الحوار الاول ..

 

إن كان موتي سيحُلُّ المشاكل فإنني راضٍ بأن أموت ألف مرة!”

س: تعيشون في منفًى تطوّعيّ بالولايات المتّحدة الأمريكيّة منذ سنواتٍ طويلةٍ، فلماذا؟

ج: أشعر بأن بقائي هنا أفضل من الناحية الصحيّة، وأخشى من أن تستغلّ بعض الأوساط عودتي إلى تركيا وتتّخذها ذريعةً لرفع حدّة التوتّر السائدة حاليًّا إلى أسوأ ممّا هي عليه الآن، ولقد تعرضتُ لمضايقاتٍ قضائيّةٍ -إن جاز التعبير- كثيرةٍ عقب انقلاب الثامن والعشرين من فبراير ١٩٩٧م، على يد السلطات القضائيّة التي كانت تعمل بتوجيهٍ من السلطات العسكريّة، إثر تعرُّضي أيضًا لافتراءاتٍ وحملات تشويهٍ ممنهجةٍ عبر وسائل الإعلام، وقد ثبت قضائيًّا أن تلك الاتّهامات باطلةٌ لا أصل لها ولا سند ولا دليل، وللأسف الشديد؛ تُوجّه اليوم أيضًا أنواعٌ شتّى من الاتّهامات والافتراءات عبر وسائل الإعلام، وتُشنُّ حملةٌ تشويهيّةٌ ضدّي؛ وفي مثل هذه الظروف أفضّل البقاء هنا نزولًا على نصيحة الأطبّاء.

لو علمتُ أن موتي سيكون حلًّا لما تتعرّض له تركيا من مشاكل؛ لاخترتُ أن أموت في اليوم ألف مرّةٍ، وإنني لأفضّلُ البقاء هنا، وأن أَكبِتَ أشواقي إلى وطني وأدفنها في أعماق قلبي؛ لكي لا أعطي مبرّرًا لمن يريدون اغتيال أمن تركيا وسلامها واستقرارها.

س: إنّكم -بالتأكيد- تتابعون عن كثبٍ الأحداث الجارية في تركيا، فكيف تقيّمون اللحظة الراهنة التي تعيش فيها بلادكم اضطرابات اجتماعيّة قويّةً؟

ج: إن التزوير والتضليل الذي تمارسه بعض وسائل الإعلام يهدف إلى استقطاب المجتمع وإحداث انقسامٍ بين أفراده، ولذلك ينبغي لمن أحرزوا مواقع مهمّة من المسؤولية أن ينتبهوا لما يقولونه؛ فقد عاشت تركيا كثيرًا من الآلام في الماضي، واعتدى الشباب بعضهم على بعض في الشوارع كما لو كانوا أعداءً ألدّاء؛ فتعاقبت حوادث القتل والإصابات تترا، وظهرت المجموعات التي يتبنّى كلٌّ منها فكرةً سياسيّةً مخالفةً لجميع الفصائل والمنظومات الاجتماعيّة الأخرى، ونظرت كل فرقةٍ إلى غيرها بجنون واضطهاد، وكأن بعضها ستفترس بعضًا، وأُدخِلتِ العداوة إلى القلوب واستُعديَ الجميعُ؛ كلٌّ على الآخر: اليميني على اليساري، والتركي والكردي والعلوي والسنيّ على الآخر، والمتديّن على غير المتديّن.

وتقع على عاتق أولي الأمر وصنّاع القرار مسؤوليّةٌ كبيرةٌ وواجبٌ عظيمٌ من أجل الحفاظ على السلم والهدوء والمكتسبات الديمقراطية التي حقّقناها في السنوات الأخيرة، إلا أنني لستُ أدري ما مدى إدراكهم لهذا؟ إنني لم ولن أفقد في أيّ وقتٍ أملي في أننا سنتغلّب على كلِّ هذا بحول الله وطوله، غير أن لكلّ شيءٍ وقتًا مرهونًا به، وهنا يقع على عاتقنا نحن الدعاءُ إلى الله، والتضرّع والابتهال إليه، وتجنّبُ التصرّفات والسلوكيّات التي تزيد من الاستقطاب والانقسام، فيجب ألا نواجه من يضربنا بمثل فعله، ولا مَن يشتمنا بمثل قوله.

وما أجمل قول “يونس أمره”:

“على الدرويش أن يكون بلا يدٍ لمن ضربه

وبِلا لسان لمن شَتَمَه

وبلا قلب (حتى لا يغضب)

وإلا فلن تكون درويشًا”.

س: بدا رئيس الوزراء السيد رجب طيّب أردوغان وكأنّه يهاجمكم في الآونة الأخيرة، تلميحًا أحيانًا، وتصريحا أخرى. وتحدث عن وجود “إمبراطورية خوفٍ” شكلتها منظّمة مناوئة للقضاء والشرطة على وجه الخصوص، وفي اجتماعٍ عقده مع سفراء تركيا في مدينة “أنقرة” اتّهم أنصار تلك المنظّمة بتدبير محاولة للانقلاب، وذلك على إثر فضيحة الفساد التي تفجّرت في شهر ديسمبر 2013م، ويرى رئيس الوزراء التركي أن الهدف من ورائها ليس إسقاطَ حزبٍ معيّنٍ ولا حكومةٍ بعينها؛ وإنما الهدف إسقاط الدولة ومصالح الدولة ومؤسّسات الدولة الوطنيّة وسياساتها القوميّة، الهدف هو تركيا، ستةٌ وسبعون مليون تركي، حتى إن أردوغان يقول: “يستحيل التعبير عن هذه المساعي بمصطلح آخر سوى الخيانة”. فكيف تردون أنتم على هذا النوع من التحليلات والاتهامات؟

ج: الصواب أنني أنا أيضا أجد صعوبة ومشقة في فهم هذا النوع من التصريحات غير المسؤولة، فالجميع يعلمون مدى التقدير الذي تحظى به أنشطة هذه الحركة الإنسانيّة في تركيا وخارجها من أجل الإنسانية بما في ذلك السيد رئيس الوزراء والأشخاص العاملون في مناصب مهمّة في دوائر الدولة. ومن ثم فإن مخاصمتَهم هذه الحركةَ الإنسانية فجأة -بعد تقديرٍ وصداقةٍ دامت ما يزيد عن عشر سنواتٍ- واتهامَهم إياها بمزاعم لا أساس لها من الصحّة يشكّلُ في المقام الأوّل تناقضًا مع تصريحاتهم أنفسهم وبياناتهم السابقة، وإنّ تحريك المسألة من قضيّة الفساد وتقديمها على أنها صراع على السلطة السياسية ربما يخدم مصالح البعض، ويبدو وكأنه سعي ومحاولة لنقلها من الإطار القانونيّ إلى الإطار السياسيّ وتثبيتها فيه، ونحنُ وإن كنا ننتهجُ ونرى -أساسًا- براءةَ ذمّة الآخرين؛
إلا أن العامّة والخاصّة من الشعب تكوّنت لديهم قناعةٌ مشتركةٌ بشأن وجود واقعة فسادٍ بالفعل[1]، وتعضدُ هذا الأمر وتشيرُ إليه؛ الأدلّة الظاهرة على وسائل الإعلام والوزراء المستقيلون وتصريحات نوّاب الشعب.

ومثل هذه الوقائع من الفساد والاختلاس تحدث في الدول الديمقراطية أيضًا، إلا أنها لا تُقابل وتُفهم على أنها محاولة للانقلاب
ولا على أنها خيانة، فإن كان هناك مسؤولون عنها تقوم المحاكم بتحديدهم وإحضارهم للعدالةِ ومعاقبتهم وفق القانون، بينما تواصل الحكومات مسيرتها وعملها؛ دون تدخّلٍ في العمل القضائي، وما يحدث في تركيا يشبه كثيرًا ما هو موجود في البلاد التي يحكمها الحزب الواحد أو الفرد الواحد، فاعتبار هذه التحقيقات انقلابًا دون توفّر الأدلّة على ذلك؛ لا يمكن تفسيره إلا بأنه نوع من الهذيان.

س: هلّا وضحتم لنا أهداف حركتكم الرئيسة؟ ما هي المطالب الاجتماعيّة والدينيّة والسياسيّة التي ترمون إلى تحقيقها؟ وما هو اقتراحكم من أجل الخروج من هذه الأزمة؟

ج: بالنسبةِ إلى هذا المحور أو هذه الناحية؛ فقد ركّز الإخوة على الأنشطة التعليميّة لأجل الإنسان وحلّ مشكلاته، فأنشؤوا دور السكن الطلابيّة والمدارس والمراكز التعليميّة وقاعات الاطّلاع، وقدّموا الخدمات التعليميّة، وقد فتح أهل البلاد ومسؤولوها أيضًا أحضانهم لهذه الحركة الإنسانيّة، ودخلوا معها في أنشطةٍ جادّةٍ وحقيقيةٍ في مجالاتٍ عدّةٍ مثل المساعدات الإنسانيّة والخدمات الصحّيّة[2] والحوار.

والغاية المنتظرة والمنشودة من هذه النشاطات هي السير والتقدّم سويًّا نحو عالمٍ يسوده الهدوء والطمأنينة وتعتزّ فيه الإنسانيّة بعضها ببعض، ويُتبادل الاحترام بين جميع الفئات المجتمعيّة والفكرية والمذهبية، ونحن نؤمن بأن رضا الله تعالى يكمن في ذلك، وليس لنا أيّ طموحٍ أو غايةٍ أخرى سوى ذلك، وقد تبلورت علاقتنا بالسياسة في صورة الإدلاء بالرأي فحسب حول قِيَمٍ معيّنة، ولم نتحالف أو ننخرط مع أي حزبٍ سياسيٍّ على الإطلاق، ونحن -باعتبارنا مواطنين- لم نرغب في شيءٍ سوى احترام الحقوق والقانون والمبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان العالميّة وحريّاته المشروعة، لم نساوم في أي وقتٍ على أيّ شيءٍ، ولم نبحث يومًا ما عن أيّ منصبٍ أو سلطةٍ سياسيّة.

أما بالنسبة للأزمة الحاليّة فإن الأصل بشأن الأفراد هو براءة الذمّة كما أسلفت آنفًا، إلا أن ثَمّة تحقيقات تجرى حول وقوع عمليّة فسادٍ ماليٍّ، والدولة تضغط بكلّ قواها على المدّعي العام ورجال الأمن الذين لا يملكون شيئًا في هذا الشأن سوى الوفاء بواجبهم ومسؤولياتهم، وفي الوقت نفسه ثمّة سعيٌ حثيث وعملٌ ممنهجٌ لتشويه هذه الحركة الإنسانيّة الكبيرة عبر الصحافة ووسائل الإعلام المسموعةِ والمقروءة، وكما قال البعض فإن هناك سعيًا حثيثًا ومحاولةً لإخضاع القضاء لأمر السلطة التنفيذيّة، ولعلّ المخرج من هذه الأزمة يتمثّل في احترام الحقوق والقانون والمبادئ الديمقراطية وفقًا لمعايير الاتّحاد الأوربّي الذي ترشّحت تركيا لعضويّته.

س: تبدو حركتكم منذ سنوات وكأنّها في حالة تحالفٍ واتّفاقٍ مع حزب العدالة والتنمية، بما في ذلك إقصاء العسكر عن السلطة، إذن فلماذا قرّر رئيس الوزراء إغلاق مدارسكم الخاصّة ومراكزكم التعليميّة؟

ج: لقد صوّتنا لصالح مَن هم في الحكم اليوم وشجّعنا الآخرين للتصويت لصالحهم، وذلك من أجل إرساء وترسيخ المبادئ والأسس العامّة، وهذا في أوقات الانتخابات فقط، فإن سُمّيَ هذا اتّفاقًا؛ فهو شيء من هذا القبيل، إلا أنه لم ولن يكون لدينا أيُّ مطمحٍ سياسيٍّ في أيّ وقت، وقد كنّا -وما زلنا- ننتقد كلّ خطإٍ أو انحرافٍ يقع، فنحنُ لم نغيّر موقفنا ولم نستبدل منهجنا، وبالتالي؛ فإن المَعْنِيَّ بالإجابة عن سؤالك هذا هو السيد رئيس الوزراء.

س: تركيا في أوروبّا… يبدو أن وتيرة مسار اندماج أنقرة بأوروبا قد تباطأت! فما هو موقفكم من ذلك؟

ج: إن رحلة تركيا في الاتّحاد الأوروبّيّ هي هدفٌ من أهداف السياسة التركيّة، وقضية تحقّق حولها التوافق المجتمعيّ، ونحن أيضًا دعمناها، وقد ذكرتُ قبل سنواتٍ أن الطرفين سيُفيدان ويستفيدان من عضويّة تركيا بالاتحاد الأوروبّيّ، فموقفنا على حاله لم يتغيّر.

س: جئتم إلى الفاتيكان عام 1998م، والتقيتم بالبابا “يوحنا بولس الثاني”، فهل دارت بينكم وبين الفاتيكان لقاءاتٌ أخرى؟ وكيف تُقَيِّمون تولي البابا “فرنسيس” الباباويّة؟ والإصلاحات التي حدّدها؟

ج: إن الحوار من وجهة نظرنا هو وسيلة من وسائل تلاقي واجتماع النسيج الإنسانيّ على مائدةٍ واحدةٍ، وهو البداية الصحيحة لإزالة القناعات والظنون الخاطئة لدى كل فرقةٍ تجاه الأخرى، وللعِلم فإنني لم ألتق بـ”البابا فرنسيس”، وقد قدّر العالمُ وقابل باحترامٍ انفتاحَه على الحوار.

هوامش ..

[1] وفقا للخبر الذي بثه الموقع الأخباري الإلكتروني التركي ت24 (www.t24.com.tr) في 6 فبراير 2014م أجرت إحدى شركات استطلاع الرأي وتسمى “قوندة (Konda)” استطلاعا كشف عن أن 77% من الشعب يعتقد أن أبناء الوزراء حصلوا على رشاوي. ويفيد الاستطلاع أيضا أن نسبة من يصدقون ادعاءات الاختلاسات بلغت 62%.
[2] جمعية “هل مِنْ مُغِيث؟ (Kimse Yok Mu?)” إحدى جمعيات العمل المدني العالمية المؤسسة في 03 يناير 2002م، ويعمل معها عشرات الآلاف من المتطوعين، وهي تقدم المساعدات الإنسانية في كل أنحاء العالم دون أدنى تميز بسبب الدين واللغة والعرق والنوع.
وتواصل الجمعية نشاطاتها وفعالياتها في محافظات تركيا ال 81 عبر 40 فرعا لها، وفي 110 دول بالعالم. وهي عضو استشاري بالمجلس الاقتصادي والاجتماعي للأمم المتحدة (ECOSOC). وقد فازت الجمعية في 10 يوليو بـ”جائزة البرلمان التركي لأفضل الخدمات المقدمة”. ومنذ عام 2010م وحتى اليوم وهي تعمل بالتعاون مع المفوضية العليا للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR) من أجل توفير احتياجات اللاجئين في تركيا في مجالات مثل الصحة والتعليم والغذاء. وجمعية “هل مِنْ مُغِيث؟” العاملة في كل الأماكن والظروف التي يُتعرَّضُ فيها للفقر والحاجة تمثل وسيلة لحل ثابت ودائم لكثير من مشكلات أصحاب الاحتياجات في تركيا وخارجها على حد سواء في مجالات مثل المساعدات الإنسانية والمساعدات الثابتة ومساعدات الأزمات والظروف الطارئة والتعليم والصحة ومساعدة الأيتام وتوفير المياه النقية.
وتأتي فلسطين وغزة على رأس المساعدات التي تقوم بها الجمعية خارج تركيا. ومنذ 2006م وحتى الآن تزداد تدريجيا فعاليات المساعدات والمعونات التي تقدمها الجمعية في المنطقة. قدمت الجمعية حتى اليوم مساعدات إنسانية عينية لفلسطين بقيمة 6 ملايين دولار، كما دعمت المنطقة وساعدتها في الشهور الأخيرة فحسب بما قيمته مليون و250 ألف دولار. كما أن الجمعية خصصت 1.5 مليون دولار أخرى لأهالي غزة، ولا تزال تواصل أعمالها في تضميد جراح المنطقة.
وقد اكتسبت صفة “الجمعية العاملة للصالح العام” بقرار مجلس الوزراء الصادر في 19 يناير 2006م. كما حصلت بقرار مجلس الوزراء الصادر في 6 فبراير 2007م على صلاحية “جمع التبرعات دون تصريح”، إلا أن هذه الصلاحية أُلغيت من التنفيذ بقرار مجلس الوزراء الصادر في 22 سبتمبر 2014م؛ فقامت الجمعية برفع دعوى قضائية ضد هذا القرار الأخير لدى محكمة مجلس شورى الدولة في 2 أكتوبر 2014م تطالب فيها بوقف القرار من التنفيذ، وبالفعل تم إلغاء القرار.

حوار أجراه الصحفي الإيطالي (Ansaldo Marco) مع الأستاذ فتح الله كولن، نشر في الجريدة الإيطالية (La Repubblica) (الجمهورية) في تاريخ 28 آذار/مارس 2014م.

****

الحوار الثاني..

س: كانت لكم علاقات جيدة مع حزب “أردوغان”، ما الذي تغير فيما بعد؟

ج: قدّم حزب العدالة والتنمية منذ تأسيسه عام (2002م) وعودًا بإحلال الديمقراطية وحقوق الإنسان وتحقيق عضوية تركيا في الاتحاد الأوروبي والقضاء على الفساد وإنهاء تهميش الأشخاص ذوي التوجهات والأفكار المختلفة والتنمية الاقتصادية، وبصراحة: فلقد اتخذ إجراءات تؤكّد صدقَ هذه الوعود، وعليه قمنا بدورنا بدعمه ومؤازرته.

إلا أنه عقب انتخابه للمرة الثالثة في انتخابات (2011م) بدأ في اتخاذ إجراءات معاكسة تماما للمكاسب الديمقراطية، فعلى سبيل المثال إذا ما فكرنا في الإجراءات التي أقدم عليها الحزب -مثل ممارسة أعمال القمع ضد وسائل الإعلام ومنح جهاز المخابرات صلاحيات كبيرة وتطبيقه الأساليب الشبيهة بما كان يمارسه جهاز أمن الدولة والمخابرات في ألمانيا الشرقية القديمة “شتازي” [1] والتصرفات التي واجهت المتظاهرين الذين يعترضون في إطار ديمقراطي والكثير من الإجراءات المشابهة لذلك-؛ سيظهر لنا عندئذٍ عودتنا للوراء في المكاسب الديمقراطية.

وفي نهاية المطاف أعلنتني الحكومة بأنني عدو لها؛ حتى يتمّ التستر على أعمال الفساد ويتمّ تأسيس كيان استبدادي، إلا أننا لدينا مثل تركي يقول “إن شمعة الكذاب تشتعل إلى وقت العشاء” (أي إن عمر الكذب قصير جدًا).

س: وقفتم إلى جانب أردوغان في تقليص نفوذ الوصاية العسكرية في تركيا، هل هذا أصبح من الماضي؟

ج: إن الطغمة العسكرية أقدمت على عمل أربعة انقلابات في أعوام (1960م) و(1971م) و(1980م) و(1997م)، وإن الحكومات التي جاءت إلى سدّة الحكم عن طريق الانتخابات تم إسقاطها بتلك الانقلابات، وتمت مساءلة عشرات الآلاف من الناس وزُجَّ بهم في السجون وعُذب أغلبهم أثناء الإدارات الانقلابية، وشهدت تركيا أحداثًا لا يمكن أن يصدّقها العقل خلال مرحلة ترشح تركيا لعضوية الاتحاد الأوروبي، ثم قُدِّم موضوع محاكمة الضباط الذين تولّوا الانقلابات العسكرية في محاكم مدنيّة عبر استفتاء في عام (2010م) لإدخال تعديلات على الدستور للتمكّن من القيام بذلك، وأيّد ثمانية وخمسون في المئة من الشعب التركي هذا القرار.

وبعد التخلّص من الوصاية العسكرية مباشرة تم تشكيل وصاية حزبية أسستها الحكومة مع إلغاء استقلالية القضاء، وذلك عقب ربط كل شيء بالجهاز التنفيذي وإلغاء دور ومهام هيئات الرقابة، ومثلما عارضنا الوصاية العسكرية في وقت من الأوقات فنحن نقف اليوم أيضًا ضد الوصاية الحزبية، ولهذا السبب تمّ وصفنا بأننا خائنون.

س: إلى أين تسير تركيا؟

ج: إن الجمهورية التركية أصبحت في الآونة الأخيرة دولة يحكمها حزبٌ واحد بخلاف ما نص عليه الدستور التركي من كونها دولة ديمقراطية وعلمانية ودولة قانون اجتماعية، لدرجة أنها تعطي انطباعا بأنها آلت إلى وضعية دولةٍ يحكمها رجلٌ واحد، إن تركيا اليوم تشهد حالةً من الاستقطاب على الصعيد الداخلي وتعيشُ عزلةً وفقدانَ اعتبارٍ على الصعيد العالمي، وأنا أشعر بحزنٍ بالغٍ إزاءَ ما آلت إليه بلادي.

س: أردوغان يقول إنه يرغب في تنشئة جيل ذي طابع متدين، ألا تريدون أنتم أيضًا الشيء نفسه؟

ج: ليس من مهام الدولة أن تجبر شعبها على مبادئ دين بعينه وتنشئ جيلًا جديدًا على هذا الطبع، لأن ذلك يحمل في طيّاته إجبارًا وإكراهًا للآخرين، وبما أن الحرية الدينيّة تدخل ضمن الحقوق الإنسانية الأساسية، فإن على الدولة أن تمهّد أرضيّة ملائمةً لجميع المواطنين أيّا كان دينهم ليمارسوا معتقداتهم ويعلّموها أبناءهم.

والذي كان على “أردوغان” -كرئيسٍ للسلطة التنفيذيّة- هو أن يحميَ حقوق الفئات التي تُمثّل أقلّيّاتٍ دينيّة أيضًا من خلال تعديلات قانونيّة، وذلك أثناء فترة حكمه البالغة اثني عشر عامًا والتي سيطرت فيها السلطة التنفيذية، ومدى تحقق هذا من عدمه أمر مطروح للنقاش. وعلى الإنسان المتدين ألا يتنازل عن الحق والعدالة، وأنا أنشد جيلًا متدينًا بهذا المعنى، لكن إذا كان المقصود هو جيلًا ليس له دراية بدينه ويسعى لبثّ الفتنة بين طبقات المجتمع ولتفرقته ونثر بذور الفتنة بينهم بكل سهولة ويُسرٍ؛ فستكون إجابتي على هذا صريحة واضحة.. لا وكلا.

س: ما تعليقكم على قصر رئاسة الجمهورية الجديد لأردوغان “القصر الأبيض”؟

ج: كل دولة لديها الحاجة إلى مباني لتمثيلها، إلا أنه كان يمكن توسيع المباني الموجودة حاليًّا بدلًا من تشييد قصرٍ يضمّ أكثر من ألف غرفة، وكانت المحكمة ستوقف تشييد القصر لولا تدخّل أردوغان في هذا الموضوع والحيلولة دون هذا القرار، وإن مثل هذه الإجراءات تنقص احترام المواطن للقوانين والعدالة، بالمناسبة فإن أبهى وأترف قصور العثمانيّين شُيّدت في فترة تدهوُر وسقوط الدولة، ونحن اليوم نرى أن الكثير من مكاتب رؤساء الجمهوريات في العالم تقع في مبان متواضعة للغاية، وقضية القصر هذه أضرت بسمعة تركيا؛ كما أن ستّين بالمائة من الشعب التركي يرون هذا إسرافًا، ولو تناولنا عملية البناء هذه من الناحية الشرعية فهي حرام.

س: أردوغان يزعم أن محبيكم تسرّبوا إلى مؤسسات الدولة، ما تعليقكم على ذلك؟

ج: إن المواطن لا يتسرّب إلى مؤسّسات دولته، هذا وصفٌ خاطئ، بل يدخلها ويقدّم من خلالها الخدمات لبلده، ويمكن لكلّ من تتوفر فيه الأهليّة والشروط المطلوبة أن يُصبح موظّفًا في الدولة، لكن هل الذي يزعجهم في ذلك هو عدم مبايعة هؤلاء لهم وعدم انصياعهم لقراراتهم الشخصية؟!

النظام السياسي الحالي لم يصنّف فقط المحبين لحركة الخدمة من الموظفين ضمن الفئات التي يزعمون أنها تضر بالدولة، بل طال هذا التصنيفُ كلّ من يقف بعيدًا عن الحكومة أو يرغب في عدم المشاركة في أيٍّ من فعالياتها. وهذا ما سمّي بـ”مطاردة الساحرات”.

س: كم هي نسبة المنتمين إلى الخدمة من الموظّفين المفصولين من أعمالهم؟

ج: أنا لا أعرف حتى عشرة في المئة من الذين ينتمون لهذه الحركة، ومع مرور الوقت سيعرف الجميع أن معظم المذكورين من رجال القضاء والأمن والمعلمين ليسوا على علاقة بالحركة، ومن المحتمل أن تكون الحكومة قد فعلَتْ كلّ ذلك لدافِعَين اثنين:

أولهما: أنهم يحاولون إظهار حركة الخدمة على أنها تهديد كبيرٌ وذلك من خلال تصنيف شخصيات عديدةٍ لانتماءها للحركة.

وثانيهما: رغبتهم في القضاء على كلّ من لم يقدم البيعة لهم، كما اعترف بذلك أحد الشخصيات البارزة داخل حزب العدالة والتنمية في الفترة الأخيرة.

س: ما تعليقكم على أعمال الفساد؟

ج: لم يعرف أحدٌ حقيقةَ الأمر بسبب عدم تفعيل العملية القانونية والحيلولة دون مواصلة التحقيق في القضية، ولو حدث مثل هذا في الغرب لاستقالت الحكومات إزاء هذه الاتهامات، إلا أن “أنقرة” وصفت هذه التحقيقات على أنها مؤامرة دولية ضدّها وهي العادة المتبعة دائمًا لدى الأنظمة الاستبدادية.

س: هل تعرضت حركة الخدمة لفقد في قوتها؟

ج: لا يمكن أن ننكر أن مفهوم حركة الخدمة مسّه الضرر لدى المجتمع بشكل عام نتيجة حملات التشويه والافتراءات الموجهة ضدّ الحركة عبر وسائل الإعلام التي تسيطر عليها الحكومة، إذ إنهم يُرعبون الناس من إرسال أولادهم إلى مدارس الخدمة المعروفة بجودتها وكفاءتها وعدم تقديم التبرعات لجمعيات المساعدة التابعة للحركة، وأرى أنه لا شكّ في أن تأثير هذه الحملات السوداء المبنيّة على أكاذيب وافتراءات على المجتمع؛ سينقلب ضدهم عمّا قريب بمجرّد الكشف عن أكاذيبهم.

يريدون إغلاق جميع مدارسكم الموجودة في تركيا…

حظيت هذه المدارس حتى الآن بمزيد من التقدير ونالت كثيرًا من الجوائز، فإن كانت تركيا دولة قانون بالفعل فإننا لا نتوقع أن يلحق هذه المدارس ضررٌ ما، وإلا فإن الخاسر هو تركيا.

س: أُغلقت بعض مدارس الخدمة في آسيا الوسطى مؤخرًا، فهل لـ”أنقرة” يد في هذا؟

ج: الحكومة التركية تستخدم أساليب متباينة تختلف بحسب ظروف كل مكان؛ فتصف الخدمةَ مثلًا في مناطق الاتحاد السوفيتي السابق بـ”العمالة لأمريكا”، بينما تصفها في أمريكا بـ”الرجعية”، أما في البلاد الإسلامية فتنعتها بـ”خلْق جيل من الملحدين”، وهذه كلها افتراءات ينقض بعضها بعضًا، تسير الحكومة وفق منهج نفعيّ تمامًا، إلا أن جسور الصداقة القائمة بين تركيا والعالم تنهار بهذا ويلحق الضررُ علاقاتِها مع العالم، فتمتد حالةُ جنون العظمة الراهنة إلى خارج تركيا أيضًا.

س: وصَفكم سفيرٌ أمريكي سابق بـ”الشخصية الثانية الأكثر أهمية في تركيا”، ما تعليقكم على هذا؟

ج: أستغفر الله! إن الذين يعرفونني من قريبٍ أو بعيدٍ يعرفون شخصيّتي جيّدًا إذ إنني لم أرغب في أيّ فترةٍ من فترات حياتي أن أكون رجلًا مشهورًا ذائع الصيت، ولم أحاول من خلاله قطّ أن أحصل على مصلحة شخصية سواء كانت ماديةً أو معنوية، وحياتي البالغة ستةً وسبعين عامًا خيرُ شاهدٍ ودليلٍ على ذلك، وإذا كانت هناك نجاحات مبجلة لهذه الحركة فيجب أن تُنسَبَ إلى هؤلاء المتطوعين الذين أخلصوا في رسالتهم فنذروا أرواحهم لخدمة الإنسانية.

س: هل ستستمر حركة الخدمة بعدكم؟

ج: حتى الناس الذين لا يتشاطرون معنا ولو بنسبةِ واحدٍ في المائة وجهةَ نظرنا في الحياة؛ قاموا بدعمنا، ذلك لأن الفكرة والقواسمَ المشتركة بيننا كانت -وما تزال- هي القِيَمَ الإنسانية، فهناك أناسٌ لم أتعرّف عليهم قطّ في “إفريقيا” قدّموا مساعداتٍ لمدارسنا ومستشفياتنا، -مع أننا لم نسألهم شيئًا-، وإني كلّما ولجْتُ فراشي أفكّر في أنني قد لا أستيقط مرّةً أخرى، إلا أنني لا يراودني أدنى خوف أو قلق فيما يتعلّق بمستقبل هذه الحركة.

س: هل تفكرون في العودة إلى تركيا؟

ج: أتحرق شوقًا لبلدي، فأنا إنسانٌ عاطفيٌّ، إن أهلي وأقاربي وأصدقائي في تركيا، وأنا لم أنعزل أصلًا عن أصولي وجوهري، وقد توفّي أخي قبل أسبوعين، وللأسف الشديد لم أتمكّن من حضور جنازته، ولم أحضر جنازة أحد أقاربي من قبل، أمضيت ستين عامًا من عمري في تركيا، وأنا -كإنسان عاطفيّ ذي مشاعر جيّاشة- لديّ تعلّقٌ قويٌّ بالأماكن والمناظر والأشياء التي ألفتها، وعندما تلوح أمام عيني مشاهد لقريتي “كُورُوجُوكْ ” حيث قبرُ أبي وجدّي وجدّتي ومنزلي، وكذلك كلٌّ من مدرسة “بُوزْيَقا” و”يامانْلَر” اللذين قضيت فيهما سنين طويلة، وفيهما مكتبتي وكُتُبي، وفي كل زاويةٍ من زواياهما ألف ذكرى وذكرى تخصني؛ لا أتمالك نفسي من سكب العبرات علّها تهوّن علي غربتي وحزني، لكن إن عُدت إلى تركيا في هذه الفترة قد يستغلّ وجودي هناك بعض الناس من ذوي الرتب العالية في الدولة من أجل نواياهم السيئة.

س: هل تفكرون في المصالحة مع أردوغان؟

ج: لسنا نحن من بدأ هذه الخصومة، لذا ينبغي عليهم -إن أرادوا المصالحة- أن يتّخذوا هم الخطوة الأولى للمصالحة، وإذا قال أردوغان يومًا “إن كل ما قلناه عن الخدمة عبارةٌ عن أكاذيب وافتراءاتٍ”؛ عند ذلك سأجنح أنا أيضًا إلى السلم والمصالحة.

س: هل هناك شيء يسعدكم بالرغم من كل ما يحدث؟

ج: أنا لم أشعر قطّ بسعادة طويلة الأمد، إذ تمّت ملاحقتي في تركيا عقب كلّ انقلابٍ عسكريّ، إلا أن ما أشعر به الآن أكثر وطأةً من كل ما سبق، لكن الطرف الرائع والجميل فيما يحدث هو أن الألماسَ بدأ ينفصل عن الفحم شيئًا فشيئًا، وبات العالم يعي ويُدرك جيّدًا حقيقة هذه الحركة، حركة الخدمة.

*هوامش

[1]شتازي هو وزارة أمن الدولة في ألمانيا الشرقية (سابقا) المعروف اختصارا بـ “شتازي” وهي اختصار للكلمة الألمانية (Staatssicherheit).

حوار أجراه الصحفي الألماني (Schlötzer Christiane) مع الأستاذ فتح الله كولن، نشر في الجريدة الألمانية (Süddeutsche Zeitung) في تاريخ 14 ديسمبر/كانون الأول 2014م.