نحو تجديد في الثقافة العربيّة*

كانت مفردة ثقافة في العصر الجاهليّ تدل على إعداد الآلة الحربية إعداداً كافياً لتؤدي وظيفتها في توفير الأمن الشخصيّ أو الجمعي. وكان يعاوَدُ إعداد الآلة الحربيّة كلما صامت عن وظيفتها بتأثير من التقادم، أو بتأثيرٍ استهلاكها.

غير أنّ أولئك العرب، قد تغيّرت حياتهم كلياً مع دخول القرآن الكريم في حياتهم، وقد منح الحياة معنى مغايرا لما كانت عليه، كما منح المفردات اللغويّةَ معاني جديدة لم تكن لها. تغيرت معاني الأمن، والشخص والمجتمع. وصارت العلاقات بين الأفراد والجماعات على نحو جديد، تحدده مرجعيّة عقديّة أسس لها القرآن الكريم. وهكذا بات الأمن يتوافر تأسيساً على مدى البعد أو القرب من القرآن الكريم، وبالتالي صار مفهوم الثقافة يعني إعداد الآلة اللازمة في تمكين الفرد من إنجاز علاقاته بنفسه وبالطبيعة وبالزمان، وهذا النشاط المستمر في إعداد عقله يأتي على تغيّر في عاداته وتقاليده وأعرافه وقيمه ورموزه وتعبيراته… فباتت له هوية جعلته فوق مستوى الكائنات كلها، ومكنته من المضيّ في الحياة مؤثراً ومتأثراً. أنتج حضارياً وبات التجديد في حياته متوسلاً تجديد فهمه للكون، ولنفسه والآخرين. وكما كل شيء له بداية له نهاية؛ كذلك هذا النشاط، لفظ أنفاسه بالتدريج هبوطا إلى هاوية العطالة الحضارية شبه الكليّة. ولكنّ الحقيقةَ أيضاً تشير إلى أنّ الأمم لا تنسحب من حقول الإنتاج الثقافيّ نهائياً؛ إلا إذا تقادمت واستعصت على الضرورة التي تملي تجديدَ الوسائل والآلات التي استخدمتها في الانتقال من حالٍ إلى حال. فكما كان المحارب يثقّف سيفه كلما مرّ عليه الزمن أو الاستهلاك، وكما بات في العصور الإسلامية يثقف ذهنه بمستجدات الفهم والتكيّف مع تغيّر الواقع وطبيعةِ الوقائع. بات لزاماً عليه أن يعيد النظر بآلية عمل ذهنه بعدما تقادمت واستهلكت.

ظلت هذه الأمّة إلى يومنا هذا، تمارس حياتها كما كانت تمارسها زمن التأسيس، فهي لا تشعر بحاجتها للآخرين، وكذلك لا يشعر الآخرون بحاجتهم إليها. ستُترك تعيد إنتاج عيوبها إلى أمدٍ بعيد، وكلما تقادمت الأفكار والأحداث، اكتسبت صفة القداسة؛ الأمر الذي يحول دون نقدها بموضوعية، ودون تجاوزها بما يؤهلها للعودة إلى المساهمة في صناعة التاريخ من موقع سياديّ وحر. وبلا شك، يمكنها أن تعود وبقوّة إذا جددت وسائلها الإنتاجية، وأولى هذه الوسائل هي النقد بوصفه عملا تحليليا وتعليليا وتأويليا. وهذا لا يكون مجدياً ما لم يكن مقتضى الحاجة الملحّة، والشعور بهذه الحاجة هو العتبة الطبيعية لمغالبة الانسداد الحضاري.

رمت هذه الورقة إلى المساهمة في مؤتمر تجديد الخطاب الثقافي العربيّ من خلال رصد المكوّنات الأساسيّة للثقافة العربية، فقد شكل الإسلام ممَثّلاً بالقرآن وبالحديث والسنّة مرجعاً مقدّساً للسلوك الذهني والحركيّ، غير أنّ الغلبة للحديث والسيرة والسنة، ما جعل الحياة في زمن من الأزمنة هي النموذج المثالي الذي يجب أن يستمر، وباتت الثقافةُ العربيّة مصادرةً لذلك الزمن، وتعاند المتغيرات في حركة التاريخ الطبيعية، فيتجلى ذلك في المأكل والمشرب والمسكن وفي التعبيرات والإبداعات والرموز وكل شيء. والحجّة في ذلك أنّ القرآن الكريم يقول أطيعوا الله وأطيعوا الرسول.

تأسيساً على ذلك رصدت الآيات التي طالبت الذين آمنوا بطاعة الله وطاعة الرسول وأولي الأمر منكم، وعاينت مفردة الطاعة في سياقاتها، وتوصلت إلى الدلالات التي منحتها إياها هذه السياقات.

***

كيف يمكن للقرآن الكريم، أن يأخذَ على العرب اتّباعَهم ما ألفَوا عليه آباءهم دون تبصرٍ منهم فيما لو كان هؤلاء الآباء يعقلون أو لا يعقلون، يهتدون أو لا يهتدون! وفي الوقت نفسه، يؤسَّس لاتباعيّةٍ يكون فيها الآباءُ الرسولَ وصحبَه وآلَ بيته والتابعين وتابعي التابعين؟

تشكّل الآيات القرآنية التي تحضّ على اعتماد العقل في التعامل مع الآباء، نقطة ارتكازٍ أساسيّة في الدعوة إلى الله، لا لأنّ هذه الدعوة تُناقض ما كان عليه الآباء، بل لأنّ الدعوةَ إلى الجديد يقتضي تقبّلها موقفاً من القديم، وإلاّ، لماذا الجديد! “وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ۗ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ” و”اتَّبَعَ القرآنَ: ائْتَمَّ به وعَمِلَ بما فيه”. السياق هنا سياق المتلقي الاتباعيّ المطمئن لآلية التفكير الموروثةِ باعتبارها مأمونة وبدهية غير قابلة للشك، فاتّباع الآباء فيه برّ ووفاء، تطمئنّ له النفس الإنسانية وتسكن بإزاء هذا التصرّف؛ غير أن السياق القرآنيّ هو سياق دعوة إلى الهدى باعتباره آليّةَ التفكير السائدةَ آليةً فاسدة؛ لكونها مطمئنةً وهادئةً في ميراثها الرؤيوي والعقديّ، الأمر المعطِّلُ أو المعرقلُ للتطوّر والتقدّم، فيدعوهم للائتمام بالقرآن الكريم، والتجرؤ على آبائهم؛ فاتباع الآباء فيه فاعليّة آليةٌ تلقائيّة بلا مراجعة، والشاهد على فساده قائمٌ في واقع الحال، من جهلٍ، وركود حضاريّ، وعزلة إلى حدّ الانتحار الجماعي، بينما الاتّباع المطلوب، هو اتباع القرآن والائتمام به، وهذا يحتاج إلى إرادة وفاعلية جديدة، تقتضي المغامرة الفكرية، والتمرّد على الركود والطمأنينة. إذن؛ اتباع الآباء تخلّف حضاري هانئ، بينما اتباع القرآن الكريم عمل نهضويّ شاق ذهنياً وسلوكيّاً.

“وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَىٰ مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ۚ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ”

“وَكَذَٰلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ” وهنا في هذه الآية الكريمة، نجدنا أمام فئةٍ من فئات المجتمع، لها مصلحة في التمسّك بالآباء والأجداد، لكونهما يمنحانها القدرةَ على التسلط، وهي فئة “المُتْرَفين” وقد ورد في اللسان “المتْرَف: الذي أبطرتْه النعمةُ وسعةُ العيش… وقوله تعالى: إلا قال مُتْرَفُوها؛ أَي أُولو التُّرفةِ وأَراد رؤساءَها وقادةَ الشرّ منها”. وفي الصحاح: أترفته النعمة: أطغته” تجدر الإشارة هنا إلى فاعليّة الطغيان في تأبيد الماضي لكونه يمكّنهم من القدرة على رقاب الناس الذين لا يملكون ما يملك المترفون من أسباب التسلط.

*

فهمت من القرآن الكريم في هذه الآيات البيّنات، أنّ شروط التقدّم البشري تتوافر تأسيساً على النقد والتبصّرِ في ما سبق، وفي ما هو سائدٌ، كلما حزَب الأمر واشتدت الشدائد، وكلما تفاقمت التناقضات في الواقع. وهذا لا يتفق مع الحديث المنسوب إلى رسول الله (ص) “اتَّقوا اللَّهَ، وعليكم بالسَّمعِ والطَّاعةِ وإنْ عبدًا حبشيًّا، وإنَّهُ مَن يعِش منكُم بعدي فسيَرى اختلافًا كثيرًا، فعليكُم بسنَّتي وسنَّةِ الخلفاءِ من بَعدي الرَّاشدينَ المَهْديِّينَ، عَضُّوا عليها بالنَّواجذِ، وإيَّاكم ومحدَثاتِ الأمورِ فإنَّ كلَّ بدعةٍ ضلالةٌ”. وقد شيدت الثقافةُ في المجتمعاتِ الإسلاميّةِ كما نلحظ على هذا الحديث وأشباهه، لا على الآيات القرآنية التي تحرِّض دائما على إعمال الذهن في ما يدّخر “أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ” “وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آَيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ” كما تحرّض على إعمال الذهن في ما هو خارجه “أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ” “يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ”. “كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون”.

مع أن سياق الحديث يتعلّق بالسياسة لجهة العلاقةِ بين المحكوم والحاكم، لا بالدين ناظماً للعلاقةِ بين الإنسان والخالق، أو بين الإنسان والوجود، فيما الآيات الكريمات تتغيّا التأسيس بهذا الدين لمناهج النظر والعمل في سبيل البناء الحضاري الإنسانيّ الذي يوفر السعادةَ في الدارين. إذْ إنّ التعثر الحضاري لا يكون إلا من جهل القوانين والنواميس الناظمة لعلاقة الإنسان بالإنسان، وبالزمان والمكان.

أرى أن الحديث الذي ذكرنا وأشباهه تُساق بهدفٍ يختلف عن مقاصد القرآن الكريم. ولا أقصد بقولي هذا، التصدّي للحديث والسنة؛ فأنا لست متخصصا بالحديث والسنة، ولا ينبغي لي أن أصحّحَ أو أحسِّن أو أضعف أو أردّ، ولا علم لي بالرجال الثقات منهم وغير الثقات؛ إنما أقصد الفهم الذي يصح السكوت عليه في ما يتعلّق بمعنى الدين ومدى الحاجة إليه، من خلال التعامل مع القرآن والحديث.

1. الدين، والدين والإسلام

عندما يخاطب القرآن الكريم الإنسان، يرمي إلى رفعه فوق مستوى المخلوقات وذلك ابتداء بإقناعه عن طريق التوجيه النظري باتجاه الكون ﴿إنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ وباتجاه النفس ﴿سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ أو الجسد ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ﴾، وباتجاه الموجودات بعامة ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾، وليستدل من خلال التعمق بالنظر إليها، والتأمل فيها فيعرف أنّ ما في الوجود وكما يبدو للإنسان، ينبغي التعامل معه على أنّه آيات تدلّ على خالق عظيم، لا يجوز من أي باب كان، أن يدين الإنسان لهذه الموجودات، بل ينبغي أن يكون الإنسان أرقى منها رتبة، لكونه يعقلها، وإذْ يعقلها يعني هو أعظم منها، فالإنسان يدين لما هو أعظم منه قوة وقدرة وشأنا، فلن يدين لحجارة نحتها بيديه، أو لنجوم وكواكب يستطيع رصد حركتها ومواقيتها، أو لبشر ليس لهم من القوة والقدرة والشأن إلا ما تتيح لهم الإمكانات الممنوحة لهم، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ ۚ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ ۖ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ۚ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ فلا يجوز أن يدين الإنسان إلا للقوة المطلقة التي لا يمكنه أن يدرك كنهها. عليه أن يقرّ بها إيماناً واحتساباً لأن العقل من دونها؛ فلن يحيط العقل إلا بما هو ضمن الكون. وهذا ينبغي أن ينعكس سلوكا نظرياً وعملياً في الحياة، يتغير هذا السلوك من زمن إلى زمن، ومن مكان إلى مكان، لكون النظر يتغير والمنظور ما عاد يبدو كما كان يبدو. لذا؛ فالقرآن الكريم “هدىً للناس، وبينات من الهدى، والفرقان” هو لأجل الهدى، فالهدى علة نزوله وتنزّله، لكون الضلال قائما بالدين/ الخضوع للموجودات والغرائز والشهوات، والضلال قد يكون ضياعاً بين طريقين ما يقتضي بينات/ علامات، أو التباسا يحول دون التعيين لتشابهٍ أو لتبرّج المزاعم؛ ما يقتضي فرقانا، أو علامات تكون فرقانا. فلا ضير في أن أعتمد اليوم طريقاً، أو شعبةً من طريقٍ كنت أحسبُني البارحةَ على ضلال لو كنت اعتمدتها، والعكس صحيح؛ فالمعلومات التي كانت تبدو لي البارحة؛ كانت قاصرة، وقد ظننتها نهائيّة، قد بدت لي اليوم على نحوٍ آخر.

بينما الحديث المذكور أعلاه يطلب من مخاطبيه أنْ يدينوا لغير الله في السمع والطاعة، ويعدّ ذلك التزاماً بسنَّة الرسول عليه السلام. علماً أن القرآن الكريم لم يذكر سنّةً للرسول على أنها واجبة السمع والطاعة، فالسنّة الواردة في القرآن ليست سوى سنّة الله “سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً”.

2. الطاعة وطاعة الرسول في القرآن الكريم

2: 1 الطاعة قبول القسمة

وقد يحتج الذين يلتزمون السنّةَ النبويّة أنَّ القرآن الكريم يطالب الناس ويأمرهم بطاعة الرسول وأولي الأمر، إذ يقول جل وعلا: “أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ”.

ولو أننا قرأنا “الطاعة” داخل هذه الآية الكريمةِ، بوصفها بيئةً لفظيةً لتخلُّق المعاني من التضامّ بين كلماتها وجُملها التي لم يكن منها التضامّ إلا لأداء معنى دون سواه؛ لوجدنا تلك البيئة تمنح الفعل “أطيعوا” معنى تقتضيه الضرورةُ في ظرفٍ معيّن “يوم بدر”. فالفعل “أطيعوا” مطلوبا إنجازه؛ يحيلُ على النقيض منجزاً في الواقع، وبخاصّة أنّ هذا النقيض يتجلّى في السياق أكثر؛ إذْ يُعطف على الطاعة المطلوبة، منجَزٌ يُطلب تعطيله بواسطة “لا” الناهية، “ولا تَوَلُّوا”، ما يعني أنّ الطاعة معطلةٌ في الوقت الذي يجب أن تكون فيه محقَّقة، والتولّي محقّقٌ في الوقت الذي يجب أن يكون فيه معطّلاً. فما هو هذا الوقت الذي انقلبت فيه تصرفات المسند إليه المكنى عنه ﺑ”واو الجماعة” في “أطيعوا” و”لا تولّوا”؟.

لو تابعنا القراءَة، سنجد أنّ الآيةَ تختتم ببيان الهيئة التي هم عليها في الوقت الذي شهد انقلاب التصرفات “وأنتم تسمعون”، فالجملةُ الحاليةُ هذه، يأتي المسند فيها حكماً على المخاطبين جملةً مضارعيّة يحاصرها الزمن الحاضر ليكون إطاراً زمانيا حاليا يُطلب فيه إنجاز فعل الطاعة المسند إلى الجماعة، كما يطلب فيه تعطيل فعل التولّي، ناهيك بالسماع الذي لا يمكن أن يكون إلا بالتزامن مع الحدث الصوتي. فأي حجّة بعد هذا تَنقلُ الطاعة من كونها آنيّةً في زمن السماع، إلى أجيال متعاقبة لا ينبغي لها أن تسمع الرسول الكريم!!!

أضف إلى ذلك، إنّ الآيةَ الكريمة هذه، اكتنفتها سورة الأنفال، وقد استُهلَّت بقوله تعالى “يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ ۖ قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ ۖ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ ۖ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ” إذن؛ طاعة الله والرسول هنا تأخذ كلّ أبعادها من كونها عنصراً من أربعة عناصر تشكل إجابةً عن سؤالهم عن الأنفال، وهي:

1. الأنفال لله والرسول.

2. اتقوا الله.

3. أصلحوا ذات بينكم.

4. أطيعوا الله ورسوله.

وكلها مقول فعل القول بصيغة الطلب “قل”.

بعد هذا، لا يمكنني أن أفهمَ الفعل أطيعوا إلا طلباً تعدّى إلى المؤمنين الذين يسألون محمّداً (ص) عن الأنفال، إذْ خلا ذهنُهم من صوابيّة تعيين مستَحِقِّها، وقد خالفوا تقوى الله، أو ضلّوا سبيلها، وأفسدوا ذات بينهم، حتى بات سلوكهم ملتبسا بين الإيمان والكفر، فالطاعة واقعة في محل جواب الشرط المقدّم “إنْ كنتم مؤمنين” ويؤتى ﺑ”إن” أداة للشرط إيحاء بالاحتمالية، فالطاعة تكون من المؤمنين بلا أدنى شك، ومن غير المؤمنين بتردد أو لا تكون. إذن الطاعة هنا تعني القبول بالقسمة التي قسمها الرسول (ص). وهذه بلا شك قسمة خاصة بمعركة بدر، ولكل ظرفٍ طريقتُه في القسمة لاختلاف المظروف. فهل يمكن أن تكون طاعة الرسول الواجبة في “الأنفال”، والمتلازمة مع طاعة الله حجّةً لأي حاكم، سواء كان من الراشدين المهديين أو من الجبريين، وله علينا واجب الطاعة؟!!!

2: 2، الطاعة، موافقة السلوك للمعتقد

أما الأمر “أطيعوا” في سورة آل عمران، “قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ” فقد جاء في سلسلة من الآيات متعانقة بإحكام لتوجيه الرسول (ص) في مخاطبة الذين أوتوا نصيباً من الكتاب، باعتبارهم مؤمنين بالله جلَّ وعلا، ويعرفون نمط الخطاب الإلهي ومع ذلك يتولى فريق منهم وهم معرضون “أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ ٱلْكِتَٰبِ يُدْعَوْنَ إِلَىٰ كِتَٰبِ ٱللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٌۭ مِّنْهُمْ وَهُم مُّعْرِضُونَ” ويتذرعون بذرائع شتى لتبرير سلوكهم المناقض لما يجب أن يكونوا عليه بموجب إيمانهم، إلا أنهم يفترون على الله الكذب، ويأخذهم الغرور بذلك، مع علمهم أنه افتراء؛ فيأتي النص القرآني ليضع أمام الرسول جملة من الحقائق الإيمانية. وما الصيغة الاستفهاميّة الإنكارية “ألم ترَ إلى”، إلا من باب التنبيه إلى أهميّة عدم الاستخفاف بذلك السلوك الإعراضيّ، فالنص القرآنيّ يؤدّب الرسولَ (ص) بمناهجَ مبنية على الرؤية الثاقبة، حتى تكون أحكامُه مبنيةً على أسس سليمة.

من الحقائق الإيمانية التي ينبغي أن تحضر في خاطر الرسول إذْ يتوجه إليهم بالدعوة القرآنية، أنهم مجموعون ليوم لا ريب فيه. هو يوم القسط والعدل، وعندها يأخذ كل ذي حق حقّه، فلا يُظلمون. وقد عبر القرآن الكريم عن ذلك بأسلوب الاستفهام، متوسلاً الأداة “كيف” ليفتح آفاق التخيل على الهيئة التي سيكونون فيها ذلك اليوم بالتناسب مع قولهم “لن تمسنا النار إلا أياماً معدودات “ذَ‌ٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلَّآ أَيَّامًا مَّعْدُودَٰتٍ ۖ وَغَرَّهُمْ فِى دِينِهِم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ” فالاستفهام ﺑ”كيف” لا ينتظر جواباً بل يطلق المِخيال في مدى عميق بعيد؛ كي تُنسج الكيفية التي يكون عليها الذي يفتري كذبا، ويأخذه الغرور بما افترى، لا بالدين. “فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَٰهُمْ لِيَوْمٍ لَّا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ” يحدث في ذلك اليوم حدثان، الأول “وُفِّيت” وصيغ للمفعول كي تنصرف الأذهانُ إلى تقدير التوفية، لا إلى معرفة الموفّي؛ والفعل هنا يتعدى إلى مفعولين، الأول “كلُّ نفسٍ” وقد ناب عن الفاعل في الدلالة على حصول الفعل، والثاني “ما كسبت” وقع عليه الفعل، وقد دلَّ ذلك على أمرٍ له شأنٌ كبيرٌ في هذا السياق، إذْ إنه سياقٌ دلاليٌ يُتَوَقَّع منه أن يبيِّن عقوبة المفتري على الله كذباً، غير أننا نرى في توصيل أثر فعل “التوفية” إلى “كلّ نفس” وإلى “ما كسبت” يشمل كل الخلق من بني الإنسان، من افترى ومن لم يفترِ، من آمن ومن كفر، من عملَ صالحاً ومن لم يعمل، ومن عمل سوءاً و من لم يعمل؛ وهذا يبين ميزة ذلك اليوم، أما الذي يبيّنُ عقوبة المفترين فهو لا يتجاوز تقديره ما يبديه ميزان العرض على العدل، فتكون الهيئة التي تناسبهم هي الهيئة نفسها التي تناسب كلّ الخلق، ويدل على ذلك المركّبُ الإسناديّ “وهم لا يظْلَمون” وهذا ما يرجوه كل المؤمنين. نفي الظلم مسنداً إلى ضمير الغائبين، لا ينفي قسوة العقوبة، بل ينفي أن تكون مستهجنة، أو أن لا تكون متناسبة مع حجم الذنب، فكما أن الصالح المصلحَ لا يمكن أن يُظلم في ذلك اليوم، كذلك المفتري على الله لا يُظلم. وتجدر الإشارة أيضاً إلى أنّ الفعل “وفّيَت” معطوفاً على الفعل “جمعناهم” يمنح الظرف “إذا” بعداً إنذارياً، فالظرف “إذا” أصلاً، لكونه اسماً لما يستقبل من الزمان، ويتضمن معنى الشرط؛ يدلّ على يقينية الحدوث. وكون المضاف إليه “جمعناهم” والمعطوف عليه “وفِّيت” بصيغة الماضي فذلك لتأكيد تلك اليقينية؛ إذْ ينزل المضارع منزلة الماضي؛ يحيل على تصور ما سيحدث بصيغة ما حصل. واستخدام حرف الجرّ “اللام” كي يوصل أثر “الجمع” إلى “يوم لا ريب فيه” نفهمه من خلال قِصَر الزمن الصوتي ﻟ”اللام” بالمقايسة مع الزمن الصوتي ﻟ”إلى” فندرك أنه يقرّب ذلك اليوم، ويكون لذلك وقع رهيب في النفس، بينما لو قال – ولم يقل-: “فكيف إذا جمعناهم إلى يوم لا ريب فيه”؛ لتذرّعت النفس ببعد ذلك اليوم، وتساهلَت مع إلحاح النفس اللوامة، فاندفعت في غيّها مراهنة على إمكان التراجع مع تراخي الزمن؛ ﻓ”اللام” منعت ذلك. إذن، نحن أمام سياق له دلالة إنذارية.

ومن التوجيهات التي تضمنتها هذه السلسلة المتماسكة من الخطط الدعويّة، والحجاجية التي ينبغي للرسول الكريم (ص) أن يتزوّد بها، في حضرة المؤمنين، المدّعين والمفترين، ولا يوفّون إيمانهم حقَّه، آيتان انطوتا على بيان يقدّم سنّةَ الله في خلقه وقد سيق في أسلوب إنشائيّ من شأنه الترفع عن مجادلة هؤلاء بشكلٍ مباشر حول حقيقة السنن الإلهية كما يقرّها القرآن، وكما أقرها التوراة والإنجيل من قبل. “قُلِ ٱللَّهُمَّ مَٰلِكَ ٱلْمُلْكِ تُؤْتِى ٱلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّن تَشَآءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُ ۖ بِيَدِكَ ٱلْخَيْرُ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ﴿26﴾ تُولِجُ ٱلَّيْلَ فِى ٱلنَّهَارِ وَتُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِى ٱلَّيْلِ ۖ وَتُخْرِجُ ٱلْحَىَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ ٱلْمَيِّتَ مِنَ ٱلْحَىِّ ۖ وَتَرْزُقُ مَن تَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴿27﴾” قل – يا محمّد في حضرتهم- اللهم مالكَ الملك… هم يفترون على الله ويعطون لأنفسهم رخصةً بمخالفةِ ما يعرفونه حقاً، والنصّ القرآنيّ يطلب من محمّد أن يبيّن ما يؤمن به وما يدعو إليه، فالنداء هنا يحيل على تجاوز مزاعمهم إلى حقيقة المسألة، فهو لم يقل يا محمد قل لهم لا تزعموا ما تزعمون، ولا تفتروا على الله كذبا، لم يقل له جادلهم فيما يزعمون ويفترون، بل قال له توجه إلى الله، وتقرّب إليه بواسطة النداء، وبذكْرِ اسمٍ من أسمائه الحسنى “مالك الملك” ليكون ذلك صدمة لهم، فالله خالق كل شيء وفوق كل شيء، وإذْ ينادي مالكَ الملك، فيه إشارة بالغةُ الأهميّة إلى أنّ لازم هذا النداء يكمنُ في ما تخبئه أنفسُهم من شهوة التسلّط على الناس بمزاعمهم، وقد أدمنوا ذلك فظنوا أنهم بما كسبوا من ولاء الناس لهم؛ قد تغيرت الحقيقة، وصار الملْك بيدهم، وهم مالكو الملك؛ فيكون النداء هنا أسلوباً صادماً لكونه يفضح خبايا نفوسهم أمام نفوسهم، ثم بعد هذه الصدمة أسندْ – يا محمد- إلى الله أفعالاً مضارعة تدلُّ على المداومة والتكرار، حتى لا يخطر في بالهم أن فعل الملْك الإلهي، كان ذات يوم ولن يكون في يومٍ آخر، هم يعرفون أن مالك الملك ليس اسماً راهناً بل هو شأن ملازم له سبحانه، فما كان منه من قدرة هي منه وبيده أنّى يشاء “تُؤْتِى، تشاء (4 مرات)، تنزع، تعزّ، تذلّ”. هذه الأفعال هي من مظاهر مالكية الله الملْكَ إلى ما شاء الله، وكانوا يعتقدون أنّ فعلَي الإيتاء والإعزاز واقعان عليهم على الدوام، ويعتقدون أيضاً أنّ هذه الأفعالَ مسندةٌ إليهم فقد نسوا الله. ولكن إسناد فعل إيتاء الملك إلى الله جعلهم في واقع يعرفون حقيقته؛ إلا أنهم زهوا بما هم فيه فباؤوا بفشلٍ عظيم.

(تؤتي/ تنزع/ تعزّ/ تذلّ) تلك شبكة من الأفعال ينبغي أن يؤسس المؤمن بالله سلوكه على معرفتها، فهي مسندة إلى الله، وتقع في دائرة مشيئة الله. “بيدك الخير” تعني الإسلام. فالإقرار بأنّ الله وحده يملك الخِيار في الإيتاء والنزع، وفي الإعزاز والإذلال، هو الإسلام، وهذا لا يجوز أن يبقى في إطار الإقرار اللفظي على أهميته؛ بل ينبغي أن يتعداه إلى الإسلام الفعلي، إلى التقوى، إلى الصدق، إلى الاتجاه بالكلية صوب الحق، فليس للمؤمن ما يبيح له معرفةَ الحق والسلوكَ في ما يناقضه. تزعمون أنكم أحباب الله ولا تعرفون أن محمّداً رسول الله!!! ولا تقرون بأنه وحده يملك الخيرَ! ويأتي تقديم الخبر “بيدك” على المبتدأ “الخير” دلالةً على الوحدانية. لذا؛ لا يجوز لهم الظنّ بأنّ الخير بيدهم لكونهم أبناء دين يؤمن بالتوحيد، وأبناء قوم كثر فيهم الأنبياء والأحبار، وقد كبر عندهم أنّ الرسول من سواهم.

تلك مأساة من مآسي النخبة الثقافية في المجتمعات الآيلةِ إلى السقوط الحضاريّ، فهؤلاء ورثوا رسالة إلهيةً عن آبائهم، وكان لآبائهم سلطان على الناس بما علموا من الحقائق التي بيّنها الله لهم، وكان ذلك السلطان بمقتضى ضرورات التأسيس، حيث تبدو السلطة المعرفية بمسيس الحاجةِ إلى السلطةِ الأبوية/ الحَبريّة، بهدف ترسيخ ثقافة جديدة وفاق التعاليم الجديدة. أما الورَثة فقد غرّتهم الرتبة الموروثة في المجتمع، وانصرفوا بغرورهم يمارسون تسلطهم على الناس حراسا لتخلفهم وتقديسا لولائهم باعتبار ذلك مسوّغاً لتسلطهم. فانتفى لازم السلطان وبقي السلطان معانداً لحركة التاريخ.

ثم يختتم الآية ﺑ”إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ” تأكيداً للتفرّد بالقدرة، والمفردة الدالة على القدرة هنا جاءت بصيغة “فعيل” التي هي للمبالغة وذلك لإشهار الإقرار بمعرفة الله بهذا الشأن الملازم له جلّ وعلا. وأن يتقدّم معمول الاسم المشتق “كلّ شيء” على الاسم المشتق “قدير”؛ فذاك لتخصيص كل شيء تحت هذه القدرة، ولحرف الجر “على” دلالة سلطوية إلهية فوقية تتناسب مع “بيدك الخير” التي قلنا إنها تعني من جملة ما تعني القدرة، إذ تحيل مفردة اليد على القدرة الاستعلائيّة أيضا “يد الله فوق أيديهم” قدرة الله فوق قدرتهم. فلا يحق لهم وهم يسمعون الرسول ممتثلا لأمر الله ويقول دعاءه اللهم مالك الملك… ويختتم بالتأكيد” “إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ” لا يحقّ لهم أن يصمّوا آذانهم بعد، ويعرضون عن هذه الدعوة إلى الحق. ولكن؛ هيهات.

إلى هذه الأفعال الأربعة التي جعلها الله من ملفوظات التقرّب إليه، في سياق نداء يأتي مقول قولٍ مطلوب، في حضرة مؤمنين معرضين عن الإقرار بالإسلام إلى الله، تندرج في الآية التالية أفعال أخرى يمكن أن تكون ملحوظةً لكل ذي عينين، “تُولِجُ ٱلَّيْلَ فِى ٱلنَّهَارِ وَتُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِى ٱلَّيْلِ ۖ وَتُخْرِجُ ٱلْحَىَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ ٱلْمَيِّتَ مِنَ ٱلْحَىِّ ۖ وَتَرْزُقُ مَن تَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ” فالليل والنهار، من علامات الزمن، والحي والميّت والرزق من مظاهر مرور الزمن وفاعليته في الإنسان والكائنات الحيّة.

اليهود والنصارى وسائر العرب، رهائن الليل والنهار وكرّهما بالوعد والوعيد الغامضَين المثيرَين لشتى التخيلات وشتى التصورات، كما تبدو بحسب طبيعةِ الخوف أو القبول الإنساني لهذا المشهد أو ذاك. وأن يستدعى الإنسان لملاحظة ولوج الليل في النهار وولوج النهار في الليل، فذاك استدعاء للارتقاء بالإنسان فوق الزمن تأسيساً على معرفة علاماته أو بعضها، وأن يتم التعبير عن ذلك بأسلوب النداء الذي رأينا فيه التقرّب إلى الله باسم من أسمائه، إذْ يردُ الفعل “تولج” في سياق الإقرار بالإسلام للمنادى “مالك الملك”، سيد الأمكنة والأزمنة، وأن يردَ بصيغة المضارع؛ فيه وصف لشأنٍ من شؤون مالك الملك مع الزمن وعلاماته، كما يدل على دوام الحدوث واستمراره.

وأن يستدعى الإنسان ليلحظ مشهداً آخر من مشاهد مالكية الملك” وَتُخْرِجُ ٱلْحَىَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ ٱلْمَيِّتَ مِنَ ٱلْحَىِّ” فذاك يحيل على تحريض الذهن للتأمل في الثنائيّة الضدّيّة “الحياة/ الموت” وكيف يتعاضد عنصراها في إنتاج الوجود باستمرار. فخروج الحياة من الموت، يعني خروج الإيجابيّة من السلبيّة، أمر عظيم، وكذلك خروج الموت من الحياة، أي خروج السلبيّة من الإيجابية. ويمكن أن يلحظ هذا في أبسط المحسوسات، ويمكن أن نتعمق أكثر فنلحظه في أعمق الأسئلة، أليس الكون مجازا رؤيويا ليس له معنى سوى ما يتجاوب مع أسئلتنا؟ فالكون ميت، والكون حيّ.

الكون ميت لا يقول أي شيء، إلا ما نريده أن يقوله، وهذا يتحوّل مع مرور الوقت. فالصحارى ميتة، وظلت تواصل موتها إلى أن تم استخراج النفط من جوفها، فقالت حياة مختلفة. وكذلك البحار والسماء والأشياء. كيف تقول الجبال عظمتها؟ وكيف تقول البحار والصحاري والسحب أبعادها المتصلة بحياة الإنسان وموته؟ نحن من نقول بحسب درجة الحاجة.

الكون موجود لأنه موجود، أما الحياة والموت فهي تسمياتنا لبعض مظاهر وجوده. ماذا يعني أن يموت إنسان/ حيوان/ شجرة؟ أليس يعني تحولا في أسلوب الوجود، نحن نقول مات، أما الشيء فموجود. إذن يسند النص إلى الله، فعل الإخراج واقعاً على الحي مرّة وعلى الميّت مرّة أخرى، ليقول لنا إنّ مظهرَيْ الوجود هما بيد مالك الملك الذي بيده الخير. وإذا كان الأمر كذلك، فكيف تفترون على الله وتجعلون الخيار بأيديكم.

أمّا الرزق، فهو – أيضاً- بيد الله مالك الملك، وهو العطاء الجاري. وإذْ يطلب الله جلّ وعلا من محمّد (ص) أن يتقرب بإسناد فعل الرزق إليه “وَتَرْزُقُ مَن تَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍۢ” فذاك ليُظهر أمام المؤمنين الضالين قدرة الله التي تشمل كل شيء، كأنما يذكّرهم بذلك؛ حيث إنهم في غيهم وبغيهم ابتعدوا عن معرفة الناموس الذي خلق الله الكون وفقه، وسيّر كل شيءٍ وفقه. وفعل الرزق بصيغة المضارع، إلى كونها تدل على فعل مستمرّ، تدلّ أيضاً على وصف لشأنٍ من شؤون الله مع عباده. ويقع هذا الفعل على “من تشاء” إشارة إلى جانب أساسيٍّ من القدرة المطلقة، وهو أنّ كلّ شيء في الحياة وفق مشيئته، وإلا سيكون هناك خلل كبير في الإسلام لمالك الملك، إذْ كيف يكون المؤمن مؤمناً بقدرة الله المطلقة، وفي الوقت نفسه يعتقد أنّ رزقه وفق مشيئته هو، فهذا لا يستقيم.

وهنا يلحّ سؤال مفاده، طالما أن الله يرزق من يشاء بغير حساب، لماذا نعمل إذن؟

أرى أنّ ذلك الإظهار لقدرة الله الباهرة، وبعطف الرزق بغير حسابٍ على مظاهر القدرة، لهو أمرٌ عظيم الشأن في تأسيس موقف مختلف من الزمان، ومن الحياة والموت، ومن أسباب البقاء. فالبناء الحضاريّ، وإعمار الأرض يتطلب عملاً مؤسسا على معرفة؛ فهل نعزف عن النظر في الليل والنهار، والتفكّر فيهما، واستثمارهما؛ إذا عرفنا أنّ الله عزّ وجلّ يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل! وإذا عرفنا أن الله عزّ وجل يخرج الحيّ من الميّت ويخرج الميّت من الحيّ نعزف عن النظر في الحياة والموت واستثمارهما! وإذا عرفنا أن الله يرزق من يشاء بغير حساب هل نعزف عن النظر والفهم؟!!! صحيح أن النص أورد ذلك في سياق مقول القول ليبيّن حقيقةَ الإسلام لله، ولكن الصحيح أيضاً أنه في سياق الدعوة بهذا الأسلوب البياني الراقي؛ لا يدعوهم ليعطّل فاعليتهم الحضارية، بل ليصوّبها بتسديد خطاها على قاعدة معرفيّة يجب ألا تغيب عن الأذهان، وهي المعنى الحقيقيّ للصلاة، وإلاّ فتصبح معرفةُ الزمان، والحياة، والموت، والأرزاق، وسيلةً للقهر والاستبداد. فهذا يحدد مواقيت النوم والنهوض والحضور والغياب والعطل والدوام تبعاً لمصالحه، فيتوهّم أنه هو من يولج الليل في النهار، ويولج النهار في الليل، فيقهر ويستبد ويرتّب المرتبات. وذاك يزعم أنّ الحياة والموت بيده، فيقتل ويغتال ويعتقل ويطلق يد زبانيته والعسس؛ فيتوهم أنه يحيي ويميت. وذاك يستتبع الخلق لأنّه عرف كيف يذلّهم بلقمة عيشهم، وتأمين فرص عمل بعضهم، وحرمان آخرين. فالنصّ هنا يدعو الإنسان إلى التأمل والتبصّر والتدبّر، ليقول له إنك قادر على كل شيء أيها المخلوق العظيم، ولكن يجب أن لا تبعد منك حقيقة الأمور وهي أنّ الله مالك الملك. قد يسقي الصحارى، ويصحّر المروج، وقد وقد، تلك مشيئته، ولكنه أمر الخلق بالسعي في مناكبها، “هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ ذَلُولاً فَٱمْشُواْ فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُواْ مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ ٱلنُّشُورُ”، “وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ”.

سيقت هذه العلامات اللغوية الدالّةُ على قدرة الله الباهرة، لتنبيه المؤمنين الضالين، وقد وفِّقَ الزمخشري في قوله: “ذكر قدرته الباهرة، فذكر حال الليل والنهار في المعاقبة بينهما، وحال الحي والميت في إخراج أحدهما من الآخر، وعطف عليه رزقه بغير حساب دلالة على أن من قدر على تلك الأفعال العظيمة المحيرة للأفهام، ثم قدر أن يرزق بغير حساب من يشاء من عباده، فهو قادر على أن ينزع الملك من العجم ويذلهم، ويؤتيه العرب ويعزهم”.

وقد ظهرت الحقائق وحججها؛ فيواصل النص القرآني الكريم إحراجَ المفترين بما يعرفون فيكون الخطاب إلى محمدّ (ص) ليشهر تلك الحقائقَ والبدائهَ أمامهم، فيقول جلّ وعلا: “لَّا يَتَّخِذِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلْكَٰفِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ۖ وَمَن يَفْعَلْ ذَ‌لِكَ فَلَيْسَ مِنَ ٱللَّهِ فِى شَيْءٍ إِلَّآ أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَىٰةً ۗ وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُۥ ۗ وَإِلَى ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ”.. أرى أنه بعدما أظهر مستلزمات الإسلام لمالك الملك، عمدَ إلى إظهار منعكسات ذلك في السلوك. لقد ظهرت الحقائق التي يبني عليها المسلم إسلامه، وتزعمون أنكم مسلمون، ولا تنكرون مالكية الله الملك ولا قدراته التي ذكر بعضها في ما سبق، ولا ينبغي لكم أن تنكروها، فقد جاء بها إبراهيمُ، وموسى، وعيسى وسائر النبيين، إلا أنّ سلوككم المكنون والظاهرَ يتنافى مع هذه الحقائق. لقد أخرجت قريشٌ محمّداً (ص) من مكةَ بسبب هذه الدعوة، وها أنتم تنتصرون لقريشٍ ضدّ محمّد (ص)، فجاء النهي القرآنيّ لعموم المؤمنين أنْ لا يتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين، فالخطاب للمعنيين بهذا الأمر مباشرة، ولكنه جاء بصيغةٍ تعني العموم ليكون هذا الخطاب قاعدة مُلزمة لكلّ صاحب قناعة متيقنٍ من ثبوتها؛ أن لا يسلك في الحياة مسلكاً يخالف فيه قناعاته. فالنهي عن هذا السلوك لكونه يتعارض مع العقيدة المؤسَّسة على معرفة الناموس الإلهي في تدبير مظاهر الزمان، والحياة والموت، والرزق بغير حساب.

قد تناول المفسرون هذه الآية بوصفها قاعدة للمعاملات من بيع وشراء وتزاوج وما شاكل ذلك، مع أنّ السياق ينطوي على بيان قدرات الله والإيمان بها، وما يستلزم ذلك من سلوكٍ في واقع الدعوة إلى الله، والمواجهة مع الطغاة، وتصويب سلوك المؤمنين الضالين.

ما زالت الآيات تتماسك لإنتاج مرجعيّة منهجيّة للموقف القولي اللازم، في مواجهةِ النخبة المؤمنة التي أعرضت عن محمّد (ص) ودعوته، وقد أضمروا في نفوسهم ما أضمروا مما يوحي بأنهم قد ضلوا سبيل الله، فاعتقدوا ما يتنافى مع ما يعلمون من الحق، فتأتي الآيةُ القرآنية هنا بالطلب إلى محمّد (ص) أنْ يقول لهم وبشكلٍ مباشر ما يذكّرهم بما يجب “قُلْ إِن تُخْفُوا۟ مَا فِى صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ ٱللَّهُ ۗ وَيَعْلَمُ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَ‌ٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ”.

لازم هذا الإشهار قائمٌ في سلوك مَن كان يتوقّع الرسولُ أنهم سيرغبون إليه، لكونه يعزّز ويؤكّد ما في التوراة والإنجيل من الهدى، والدعوة إلى الهدى، ولكن تبيّن أنهم باتوا في غرورٍ كبير؛ فالمرتبة الاجتماعيّة التي لهم بسبب علمهم المزعوم بالكتاب، أعمَتهم عن حقيقة ما في الكتاب، فهم يكتفون بادّعائهم القربَ من الله، ويسلكون في الحياة وبين الناس بما ينافي ذلك. فيعلنون عكس ما يسرّون، تماما كالذي لا يعتقد بأن الله يعلم السرّ وأخفى، بل ويعلم ما في السماوات وما في الأرض. هذا سياق الآيات التي جاءت مقول القول، إظهارٌ للقدرة المطلقة، لتكون في أذهان المؤمنين بها مرجعيّة السلوك القويم ذهنياً وحركيّاً. ولم يقف القول هنا، بل تواصلُ الآياتُ إظهارَ هذه القدرة على كلّ شيء “يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوۤءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدَاً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ وَٱللَّهُ رَؤُوفٌ بِٱلْعِبَادِ” يقدّر أهل العربيّة أنّ “يومَ” منصوبٌ بفعل محذوف هو “اذكر”، وتأتي قيمة الذِّكر هنا من كونها تحيل على متلقيين، إذا كانت العلامة اللغويّةُ “قل” تُسْندُ طلباً إلى محمّد (ص) بوصفه رسول الله جلّ وعلا إلى الناس، فمقول القول معنيٌّ به من تستهدفه الرسالةُ بحمولتها الدعويّة، وهم من يعرفون الله مالك الملك ويعرضون عمّا تقتضيه معرفتهم ذلك. أمّا العلامة المحذوفة هنا والمقدّرة “اذكر”، فإنها تستهدف الرسول إلى الذين استهدفتهم الآياتُ المستهَلَّةُ ﺑ”قلْ”. فما الذي ينبغي أنْ يذكره الرسول (ص) مع إلفاته الآخرين إلى الصراط المستقيم.؟

اذكر أيها الرسول يوم تجد كلّ نفسٍ ما عملت، لأنّه إذْ يسلكُ الإنسان في الحياة سلوكاً في رحاب ذكره المصير والمآل الحتمي في يوم يجد فيه عمله محضراً، فإنّه حتماً سيحرص كلّ الحرص على الصواب؛ والدعوة لاستحضار هذا اليوم بوصفه سياقاً مرجعياً لأيّ سلوك أو قول أو فعل، لا يعني فقط الذين يخالفون معتقداتهم في العلاقة مع الرسول ودعوته، بل يعني – أيضاً- الرسول نفسه، وفي هذا نمذجةٌ سيكون لها أثرها في نفس كل داعية إلى الخير والحق والسلام، فالله يؤدّب رسوله في الوقت الذي يوجهه لتأديب الآخرين.

يقدّمُ النص هذا اليوم بأسلوب كنائيّ يتوخّى التأثير في نفس المتلقّي، فهو ذو وقعٍ في النفس مهوّل. كنايةً عن الموقف الإنساني، يسوق واقعةً لغويّةً تقتضيها أعمال النفس الإنسانيّة من جرّاء ذكر هذا اليوم “تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدَاً بَعِيداً” فالنفس عند ذكر هول ذلك اليوم، وهو هولٌ فضائحي، إذْ تُستعرض فيه ما كانت النفس قد عملته من خيرٍ أو شرٍ قلَّ أو كثرَ، فأفضل ما يمكن أن يتمناه المرء، أن يكون بينه وبين هذا الظرف مسافةٌ بعيدة في الزمان أو المكان أو في كليهما، وقد أوقع الفعل “تودّ” على هذه الأمنية “لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدَاً بَعِيداً”. فالفعل “تودّ” مسنداً إلى “كلّ نفس” يحيل على موقفٍ وجداني تشكّلُه تلك الأمنية في ذلك الظرف العصيب. والحب هو شعورٌ أو انفعال نفسي بإزاء أمرٍ ما، أمّا الودّ فهو مظهرُ هذا الشعور فلو أنك أحببت أحداً؛ فإنّ ذاك الحبّ يكمن، يضمحلّ أو يزدهرُ في النفس، بينما لو تبسمتَ له من جرّاء ذاك الحب؛ فذاك منك الودّ. فالودّ سلوك المحب تجاه محبوبه. فأيّ محبوبٍ سيعلو تلك الأمنية في ذلك اليوم الموعود؟ لذا سيظهر هذا الحبّ في قسمات الوجه، وأثر الفرَق. ويظهر الودّ في سلوك وجدانيّ وحرَكيٍّ يكون البعد من ذلك اليوم أشهى ما تصبو إليه النفس البشريّة.

وإذْ يحذر الله المؤمنين المخاطبين، فذلك منه رأفةً بهم.

نحن بهذا الأسلوب أمام مشهدٍ يكون فيه المرء معلقاً بالفرار، بينما الأصل أن يكون مستبشراً مقبلاً على الله. فكم سيكون فظيعاً أن تجعل أعمالُك يوم لقاء الله يوماً مردودا، وتودّ بعده! فالله يرأف بكم إذْ يحذركم نفسه، فالتحذير هو رأفة بالعباد.

“قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ” ما زالت لائحة التوجيه الرسوليّ تقوم على تحديدِ سلوك الرسول مع أولئك الذين افتروا على الله، ويزعمون أن الله يحبهم ويحبونه، ولن تمسهم النار إلا أياماً معدودات، فيأتي مقول القول هنا: “إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّه” لتحدد العلاقة المباشرة بين الرسول (ص) وبينهم.

إنّ العناصر المكوّنةَ لهذه الآية تستدعينا لإمعان النظرِ والتدقيق فيها. فأسلوبُ الشرط بذاته، لا يشكّلُ ظاهرةً أسلوبيةً ينبغي الوقوفُ عندها؛ غير أنّ الذي يستوقفنا هنا كونُ، فعل الشرطِ وجوابه قد حلّ محلّهما جملتان تنهضان بالمعنى المُراد، في سياق من شأنه تسفيه زعمهم بأنهم يحبون الله ويحبهم، فالشرطُ يقوم، إلى الأداة، بفعلين يتعطل أحدهما بتعطل الآخر ويتحقق بتحققه، فالأداة هنا “إنْ” تثير الشك، فهي لا توفّر المناخ الملائم لليقين في العلاقة بين المسند والمسند إليه في الجملتين اللتين تشكلان أسلوب الشرط هنا. فإسناد الحب إلى هذه الجماعة غير يقيني. وقد دخلت “كنتم ” بعد “إنْ” لتشير إلى أن الحبّ المزعوم ليس حادثاً عندهم بل هو عريق. فلو قال إنْ تحبوا الله، لفهمنا أن فعل الحب حادث، وعندها سيتغيّر المعنى كلياً. فهم يزعمون أنهم يحبون الله قبل أن يأتي الرسولُ برسالته، إذن ينبغي أن يكونوا قد عرفوا الله، وأحبوه، واهتدوا بهديه، وامتثلوا لأوامره ونواهيه، وأسلموا له بإقرارهم أنه مالك الملك، وبأنه يؤتي الملك من يشاء، وينزع، ويولج، وبيده الخير، وكان ينبغي أن يتموضعوا مع المؤمنين الذين أُخرجوا من ديارهم بغير حق… فهم لا يسلكون مع الرسول (ص) بما يستوجبه الإسلام لله. لذلك؛ حلّ محلّ الجزاء فعل الطلب “اتبعوني”، فالرسول يدعو إلى الإسلام، فكيف تكونون مسلمين، ومحبين لله ولا تتبعون الرسول، وتناهضونه وتناهضون دعوته؟!!!! فالأصل المنطقي يقتضي إنْ تحبوا الله يحببكم، ولكن هذا المنطق لا يتناسب مع واقعهم، فالدليل على حبكم لله الذي يبادله الله بحبه؛ هو اتباع الرسول. واتباع الرسول هنا تعني قبول القرآن الكريم كتاباً من عند الله، وتعني الالتزام بأوامره ونواهيه. حبكم لله يقتضي اتباع الرسول، وحب الله لكم، يتجلّى أولاً في إرشادكم إلى السبيل الذي يؤدي إلى حبه، وثانيا يغفر لكم “وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ” والغفران هو السّتر، وهذا فعل المحبين ولله المثل الأعلى، فأنْ يسترَ ذنوبكم معطوفاً على يحببكم فتلك رحمة من الله، وكيف لا؟ “وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ” فغفور على وزن فعول من صيغ المبالغة، فهي تعني أن الله ليس غافراً للذنب فحسب، بل هو أصل المغفرة ومادتها الأولى، وكل ما يكون للمبالغة على وزن فعول، يكون بهذه الدلالة. فهو بهذا الاسم من أسماء الله الحسنى مع محبيه فذاك أنّه رحيم.

“قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ”. وهكذا، تختتمُ هذه السلسلة المتماسكة من الآيات الدالات على السلوك الدعويّ مع الذين يؤمنون بالله، ولا يقوّم الإيمان سلوكهم في العلاقة مع المؤمنين والذين يتربصون بالمؤمنين كلّ شر، ويزعمون مع هذا أنهم يحبون الله والله يحبهم؛ فيأتي الطلب “قل” وقد حذف ما يوصل أثر القول إليهم “لهم” ليدخل مقول القولِ في العموم، فلو أنه قال: “قل لهم” لكان القول خاصاً بهم دون سواهم، أمّا وقد حذف “لهم” فهذا يعني لهم ولسواهم. فما هو مقول القول؟

“أطيعوا الله والرسول” لكونهم يزعمون أن علاقتهم بالله خاصة، أكد القرآنُ الكريم الفعل “فاتبعوني” بالفعل “أطيعوا”. يطلبُ الرسولُ إسناد الفعل “اتبعوني” أمراً إلى المعنيين بالخطاب المباشر، واقعاً عليه، وجواب الطلبِ “يحببكم الله”. أما “أطيعوا” فيطلب الرسولُ إسناده إلى الجماعة نفسها، إلا أنه يعدي إلى الله والرسول، وفي ذلك تأكيدٌ لبطلان زعمهم بأن علاقتهم بالله لا تقتضي اتباع الرسول. علماً أن الرسول لم يأت سوى بالإسلام الذي جاء به النبيون من قبل، الإسلامُ لمالك الملك. فالإسلام لله لا يستقيم مع الإعراض عمّا جاء به الرسول، فلو أنه قال في هذا السياق أطيعوا الله وأطيعوا الرسول، لكنّا سنسألُ ما الذي نطيع به الرسول (ص) غير مقول الفعل “قل” السابق ذكره في هذه السلسلة، ولم يرد سوى ما يبيّن قدرة القادر على كلّ شيء، والرسول الكريم مظهرٌ من مظاهر هذه القدرة الباهرة. “فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ”. وتقدير الكلام هنا: “فإنْ تولَّوا فلا يحبّهم” وعلة التولّي عندهم ليس جهلهم بالله وكتابه ورسوله، بل إنهم كفروا علمهم بالافتراء والعلو والغرور. والنتيجة إنّ الله لا يحبّ الكافرين.

تأسيساً على قراءتنا لهذه الآيات؛ نفهم أنّ مدلول الطاعة هنا قائمٌ في الموافقة بين المعتقد والسلوك. وهذا لا يختصّ بمن يخاطبهم النبيّ في ذلك الظرف التأسيسي، بل يشمل كل مؤمنٍ بالله ويسلك في حياته بما يتنافى مع هذا الإيمان، وقد نقيس عليه فنقول من يعتقد بصحة معلومة أو قانونٍ أو قاعدة، فلا يحقّ له أن يدير ظهره ويتولى عمّن ينهض بها وينافح عنها، ويدعو لها بموجب صدقها وصوابها.

2: 3 الطاعة: نسف الثقافة الجاهليّة

“يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ ٱلرِّبَٰواْ أَضْعَٰفاً مُّضَٰعَفَةً وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ” يحقّ للقارئ أن يسأل في ضرورةِ إيراد هذه الآية في سياق الكلام على “غزوة أحد”، إلا أنّ السياق الحافل بالعتاب واللوم يبرر هذه الآية ضمناً، بخاصةٍ إذا عرفنا أنّ السبب الأوّلَ للهزيمة في “أحُد” كامن في العقليّة الجاهليّة التي جاء الإسلام بمواجهتها، وقد كان بعض المسلمين لمّا يتخلّصوا منها ومن منعكساتها في سلوكهم، وهي الجشع والطمع، فقد روي أنّ الرماة كان قد مَوضعَهم الرسول (ص) في موضعٍ ما من أرض المعركة، على أن لا يدَعوا هذا الموضع مهما حصل؛ وما إن رأى هؤلاء الرماة المسلمين قد مالت دفة المعركة لصالحهم، تركوا مواضعهم طمعاً بالغنائم “أخطأ رماة المسلمين خطأ لا يغتفر في مخالفتهم لأوامر الرسول صلى الله عليه وسلم الصريحة الجازمة، وانسحابهم من مواضعهم الأصلية لجمع الغنائم، ولولا انسحابهم هذا، لما استطاع خالد بن الوليد ضرب مؤخرة المسلمين، ولما استطاعت قريش تطويق المسلمين وتكبيدهم سبعين من الشهداء”. إذن، معصية الرسول (ص) كانت سببا في الهزيمة، وما كانت معصية الرسول لتكون لولا تمكّن العقليّةِ الربويّة الجاهليّة منهم، فهي التي غلبت إيمانهم، وثقتهم بالله، وهي التي أعمتهم وأنستهم واجباتهم القتالية. “كان أعظم المقتضيات للخذلان تضييعهم للثغر الذي أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بحفظه بسبب إقبالهم قبل إتمام هزيمة العدو على الغنائم للزيادة في الأعراض الدنيوية التي هي معنى الربا في اللغة إذ هو مطلق الزيادة” فقد أنزلتهم هذه العقليّة الربوية، وهم المؤمنون، منزلةَ الكافرين الذين يتنادون إلى القتال في سبيل المغانم والمكاسب، وفي سبيل الحفاظ على مصالحهم في الربا وغيره من أكل حقوق الناس في الباطل، لذلك دعاهم النصّ إلى التقوى “وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ” والتقوى هي الحذر والحرص والحماية، فأن يتقوا الله يعني أن يمتثلوا لأوامره ونواهيه، خَشيةً وإجلالاً، وبهذا يمكنكم توقع الفلاح.

“وَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِيۤ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ” ويأتي في مستهل هذه الآية عطف الفعل “اتقوا” الواقع على النار، على الفعل “اتقوا” الواقع على “الله” جلّ وعلا، ففي الآية الأولى أخذت التقوى دلالتها من حاجة المؤمنين إلى الفلاح، فكانت تنبيها وإلفاتاً إلى خشية الله وإجلاله، وذلك من خلال التوافق بين ما تؤمنون به وما تسلكونه في الحياة الدنيا. أما الآية التالية فالتقوى تعدّت إلى النار، كما لو أنها تحيل على مؤجّل العذاب الذي أعدَّ للكافرين، وأنتم لستم كافرين، فلن يستقيم إيمانكم بالله، وتقواكم في الوقت الذي ما زالت عقلية الكافرين، الذين يصرون على جاهليّتهم، تدفعكم مثلهم في سلوك قائم على الطمع بالمغانم والمكاسب.

“وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ” وعطفاً على التقوى يأتي الفعل “أطيعوا”، ليأخذَ أبعادَه الدلاليّة من معاني الفعل “اتقوا” في سياق التوجيه إلى رصد مكامن الهزيمة في السلوك الشخصيّ مع الذات ومع القائد في سوح القتال. وإذا كانت تقوى الله تتغيا الفلاح؛ فإنّ طاعة الله والرسول تتغيا الرحمة، وكلا الأمرين يحيل على الْتماس ما يقتضيهما في سياق الواقع “الأُحُديّ”.

لم تكن الهزيمة التي مني بها المسلمون في “أحد” هينةً على الرسول ومن تبعه، فقد خسرت الدعوة سبعين رجلاً من النخبة العزيزة، وقد كان لهم في قلب رسول الله مرتبةٌ رفيعة، أودعهم ذلك “الجبل الداكن الجاثم حول “يثرب”، أودع “محمد” صلى الله عليه وسلم أعزّ الناس عليه وأقربهم إلى قلبه. فالصفوة النقية التي حملت أعباء الدعوة، وعادت في سبيل الله الأقربين والأبعدين، واغتربت بعقائدها قبل الهجرة وبعدها، وأنفقت وقاتلت، وصبرت وصابرت، هذه الصفوة اختط لها القدر مثواها الأخير في هذا الجبل الأشم، فتوسدت ثراه راضية مرضية”. كما أن تداعيات هذه الهزيمة على المدينة كانت خطيرة جدّاً” فقد جرّأت عليهم أعراب البادية، وفتحت لهم أبواب الأمل في الإغارة على المدينة وانتهاب خيرها” وكان لهذا الأمر أثر كبيرٌ في الغزو والخسائر الملحقة بخسائر “أحد”؛ غير أنّ الرسولَ (ص) أصرّ على رفع معنويات المسلمين، فراح يجهز الدعاة والغزاة، وبدأت الأزمات تتراكم، والإصرار على النصر يتنامى، والمسلمون مستويات مختلفة، منهم من يضعف، ومنهم من يستشهد في سبيل الله وهو يقول: “فزت وربّ الكعبة”، ومنهم من يتقاعس عن طاعة الرسول، ومنهم من يُقْدم بلا وجل، وهكذا حتى بات الظفر مرجوّاً بتقوى الله، وكذلك الرقة والرأفة والرحمة مرجوّةً بطاعة الله ورسوله.

إذن، تقوى الله في هذا السياق، تعني طاعة الله ورسوله، ولا يمكن الفصل بين طاعة الله وطاعة الرسول؛ فإذا كانت طاعةُ الله هنا تعني الثبات على الإيمان، فالرسول (ص) يترجم ذلك بالأمر والنهي والإيفاد وتجهيز الغزاة والدعاة والقرّاء، وعلى القوم الامتثال لأوامره ونواهيه بوصفه قائداً للجمع المؤمن في الدفاع عن المدينة، وفي الدعوة إلى الله.

2: 4 الطاعة: أمرٌ بالاستقامة.

تتماسك سورة المائدة في سياقٍ يتوخى تعديلَ سلوك “الذين آمنوا ” باتجاه الوفاء بالعقود، وقد استهلت هذه السورةُ بالنداء يا أيها الذين آمنوا، ما يعني أنها حمولةُ خطابٍ موجّهٍ إلى المختصين بالإيمان، وأنهم الذين آمنوا فذاك يعني أنهم لم يكونوا مؤمنين، وقد حصل إيمانٌ منهم بالله والكتاب والنبيّ، وهذا يتطلب أن ينعكس سلوكاً في العلاقة مع الآخر، ومع الذات. وقد تكّرَر خطاب الذين آمنوا وفق أسلوب النداء 16 مرّة في سورة المائدة وحدها، ما يعني أنّ تنبيه الذين آمنوا هدف هذه السورة؛ فلا يكون نداء إلا لطلبٍ يقع على المنادى سواء كان أمراً أو نهياً، والذين آمنوا أقل رتبةً من المؤمنين، فهم لا يزال الإيمانُ عندهم فعلاً ربما يتوقف، أما المؤمنون، فالإيمان عندهم اسمٌ ثابتٌ لهم كالطول للطويل، والقصر للقصير. وهي آخر ما نزل على رسول الله (ص) في المدينة بعد حجة الوداع. وقد انطوت على العديد من الأحكام: أحكام العقود، الذبائح، الصيد، الإحرام، نكاح الكتابيات، الردة، الطهارة، السرقة، والبغي، والإفساد في ألأرض، الخمر والميسر، وكفارة اليمين، الصيد في الإحرام، الوصية،… وقد سيق في غضون هذه الأحكام آيةٌ تنطوي على طلب الطاعة “وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا” وقد سُبقت بآياتٍ من شأنها أن تشحن طلب الطاعةِ بمدلولات يقتضيها واقعها ﴿ياأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ وَٱلأَنصَابُ وَٱلأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَانِ فَٱجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ* إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ فِي ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ وَعَنِ ٱلصَّلٰوةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ* وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَٱحْذَرُواْ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا ٱلْبَلاَغُ ٱلْمُبِينُ﴾ بعد أسلوب النداء هذا، نلحظُ إسنادَ مفردة “رجس” إلى الخمر والميسر والأنصاب والأزلام، فالخمر مربكٌ للعقل يلبس الأمور والفهوم، لما لأثره في الدماغ من خدَرٍ ممتع، يطلبه المرء ولا يأبه لآثاره السلبيّة، والمؤمن حقاً يعرف ما يقتضيه الإيمان بالله من حرصٍ على الوعيِ والفهم، ويعرف حقاً أنه مكلّفٌ لا يجوز له أنْ يغفل عن واجبه الدنيوي، أما الذي آمن فقد يتهاون في هذه المسألة ويتراخى في واجباته الدنيوية. والميسر أيضاً فيه من متعة الأمل بحلّ المشاكل الماديّةِ ما يغري الذي آمن بتعاطيه، ويغفل عن سلبياته التي أقلُّها أن الربح لا يكون إلا بخسارة الآخر، وهذا ما لا يقبله المؤمن، فهو مؤمن بأنه يجب أن يسعى في مناكبها طلباً للعيش الكريم والسعة في الرزق، وليس عن طريق خسارة الآخرين. أما الأنصاب فهي الحجارة التي دأب الجاهليون أن يذبحوا ذبائحهم عندها أو لها، وجعلوها شريكة لله في ملكه وتدبيره لمعايش الخلق، ولا يمكن لمؤمنٍ أنْ يقبل هذا، ولكن الذي آمن قد يكون لهذا النصب أو ذاك شأنٌ كبيرٌ عالقٌ في نفسه ووجدانه؛ فيعمد إليه جرياً على ما كان عليه قبل حصول فعل الإيمان عنده. وكذلك الأزلام وهي قداح ثلاثة أحدها “نعم” والثاني “لا” والثالث “غفل”، يلقيها حتى تكون “لا” أو “نعم” فيتوهّم بها الفلاح، وهذا ما لا يقبله المؤمن؛ إذ يعرف أن ليس للإنسان إلا ما سعى. أمّا الذي آمن قد يتوهم أنّ الفلاح يكون له بسبب هذا أو ذاك.

وكما بدا لنا، فهذه الأمور الأربعة أُسند إليها الرجس ليكون حُكماً عليها، والرجس في مقاييس اللغة” الراء والجيم والسين أصلٌ يدلُّ على اختلاطٍ. يقال هُمْ في مَرْجُوسَةٍ مِن أمرِهم، أي اختِلاط، والرَّجْس صوت الرَّعد، وذلك أنه يتردَّد. وكذلك هَدِيرُ البعيرِ رَجْسٌ. وسَحابٌ رَجّاسٌ، وبعيرٌ رَجّاس. ومن الباب الرِّجْس: القَذَر؛ لأنّه لَطْخٌ وخَلْط”. فعرفنا الخمر كيف يكون رجساً وكذلك الميسر والأنصاب والأزلام. ولكن النصّ اشتمل عليها بهذا الإسناد في أسلوب القصر بالأداة “إنما” ليكون هذا الحكم هو الملائم لها دون سواه، والقصر ﺑ”إنما” أثبتُ دلالةً من القصر ﺑ”ما.. إلاّ” وذلك لإفادة التأكيد ﺑ”إنّ”. ويكون النص بهذا الأسلوب قد قدّمَ الحكمَ على الطلب، من باب تقديم بيان أسباب الطلب على الطلب “فَٱجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ”؛ كما أنّ الطلب اجتنبوه سيق إذْ يُرجى الفلاح. والاجتناب مسنداً إلى واوا الجماعة كنايةً عن “الذين آمنوا”، يأخذُ دلالته ومداه الظرفيّ من ظروف هؤلاء التي تحُول دون الرقيّ، إذْ يتسبب الاختلاط الذهني المتأتي من الخمر والميسر بالعداوة والبغضاء فتستيقظ فيهم الشحناء والكراهية، وهذا ما ينحّي إمكانيةَ الفلاح، لأن الشيطانَ ينشطُ أكثر ما ينشط في طريق الله، وقد فهمنا أنّ الإيمان هو أن يكون الله في ذات الإنسان فيرقى في الحياة بمقدار ذكر الله لأنه بالذِّكر يرقى، بهذا النشاط الذهنيّ يموضع نفسه في الوجود، وهذه رياضةٌ يمارسها يومياً في سعيه لفهم الكون ومعرفته، وكلما ازداد ذكراً لله ازداد اندفاعاً في سبيل الله، وهل من سبيلٍ أمام العاقل سوى المعرفة، وفي هذا السبيل يأخذ الشيطان كمائنه فيترصّد الهمّة الإنسانية المشحوذة، ليزيّن لها الانزلاق إلى الشهوات فيطيش العمل. ولا يكتفي الشيطان من جرّاء الخمر والميسر بالصدّ عن ذكر الله بل يتعدى إلى الصلاة. والصلاة هي الاستقامة في كلّ عمل هي التي تنهى عن الفحشاء والمنكر، هي أن يكون المرء موصول الشعور والوجدان بالله، في كل حركة أو سكنة من حركاته أو سكناته. وإذا انصرف الإنسان إلى الملاهي بعيداً من الاستقامة بسبب اختلاط ذهنه، فأيّ صلةٍ بينه وبين الله! ويأتي الطلب بالانتهاء عن معاقرة الرجس بصيغة الاستفهام ترفقاً وتلطفاً، فلو أنه قال ولم يقل: “الخمر والميسر مرتع الشيطان في عقولكم، يفعلان بكم كذا وكذا فانتهوا عنهما”؛ لكان الأمر دفعاً لهم باتجاه الانتهاء بوصفه إرادة الله لهم بمواجهة إرادة الشيطان؛ وهذا ما لا تريده الآيةُ الكريمة؛ بل يريد الله لهم الانتهاء بإرادتهم، فلذلك حرك أذهانهم باتجاه الإجابة عن السؤال ﺑ”هل” وبعد أنْ بيّن لهم مقاصد الشيطان العظيمة في ضلالهم وغيهم وانزلاقاتهم الشهوانيّة مع الخمر والميسر.

وفي هذا السياق يأتي أمر الله إلى الذين آمنوا ﴿وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَٱحْذَرُواْ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا ٱلْبَلاَغُ ٱلْمُبِينُ﴾ فما هو المعنى الذي منحته الآيات السابقات للفعل أطيعوا واقعاً على لفظ الجلالة مرةً ومرّةً على الرسول؟

تبيّنَ لنا أنّ النداء ﺑ”يا أيها الذين آمنوا” هو نداء مباشر من الله إلى هذه الفئة، وبما توافر لديّ من إمكاناتٍ؛ تبينتُ أنّ الآياتِ بأوامرها ونواهيها تتوخى تعديل سلوك الذين آمنوا بما يتلاءم مع فعل الإيمان الذي هم عليه، حتى يصبح ذلك السلوكُ الملائم سجيّةً تحققت لهم بكفاحهم ضدّ النفس الأمارة بالسوء، وضدّ عمل الشيطان بالإغواء والتضليل. وفهمت من هذه الآيات أيضاً أن سبيل الفلاح في الدنيا يكون بمقدار ما يتحقق من الاستقامة المعبَّر عنها بذكر الله والصلاة. إذن الطاعة هي الامتثال لأوامر الله ونواهيه، ويكون ذلك بتعديل السلوك ليتحول الذي آمن إلى مؤمن، وطاعة الرسول كذلك امتثال لأوامره ونواهيه، فهو رسول الله يأمر بما أمر الله وينهى عمّا نهى، وهو مكلَّف بتبليغ الرسالة، أوامر الله ونواهيه تتجاوز الظرف الزمني؛ فالاستقامة ليست مقيدة بظرف. بينما أوامر الرسول ونواهيه مقيدة بالظرف وناسه لكونهم المتلقي الذي له سلوكٌ ينافي الاستقامة وينبغي تعديلُه كما بدا للرسول الكريم في ذلك الواقع، وأنّ الواقع يتغيّر والناس مختلفون من زمن إلى زمن، ومن مكانٍ إلى مكان، فمدلول الاستقامة والرقي الإنساني سيختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة. وعليه لا يمكننا أن نفهمَ أمرَ الله بطاعةِ الرسول (ص) يشمل كل الخلق في كل مكانٍ وزمان، بل هو خاص بالمعنيين في ذلك الزمان. وتكرير فعل الطاعة هنا يأتي ليجعل طاعة الرسول طاعة أوامره ونواهيه وقد كانت تختلف من رجل لآخر، وهي طاعة مختلفة عن طاعة الله العابرة للأزمنة والأمكنة. فهل نفهم من ذلك أي إشارة إلى السنّة؟!!!

2: 5 الطاعة: تنقية النفس في العلاقة مع الآخرين

عندما نعرف أن الكلمة تأخذ أبعادها الدلالية من ورودها في سياق، فإنّ السياق الذي وردت فيه له ما يقتضيه حتماً، وبالتالي يكون المعنى الذي تأخذه الكلمة الموضوع مقيّداً بما اقتضى السياق، وهذا يلزمنا بتوضيح وجهة نظرنا في هذه المسألة، فنقول: إنّ قدسيّة النص لا علاقة لها بالقيد التاريخي، ولا بعدمه، بل لها علاقةٌ بكونه نصاً إلهيّاً، وليس شرطاً ليكون النص إلهياً أن يكون فوق التاريخ، ولا يعني ذلك أننا لا يمكننا رصد مقاصده واستثمارها في أيّ زمانٍ ومكان.

وإذْ نقول: “إنّ السياق الذي وردت فيه له ما يقتضيه حتماً” لا يعني أننا سنذهب باتجاه سرد أسباب النزول، بل نعني أن الأسلوبَ سيكون مرآةً تظهر فيها صورة ما يقتضيه على هذا النحو دون سواه. فإذا توقفنا عند أسباب توالي التأكيد ﺑ”إنّ” ثلاث مرّات في آية سبقت آيةَ الطاعة؛ فهذا سيدفعنا إلى تقدير الأسباب في واقع المخاطبين سواء كانت في سلوكهم أو في أفكارهم ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ ٱلأَمَانَاتِ إِلَىۤ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِٱلْعَدْلِ إِنَّ ٱللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً  يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ إِن كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ ذٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾

يستوقفنا في هذا الأسلوب الاستهلالُ بالتوكيد، ما يُلزم بالسؤال عن الضرورة التي أوجبت ذلك، وبتقديرنا ما كان النص يلجأ إلى التوكيد لولا أنّ سلوكهم اقتضى ذلك؛ فالموضوع هو أداء الأمانات إلى أهلها، والحكم بالعدل بين الناس، واستعمال “إنّ” يشير إلى أنّ المخاطبينَ لا يقومون بذلك أو أنّ نفوسهم تحدثهم بالتحفظ على الأمانات، وبالجور في الحكم بين الناس. ولو أنّ العبارة كانت “يأمركم الله أن…” لكان الاعتناء بالفعل مسنداً إلى الله واقعاً عليهم، مجرّدَ إخبارٍ يفترضُ أنّهم خلاة الذهن منه. ولا يعني ذلك أنَّ اضطراباً ما يعتري علاقتهم بالأمانة. وكذلك لو أنّ الآية كانت “الله يأمركم” لأوحى ذلك بأنهم يتلكأون في أداء الأمانة؛ ما اقتضى تقديم لفظ الجلالة لتحريض مكمن المهابة والإجلال عندهم دون استبطاء. أمّا وقد استخدم “إنّ” وتقديمَ لفظ الجلالة، فهو يرمي إلى دفعهم نحو تعديل مواجدهم بما يتناسب مع علاقتهم بالآمر، ولهذا أثر بالغٌ في رفع مكانتهم في الحياة لكونهم يمتثلون للأمر بوصفه أمراً إلهياً، ولكون المأمور به هو علاقتهم بالناس مؤتمنين على أشيائهم، وحاكمين بينهم فيما هم فيه يختلفون.

مرّةً أخرى يستخدم النصُّ “إنّ” لتؤكّد نسبة الوعظ إلى الله عزّ وجلّ، في الآية نفسها “إنّ اللهَ نعمّا يعظكم به”. فما الضرورة التي اقتضت أنْ يؤكّد ﺑ”إنّ” مرّة أخرى؟

ورد في المعاجم أنّ الوعظَ هو النصح والتذكير بالعواقب، وقال الخليل إنّ الوعظ هو التذكير بالخير. ولكن لم يردْ أنّ الوعظَ هو الأمر، فالتأكيد الوارد سابقاً، أكّد نسبةَ الأمر برد الأمانات إلى أهلها وبالحكم بالعدل إلى الله، وفهمنا وفق أسلوبيّةِ التعبير أن ذلك في صالح الاجتماع الإنساني، وإنْ كان المخاطبون هم الذين آمنوا بالله رباً، وبمحمّدٍ رسولاً ونبيا، وبالقرآن الكريم كتابا، وذلك أنهم – كما ينبغي- يعرفون الحق ولا يحقُّ لهم الانحراف أو الذهول عنه. وعليه يكون الأمر بصيغة المضارع فيه وصف لعلاقة الله بهم، وليس أمراً مباشراً لهم، وذلك ليكون علّةَ اندفاعهم باتجاه الخير. وقد أسلفنا أنّ تقديم لفظِ الجلالة من شأنه أن يؤدي هذه الدلالة.

وهنا أيضاً يقدّم لفظ الجلالة، مسنداً إليه فعل الوعظ واقعاً على المخاطبين، ما ينزل الأمر “يأمركم” منزلة الوعظ، لتحريض الهمم باتجاه الخير، فالتقديم هذا، من شأنه أن يرقى بأذهانهم في تقدير الواعظ الأعظم، فلا يتراخون في أوامر الله ونواهيه. وبخاصةٍ أن النص يخص ما يعظهم به بالمدح “نعمّا”.

ونلاحظُ أيضاً أن رد الأمانات ليس مظروفاً فيما الحكم بالعدل مظروف بظرف لما يستقبل من الزمان يتضمّن معنى الشرط “إذا”؛ فهل لذلك من دلالة؟

أنْ لا يكون ردّ الأمانةِ إلى أهلها مظروفاً؛ فذلك لأنّ الأمانة في المبدأ ينبغي أن تكون سجيّةً في النفس سواء كان هناك ما تؤتمنُ عليه النفس أو لم يكن، ومهما تكن الظروف. أمّا الحكم بين الناس فهو يقتضي وجود خصومة، لذا؛ كان ردّ الأمانة أمراً يتغيّا تأسيسَ مبدأ في الذين آمنوا، وأمر الحكم بالعدل يتغيّا تأسيس سلوكٍ في ظرف التنازع والخصومة.

وتختتم الآيةُ بالتأكيد ثالثةً، “إنّ اللهَ كانَ سميعاً بصيرا”.

فالتأكيد هنا ليس لمجرد نسبة السمع والبصر إلى الله، ولو أنّ الأمر كذلك؛ لكان يكفي أن يقولَ: “إنّ الله سميعٌ بصير” ولكنّ استخدام كان في هذا السياق من شأنه أنّ يجعلَ السمع والبصر في حال الدوام والاستمرار، والذي يقتضي إظهار ذلك، كونُ المرءِ كثيراً ما تحدثه نفسه ألا يردّ الأمانة إلى أهلها، وأن لا يعدل في فض الخصومات والمنازعات، فالأمانة تحت سمع الله وبصره، وكذلك العدل؛ فهما يحدثان في وجدان المرء أولا، فالوجدانُ يشهدُ صراعاً حاداً بين النفس الأمارة بالسوء والنفس اللوّامة، فإذا درى المرء أنّ الله سميع يغلب النفس اللوّامة، فيكون مظهره في السلوك مشهداً مستقيماً يحرص المرء على استقامته أكثر إذا كان يعلم أن الله بصير. والذي يؤكّد ما ذهبنا إليه، أن المسندَين إلى لفظ الجلالة سيقا على وزن فعيل الذي للمبالغة، ما يعني أن الله ليس فقط سامعاً ومبصرا؛ يحصل عنده السمع والبصر بالتزامن مع الأحداث، بل هو سميع بصير، ما يعني أنّ السمع والبصر شأنان من شؤونه الملازمة له سواء كان مسموعٌ أو لم يكن، وسواء كان مشهودٌ أو لم يكن. ومن شأن التأكيد هنا، أن يبيّن مدى الحاجة لأن يكون المرء أميناً بينه وبين نفسه، وبينه وبين الآخرين، ولأن يكون عادلاً في ظرف الحكومة بين الناس.

ويردف النصّ بعد هذه الآية بنداء الذين آمنوا، ليأمرهم بالطاعة، طاعة الله، وطاعة الرسول وأولي الأمر منكم؛ فأيّ معنى للطاعةِ يمكن أن تكونَ الآيةُ السابقةُ قد شحنتها به؟

إذا صحّ فهمنا للآية السابقة، فهذا يعني أنّ أمر الله يستهدف طويّة المخاطبين، فليعملوا على تنقيتها من سوء النيّة وإنْ عبرت في الخاطر. سواء كان ذلك في ردّ الأمانة إلى أهلها، أو في العدل أثناء الحكومة في الخصومات. إذن؛ تأخذ الطاعة أبعادها الدلاليّةَ هنا من هذه الأوامر، فهي باختصار تعني تنقية النفس، وهذا يتأتى من الالتزام بما عرفوا من أوامر الله، ومن الالتزام بالكيفية التي يطبق الرسولُ الكريمُ تلك الأوامر، وكذلك أولو الأمر. فطاعة الله مطلوبة، لكونها توفر المعرفةَ للذين آمنوا، وطاعة الرسولِ كذلك، لكونها تبيّن مظهر تلك الأوامر الإلهية في علاقته مع نفسه ومع الآخرين. لذلك كرّرَ النصّ لفظ الطاعة بصيغة الأمر ليجعل مسؤولية الذين آمنوا مسؤوليةً معرفيّةً إذْ يعرفون ماذا يأمر الله، ويجعل مسؤوليتهم سلوكيةK إذْ يعرفون كيف يريدهم الرسولُ (ص). وأن يقع فعل الطاعة على الرسولِ وأولي الأمر مسنداً إلى المخاطبين بأمر من الله، فذلك يجعلُ قادة الرأي في منزلة الرسولِ لجهة العلاقة مع الذين آمنوا. فهل يُفهمُ من ذلك أنّ الأمر بالطاعة تعني اتِّباع سنَّة الرسول وأولي الأمر على مدى الأزمان، أم أنه مقيّدٌ بزمن الرسول؟ بل يعني هذا أنّ طاعة أولياء الأمور واجبة في كل قطاع، وفي كلّ زمان ومكان. وهم ملزمون في تنقية طويتهم بما يرضي الله ورسوله، ولا يمكن أن تكون مرضاة الرسول إلا بتوخي ردّ الأمانة إلى أهلها وبالعدل. وحيث العدلُ فثَمَّ شرع الله.

ثمّ يعقب النصّ في هذه الآيةِ الكريمة بواسطة الفاء التي للتعقيب والترتيب” فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ إِن كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ ذٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً” ليبيّن لهم مسالك الطاعة في التنازع ما بين الذين آمنوا، أو بين الذين آمنوا وولاة الأمور في تطبيق أداء الأمانات أو الحكم بين الناس، فيأتي الأمر “ردّوه” في جواب الشرط “إن تنازعتم في شيء”.

الاشتراط ﺑ”إنْ” يحيل على احتمالات النزاع بين الحصول وعدمه، ما يعني أنّهم في واقع يتماسكون فيه حول ولاة أمورهم، لأنّهم كانوا سبباً في حصول فعل الإيمان لديهم، والخطاب لهم من باب التحرّز مما يفسد إيمانهم، واحتمال التنازع بينهم قائم. فيأتي الجواب “ردّوه إلى الله والرسول” وما غياب العلامة أولي الأمر هنا؛ إلا علامة على احتمال التنازع معهم. وعندها عليهم وولاة الأمر أن يُرجعوا ما اختلفوا فيه إلى الله والرسول، أيضاً بشرط استمرار إيمانكم بالله واليوم الآخر. كيف يمكن إرجاع المختَلَفِ فيه إلى الله والرسول؟ ولماذا لم يقل: “إنْ كنتم تؤمنون بالله والرسول”؟

بما أنّ الإيمان عندهم فعل حاصل، وليس اسماً ملازماً لهم، فاحتمال التنازع قائم في كلّ حين، وهم بحاجةٍ ماسّة إلى مرجعيّةٍ يرجعون إليها، وبما أنّ العقيدة الإيمانية قد وصلت إليهم عن طريق الدعاة أو عن طريق الرسولِ نفسه، فإنّ معرفتهم بالله تتأتّى لهم عن طريق الرسول أو عن طريق الدعاة، وبما أنّ ذلك يقتضي سلوكاً بتأثيرٍ من تلك المعرفةِ الأوّليّة، فإنّ سلوكهم بحاجةٍ إلى رعايةٍ مستمرّةٍ من ولاة أمرهم ومن أنفسهم، وبخاصّةٍ أنهم يواجهون في حياتهم، وبكثافة ما يعترض سلوكهم؛ فقد تسوء علاقتهم بأصدقائهم، أو بالغرباء عنهم، وقد يحصل من جرّاء ذلك ما يوقعهم في التردد والحيرة والاعتراض أو في الخطأ بعامّة. ولكونهم عرفوا الله؛ فأثر هذه المعرفة سيكون إجلال الله وخشيته، وتحسباً ليوم الحساب. إذن رُدّوا المتنازع فيه إلى الله والرسول، إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر، فلو قال بالله والرسول، لكان قرَّ في ذهن المخاطبِ أنّ الرسولَ مجرّدَ قائدٍ ينبغي الرجوع إليه في تصويب السلوك، ولكنه قال: “واليوم الآخر” علامةً على أنّ الرسول (ص) رسول الله إليكم، ليستقيم أمركم، ويثبّت إيمانكم، وليكون سلوككم في هذه الحياة، بتأثيرٍ من الإيمان بأنّ الله خالق كل شيء، وبأنّكم وأعمالَكم ستُعرضون عليه أخيراً، ويفصل بينكم فيما كنتم فيه تختلفون.

3: الخلاصة:

أضع الآن القلم، بعد أن عشت في رحاب القرآن الكريم، قارئاً باحثاً عن أمر محدود، هو معنى الطاعة، وذلك بهدف إعادة النظر باتباعيتنا، وإعادة صياغة حياتنا وفق حاجاتنا إلى العيش بكرامة بين الأمم، وحرصاً على هويّتنا وانتشالها مما يعيق إبداعها، فكانت النتيجة أن الطاعة تفترض وجود طرفين أحدهما يطلب (أمراً أو نهياً) والآخر يطيع ويمتثل، ولكون الأمر والنهي يرتبطان بالوقائع، فإن الامتثال والطاعة ينبغي أن يكونا بالتزامن مع تلك الوقائع؛ لذا، كان الأمر بطاعة الرسول أمراً إلهيا للجماعة التي زامنت الرسول في واقعهما المشترك وفي التأسيس لأمة مبدعة خلاقة. وقد تبيّنَ لي من خلال معاينة تلك الآيات الكريمات أنّ مفردة الطاعة كانت تختلف دلالاتها من آية لأخرى فهي تعني:

– قبول القسمة بعد معركة “بدر”، طاعة الله والرسول أخذت كلّ أبعادها الدلالية من كونها عنصراً من أربعة عناصر تشكل إجابةً عن سؤالهم عن الأنفال، وهي: الأنفال لله والرسول./ اتقوا الله./ أصلحوا ذات بينكم./ أطيعوا الله ورسوله.

– موافقة السلوك للمعتقد، فقد ورد الفعل “أطيعوا” في سورة آل عمران، “قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ” ضمن سلسلة من الآيات متعانقة بإحكام لتوجيه الرسول (ص) في مخاطبة الذين أوتوا نصيباً من الكتاب، باعتبارهم مؤمنين بالله جلَّ وعلا، ويعرفون نمط الخطاب الإلهي ومع ذلك يتولى فريق منهم وهم معرضون، ويسلكون في حياتهم بخلاف ما يؤمنون به.

– نسف الثقافة الجاهليّة، فقد كانت معصيته في “أحد” سبباً لهزيمة كارثية، إذْ إنّ الجشع والطمع اللذين أنزلا الرماة للمشاركة في الغنائم، كانا امتداداً للعقلية الربوية الجاهلية، فالأمر بالطاعة هنا يتغيّا نسف الثقافة الجاهلية، كما يتغيا الالتزام بالأمر العسكري.

– الطاعة: أمرٌ بالاستقامة. تبيّنَ لنا أنّ الآياتِ بأوامرها ونواهيها تتوخى تعديل سلوك الذين آمنوا بما يتلاءم مع فعل الإيمان الذي هم عليه، فالاستقامة ليست مقيدة بظرف. بينما أوامر الرسول ونواهيه مقيدة بالظرف وناسه لكونهم المتلقي الذي له سلوكٌ ينافي الاستقامة وينبغي تعديلُه كما بدا للرسول الكريم في ذلك الواقع، وأنّ الواقع يتغيّر والناس مختلفون من زمن إلى زمن، ومن مكانٍ إلى مكان، فمدلول الاستقامة والرقي الإنساني سيختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة. وعليه لا يمكننا أن نفهمَ أمرَ الله بطاعةِ الرسول (ص) يشمل كل الخلق في كل مكانٍ وزمان، بل هو خاص بالمعنيين في ذلك الزمان. وتكرير فعل الطاعة هنا يأتي ليجعل طاعة الرسول طاعة أوامره ونواهيه وقد كانت تختلف من رجل لآخر، وهي طاعة مختلفة عن طاعة الله العابرة للأزمنة والأمكنة. فهل نفهم من ذلك أي إشارة إلى السنّة؟!!!

– الطاعة: تنقية النفس في العلاقة مع الآخرين، وأن يقع فعل الطاعة على الرسولِ وأولي الأمر مسنداً إلى المخاطبين بأمر من الله، فذلك يجعلُ قادة الأمر في منزلة الرسولِ لجهة العلاقة مع الذين آمنوا. فهل يُفهمُ من ذلك أنّ الأمر بالطاعة تعني اتِّباع سنَّة الرسول وأولي الأمر على مدى الأزمان، أم أنه مقيّدٌ بزمن الرسول؟ بل يعني هذا أنّ طاعة أولياء الأمور واجبة في كل قطاع، وفي كلّ زمان ومكان. وهم ملزمون في تنقية طويتهم بما يرضي الله ورسوله، ولا يمكن أن تكون مرضاة الرسول إلا بتوخي ردّ الأمانة إلى أهلها وبالعدل. و”حيث العدلُ فثَمَّ شرع الله”.

تأسيساً على هذه الخلاصة، وتحت رعاية المجلس الأعلى للثقافة، أقترح ما يأتي:

1. انبثاق لجنة من هذا المؤتمر تأخذ على عاتقها تحديد المواضيع التي ينبغي إعادة النظر فيها بناء على رصدها في القرآن الكريم وفق قراءات ذكيّةٍ وعلمية جديدة.

2. عقد مؤتمرات تتلاقح فيها القراءات الجديدة المختلفة. وتتولى هذه اللجنة بالاتفاق مع المجلس الأعلى للثقافة تعيين الموضوعات، وتوجيه الدعوات.

3. اتخاذ موقع على الشبكة العنكبوتية تولى نشر الأبحاث والمقالات والإعلام، بإشراف المجلس الأعلى للثقافة.

4. وأخيراً إنّ ما توصلت إليه في معاينتي للآيات التي تناولت مفهوم الطاعة، لا تمثل قراءة نهائية بل تتحمل النقد وربما النقض، والتصويب وغير ذلك.

ولكم جزيل الشكر

 

* بحث تقدم به د. سعد كموني في الملتقى الدولي لتجديد الخطاب الثقافي بدعوة من المجلس الأعلى للثقافة في جمهورية مصر العربية في الفترة ما بين 29 و31 مايو 2016.