستوى السياسي العام شركاء في كل عملية سياسية تتوخى وضع حد للاضطراب او إيقاف الحرب، وإعادة الاعتبار للعملية السياسية، في بعض الأحيان. كما يمكن ان تنتهي باحتكارهم النفوذ والثروة والسلطة دون غيرهم من أطراف تلك النزاعات، أحيانا اخرى فيعمدون الى وضع قواعد جديدة للعبة السائدة في المجتمع بما يتناسب مع احجامهم وأوزانهم في المعادلات الميدانية والسياسية الجديدة.

وبطبيعة الحال، فإن الامر مختلف الى حد بعيد عندما يتعلق الأمر بالحروب النظامية التقليدية حيث على الوحدات المقاتلة على الأرض الالتزام بجوهر الأوامر العسكرية التي تتلقاها عبر الهيئات القيادية العليا وعدم تجاوز الحدود التي يسمح لها ضمنها بهوامش للمناورة بحسب تقديرات القيادات الميدانية للأوضاع على الارض، والتطورات التي تطرأ على خطط العدو الذي تواجهه والتي تتطلب ردود فعل سريعة في مجال الالتفاف على تلك الخطط والعمل على إفشالها.

غير انه ليس مستبعدا تماماً ان يكون للقيادات المحلية مواقف غير متطابقة مع خطط ومواقف القيادات العليا الا انها غير قادرة على الخروج من دائرة الالتزام والانضباط لأوامر وتعليمات القيادة تجنبا لتوسيع دائرة الخلاف بين مستويات هرم القوة العسكرية الى درجة الاضطراب الشامل وعصيان تنفيذ الأوامر . في هذه الحالة تتحول المؤسسة كلها الى رصيد استراتيجي للخصم والعدو بدل ان تظل اداة الدولة في تنفيذ استراتيجيتها على قاعدة ما تعتبره مصالح المجتمع والدولة معا. وهنا يتحول كل استقلال للميدان مدخلا نحو الهزيمة المحققة على مستوى التوجيه والقيادة السياسية.

*نشرت هذه المقالة جزئيا في جريدة الحياة اللندنية الأربعاء 28 أكتوبر2015.

عن صفحة الكاتب