س: كيف تصفون حركة “الخدمة”؟[1] وكيف تعرّفون “أتباعكم”؟ وما الذي يجمعهم في مشروع واحد؟

ج: شخصيا، لا أرى من المناسب تسمية هؤلاء بـ”الأتباع”، سواء لي أو لأي شخص آخر. أكّدتُ مرارًا أنه يؤلمني كثيرًا نسبة الناس إلى شخصي الضعيف وإلحاقهم بي تحت عناوين مختلفة كـ”الفلانيّين” و”العلانيّين”. كما أريد أن أؤكد أن هؤلاء الناس قد التقوا -بشكل طوعي- حول مشاريع وجدوها معقولة ومنطقية ومفيدة لكافّة الناس. ومع أن الحركة تستهدي بقيم الإسلام، فإن مشاريعها التي يقوم عليها المتطوعون العاملون في إطارها، متماشية مع القيم الإنسانية الهادفة إلى تعزيز الحريات الفردية وحقوق الإنسان والتعايش السلمي بين جميع الفئات؛ ومن ثم وَجدتْ ترحيبًا في 160 دولة حول العالم، ولقيتْ قبولًا صريحًا أو ضمنيًّا مباشرًا أو غير مباشر من جنسيات ودول وأديان مختلفة. لذلك من الصعب القول إن المتطوعين في الحركة يشكّلون بنية متجانسة، بل هي بنية متنوّعة. وحالة التنوّع هذه تمتد لتشمل ألوانًا مختلفة من التعاطف والتشارك؛ فبينما يعمل البعض معلّمين في مدارس بالخارج، يقوم آخرون بالتكفّل بالنفقات أو يخصصون جزءًا من أوقاتهم للخدمات التطوعية، وما إلى ذلك.

إذًا هم أفراد التقوا طوعًا على قيم إنسانية سامية مشتركة، كالحرّيات، وحقوق الإنسان، واحترام المعتقدات، وتقبّل الآخر، والانفتاح على الحوار، وتنزيه الدين عن الأغراض السياسية الحزبية الضيقة، واحترام القانون، وعدم استغلال إمكانيات الدولة استغلالًا سيّئًا، وضرورة عدم التراجع عن المسار الديمقراطي، ورفض استخدام السلطة لإكراه الأفراد والمجتمعات على معتقدات معيّنة، والثقة في المجتمع المدني، وتوظيف التعليم لإحلال ثقافة السلام في المجتمعات، وابتغاء مرضاة الله في كل قول وفعل، ومحبة الخَلق من أجل الخالق، وتعزيز منظومة القيم الأخلاقية لدى الأفراد بغضّ النظر عن قيمهم الدينية أو غير الدينية.

هؤلاء الأفراد أُطلقت عليهم عدة أسماء كـ”الجماعة” و”الخدمة” و”الجامعة”، ومع أن هذه الأسماء لا تعبر عن المعنى الذي يمثلونه بشكل وافٍ فإن مصطلح “جامعة” باللغة التركية، الذي يعني مجتمعا كبيرا من الأفراد، هو الأنسب. كذلك أستطيع القول إن هؤلاء الناس -الذين تجمعهم القيم السابقة مع تنوعهم- يتمتعون بوحدة روحية ووعي جماعي بحيث لا يمكن لأي جهة خارجية التلاعب بهم بهدف خرق القيم الآنفة الذكر.

س: ما رأيكم في الخطوة التي اتخذتها الحكومة التركية حول حظر المعاهد التحضيرية الخاصة؟[2]

ج: أولا، يجب القول إن المعاهد التحضيرية ظهرت نتيجة للكثير من جوانب القصور في النظام التعليمي الرسمي. هذه المدارس مؤسسات خاصة يديرها أناس ملتزمون بالقانون، ومؤسسة طبقا لمبادئ الحريات الخاصة التي كفلها الدستور.

ثانيا، هذه المدارس لا تتبع “الخدمة” بشكل مباشر، وإنما تدار عن طريق عدد من شركات القطاع الخاص التي يملكها رجال أعمال يؤمنون بأفكار “لخدمة”. وتخضع هذه المدارس لرقابة الدولة من حيث مواردها المالية والمقررات الدراسية. وهي تسدد الضرائب المستحقة عليها للدولة، شأنها شأن المؤسسات الأخرى. بالإضافة إلى أن هذه المدارس المحسوبة على “الخدمة” تمثل نسبة صغيرة فقط من عموم المعاهد التحضيرية في تركيا. والحاصل أن نظام التعليم يعاني من مشكلات جذرية لم يجرِ اتخاذ أي خطوات جدية حيالها، ومن ثم فلا يمكن اعتبار محاولة إغلاق هذه المدارس جهدا صادرا عن حسن نية. ثم إن هذه المدارس منذ عقود وهي تلبي حاجة ملحة لدى الطلبة في مجالي الرياضيات والعلوم على وجه الخصوص، بناء على طلب أولياء الأمور في إطار القوانين المرعية، وبالتالي فإغلاقها بقوة الدولة يشكل ضربة لقطاع النشاط الحر، وحرمانا للطلاب من الحصول على تعليم أفضل.

ومن جهة أخرى، فالقائمون على التعليم في هذه المدارس يمتثلون للمبادئ الأساسية لفكرة “الخدمة” مثل الإيجابية والاستقامة والصدق والعمل الجاد واحترام الآخر.. الأمر الذي يترك أثرا إيجابيا لدى طلابهم. ومن ثم نستطيع أن نقول إن هذه المدارس قد نجحت -بإذن من الله وعنايته ولطفه- في مكافحة العادات السيئة لدى هؤلاء الطلاب، مثل التدخين، وإدمان الكحول، وحتى تعاطي المخدرات، التي تعد من التحديات الكبيرة التي تواجهها المدارس الحكومية في تركيا. إن إغلاق هذه المدارس، التي لم تخرق القانون والقيم الأخلاقية يوما ما، ولم تخالف مبادئ الديمقراطية والقيم الكونية، ومن دون طلب من الرأي العام أو حتى مناقشة قرار الإغلاق نقاشا مجتمعيا كافيا، سيؤدي بالضرورة إلى إهدار كل المكتسبات التي تحققت حتى اليوم.

س: نفيتم دائما وجود أي طموحات سياسية لديكم، ولكن هل ترون أن وجود مؤيدين لكم داخل أجهزة الدولة التركية يصب في صالحكم؟

ج: أولا، لا بد من التنويه بأن الخدمة منذ نشأتها لم تَسعَ إلى أي هدف سياسي، ولكنها سعتْ إلى خدمة الإنسان من خلال تنمية قدراته في المجالات التعليمية والاجتماعية والثقافية، واستثمرت كل وقتها وطاقتها في سبيل تحقيق هذه الغاية. وتصدّت لحل المشكلات الاجتماعية انطلاقًا من الإنسان عن طريق التربية والتعليم.

طالما ذكرتُ في دروسي أن لدينا ما يكفي من المساجد -التي كان أغلبها فارغًا في السبعينات- ولكن ليس لدينا ما يكفي من المدارس. لذا حضضتُ الناس على فتح المدارس لسدّ هذه الثغرة. ولو كان لدينا أي هدف سياسي لكانت قد ظهرت بوادره خلال الأربعين أو الخمسين سنة الماضية كإنشاء حزب سياسي مثلًا. ولقد عُرض عليّ وعلى الكثير من إخواني -في أوقات مختلفة- العديد من المناصب السياسية، وتم رفضها جميعًا. ولقد كان بإمكان “الخدمة” -لو كان لديها طموحات سياسية- أن تؤسس حزبًا سياسيًّا كما فعل الآخرون، وتستثمر الظروف المواتية عام 2001م، في وقت كانت الأحزاب الأخرى تتهاوى واحدة تلو الأخرى… أو على الأقل لكان لها عدد لا بأس به من المؤيّدين داخل الأحزاب السياسية التي حكمت في الماضي أو الحزب الذي يحكم الآن، ولكنها لم تفعل ولم ترغب في ذلك أيضًا.

شخصيًّا لا أتبنّى قناعة ممارسة السياسية باسم الدين، أو توظيف الدين لتحقيق مكاسب سياسية، أو ممارسة السياسة بشعارات دينية، وهذا لا يعني أنني أرى أن الانخراط في مجال السياسة أمر غير مشروع. فمع أننا لا نشارك في السياسة ولا نقوم بإنشاء حزب سياسي، لكن لا نرى منع أحد من القيام بذلك؛ لأنه في الديمقراطيات لا يمكن ممارسة السياسة من دون أحزاب، طبعًا الخدمة ليس عندها هدف سياسي بمعنى تأسيس حزب، لكن القيم والمبادئ التي حاولتُ توضيحها آنفًا، والتي تشكل الديناميكية الأساسية للخدمة، تتلامس مع الممارسة السياسية بطريقة أو بأخرى.

وأفراد الخدمة باعتبارهم مواطنين يتمتعون بكافة حقوق المواطنة وواجباتها كان وما زال لهم مطالب من مؤسسات الدولة، شأنهم في ذلك شأن نظرائهم من المواطنين العاديين أو التربويين أو كل ناشط مجتمعي. وقد كانت هذه المطالب دائمًا تدور في إطار القوانين المرعية وتُطلَب عبْر السبُل والطرق المشروعة. ولم يحاولوا ألبتة اللجوء إلى أيّ وسيلة غير قانونية أو غير أخلاقية لتحقيق هذه المطالب.

وبطبيعة الحال، يتوقع المواطنون الذين تعلّقت قلوبهم بـ”الخدمة”، من القائمين على شؤون البلد، السعيَ إلى تعزيز سيادة القانون وحقوق الإنسان والحريات والسلام وحرية الفكر وبناء المشاريع ودعم الاستقرار والأمن في البلاد والحيلولة دون الانزلاق إلى الفوضى أو حدوث الأزمات، والتأكيدَ على تقبّل الجميع والاعتراف بوجودهم. كما يحق لهؤلاء الناشطين في الخدمة الاحتكام إلى الوسائل المدنية والديمقراطية المتاحة لهم، للإفصاح عن آرائهم حول أوجه القصور في هذا الصدد حال وجودها. إذ إن التعبير عن الآراء في هذا الصدد، ورفْعَ مستوى الوعي العام، هو واجبٌ وطني، وواحدٌ من أهداف المجتمع المدني أيضًا. ولا يلزم بالضرورة تأسيس حزب سياسي من أجل القيام بهذه المهمة، كما لا يمكن اتهام هؤلاء الذين يقومون بهذه المهام بأنهم يقتحمون السياسة، أو يريدون تقاسم السلطة، أو يعملون على تدخل غير المنتخَبين في عمل الـمُنتَخَبين ديمقراطيًّا. فما ذكرناه آنفًا، هو ما عليه الحال في أيّ نظام ديمقراطي حقيقي، وفي أيّ دولة من دول العالم المتقدّم من حيث الديمقراطية.

إنّ الأحزاب السياسية والانتخابات الحرة هي شروط أساسية للنظام الديمقراطي، ولكنها لا تكفي بمفردها، فالأداء الفعّال والسلس للمجتمع المدني هو أمرٌ مُهم كذلك. ومن الخطأ القول إن الانتخابات هي الطريقة الوحيدة لمساءلة السياسيين أمام عامّة الناس، حيث إنّ المجتمع المدني يستمر بمراقبة السلطة الحاكمة ليرى ما إذا كانت تفي بوعودها أم لا، وذلك من خلال الإعلام والمناشط المجتمعية المختلفة وفعاليات عديدة أخرى في إطار القانون، مثل عرائض الاكتتاب ورسائل شبكات التواصل الاجتماعية. وبالرغم من أن نشطاء الخدمة التقوا على مبدأ عدم الانخراط في السياسة الحزبية وعدم السعي نحو السلطة، لكن هذا لا يعني أن يتخلّوا كمجتمع مدني عن مسؤوليتهم وصلاحيتهم في مساءلة السلطة السياسية ورقابتها. وبما أن الخدمة ليست تكوينًا بنيويًّا ولا تنظيمًا مركزيًّا هرَميًّا، فليس هناك وجهة نظر سياسية واحدة يتبنّاها جميع المشاركين فيها، كذلك ليس من المعقول القول إن حركة كهذه منحازة إلى حزب بعينه فضلًا عن أن تكون منخرطةً فيه، فللمتعاطفين معها اختياراتهم السياسية الخاصّة، ولا تفرض الحركة أي وجهة نظر معينة عليهم، ولا تتدخل في هذا الموضوع على الإطلاق.

كما أن برنامج الخدمة وتقويمها الزمني لا يتحدَّد وفق التغيّرات الانتخابية والسياسية، بل يتحدّد حسب المشاريع التي تدور في فلك القواسم الإنسانية المشتركة. كذلك، فإن الحركة لا تتدخل في الشؤون الداخلية أو التطورات السياسية في أي بلد نهائيًّا، فحيثما تتّجه تركّز جهدها على تنفيذ مشاريع مدنية تطوّعية في مجالات تعليمية وثقافية وإنسانية. ولكونها تتمسك بهذا المبدأ ولا تفرّط فيه، فهي اليوم تحظى بقبولٍ لأنشطتها في أكثر من 160 بلدًا حول العالم.

ولا شك أن من المتعاطفين مع أفكار الخدمة والمحبين لها، من هم اليوم داخل السلك البروقراطي في الدولة، شأنهم شأن بقية شرائح المجتمع الحاملة لأفكار أخرى. ومن ثم فليست انتماءاتهم مدوَّنة على جباههم، وبالتالي فإن محاولة تصنيفهم في تقارير أمنية حسب تعاطفهم، أمر غير قانوني وغير أخلاقي على حدٍّ سواء. وأيضًا فهؤلاء المتواجدون داخل السلك البيروقراطي -ممن يقال إنهم متعاطفون مع الخدمة- يخضعون خضوعًا صارمًا للقوانين واللوائح المنظمة لشؤون العمل داخل المؤسسات التي يعملون بها، ويمتثلون لأوامر رؤسائهم في مجال أعمالهم، أي إن واجباتهم محدَّدة حسب القوانين. وإذا كان الأمر كذلك فلا أدري كيف يمكن أن يحقق هذا امتيازا أو مصلحة لشخص أو فئة ما.

وأريد أن أكرّر التأكيد هنا على نقطة هامة؛ وهي أن في أجهزة الدولة قد يكون هناك مَن هم متعاطفون معي أو مع أي شخص آخر، أو مع حركة فكرية، أو أيديولوجية ما، وهذا أمر طبيعي تمامًا. فليس لأحد التدخّل في قناعات الآخرين الشخصية أو معتقداتهم أو نظرتهم إلى العالم، والمتوقع ممّن يتخرجون من مدارس الخدمة أو ممّن يتعاطفون مع المثُل العليا التي تدعمها الخدمة، أن يتصرفوا بصدق واحترام تجاه سيادة القانون وحقوق الإنسان ومبادئ الديمقراطية، أيًّا كانت المناصب التي يشغلونها في الدولة.

ومن ثم إن كان هناك أشخاص داخل مؤسسات الدولة، بدلًا من الانصياع لأوامر رؤسائهم أو لوائحِ القوانين، يتلقّون الأوامر من جماعتهم التي ينتسبون إليها أو يميلون نحوها فكريًّا، فلا بد من أن يُكشَف أمرهم، وينالوا العقاب اللازم بهم حتى وإن ادّعوا أنهم يعملون لصالحي. وإن كان هناك مَن يرتكب الجرائم من العاملين في الشأن العام ممن يدّعون التعاطف مع “الخدمة”، فينبغي أن تبدأ التحقيقات معهم بسرعة وأن يُحالوا للعدالة.

إن موقف “الخدمة” من الشفافية والمساءلة واضح، وسيظل كذلك. ومع هذا فإن الأنظمة السياسية المبنية على مبدأ الشفافية التامة هي وحدها التي تستطيع أن تطالب المجتمع المدني بأن يتحلى بمثل هذه الشفافية أيضا. أما مطالبة الآخرين بأن يكونوا في منتهى الشفافية في حين أنهم لا يتخذون إجراءات تتعلق بالشفافية في السلطة والسياسة، فهذا أمر لا يمت إلى المصداقية بصلة. وإن موجات التقارير الأمنية وعمليات التنصت على المكالمات الهاتفية وإجراءات التصفية في المؤسسات البيروقراطية خير شاهد على ما أقول، فلقد جرى نقل آلاف المسؤولين من مواقعهم من دون أي تحقيقات عقب فضيحة الفساد في السابع عشر من ديسمبر (كانون الأول) من العام الماضي، ولا تزال كل المعايير التي تستند إليها الحكومة في إجراءات الطرد والتشريد والإبعاد لهؤلاء الموظفين من أماكنهم وتعيين آخرين بدلا منهم مجهولةً لدى الناس، لذا فإن العملية برمتها تعطي انطباعا عن كونها تعسفية.

س: هل تعتقدون أنه يجب إعطاء مساحة أكبر للإسلام في المجال العام والحياة السياسية؟

ج: إن الإسلام -كدِين- هو مجموعة من المبادئ والممارسات التي تستند إلى الوحي الإلهي، وترشد البشر إلى الخير المطلق من خلال إرادتهم الحرة، وتُبيّن لهم كيف يسعون جاهدين ليجعلوا من أنفسهم “أشخاصًا يتّسمون بالكمال”. يمكن للناس أن يمارسوا دينهم بالطريقة التي يشاؤون في بلدٍ ديمقراطي يتيح لهم التمتع بمعتقداتهم الدينية بحريّة. في بلدٍ كهذا، يتم إجراء الانتخابات الحرة بما يتوافق مع المبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان العالمية والحريات، ويمكن للناس أن يعبّروا عن اختياراتهم عبر الإدلاء بأصواتهم في الانتخابات، وتقديم مطالبهم لممثّليهم بحرية تامة واستخدام الحقوق الديمقراطية الأخرى المتاحة لهم، يمكنهم القيام بذلك بشكل فردي أو جماعي من خلال المشاركة في أنشطة منظمات المجتمع المدني.

إنني أرفض دائمًا فكرة التعامل مع الدين باعتباره أيديولوجيا سياسية (Politic). كما أرى أن على المسلم أن يتصرف وفقًا للأخلاق الإسلامية سواء في البعد المدَني والمجتمعي، أو في الشأن العامّ والمجال الإداري. أي يجب أن يلتزم بقيم الإسلام الأخلاقية في كل مكان وُجد فيه؛ فالسرقة والرشوة والنهب والكسب غير المشروع والكذب والنميمة والغيبة والزنا والانحطاط الأخلاقي… هي ذنوب وأمور غير شرعية في كل السياقات. ولا يمكن ارتكاب هذه المعاصي لأي غرض كان، سياسيًّا أو غيره، ولا يصحّ لأحد الإفتاء بارتكابها. ثم إن هذه المعاصي تُعتبر جناياتٍ حتى في إطار المعايير المتعارف عليها عالميًّا. وإذا فقد الفرد نزاهته الأخلاقية في هذا الجانب، فإن دوره في الشأن العام أو في أي حزب سياسي، عديم الجدوى. وكأي إنسان عادي، يُسعدني أن أرى هذه المبادئ الأخلاقية وقد تحوّلت إلى سلوك لدى جميع مَن يشغلون مناصب في الشأن العام أو في المجال السياسي. في الواقع إن المشاكل المذكورة أعلاه هي المصدر الرئيسي للشكاوى في المؤسسات الإدارية والسياسية في كل مكان حول العالم.

واسمحوا لي أن أقول بكل وضوح؛ إذا كان المسلمون في بلدٍ ما يمارسون شعائرهم الدينية بحرّية، ويتمكّنون من إنشاء مؤسساتهم الدينية بلا عوائق، ويستطيعون أن يلقّنوا قيمهم الدينية لأبنائهم ولمن يرغب في تعلّمها، ولديهم الحرّية الكاملة في التعبير عنها في النقاشات العامة، ويعلنون عن مطالبهم الدينية في إطار القانون والديمقراطية، فإن حاجتهم إلى إقامة دولة دينية باتت غير ضرورية. والتاريخ يشهد على أن حركات التمرّد والثورات والانقلابات وأحداث العنف دائمًا ما تجرّ البلاد إلى الفوضى والمآسي، وتجعلها في نهاية المطاف تفقد كل مكتسباتها في مجال الديمقراطية وحقوق الإنسان، وتكبّد الشعوب أضرارًا وخسائر لا يمكن تلافيها. والحقيقة أنه إذا تمّت السيطرة على سلطة بلدٍ ما قسرًا وأُجبِرَ الناس على التديُّن، فإن هذا سيجعل منهم مُنافقين، يراؤون السلطة داخل بلدهم ويتظاهرون بالتديّن لتحقيق منافع شخصية، ولكن ما إن يسافروا إلى الخارج حتى ينغمسوا في حياة مناقضة للدين ومفتوحة على ألوان شتى من الذنوب والآثام. ففي مثل هذا البلد يضعف احترام القانون وينتشر النفاق والرياء. وإن نظرة فاحصة لتجارب متنوعة في بلدان مختلفة ستدلك على أن كلماتي المجردة هذه لها في الواقع ما يؤازرها.

س: كيف ترون العلاقة بين الإسلام والديمقراطية؟ هل ينسجمان؟ وكيف تقيمون الممارسة الديمقراطية في تركيا؟ وما تأثير تلك العلاقة على محاولة تركيا الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي؟

ج: نظام الحكم القائم في تركيا منذ الخمسينات هو نظام ديمقراطي بالرغم من كل ما يعانيه من تعثّرات، فالديمقراطية هي نظام يتّجه إليه العالم اليوم. لقد بدأت البوادر الأولى نحو نقل بلادنا إلى الديمقراطية منذ أواخر الدولة العثمانية عام 1876م من طرف السلاطين العثمانيين الذين كانوا في الوقت نفسه خلفاء العالم الإسلامي، حيث شكّل النوّاب من غير المسلمين في أوّل برلمانٍ مُنتَخَب ديمقراطيًّا نسبةَ الثلُث تقريبًا. فمن الخطأ أن ننظر إلى الإسلام وكأنه متعارض مع الديمقراطية، والعكس صحيح. ويمكن القول إن الديمقراطية هي النظام الأنسب لمبادئ الحكم في الإسلام لكونها تتيح الفرصة للنّاخبين أن يُحاسِبوا الحكّام المنتخَبين ويسائلوهم، ولكونها نقيضًا للاستبداد الذي يعتبره الإسلام شرًّا وفسادًا في الحكم. فليس للإسلام مشكلة مع الانتخابات الديمقراطية والمساءلة وسيادة القانون وغيرها من المبادئ الديمقراطية الأخرى. وعندما صرّحتُ عام 1994م بأنه “لا ينبغي التراجع عن الديمقراطية”، قُوبلت هذه التصريحات بالاعتراض من بعض الفئات، إلا أن هناك العديد من التطبيقات والأنماط للديمقراطية لا يمكننا القول إنها بلغت حدّ الكمال، بل هي في طريقها إلى الاكتمال.

إن البلد الذي يتم فيه حفظ الدين والنفْس والعقل والنسل والمال، ولا تُقيَّد فيه حقوق الأفراد وحرياتهم إلا في الحالات الاستثنائية القصوى كالحروب مثلًا، وتُعامَل فيه الأقليّات بالتساوي مع باقي المواطنين ولا يتعرضون لأي تمييز، ويُتاح للجميع التعبير عن وجهات نظرهم الشخصية والاجتماعية والسياسية بكل حرية والعمل بها؛ هو بلد متناغم مع روح الإسلام. وإذا كان الناس في بلدٍ كهذا يمكنهم التعبير عن آرائهم ومعتقداتهم بحرّية ويؤدّون واجباتهم وشعائرهم الدينية، ويتمتّعون بحريات مثل الملكية الخاصة وحريات أخرى، فليسوا مطالَبين -مسلمين كانوا أو أتباعَ ديانات أخرى- بتغيير نظام الحكم في ذاك البلد. أمّا البلدان التي لا يتمتّع فيها الناس بهذه الحريات، فعليهم أن يحاولوا الحصول عليها من خلال وسائل ديمقراطية دون اللجوء إلى العنف بتاتًا.

أعتقد أنه بإمكان الإسلام والديمقراطية أن يتعايشا سلميًّا ليس فقط في تركيا، بل أيضًا في البلدان المسلمة، وفي البلدان ذات الأغلبية والكثافة الإسلامية. للأسف يلاحظ أنه في البلدان التي يتم فيها شيطنة الديمقراطية، تكثر انتهاكات حقوق الإنسان، والاضطرابات الأخلاقية والقانونية، والنزاعات والصراعات الدينية والعرقية. إن الديمقراطية حاليًّا تتطور لتصبح -إن جاز التعبير- عرفًا وقيمة مشتركة للجنس البشري بأكمله. ففي البلدان التي تتوافق مع معايير الاتحاد الأوروبي، يحق للمسلمين من خلال مؤسسات المجتمع المدني ممارسة دينهم وتطبيقه وتمثيله بل ونشره وتعليمه أيضًا. ومن ثم فإن وظيفتنا الأساسية أن نمارس قيمنا الإسلامية ونتمثلها حيّة سواء أفرادًا كنّا أو مجتمعًا مدنيًّا.

لا يمكن وصف تركيا بأنها دولة ديمقراطية بشكل كامل. فالمتدينون الذين كانوا يتعرضون للاضطهاد في الماضي، مثل الطالبات اللواتي مُنِعْنَ من ارتداء الحجاب في الجامعات، قد نالوا مؤخَّرًا العديد من حقوقهن نتيجةً لمساعي الانضمام للاتحاد الأوروبي؛ ومن ثم فإن عملية الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي قد عادت بالكثير من الفوائد على تركيا من هذه الجهة، وتم إدخال إصلاحات ديمقراطية جدّية للبلاد في إطار هذه المساعي. وإذا استمرت هذه الإصلاحات واستطاع النظام الديمقراطي في تركيا تحقيق معايير الاتحاد الأوروبي فيما يتعلق بسيادة القانون واحترام حقوق الإنسان والحريات، فباعتقادي لن تقف هوية تركيا المسلمة حجر عثرة أمام عضويتها الكاملة. حتى لو قام متعصبون كارهون للإسلام في أوروبا بمنع انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، فإن المكاسب التي حقّقتها تركيا أثناء محاولتها الحصولَ على العضوية تبقى انتصارًا مهمًّا للديمقراطية فيها. إلا أن تركيا -مع الأسف- قد بدأت مؤخّرًا تتراجع عن تحقيق تلك المعايير الديمقراطية للاتحاد الأوروبي.

س: ما هو معنى “الإسلام الحنفي” برأيكم؟

ج: لا يجوز استخدام هذا التعبير ولا يمكن قبوله إطلاقا، لا بحق المذهب الحنفي ولا غيره من مذاهب الفقه الإسلامي الأخرى. فالمذاهب تجتهد -وفق الأصول التي تتبعها- في جوانب الإسلام القابلة للاجتهاد، دون أصوله وأساساته وثوابته. وقد تتفق أو تتعارض تفاسير أي من هذه المذاهب بعضها مع بعض، لكنها ما لم تتعارض مع روح الإسلام والمبادئ الأساسية للقرآن والسنة، فهي تبقى داخل دائرة الإسلام. ولا يخفى أن اجتهادات أئمة المذاهب تأثرت بالبيئة المحيطة بها وقتها، كما كان للظروف السياسية والثقافية -أيضا- تأثير على هذه الاجتهادات. ويبقى القول إن كلا من الأئمة الأربعة للمذاهب الحنفية والشافعية والمالكية والحنبلية كانوا مخلصين، وكرسوا حياتهم للإسلام وعانوا كثيرا من المشكلات والصعاب في سبيل خدمة هذا الدين. لذلك خرجت هذه الاجتهادات الفقهية بفضل جهودهم وجهود طلابهم، وعليه ينبغي النظر إلى تلك الجهود باعتبارها من عناصر الثراء والغنى في التصور الإسلامي. وأنا الفقير أيضا أحاول أن أسير على نهجهم، هذا النهج الذي يمكن تلخيصه على النحو التالي؛ تقديم حفظ الدين والنفْس والعقل والنسل والمال على تقديس الدولة.. وامتلاك الإنسان لحرية الاختيار وحرّية المبادرة.. والاعتراف بدور العقل والمصلحة العامة وحتى التجربة المجتمعية إلى جانب النقل في فهم الوحي الإلهي.. وتفعيل مؤسسة الاجتهاد في المجالات الدينية القابلة للتأويل والاجتهاد، دون النصوص الصريحة.. والسعي إلى ترسيخ حرية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.. والسماح للمتديّنين بالتعبير عن شعائرهم الدينية بكل حرّية وممارستها، ليس على المستوى الفردي فحسب، بل في المجالات والأمكنة العامة أيضًا.. واحترام القانون والنظام والأمن والاستقرار، واعتبار الإرهاب وقتل الأبرياء جريمة ضدّ الإنسانية.. والترويج لروح المنطق والعقل باعتباره وسيلة لإقناع المتحضرين بدلًا من الإكراه.. والوعي بأن 98% من الإسلام عبارة عن روحٍ ومعنًى وأخلاق وعبادة وعبودية وكمالات وتسامح وسلوك وترغيب وتبشير.

ومن وجهة نظر سوسيولوجية، هكذا فُهم الإسلام ومُورِسَ في الأناضول منذ أكثر من ألف سنة، إن هذا التصور عن الإسلام يتحدى كل أشكال العنف والتطرف ومحاولات تسييس الدين، كما يعزز الحب والتسامح والقبول المتبادل والتواضع ونكران الذات وسعة الصدر واحتضان الجميع.. ويعطي الأولوية للحق والعدل والحرّية والسلام في المجالين الاجتماعي والعام؛ وبعبارة أخرى يسعى إلى بناء نسيج اجتماعي مفتوح على كل الاتجاهات.

س: هل فاجأتكم أحداث التمرد الأخيرة في العالم العربي؟

ج: إلى حدٍّ ما. حسب معرفتي فإن العديد من الخبراء المختصّين في شؤون المنطقة ممن يكتبون في السياسة والإستراتيجية الدولية، لم يتوقّعوا اضطرابات من هذا القبيل على نطاق واسع. أعتقد أنه لا ينبغي إطلاق اسم التمرد على المساعي المطالِبة بسيادة القانون والديمقراطية في المنطقة، باستثناء تلك التي تستخدم العنف من أجل هذا الغرض. إن الوضع القائم في هذه البلدان، والمعاناة المستمرة أمرٌ يدمِي القلب، ولا يبدو على المدى القريب حلّ لهذه المعضلات؛ وللأسف أقصى ما يمكننا فعله الآن كأفراد حيال ذلك، ليس شيئًا سوى الدعاء.

عندما اندلعت الأحداث في بادئ الأمر، قلتُ بناءً على حدسي وتوقعاتي المستقبلية: “ترى هل ما يحدث ربيع أم خريف عربي؟”، فهذا للأسف هو الواقع الإنساني، التدمير سهل، أما البناء فصَعْب؛ لأن الطاقة التي تحتاجها لبناء نظامٍ جديد يتوافق عليه المجتمع كله، هي عشرة أضعاف الطاقة التي تحتاجها للإطاحة بنظام قائم. للأسف لم نصل بعد إلى هذا المستوى من النضج الاجتماعي. كما أن التاريخ يحدثنا بأن التموّجات الاجتماعية قد تنجرف وتغير مسارها في اتجاهات مفاجئة غير محسوبة، لذلك فالعبرة بتلك الديناميكات الداخلية التي تدفع وتحرّك تلك الأمواج. ما الذي يحرّك ويقود تلك التموّجات؟! وما الذي يسري في الشُّعَيرات الدموية؟ ينبغي النظر إلى ذلك.. إذا لم تضعوا ذلك في الحسبان، فإن الأمواج قد تنفلت وتنساق في اتجاهات غير متوقّعة. إن الاعتماد على الحماس الجماهيري والحراك الجماهيري فحسب، لا يولّد نتيجة سليمة. في تلك الفترة كنتُ أقول دائمًا: “علينا أن ننظر إلى “الأمواج المنبثقة من القاع”، وإلا فإن الضرر الناتج قد يخيّب آمالنا وتوقعاتنا”. عندما كنتُ أنظر لما يحدث مراقبًا من الخارج، لم أتوقّع قط بأن تفضي تلك الأحداث إلى تغييرات جذرية ونتائج كبيرة في المدى القريب. كنا نشاهد تقلبات كبيرة، وتحولات ضخمة في الشارع العربي، ولكن بدا من الواضح مع الحسابات قصيرة المدى، أنها ستكون عديمة الجدوى. إن المجتمعات العربية مجتمعات مكابِدة، وأنا واثق من أنهم سوف يقيمون ما وقع بالصبر والمصابرة والبرامج بعيدة المدى.

إن حراك البحث عن الحرية بكل ألوانه، سيبقى في الذاكرة أحد أعظم إنجازات هذا العصر. ولكن الزمان أثبت لنا أن التغييرات الراديكالية أو محاولات التغيير الراديكالي دائمًا ما تؤدي إلى ضرر ودمار أكبر من المتوقع، وأن عودة الاستقرار والهدوء إلى المجتمع في أعقابها تستغرق زمنًا طويلًا. وكما يقول بديع الزمان سعيد النورسي، هناك ثلاثة أعداء كبيرة للأمة: الجهل والفقر والفرقة، ومن خلال مشاريع متوسطة وطويلة الأمد تقوم بتدعيم التعليم والعلوم والثقافة والفنون والتجارة والتسامح والحوار، يمكننا أن نكافح هذه الأعداء الثلاثة. هذه المشاريع المهمّة قد لا تبدو ثمارها في المدى القريب، لكنها سوف يكون لها أثر في المدَيَيْنِ المتوسّط والبعيد. علمًا بأن أيّ مسعى نحو الديمقراطية سوف يبوء بالفشل ما لم يؤسَّس على أرضية كهذه. وحركة “الخدمة” كانت وما تزال منذ عقود، تسعى إلى تحقيق ذلك من خلال تأسيس المدارس وإنشاء الجامعات، وتكوين جمعيات واتحادات رجال الأعمال، وافتتاح المؤسسات الإغاثية، وتفعيل دور مراكز الحوار ووسائل الإعلام في استخدام لغة بنّاءة تُسهم في دعم التواصل والتحاور وتحقيق العيش المشترك. كما نأمل أن تعمل هذه المشاريع، التي تدعمها شرائح واسعة من المجتمع، على مساعدة الجميع -بمن فيهم الرؤساء والمرؤوسون- لتأسيس مجتمعات أكثر رفاهًا وأوفر سلامًا واستقرارًا. ونحن في سبيل تحقيق هذه الغاية، نضرع إلى الله بالدعاء القولي والفعلي عبر هذه المشاريع. ويمكن في هذا الإطار، أن تشرع المجتمعات العربية والإسلامية في الانطلاق نحو مشاريع من هذا القبيل حتى قبل أن تتأسس في بلدانها أنظمة حكم ديمقراطية متكاملة بكل معنى الكلمة.

س: ما هو تقييمكم للنزاع الدائر في سوريا؟ وهل هناك ما يمكن فعله لوقف هذه المأساة؟

ج: للأسف، سوريا كلها تجد نفسها في طريق مسدود. وأظهرت التطوّرات أن الشهيد الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي كان محقّا في تقييمه للوضع، إذ كان يمثل نموذج الاعتدال السنّي والذي يمكن تلخيصه في مبدأ “أن أسوأ حكومة أفضل من الفوضى واللاحكومة” وأن هناك خطر الانزلاق نحو حرب أهلية لدى محاولة إسقاط حكومة فاسدة عندما تكون الظروف غير مواتية وعند انعدام التوازن في القوى. وعلى ما يبدو، كان البوطي يعلم بوجود حالة من انعدام التكافؤ بين الجانبين، وأن الجيش كان كلّيا تحت سيطرة النخب الحاكمة على مدى السنوات الأربعين الماضية، وأنه لن يقف مع الغالبية. لقد نبّه البوطي في ضوء كل هذه الأمور إلى المخاطر الجدية المستقبلية.

لو لم تندلع هذه الأزمة لكان بإمكان سوريا أن تتطوّر ببطء وسلام نحو دولة أكثر رفاهية وديمقراطية على المديين المتوسط والبعيد، وذلك بمساعدة علاقاتها الجادة مع تركيا على الصعيد التجاري والسياسي والاجتماعي. ربما كان الجزء الأكثر مأساوية في الأزمة هو زوال هذا الاحتمال. في هذه المرحلة ما ينبغي القيام به في المدى القريب هو إيجاد حلول سياسية عاجلة لإيقاف نزيف الدم الأمر الذي سيكون بمثابة إغاثة ولو جزئية لملايين الأبرياء الذين يتضرّرون مما يحدث. ومن ثم، على المجتمع الدولي بذل جهود دبلوماسية مكثفة لتحقيق هذا الغرض.

س: ما تعليقكم على التوتر السنّي الشيعي الحاصل في الشرق الأوسط؟

ج: لا يصح تمييز الناس على أنهم سنّة أو شيعة. ويجب أن يُعامل الأفراد بناء على كونهم بشرًا بالدرجة الأولى أيًّا كانت دياناتهم أو معتقداتهم أو مذاهبهم. الإنسان -بما أنه إنسان- يمتلك حقوقًا أساسية، وبما أنه مواطن يمتلك حقوقًا ديمقراطية. كذلك هناك بون شاسع بين الدين أو المذهب والأيديولوجيات السياسية الحديثة.

لا ينبغي أن يكون هناك إشكال لدى عالَم السنة إزاء المجتمعات الشيعية التي تكنّ حبًّا خاصًّا لآل البيت. ومع ذلك فإن مبادئ ديننا لا تجيز لأي دولة أن تمارس القمع والإساءة على أساس الفروق الطائفية في محاولة للظهور كقوة إقليمية. ولقد كانت هناك جهود لتقريب المذاهب عبر التاريخ القريب لعب فيها -غالبًا- زعماء الشيعة دور المحرك. ولكن للأسف، فقد كان قادة الشيعة يميلون إلى توظيف هذه الجهود لأغراض توسعية خاصة بهم، حتى إن الشيخ يوسف القرضاوي الذي كان متعاطفًا مع الفكرة في البداية، قد اشتكى من مواقف علماء الشيعة خلال السنوات القليلة الماضية وعاتبهم على ذلك.

والمشكلة وإن بدت في الظاهر على شكل توتر بين السنة والشيعة، إلا أن الحقيقة مرتبطة بأهداف سياسية أخرى؛ مثل الهيمنة على المنطقة وتوسيع النفوذ والتحول إلى قوة إقليمية. لذلك تُستَخدم الانتماءات الدينية والمذهبية والطائفية وسيلةً لتحقيق هذه الأهداف؛ إذ يقوم بعض الساسة بتحويل الدين إلى أيديولوجية سياسية وتضييق مساحته لتوافق ذهنياتهم السياسية القمعية المحدودة. هذا بالإضافة إلى وجود محاولات حثيثة لتحويل الهوية السنية أو الهوية الشيعية إلى منطلقات تفضي إلى أيديولوجيات.. لا أحد يستطيع أن ينكر أن إيران اليوم، تسعى إلى تحقيق غايات قومية فارسية تحت ستار التشيّع. بالطبع يحق للدول أن تعزز مصالحها الوطنية وتحاول حمايتها عبر وسائل مشروعة في الساحة الدولية، لكن إثارة التوتّرات الدينية والطائفية والعرقية، لا ينبغي أن تكون إحدى هذه الوسائل. هذا خطأ، وعلى جميع المنظمات الدولية أن تكافح هذا الخطأ.

من ناحية ثانية، إذا كانت هناك قضايا نراها خطأ، وفق معتقدنا، بمقدورنا أن نشرح هذا للناس بطريقة حضارية قوامها الرحمة والتلطف والحكمة، من منطلق أن لا إكراه في الدين. ولكن، للأسف، قام بعض الأفراد والجماعات بتقديم صور مضللة عن المدرسة السنية، وذلك عبر الترويج للعنف والإرهاب باسم أهل السنة. ومثل هذه الجماعات تتسبب بالخراب والضرر الأكبر للإسلام نفسه. فالعالم الإسلامي بحاجة اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى الوئام والوفاق والتسوية السلمية للقضايا السياسية. هذا أمر ضروري بالنسبة للأمة من أجل أن تتخلص من مثل هذه المواقف والأحداث المدمرة.

س: لماذا، في رأيك، نجد كثيرين من شباب السنة العرب أكثر عرضة لتبني التفاسير المتطرفة للإسلام؟

ج: في كل دين تجد جماعات تنحرف عن الخط العام وتتبنى تفاسير راديكالية. ولعله من الصعب القول: إن أتباع مذهب معين، سواء كانوا من السنة أو الشيعة، أكثر عرضة لمثل هذه الانحرافات. أعتقد أن هذه المشكلة نابعة إلى حد كبير من تقصيرنا في فهم مضمون الدين الحقيقي وهويته وتبنيهما. إن التعامل مع الدين على أنه أيديولوجية سياسية لهو أكبر خيانة تمارس بحق الدين، لأنه في هذه الحالة، يختزل الإسلام في مجموعة من المبادئ البسيطة ويضيق مساحته الرحبة. ولا بد هنا من الإشارة إلى أن هذا أثر من آثار الاستعمار الذي امتدّ على مدى عقود في المنطقة. وحقا، فإن الميل إلى اختزال الدين بأيديولوجية سياسية واللجوء إلى العنف تجده أكثر انتشارا في البلدان التي عانت من الاستعمار في ماضيها. وما يثير الفزع هو أن عنف هذه الجماعات المتطرّفة يحظى بتغطية إعلامية واسعة تحجب أصوات الغالبية العظمى من المسلمين التي ترفض ممارسة هذا العنف مطلقا. وأحيانا تتعمد بعض الأطراف إبراز هذه الجماعات المتطرفة ودفعها إلى الواجهة بنيات أو غايات سيئة ترمي إلى تشويه صورة الإسلام الناصعة.

الإسلام دين منفتح على الاجتهاد وصالحٌ لكل زمان ومكان. وهذه الميزة تحفظ الإسلام من محاولات ربطه بجغرافية أو عقلية معيّنة، بشرط أن لا تتعارض التفاسير والتأويلات مع جوهره وأصوله الثابتة. وفي هذا الإطار، عبر فترات مختلفة من التاريخ سُوّقت نماذج أبوية وقومية ودولية للإسلام ورُوّجت على أنها الإسلام الصحيح. وإذا كان التفسير الراديكالي للإسلام يعني العنف، فإن ظاهرة وجود مسلمين من السنة والشيعة يستخدمون العنف والإكراه وسيلة لتبليغ الإسلام ليست بجديدة. لقد وجد من نحا هذا النحو بين المسلمين طوال التاريخ، ولئن برز بعض هؤلاء في عالم السنة خلال الفترة الأخيرة فإن هذا لا يغيّر هذه الحقيقة التاريخية. أضف إلى ذلك أن الإعلام يميل إلى التركيز على مثل هؤلاء الناس والجماعات مقابل تهميش 99.5 بالمائة من المسلمين الذين يرفضون هذه الجماعات المتطرّفة، الأمر الذي يشوه الصورة العامة للإسلام.

وبما أن الجماعات التي تتبنّى التفاسير الراديكالية، المتعاملة مع الإسلام كأيديولوجية، تتحمّس لفكرة الاستيلاء على الدولة وإعادة تشكيل المجتمع من أعلى إلى أسفل بأسلوب استبدادي… وبما أن الدولة الإيرانية الشيعية كانت ولا تزال رسميا وبفعالية، توظّف مثل هذا النموذج في الحكم منذ 1979م… فإن أنصار هذا النهج الشيعي، وإن كانوا من السنة، فهم يتصرّفون كـ”مَلِكيِّين أكثرَ من المَلِك”. بمعنى أنهم يجدون في الثورة الإيرانية الشيعية تجسيدا لمثلهم العليا. مثل هذه المظاهر المتطرفة قد تتطوّر وتشغل حيزا كبيرا في الظهور في أي مكان، ولا سيما إبان مواجهة الاستعمار والاحتلال.

أعتقد أنه إذا تمكّنت التيارات الإصلاحية الكبرى من أن تتحرّك بطريقة فطرية انسيابية -في جو من الحرّية- في القاعدة الشعبية الكبرى أي في السواد الأعظم دون الوقوع في شباك التسييس، فسوف تشكل محيطًا واسعًا تذوب فيه تلك المطالب الراديكالية مع مرور الوقت. إن قدرة الدين على تحقيق تحوّلات فردية وأخلاقية دائما أكثر تأثيرا واتساعا واستمرارية من التطبيقات السياسية والسلطوية. ولكن عندما لا يستفاد كليا من قدرة الإسلام على إفراز ديناميات التغيير الاجتماعي قد تنحرف مثل هذه الجماعات نحو تبنّي مواقف أكثر تسييسا وتطرفا. إن حركة “الخدمة” لا تهدف إلى تغيير المجتمع من أعلى إلى أسفل، بل تسعى إلى بناء الأفراد. التغيير يجب أن يبدأ من الفرد، فإذا استطعنا أن ننشئ أفرادا ومواطنين صالحين مجبولين على الإيثار والفضيلة فإنهم سينقلون المجتمع إلى مستقبل أكثر سلما واستقرارا وازدهارا. ومع هذا، فإننا لا نعلّق قلوبنا بالنتيجة ولا نتعجل قطف الثمرة بالدرجة الأولى.. فـ”الخدمة” تعمل على إنشاء حدائق وبساتين تنتج أفضل أنواع الثمار، ويأتي الناس بعد ذلك ليجنوا هذه الثمار ويعدّون منها الطعام الذي يحبّونه أو الحلوى التي يشتهونها أو المائدة التي يفضّلونها بمحض اختيارهم.

س: مهّدت الثورات العربية الطريق أمام نشوء التطرف والتفسيرات المحافظة للإسلام. باعتقادكم كيف لذلك أن يؤثر على وضع المرأة في المنطقة؟

ج: مع أنني لم أفهم السؤال تماما، أود أن أشير إلى أن الأحداث في تونس ومصر وسوريا شكلت في بدايتها بحثا عن مطالب في مجال الديمقراطية وحقوق الإنسان والحريات الأساسية. إلا أن الفئات التي برزت على الساحة فيما بعد، والأحداث المؤسفة، طغت على هذه المطالب الأولية. وللتوضيح لا يصح الخلْط بين المحافظة والتعصب. كأي دين آخر، للإسلام مجموعة من المبادئ الأساسية التي ينبغي الحفاظ عليها وصيانتها. وعندما نرجع إلى المصادر الإسلامية من أجل تحديد ما ينبغي المحافظة عليه من هذه المبادئ ينبغي أن نعتمد منهجا شاملا متكاملا بالإضافة إلى ما يتفتق عن الزمن الذي نعيش فيه من معان وتفاسير جديدة.

فيما يتعلق بالموضوع، كنت قد أشرت في وقت سابق إلى أن للمرأة الحق والحرية في المجتمع الإسلامي لتولي أي دور يناسبها حتى كَقاضية أو رئيسة وزراء أو رئيسة جمهورية. إن حرمان المرأة من حقها في التعليم وعزلَها عن الحياة الاجتماعية يشكل ضربة قوية لسلامة المجتمع الوظيفية. وكمحاولة لإثبات وجهة نظري رأينا أنه كانت هناك صحابيات في صدر الإسلام يتولين تعليم رجال من الصحابة المسائل الشرعية والتجارية، وكنّ مراجع في الفقه الإسلامي. إن المقاربات المناقضة لهذه المقاربة إنما هي نتيجة غلبة بعض التأويلات الرجولية لبعض المصادر الإسلامية. للأسف، الثقافات الرجولية ساهمت بشكل كبير في تآكل المكانة العادلة السامية التي منحها الإسلام للمرأة وطبقها النبي طيلة العهد النبوي. ومن ثم أصبحت المرأة تُعامَل كفرد من الدرجة الثانية. ورغم وجود نماذج نسائية عظيمة مثل السيدة خديجة رضي الله عنها التي كانت سيدة أعمال، والسيدة عائشة رضي الله عنها التي قامت بتعليم بعض الصحابة من الرجال شؤونَ الدين.. رغم ذلك نحن -مسلمي هذا العصر- نُكرِه المرأة على البقاء في المنزل ونكلفها بتربية الأطفال فحسب. أجل، مع أهمية تربية الأطفال، فإن النساء لا يتمتعن بالاحترام داخل العائلات والمجتمعات الإسلامية. المرأة تبقى متخلفة عن الرجل في مجالات التعليم والمنجزات الثقافية. ولكن الجدير بالذكر أن العبودية اختفت من التاريخ، ولا أحد اليوم يطالب بإعادتها، استنادا إلى أسس من الفقه الإسلامي التقليدي.. فلماذا لا نفعّل المنهج التقدمي ذاته في الرؤية الفقهية على وضع المرأة من دون أن يكون في الأمر أي تعارض مع جوهر ومبادئ الإسلام الأساسية.

الوسيلة الوحيدة لتجنب هذه التفاسير المتطرفة هي أن نأخذ عصر النبي والأجيال الثلاثة التي تبعته كأساس في عملية إعادة التفسير والاجتهاد اليوم، من أجل التخلص من الثقافة الرجولية وتأمين تعليمٍ أفضلَ للنساء، وتحسين واقع المرأة الاجتماعي والاقتصادي، وتمكينها من أن تكون قادرة على الدفاع عن حقوقها.

س: برأيكم كيف سيؤثر الصعود والهبوط المفاجئ لـ”الإخوان المسلمين” في مصر على الإسلام السياسي في المنطقة؟

ج: إن مصر من أهمّ مراكز الإسلام السنّي، ولديها خبرة عريقة وتجربة عميقة في إدارة الدولة والسياسة. ومن الضروري لمن يطمح في حكم مصر أن يحترم القيم الديمقراطية وسيادة القانون؛ لأنه بلد يحتوي على ديانات ومذاهب وثقافات مختلفة. كما ينبغي احترام حساسيات كل الشرائح المجتمعية وتحاشي تعريض أي منها إلى أي مظالم، والإنصات إلى مطالبها المشروعة، لتحقيق الأمن والاستقرار في البلاد.

إن حزبا جاء إلى الحكم نتيجة انتخابات مشروعة ديمقراطية ثم أُطِيح به، ليس من السهل توجيه النقد إليه. كان المرجوّ أن يُترك الأمر إلى الناخبين ليحاسبوه ويعاقبوه إذا كانت له أخطاء سياسية. وإن الدفاع عن تدخّل كهذا مناقض للديمقراطية ومبادئها. وما زاد من صعوبة وضع الإخوان أنهم -على ما أعتقد- تسلموا السلطة في ظرفٍ غاية في الهشاشة، إضافة إلى نقص في البنية التحتية والخبرة اللازمة. وربما لم يكونوا جاهزين بما فيه الكفاية. وفي نهاية المطاف تظل جماعة الإخوان حركة من صميم المجتمع المصري، وستقوم بمراجعة ذاتية جديدة في ضوء التجارب الأخيرة.

س: ما هو كتابكم المثالي من بين مؤلفاتكم؟

ج: أستغفر الله.. لم أرَ قط أي كتاب من كتبي ذا أهمية، إلا أن الناس أحسنوا الظنّ بها وأقبلوا عليها. طوال حياتي حاولتُ أن أوظّف هذا الإقبال والتفاعل الإيجابي -الذي لا أستحقه أبدا- في توجيه أنظار الناس إلى الله تعالى والرسول الأعظم › والأنبياء الكرام والعلماء والصالحين، وفي تحبيبهم إلى الناس. كذلك حاولتُ بقدرتي العقلية المحدودة قراءةَ أمراء البيان وأساطين العلم وفهْمَهم، ودعوتُ الناس إلى ذلك. فماضينا مليء بعمالقة الفكر والروح مثل الإمام الغزالي ومولانا جلال الدين الرومي ويونس أمره ومحمد عاكف وبديع الزمان سعيد النورسي وغيرهم ممن كانت أعمالهم وكلماتهم من أروع ما قيل وكتب عبر التاريخ.

(***)

حوار مع جريدة “زمان” التركية[3]

“التعرض للافتراءات والمؤامرات قَدَرُ السائرين في هذا الدرب”

س: في الآونة الأخيرة لاحظنا غلوًّا في توجيه افتراءات إلى فضيلتكم من قبل السيد رئيس الوزراء[4] تفوق تصور العقل والخيال. فقد استُخدمت أقبح العبارات في حقكم.. ورغم ذلك آثرتم الصمت ولم تردّوا عليها؟

ج: بالتأكيد تألمتُ كثيرًا وحزنتُ.. في حقيقة الأمر لم أجد تفسيرًا معقولًا -حتى اللحظة- لِما يدّعون. فبناء على أي دليل يتحدثون بهذه الثقة، لم أفهم. تلك العبارات القبيحة، وتلك الجرائم التي أسندوها إلينا، لا أذكر أن مثيلاتها قد وُجّهت حتى من قِبل أهل الكفر إلى أهل الإيمان طوال التاريخ الإسلامي. أُصبتُ بإحباط كبير، لأنها لم تكن لائقة على لسان قائليها. أتأدب من القول إنهم يكذبون، بل أفضّل أن أقول يضلّلون الناس بقضايا مناقضة للواقع.

ولكن واسيتُ نفسي على النحو التالي، قلتُ: في كل زمان -ولا سيما في زمن الفتن- تعرّض الأبرياءُ لتشويه سمعتهم، وأهينت كرامتهم، كما أن بعض الناس الذين لم يستوعبوا حقيقة ما يحدث، كانوا شركاء في ذلك الإثم بعلم أو بغير علم. مَن نحن أصلًا حتى نشكو؟ فقد افتروا على أمِّنا عائشة رضي الله عنها … في العهد النبوي السعيد، بل وأكثرُ من ذلك، فقد افترى الملحدون على الله كذبا، والقرآن يذكر افتراءاتهم في آيات عديدة، ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ﴾(البَقَرَة:116) حاشا لله، ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ﴾( النَّحْل:57) حاشا لله. وكم أتألم، وكم تحزّ في قلبي مثل هذه العبارات البشعة التي قيلت في حق الله -تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا-. فإذا ارتُكتبت هذه الجرائم في حق الله، ورسوله، وفي حق العلماء والصالحين عبر التاريخ، فكيف ينزعج -هذا القطمير- عندما يتعرض لشيء مماثل من قِبل بعض أهل الإيمان؟ نعم، بمثل هذه الأفكار أحاول أن أسرّي عن نفسي.

في الحقيقة، كلٌّ يعمل على شاكلته. مَن مَلك قابليةَ الظلم، ظَلَم. وبما أننا لا نملك نواجذ للعضّ، فلا يمكننا أن نعضّ أحدًا. ولكن لا نشكو.. فهم يظلمون ويتمادون في الظلم، أما نحن فسنبقى صابرين يقظين حذرين، وسنضرع إلى الله تعالى من أجلهم، نسأله أن يعامِل بالرحمة والمغفرة من كان عنده قابلية للرحمة والمغفرة، ونرجوه – أن ينجيهم من السير في الطريق الخطأ. ولا شك أن التعرض لألوان شتى من الافتراءات والمؤامرات، هو قَدَرُ السائرين في هذا الدرب في كل عصر، وسيبقى كذلك إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. وحينما تسود البصيرة والفراسة -مع مرور الوقت- فإن الغبش والضبابية وكافة السلبيات ستزول تلقائيًّا. فليس ثمة افتراء ولا مؤامرة قادرة على الصمود أمام الحكمة والبصيرة. وكم كنتُ أرجو من هؤلاء الذين انجرفوا وراء هذه الأوهام والمؤامرات، أن يحاولوا إعادةَ النظر -في ضوء الكتاب والسنة- في الطريق التي سلكوها.

س: هل أبيات الشعر التي ترددونها دائما تفسر الواقع الذي نعيشه اليوم؟

“الخليل بلا وفاء، والدنيا لا ترحم، والعالَم لا يهدأ..

  الهموم كثيرة، ولا يوجد شريك همٍّ معك..

  العدو قوي، والساعد ضعيف…”

(الشاعر فضولي)

ج: جميع إخواننا تقريبا أبدوا وفاءهم للقضية؛ ولم يحصل أي اهتزاز أو ارتباك يُذكر لدى إخواننا وأصدقائنا رغم حجم الافتراءات والأكاذيب التي وجّهت. لكن القلب ينتظر من البعض أن يتصرفوا بما يتناسب مع حجمهم ومكانتهم. وهذا الرجاء لا يتحقق بالصورة المطلوبة أحيانا. ولا أدري هل يحق لنا أن ننتظر من بعض أصدقائنا المبجّلين ممن خبروا الحياة وتَعُود صداقتنا معهم إلى سنوات قديمة أن يظهروا ويدافعوا عن بعض الأمور إكراما للحق؟! لذا أكتفي بالقول: بعضُ أصدقاءِ أيام الرخاء لم يتصرفوا بما يليق بمكانتهم.

عرفتُ في السبعينات رجلا كان يقول لي إنه مستعدّ للتضحية بكل ما يملكه من أجل مشاريع “الخدمة”.

في انقلاب 12 مارس 1971م دخلنا السجن معا، وعندما خرجنا أردنا أن نكمل مبنى مبيت الطلبة “بُوزْيَاقه” والذي كنا قد بدأنا في إنشائه من قبل، فعندما ذكرتُ له ذلك قاطعني قائلا: “بربّك أستاذ، لا تورِّطني أكثر من هذا”. إن الثبات في مثل هذه الظروف الصعبة غاية في الأهمية. همة المرء بقدر همّه وصفاء معدنه. ولكن علينا أن لا نستاء ولا نعتِب، وسوف نرى في الآخرة من سيطأطئ رأسه ندما ويحمرّ وجهه خجلا. وما صبرُنا ومصابرتنا -في الحقيقة- على هذه المكابدات إلا من أجل الآخرة. فنحن طُلّاب الخلود، فإذا كان الخلود مطلبكم، فلا يليق بكم أن تلتفتوا إلى الدنيا الفانية.

وها نحن نعلن للعالم أجمع، أننا متسامحون في حقوقنا الشخصية، فقد أحللنا حقوقنا. ولكن إن كان هناك تجاوزات في حق الدين.. تجاوزات في حق هذه الأمانة المقدسة، فتلك لها صاحبها، وصاحبها يحاسب عليها دون شك، لذا ينبغي أن يخشى الظالم من أن يجد نفسه وقد انقلبت أوضاعه فجأة رأسا على عقب. لكننا لا نرجو ذلك لأحد ولا نرغب في أن يصيب ذلك أحدا، لأن قلبَ المؤمن يجب أن يكون مثل الورد، وأن يكون كلامه وردا ينشر طِيبا حيثما حلّ.

س: إنكم واحد من أكثر من تعرّضوا لمظالم شتى في انقلاب 28 فبراير 1997م. فقد تعرضتم حينئذ لحملة إعلامية إبادية شرسة، ثم رُفعتْ دعوى ضدكم، واستمرت المحكمة 8 سنوات. ولكن مسؤولي الحزب الحاكم الذين أقاموا كيانهم مؤخرا على معاداتكم، أخذوا يرددون أن فضيلتكم دعمتم ذلك الانقلاب، وبالتالي يحاولون أن يظهروا أنفسهم وكأنهم عرضة لمظالم جديدة. هل تشعرون بأنكم تعيشون اليوم المآسي نفسها التي عانيتم منها في تلك الأيام؟

ج: لقد تعرضنا لمثل هذه المآسي والضغوطات مرارا. ففي انقلاب 12 مارس 1971م سُجنتُ 6 أشهر ونصف بتهمة “التسلّل داخل الدولة”. كانت المادة 163[5] في تلك الأيام تعمل مثل المِقْصَلة فوق رؤوس المسلمين، حتى جاء “تورغوت أوزال (Turgut Özal)”[6] وألغى هذه المادة. وفي انقلاب 12 سبتمبر 1980م طاردني الأمن 6 سنوات كما يطارَد المجرمون. وداهموا بعض الأماكن بحثا عني، وتعرّض إخواني لمضايقات شديدة. من هنا يمكنني القول إن العيش تحت وطأة الترصّد والملاحقات والانقلابات أصبح نمط حياة بالنسبة لي. أما ما نعاني منه اليوم، فهو يزيد على ما كنا نعاني منه أيام الانقلابات العسكرية بعشرة أضعاف. رغم كل شيء، لستُ شاكيا. لكن الفارق في هذه المرة أننا نتعرض للمعاملة السيئة نفسها من قِبل مدنيين كنا نحسب أننا نتجه وإياهم إلى قبلة واحدة. لذلك أصدقك القول بأن إحساسي بالألم مضاعف هذه المرة. ولكن ما باليد من حيلة سوى أن نقول ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ لا بد لهذه الكربة أن تزول كما زالت شقيقاتها الأخرى، والسلام.

س: يرددون الانتقادات التي وجهتموها إلى حكومة “نجم الدين أربكان (Erbakan)”[7] وإلى طريقة تسييرها لأزمة 28 فبراير 1997م، ويدّعون أنكم آزرتم الانقلاب حينئذ؟

ج: عندما أتى حزب الرفاه في المركز الأول بعد الانتخابات التي جرت في ذلك الوقت، بدأت بعض التحركات المناوئة داخل القوات المسلحة التركية بشكل واضح، والجميع لاحظ ذلك. أخذتْ غيوم سوداء تتجمع في سماء تركيا، ولكنها لم تتحول بعدُ إلى عاصفة. أذكر أنني كنت في جلسة مع بعض الصحفيين في “أنقرة” مثل المرحوم “ياووز جوكمان (Yavuz Gökmen)” والسيد “فهمي كورو (Fehmi Koru)”، وكان أيضًا السيد “فاتح شكيركه (Fatih Çekirge)”، أفصحتُ لهؤلاء الأصدقاء عن قلقي وما بلغ مسامعي من أنباء حول الموضوع. ولكن واجهوني بردود أفعال سلبية. لم أكن الوحيد الذي يرى الخطر القادم، بل كان آخرون أيضًا يرون الخطر نفسه. وإثر “فضيحة صُوصُورْلُق (Susurluk)”[8] استغلّتْ الطُّغمة العسكرية ردود أفعال المجتمع لحسابها، وهيأت المناخ لانقلاب عسكري. وعندما شرعوا في تفعيل خطة الانقلاب كان الأوان لإيقافها قد فات. ثم فجأة أضافوا في اللحظة الأخيرة اسم هذا الفقير إلى التقرير الذي أعدته المخابرات التركية حول فضيحة “صُوصُورْلُق”. فيما بعد علمتُ مَنْ فعل ذلك، إلا أني لم أفش أسماء أهل الإيمان هؤلاء، ولم أطعن فيهم قط، وفضّلت أن أدفنها في أعماق قلبي.

ثم جاءت قرارات 28 فبراير. كانت المادة الثانية من بيان تلك القرارات تنص على ضرورة تأميم المدارس وفق قانون “توحيد التعليم”. وعندما بلغ التوتر في البلد حدًّا خطيرًا طرحتُ -ككثير من الناس- فكرة الإعلان عن انتخابات مبكرة كحل للخروج من هذه الأزمة بأقل أضرار ممكنة. كما أكّدتُ على ضرورة إصدار قانون انتخابات جديد ينقل البلدَ إلى انتخابات مبكرة. لستُ أنا الفقير فقط مَن قال ذلك؛ إنما كثير من الأسماء أيضًا -وعلى رأسهم “كوركوت أوزال (Korkut Özal)”- شاركوني في رأيي هذا. حتى إن بعض وسائل الإعلام الموالية للحكومة، أيّدت هذه الفكرة ونقلتها إلى مانشيتاتها، وإذا رجعتم إلى الأرشيفات فسترون كل ما كُتِب وقيل في تلك الأيام.

في هذا الصدد، نبّهتُ السيد “نجاتي جليك (Necati Çelik)” وزير العمل في تلك الأيام إلى بوادر قدوم الانقلاب، وحذرته من المناخ الانقلابي الذي بدأ يتشكّل في البلاد، ولديّ شهود على ذلك، فالسيد “علاء الدين كايا (Alaaddin Kaya)”، و”مليح نورال (Melih Nural)” كانا حاضرين في ذلك اللقاء. قلتُ له “يخططون لإحداث انقلاب ضد الحكومة…”. كنتُ أبذل قصارى جهدي لمنع وقوع ضربة مقوّضة للديمقراطية. السيد نجاتي استمع إلى مخاوفي بحماس وانفعال ثم قام وذهب. نقل الأمرَ إلى الأستاذ المرحوم أربكان، ولكن لم تأت أيُّ مبادرة تشير إلى نيةٍ للحيلولة دون وقوع الكارثة.

كذلك حاولتُ أن أحذّر السيدة “تانصو تشلّر (Tansu Çiller)”[9] من الخطر القادم أيضًا، ونبهتُها إلى التطورات السيئة، لكنها قالت “يا أستاذ، أدعوك إلى الاتزان أكثر”، تألمتُ كثيرًا وحزنتُ.. لذلك لم أدخل معها في التفاصيل. عندما رأيت أنني لم أستطع إقناع أحد، شعرتُ بضرورة قول شيء ما يمنع التدخل في المسيرة الديمقراطية، كما يقع في المناطق المجاورة لنا.

ليس من أدبي أن أقول لأحد “فشلتم”. والكلّ يشهد أنني أكنّ احترامًا للجميع، وبخاصة لمن يشغل مناصب تمثيل الشعب. في تلك الأيام حاولتُ من خلال التذكير بنماذج سابقة في تاريخنا كسيدنا أبي بكر وعمر رضي الله عنه، أنْ أشرح أنّ الانسحاب من السلطة في مثل هذه الظروف الحرجة ليس مذلّة وليس مَدعًى لمذمّة، أي إذا كان الرجوع إلى الشعب سيمنع وقوع كوارث أكثر فظاعة، فمن الحكمة اختيارُ ذلك. الأمر نفسه ينطبق على انقلاب 27 مايو 1960، وانقلاب 12 سبتمبر 1980م كذلك. وقد لجأت حكومةُ العدالة والتنمية إثر المذكرة العسكرية في 27 أبريل 2007م إلى هذا النهج، حيث اتخذت -خلال أسبوع واحد- قرارًا بالخوض في انتخابات مبكِّرة، ومن ثم تمكّنت من اجتياز هذه العقبة. أي إن الحكومة عندما قررت الرجوع إلى الشعب، وأحالت الأمر إلى صناديق الاقتراع، أفشلت اللعبة التي أسقطوا بمثلها حكومة فبراير 1997م. هذا ما كنتُ أقوله: “غيّروا قانون الانتخابات، واذهبوا بالبلد إلى انتخابات مبكرة”.

ولا بد أن ألفت الانتباه هنا إلى نقطة غاية في الأهمية.. وهي أنه إذا أمعنتم النظر في “تقرير فضيحة صُوصُورْلُق” و”قرارات 28 فبراير”، ستجدون أن الطغمة العسكرية آنذاك، استهدفت بالدرجة الأولى حركة “الخدمة”. وما عشناه لاحقًا من مآسٍ، كان تنفيذا لتلك المخططات السوداوية. وكلّ ادعاء يناقض ذلك بعيد عن الإنصاف، بعيد عن الحقيقة، بل هو الظلم بعينه.

س: في لقاءاتنا السابقة كنتم قد بيّنتم استغرابكم حيال من يدعي أن “الجماعة تسيطر على نادي فريق فنرباخجه (Fenerbahçe)”[10] وذكرتم أنكم واجهتم صعوبة في فهم ذلك. كيف تقيّمون هذه الادعاءات في إطار المعلومات الجديدة التي ظهرت مؤخرًا؟

ج: نعم، فريق “فنرباخجه” من النوادي الرياضية المتميزة في تركيا. وحسب ما أشاهده، فإن إدارته ومشجعيه ملتحمون فيما بينهم التحاما محكما. وهي حالة يُحسَدون عليها. ومَن ينزعج من هذا أصلًا؟ أنا شخصيا عندما فاز نادِي “غلطه سراي (Galatasaray)Melih Nuralyarn تركيا لعضويّته. ت” بالكأس الأوروبي فرحتُ كثيرًا وامتلأت فخرا. القلب يرجو أيضًا أن يضيف نادي “بشكتاش (Beşiktaş)”، و”طرابزون سيبور (Trabzonspor)” ونوادينا الأخرى نجاحات جديدة إلى نجاحاتهم، وينتشر صيتهم في العالم كافة. والآن، إذا نظرنا إلى الموضوع من هذه الزاوية، هل يمكننا أن نفسر تلفيق مثل هذه الادعاءات ضدنا إلا بأغراض سياسية. يبدو أن كل مخالفة يعجزون عن شرحها للرأي العام يبادرون إلى إلصاقها بـ”الحركة” كرد فعل تلقائي. وقد ظهر في ضوء التطورات الأخيرة أن ادعاء “فَنَرْبَاخْجَه” كان افتراء كذلك.

س: تم إخلاء معتقلين على نطاق واسع في قضايا مهمة يتابعها الرأي العام عن كثب، وأهمها قضية “أرجنكون (Ergenekon)”[11] الانقلابية. كيف تقيّمون ذلك؟

ج: ما يقوله القانون وما يقتضيه نظام البلد وأمنه من واجبنا أن نقف إلى جانبه. وعندما ادعوا أن “الخدمة تآمرت على الجيش”، كانوا يخططون لأمر آخر في الحقيقة. كانت تلك مؤامرة منهم. أرادوا أن يحمّلوا الخدمةَ أوزارهم، لتدفع هي فاتورة أوزارهم. ها قد جمعوا البرلمان وأصدروا قانونًا من أجل شخص واحد فقط[12]. ليتهم أبدوا الحساسية نفسها لهؤلاء الناس. فالإخلاء شيء، ومرحلة المحاكمة شيء آخر. ما زالت المحاكمة مستمرة. ينبغي احترام القانون في قراره. ونحن وقفنا دائمًا إلى جانب القانون والقيم الإنسانية السامية. وسنبقى كذلك. ففي أحلك الظروف، حتى وإن تعرّضنا لأشد الاعتداءات شراسة، ينبغي أن لا نقصّر في احترام القانون.

الفساد جريمة أيًّا كان مرتكبها..

س: لقد وردت مزاعمُ في بعض وسائل الإعلام المحسوبة على الحكومة، بأن الخدمة هي التي نفّذت عمليات الفساد في ١٧ ديسمبر ٢٠١٣م. كيف تقيّمون ذلك؟

ج: إن البعض يصرّ على اتهام “الخدمة” على الرغم من أننا نشرنا مرارًا العديد من البيانات للتكذيب والتوضيح والتصحيح. وكما قلتُ سابقًا، فإن بعض النوابِ العامّين وقواتِ الشرطة المكلّفة بتنفيذ القانون، قد أدّوا المهمة التي يطلبها القانونُ منهم دون أن يعلموا أن ترصّد ومطاردة المجرمين صار يُعتبر جريمة! أي إنهم لم يتخيّلوا أن أضرارًا ستلحق بهم جراء أداء وظائفهم! وكان كاتب عمودٍ في جريدةٍ -أظنُّه السيد “يافوز سمرجي (Yavuz Semerci)”- قال مؤخّرًا “سيأتي يوم يُكافَأ فيه هؤلاء الرجال بميداليات تقديرية”. بالرغم من ذلك، فإن الذين أشرفوا على تحقيقات 17 ديسمبر، بل الآلاف من الموظفين الذين لم يكن لهم أيّ صلة بتلك التحقيقات، تعرّضوا للنفي والتشريد دون مراعاة حقوقهم وحقوق أفراد عائلاتهم قط. ثم بادر أعضاء الحكومة إلى اتهام “الخدمة” ومهاجتمها وكأنّ شيئًا لم يحدث وكأن فسادًا لم يقع. وعمدوا إلى اختلاق أكاذيبَ ونشرها واحدة تلو الأخرى، وما زالوا يفعلون ذلك.

قبل كلّ شيء، فإن تحقيقات الفساد والرشوة لم تأت فجأة، فجهاز المخابرات قد أعدّ قبل نحو 8 أو 9 أشهر تقريرًا قدمه لرئيس الوزراء، وأكد فيه أن بعضًا ممن يحتمل أن يكونوا جواسيس لإيران، قد سيطروا على وزراء في الدولة وبعضٍ من أبناء الوزراء، بل حتى تسلّلوا إلى مجلس الوزراء للقيام ببعض الأشغال الغامضة، ولكنه تم التجاهل والتغاضي عن هذا التقرير تمامًا. فضلًا عن ذلك، فإن وسائل الإعلام المقربة من الحكومة قد نشرت أخبارًا في صفحاتها بهذا الشأن، إلا أنها لم تلقَ اهتمامًا كذلك. لم يفكّروا في منع وقوع أعمال الفساد. ولما بدأت تحقيقات الـ17من ديسمبر، لم يجدوا مخرجًا من هذا المأزق، فقرّروا التخلّص منها عن طريق كيل الاتهامات واختلاق الجرائم لأناس أبرياء.

وكما بيّنتُ سلفًا، فإن هؤلاء المشرفين على هذه التحقيقات لا أعرفهم شخصيًّا، ولم يكن لي أيّ صلة بهم. وقد ردّدتُ ذلك مرارًا وقلتُ “لا أعرف واحدًا في الألف منهم…” ، إلا أنهم استمروا في ربط هؤلاء بشخصي.

أما الذي حزّ في نفسي وأشعرني بالإحباط أصلًا، فَهو صمت السياسيين الذين عرفتُهم شرفاءَ صادقين. إذ كنتُ أتوقّع من هؤلاء الذين أعرفهم منذ القديم، وأعتقد بصلاحهم وعدم مخالفتهم لضمائرهم، أن لا يبقوا صامتين أمام أعمال الفساد والعلاقات المبنية على الرشوة. كنتُ أظنّهم هكذا. كنتُ أنتظر منهم ردّ الفعل الذي أبداه المرحوم “تورغوت أوزال” الرئيس التركي الأسبق -أسكنه الله فسيح جناته- إزاء مثل هذه الأعمال القبيحة، ولكنهم لم يفعلوا. ولما سكتَ هؤلاء لم يتجنّب مَنْ ارتكبوا “جريمة واحدة” ارتكابَ “ألف جريمة” أخرى، وابتدعوا طريقة لم يُسبَق إليها طوال تاريخ الجمهورية التركية. فبدلًا من إطلاق حملة ضد الضالعين في ممارسات الفساد، أطلقوا حملة ضد أولئك القائمين على تحقيقات الفساد.

إن الإسلام حرّم أعمال الفساد وفرض عليها عقوبات زاجرة، واعتبرها من مساوئ الأخلاق وحضّ على الابتعاد عنها. فلا يمكن تسويغ وتصويب أيّ نوع من أنواع الفساد، ولا يمكن أن يُترك مرتكبُه دون عقاب. فالذنب أو الخطأ إن كان فرديًّا، ولم تكن أضرارُه راجعة إلى المجتمع، فالإسلام في هذه الحالة يَطلب التجاوزَ والصفح عن ذلك الإنسان، ولا يَسمح أبدًا بالتلاعب بكرامته وشرفه. لذا ينبغي عدم الخلط بين هاتين النقطتين؛ أيْ إن الإسلام يحثّ على إبداء حساسية فائقة للغاية، ويضع عقوبات محددة إن كانت المسألة متعلقة بأكل حقوق الناس أو متعلقة بأعمال فساد مختلفة.. فعلى سبيل المثال، عزل عمر بن خطاب رضي الله عنه عياض بن غَنم، مع أنه كان واليًا وحاكمَ إقليمٍ، كذلك عزل واحدًا من الولاة المشهورين، وكان غازيًا وفاتحًا في غزوة القادسية ضد الفرس، عزله ثم استدعاه إلى المدينة المنوّرة. في الحقيقة، لم يكنْ له أيّ ذنب، ولكن ذاعت في حقه إشاعات.. ولا يمكن لإنسانٍ انتشرت في حقه إشاعات أن يكون واليًا، لأن الناس لن يسمعوا له ولن يطيعوه. لذلك رأى عمر رضي الله عنه أن إنسانًا تعرّضتْ سمعته لإساءة على هذا النحو لا يمكن أن يكون واليا هناك، فدعاه إلى المدينة المنورة. وعلى نفس المنوال، استدعى إلى المدينة خالدَ بن الوليد رضي الله عنه جراء مزاعم حول ممارسته الفساد -حاشاه- مع أنه كان يخوض أخطر المعارك مثل معركة اليرموك. عزله ودعاه إلى المدينة في وقت كانت فيه المعركة على أشدّها، فعاد إلى المدينة وعمامته على رأسه. ولا يخطرنّ على بالكم شيء سلبي عن خالد بن الوليد رضي الله عنه. فذلك القائد العظيم لم يكنْ يملك شيئا سوى خيله وسيفه عندما وافته المنية. هو قائد عملاق بذلك المستوى، بالإضافة إلى أنه عابد وزاهد، إلا أن عمر رضي الله عنه لم يغلق أذنيه وعينيه تجاه مزاعم ممارسته الفساد، وإنما تابع القضية عن كثب وفعل ما ينبغي فعله. وعَزل أيضًا سيدُنا عثمان بن عفان رضي الله عنه عمرو بن العاص رضي الله عنه من منصبه.

بناء على ذلك، فإن كانت هناك رشوة وجرائم ترتكب، ومحسوبية، وممارسة فساد في المناقصات، وأمور أخرى تتعارض مع مصالح الأمة، ويتمّ التستّر عليها، فإن الله عز وجل سيحاسب عليها. لا أعرف ماذا كانوا يتوقّعون؟ وإن كان هناك مَنْ يتعاطف مع نشاطات الخدمة مِمَّنْ أشرفوا على تحقيقات الفساد، فهل كان يجب عليّ أنْ أقول لهم “غضّوا أبصاركم عن مزاعم الفساد”؟ لا أعرف، ولكن يبدو لي أن البعض كانوا يتوقعون شيئًا كذلك. أكان توقّعهم هكذا فعلًا؟ كيف لي أن أفعل شيئًا يدمّر آخرتي؟ كيف لي أن أتصرّف غير ما تصرّفتُ؟

وكما ذكرتُ في وقت سابق، لو كان هؤلاء الرجال الذين يُوصَمون بانتمائهم إلى “الدولة الموازية” يتحركون بصورة مخالفة للقوانين واللوائح المتبعة، فلماذا لم يُعاقَبوا حتى اليوم؟ ولقد سمعتُ أن عمليات النقل والنفي والتشريد طالت الآلاف منهم، ولكنني لم أسمع قط أنه فُتِح تحقيق بحق أحدٍ لسوء سلوكه أو خرْقه للقوانين ولوائح العمل في تلك المؤسسات. لا أعرف، فهل سمعتم أنتم؟

منذ ما يقرب من ستين عامًا، وأنا أُلقي دروسًا دينية في شتى المواضيع، وأردد المبادئ عينها دائما، ووصيتي لإخواني الذين يكنّون حبًّا لي -أنا الفقير الذي لا أستحقّ هذا الحب- هي ألا يقتربوا حتى من أطراف مثل هذه الأعمال القذرة؛ وفي الوقت ذاته، لا يغضّوا أبصارهم بتاتًا عن مثل هذه الممارسات الفاسدة عند اطلاعهم عليها، بل ليفعلوا ما يقتضيه القانون وتمليه العدالة.

إن القرآن الكريم يسمّي مثل هذه الممارسات الفاسدة بـ”الغُلُول”[13]. وهو يأتي بمعنى الاستيلاء على شيء دون وجه حق، والانتفاع به، واختلاس شيء من المال العامّ، وخيانة الأمانة وما إلى ذلك. كما تُعَدّ إساءة استعمال أموال الدولة ذنبًا وجريمة من هذا النوع. وقد تكون إساءة الاستعمال هذه ببضعة قروش حينًا، وبأكياس مليئة بالنقود المملوكة لخزينة الدولة أحيانًا أخرى… وقد تكون عن طريق الحصول على منصبٍ عبر الوساطة والمحسوبية لا بالكفاءة والجدارة والأهلية. فكل شيء تملّكه الإنسان دون وجه حق، وكذلك كل إمكان حصل عليه من خلال وسائل غير مشروعة، فهو غلول.

والطامة الكبرى هي أننا بأحوالنا هذه نفتح جرحًا غائرًا في قلب الإسلام دون أن نشعر. فإذا ما خرقنا قيم الصدق والإخلاص في حياتنا الشخصية، نكون قد أحدثنا شرخا في الدين وفي فكر من يشكّل قناعته عن الإسلام من خلال سلوكنا ومواقفنا. أظنّ أن الرغبة في المناصب السياسية تزداد نظرًا لأنها تشكّل مصدرًا لمثل هذه الغنائم والعمولات. ونتيجة لذلك، فإن المقاول أو رجل الأعمال الذي حصل على مناقصة عامة عبر هذه الطريقة، يبحث عن وسيلة ما لتعويض ما خسره من خزينة الدولة. إن الحق العام هو حقّ الله تعالى في الوقت ذاته. لذا فإن الفقه الإسلامي والنظام القانوني الحديث على حد سواء لا يسمحان أبدًا بمثل هذه الانتهاكات للحقوق. بناء على ذلك، فإن كان هناك شيء من قبيل سرقة الأموال العامة، فلا يمكن تبريرها لا من خلال الإشارة إلى المبادئ الواردة في “المجلة” (مجلة الأحكام العدلية)[14]، ولا من خلال الانغماس في جدال صاخب وضوضاء مفرطة. أجل، إذا لم تنتبهوا إلى تزكية قلوبكم على الدوام، فقد تجدون أنفسكم تائهين في متاهات مظلمة حتى لو انتشرتم -أصلًا- مع إخوانكم في أنحاء العالم بقصد نشر قيم الإسلام السامية من صدق وإخلاص. والأدهى من ذلك والأمرّ هو خيبة الأمل التي سيصاب بها هؤلاء الذين علّقوا آمالهم عليكم.

اسمحوا لي أن أقول أيضًا: ينبغي أن نعامل الناس بالرحمة والعطف، فنبينا صلى الله عليه وسلم يقول: «انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ: هَذَا نَنْصُرُهُ مَظْلُومًا فَكَيْفَ نَنْصُرُهُ ظَالِمًا؟ قَالَ: تَأْخُذُ فَوْقَ يَدَيْهِ»[15] التوصية الواردة في الحديث هي الاعتراض على الظلم والتجاوزات وارتكاب الجرائم والجنايات. لذلك يجب الحديثُ عن سوء هذه الأعمال وشرح خطورتها على الدوام لكي يبتعد الناس عن ارتكابها. ولا ينبغي أن تؤدّي هذه الطريقةُ من التصرّف إلى الانقسام أو الصراع، وإنما يجب أن تؤدّي إلى الاتحاد والمحبة المتبادلة.

س: لقد شَوّهتْ فئةٌ معينة من وسائل الإعلام الحقائقَ، وتسبّبت فى حالة من اللغط بخصوص دعائكم. قالوا “إنه دعا علينا”، ثم شكّلوا فكرة خاطئة في أذهان الناس أثناء الخطابات الجماهيرية في الميادين. فهل دعوتم عليهم حقًا؟[16]

ج: إنهم أصرّوا على سوء فهمهم هذا. اسمحوا لي أن أشرح الموضوع بمثال. لو هجم عليكم أحد بالأكاذيب ذاتها وبالأساليب القبيحة نفسها مرارا وتكرارًا، فسوف تتطوّر الأمور مع ذلك إلى نقطة ينفد فيها صبركم وتقولون: “إن كنتُ كما تَصِف فليُنزلِ اللهُ عليّ من البلاء ما أستحقّه، وإن لم أكنْ كما قلتَ فلينزل الله عليك من البلاء ما تستحقّه”. هذا هو الدعاء الذي تلوتُه في ذلك اليوم. وأنا لم أذكر اسم أي شخص أو حزب أو جماعة على وجه التحديد. وإنما ذكرتُ بعض الصفات والأفعال بصورة عامة ومطلقة. قلتُ من يفعل هذا وذاك… فإن لم يكنْ فيهم تلك الصفات، وإن لم يقترفوا تلك الأفعال فلماذا ينزعجون إلى هذه الدرجة ويحملونها على أنفسهم؟! كُنتُ أنتظر مِمّنْ يتفوّهون بهذه الافتراءات المبنية على سيناريوهات وهمية، ومِمّنْ ينشرونها في الصفحات المختلفة عبر جرائدهم أن يتجرّؤوا على التأمين على دعائي. ولكنهم لم يستطيعوا أن يقولوا “آمين”. بدلًا من ذلك عمدوا إلى استغلال الدعاء. ولكنني ما زلتُ في النقطة ذاتها، ولم يتغيّر موقفي من هذا الأمر، ولا أزال أقول “إذا كنا عصابة جريمة أو منظمة سرية أو دولة موازية داخل الدولة فلينزل الله علينا من البلاء ما نستحقه، وإن لم نكن كما تصف ألسنتهم فأسأل الله أن ينزل ذلك البلاء على من يُسندون هذه الجرائم إلى هؤلاء الناس البرآء!”، والذين يتجنبون “التأمين” على هذا الدعاء، ويتمادون فيما هم عليه، فعليهم أن يخافوا من سوء عاقبتهم.

س: ادعى نائب رئيس الوزراء والمتحدّث باسم الحكومة “بولند أرينج (Bülent Arınç)” أن البعض هدّد رئيس الوزراء بخصوص المعاهد التحضيرية الخاصة ونقل عنه قولَه: “قالوا لي إما أن تُقلعوا عن قرار إغلاق المعاهد أو نطيح بكم. أما أنا فتحدّيتُهم وقلتُ لهم لا تدّخروا ما في وسعكم، فإنني لن أتراجع عن قراري”، فماذا تقولون في هذا الصدد؟

ج: أقول بداية يجب على من يدعي ذلك أن يثبته بدليله ويرفع دعوى لدى المحكمة. كما ينبغي الإعلان للرأي العام أن شخصًا فلانيًا أو أشخاصًا فلانيين جاؤوا إلينا وهدّدونا، أي ينبغي أن يحدد الأشخاص بأسمائهم. ذلك أن ابتزاز الحكومة جريمة كبيرة. ولكن إن كانوا يقولون ذلك استنادًا إلى أوهام مختلقة فلا داعي للردّ والإجابة عليهم.

س: اتخذت الحكومة التركية قرارًا بإغلاق المعاهد التحضيرية للخدمة؟ فهل تعتقدون أن خطة الإغلاق جديدة أم كان يخطط لها من قبل؟

ج: بدا واضحًا -بعد البيانات التي صدرت على لسان رئيس الحكومة- أن جذور قضية إغلاق المعاهد التحضيرية لا تعود إلى ما قبل شهرين أو ثلاثة أشهر؛ حيث قالوا في تلك الأيام مع ذكر أسماء وزراء التربية والتعليم: هذا لم يستطع إغلاقها، وهذا لم يستطع، وذلك لم يستطع… أما الوزير الجديد فسيحقِّق ذلك. وما إلى هذا من الأقوال المشابهة، مما يعني أن هذه القضية تمّ التخطيط لها منذ فترة طويلة، ولعلها وعد قطعوه على أنفسهم لحساب جهات معيّنة. إذ وردت في وسائل الإعلام مزاعم بوجود مثل هذا الوعد لحساب جهات معينة، ولا بد أن التسجيلات المتعلقة بهذا الوعد موجودة في الغرف السرية للدولة. لقد تبيّن اليوم بصورة أكثر من السابق، أنهم لم يغلقوا تلك المعاهد انطلاقًا من نية رفع مستوى التعليم في المدارس إلى مستويات أعلى؛ إذ ظهر بشكل جلي أن النية هي منْع النشاطات التعليمية للخدمة. ها هم ينادون في الميادين أنْ “لا ترسلوا أولادكم إلى مدارسهم ومعاهدهم، بل قاطعوها”،[17] أيْ إن نيتهم كانت البدءَ من إغلاق المعاهد ثم الانتقال إلى المدارس، ثم الانتهاء بالسعي إلى إغلاق المدارس الموجودة في كافة أنحاء العالم. والملاحظات التي أبدتها السيدة “نازلي إيليجاك (Nazlı Ilıcak)” في هذا المضمار، يبدو أنها تفسير منطقي لهذ الأمر؛ حيث قالت إنه من الممكن أن تكون الحكومة قد اطلعت على التحضيرات الجارية لإجراء تحقيقات الفساد تلك، وبحكم مسبق من عندها فكّرت بأنه يمكن لحركة الخدمة أن تَحول دون ذلك، فخطّطت لوضْعها كحائلٍ أمام الأمواج القادمة إليها عبر ابتزازها عن طريق المعاهد التحضيرية وشنِّ حرب نفسية ضدها.

ليتهم أعلنوا عن نيتهم هذه وقالوا: “لا نريد أن تعملوا في مجال المعاهد التحضيرية” حتى لا يظلموا المعاهد الأخرى التي لا صلة لها بـ”الخدمة”. لأن الإنسان يحزن من أجل هؤلاء الناس الذين بنوا تلك المعاهد بعرق جبينهم ومحض أموالهم. يا للعار ويا أسفا… وكما تعلمون أن ثلاثة آلاف من تلك المعاهد البالغ مجموع عددها حوالي 3800 ليس لها أي علاقة مع الخدمة. لو قالوا ذلك صراحة لقلنا: “طيب، ما دامت هذه المسألة بالنسبة لكم بمثابة حياة أو موت، نطلب من إخواننا إغلاق معاهدهم في هذه المرحلة بصورة مؤقتة”، ولما كانوا أحرقوا الأخضر إلى جانب اليابس.

واسمحوا لي أن أستطرد قليلا.. يتعيّن على وزارة التربية والتعليم، بل حتى على الحكومة أن تركّز على مشاكل وقضايا أكثر جديةً وخطورةً. فنحن نعيش في مرحلة زمنية قد وقع الأفراد والعائلاتُ فيها أسرى للأزمات الاجتماعية والتآكل الثقافي. لقد قرأتُ منذ مدة مقالًا لواحد من الأكاديميين يقول فيه إن حالات الانتحار زادت بنسبة 36% خلال 12 عامًا. كما أن انتشار عدوى تعاطي المخدرات على نطاق واسع في المدارس الثانوية آخذ في التزايد، حيث بلغت نسبة من يشربون الكحول من الطلاب 32%. ووفقًا لتصريحات طبية نفسية، ارتفع عددُ مَنْ يتلقون العلاج جراء تعاطي المخدرات 17 ضعفًا في 10 أعوام. هذه المعطيات مخيفة جدًّا تهدد أخلاقَ المجتمع وقيمَه. وإن كان الواقع هكذا، فَبأيّ شيء يمكنكم أن تفسّروا وتبرّروا إنقاذ التعليم بإغلاق المعاهد التحضيرية، بينما تشكّل هذه المشاكل الضخمة مخاطر كبيرة تهدّد نظام التعليم وحتى مستقبل البلاد؟ هل سيمنعون -بإغلاق المعاهد التحضيرية- حدوثَ هذا التشوّه والتحلّل؟

وإن هذه المعاهد، مؤسساتٌ تعليمية تمارس إلى جانب دورها التعليمي دورًا في مكافحة هذا التشوّه والتحلّل أيضًا؛ فضلًا عن ذلك، فإن قلبي يتفطّر عندما أفكّر في الفراغ المحتمل الذي يمكن أن يحدث نتيجة إغلاق تلك المعاهد في المناطق الجنوبية الشرقية من البلاد. ويصعب عليّ أن أفهم إقبال المسؤولين بهذه السهولة على تعريض وحدة البلاد للخطر في سبيل تحقيق مصالح صغيرة جدًّا.

س: تمّ تسريب كثير من التسجيلات الصوتية في الآونة الأخيرة. وبعض الأوساط على وجه الخصوص تتهم حركة الخدمة بهذه التسريبات؟

ج: تتعرّض “الخدمة” منذ القديم لمثل هذه الاتهامات، إلا أن أصحاب هذه الاتهامات لم يقدّموا حتى اليوم أي دليل في صدد إثبات مدّعاهم. وعدم إبراز أي دليل ملموس في هذه المسألة -التي أصبحت وسيلة للاستغلال دائما- يدلّ على وجود غاية أخرى من وراءها.

الجميع يتكلّم في هذا الموضوع. ولكنه موضوع معقّد على ما أعتقد. فهناك نوعان من عمليات التنصّت؛ النوع الأول يتمّ فيه التنصّت بناء على قرار صادر من المحكمة، أما الثاني فيتمّ بطرق غير قانونية. لذلك يجب الكشفُ عمّنْ يتنصّتون خارجين عن إطار القانون، ومعاقبتُهم، مهما كان الثمن، وبغضّ النظر عن هوياتهم وانتماءاتهم ومع مَنْ يتعاطفون. أنا والعديد من إخواني من ضحايا التنصّت غير القانوني. هناك حملة منذ القديم تسعى لخلق تصوّر عنا من خلال الدعاية السوداء وكَيلِ الاتهمات وإلصاقِ الجرائم بصورة علنية عبر وسائل الإعلام. ولا يتأتى لنا مكافحة هذا إلا بالقانون. فإذا كان هناك من يتنصّتون بطرق غير قانونية أو حتى من يتجاوزون حدودهم القانونية في ذلك، فلا بدّ من محاسبتهم. وبالمقابل، فإنه من الضروري أيضًا محاسبةُ مَنْ يزعمون أن “الخدمة تقوم بذلك”، ومن ثم يستهدفون شريحة كبيرة من الأبرياء في المجتمع دون الاستناد إلى أي دليلٍ يثبت مدّعاهم. لا بد أن يقول العدلُ لهم “مِنْ أين لك هذا العلم وما دليلك على هذا؟” ويحاسبَهم. فإنه من غير الممكن الحيلولة دون حدوث أعمال غير قانونية عبر اتباع أساليب غير قانوينة. وأعتقد أن الشكوى من عمليات التنصّت حال كونها ضدك، واستغلالها إن كانت لصالحك أمر لا يمكن الموافقة عليه، لا من الناحية القانونية ولا من الناحية الأخلاقية.

صراع بين العدالة والتنمية وبين الخدمة، أم انكماش في الحقوق والحريات؟

س: عند النظر من الخارج، يبدو وكأن ثمة صراعا بين الحكومة والخدمة. كُتبت المقالات ودارت التحليلات في هذا الفلك. ويردد البعضُ مقولة “عن طريق الصندوق بإمكاننا أن نغير الحزب الذي لا يعجبنا، ولكن كيف سنغير هذه الحركة؟”، ماذا تقولون عن ذلك؟

ج: المسألة ليست قضية صراع بين حزب العدالة والتنمية والخدمة. في السنوات الأخيرة بدأ موضوع الحقوق والحريات الأساسية في تركيا يتقلص بشكل خطير. فلغة السياسة الهدامة المفتِّتة باتت تهدد وحدة المجتمع وتدفعه نحو الاستقطاب بكل حدّة. وخلال أحداث “كيزي (Gezi)”[18] اعترضتُ على تسمية المتظاهرين بـ”الأوباش” وقلتُ “ينبغي ألا يُتلفَّظ بذلك”. ونفس الشيء ينطبق على العَلويين أيضًا، وهذا طبيعي في ظل عدم السعي إلى إيجاد حلول ديمقراطية تدافع عن حقوقهم الطبيعية، بل وربما عدم الرغبة في إيجاد تلك الحقوق. لقد أيّدنا “مشروع المسجد وبيت الجمع جنبا إلى جنب”[19]، ولكنه لاقى انتقادات حادّة مِن جهات غير متوقَّعة.

من ناحية أخرى، نحن لسنا حزبًا سياسيًّا ولن نكون أبدًا. بناء على ذلك فلسنا بصدد منافسةٍ مع أيّ حزب، ونقف من الجميع على مسافة واحدة. وعلى الرغم من ذلك، نتشاطر مع الرأي العام قلقَنا وآمالنا فيما يتعلق بمستقبل بلادنا. أعتقد أن هذا أمر طبيعي نمارسه بموجب حقوقنا الطبيعية والديمقراطية. ولذلك أجد غرابة فيمن ينزعجون من ذلك، فهل صار القول للمسؤولين “لديّ فكرة كذا…” تهمة؟ إن الأفراد في الديمقراطيات المتقدمة وكذلك مؤسسات المجتمع المدني التي تتشكل من هؤلاء الأفراد، يحق لهم توجيه الانتقادات وإبداء الآراء وتبادلها مع الرأي العام دون أن يسبب ذلك إزعاجًا لأي أحد.

إضافة إلى أن كل المؤسسات التي أقامها إخواننا تعمل وفق القوانين، وهي خاضعة لرقابة الدولة وتفتيشها، مما يعني أننا نتحدث عن عمل شفاف بكل معنى الكلمة. أما المؤسسات غير الشفافة أساسًا، فهي التي ظهرت وبكل وضوح رغم الأكاذيب التي تم تلفيقها للتستر عليها في الأشهر الأخيرة. مشروع الخدمة عماده التطوع، وإنّ اتهام أناس لم يؤذوا في حياتهم أحدًا ولو نملة واحدة، ويراعون القوانين رعاية كاملة، بـأنهم “منظمة سرية” أمر باعث على الأسف.

ولا يخفى عليكم أن مؤسسات الدولة فيها كل الأطياف والأفكار؛ يميني ويساري، علَوي وسُنّي، مسلم وغير مسلم، كردي وتركي… كلٌّ يقوم بوظيفته التي كُلّف بها من قِبل الدولة. والأصل في ذلك أن يؤدي الموظفُ مهامه في إطار القانون. وأيًّا كانت الأفكار التي يعتنقونها، فإن تصنيف هؤلاء الموظفين أثناء عملهم في مؤسسة الدولة حسب أفكارهم وانتماءاتهم في قوائم سوداء، واتهامهم دون دليل، يمثل تجاوزًا في حقهم واعتداء على حقوقهم. وفي حال عدم وجود أي جريمة ثابتة، إ” بي بي سين ادعيتم وجود دولة موازية، فإن أوهامكم هذه ستضع أمامكم ألف دولة موازية. وفي هذه الحال ستعرّضون كثيرًا من الأبرياء للظلم.

س: يقولون لماذا تعارضون الآن حزبًا تحالفتم معه طيلة 12 سنة؟ ألم يكن بينكما مصلحة مشتركة؟

ج: لم نتحالف مع أي حزب سياسي على أساس مصلحي قط. حافظنا دائمًا على استغنائنا، لأن الدروس التي استفدناها من القرآن والسنة كانت تقتضي ذلك. دائمًا ما اعتبرتُ السعي إلى المناصب والمساومة من أجلها خيانة للمبادئ التي آمنا بها. لا أقول شيئًا حول اجتهادات الآخرين وأفكارهم، فلكلٍّ رأيه واجتهاده، ولكن دائمًا نظرت إلى طلب الدنيا ورغبة الحصول على الإعجاب والشهرة على أنها خطر على آخرتي، وكذلك إخواني. نحن لم نطلب قط إدارة عامة، ولا منصبَ محافظ، ولا وزارة… وإذا كان بيننا من طلبوا ذلك -إلا أني لا أتذكر شيئًا من هذا القبيل- فليسوا منّا، وإنْ وُجدوا سابقًا فلم يبق أحد منهم بيننا اليوم، وقد بيّنتُ رؤيتي هذه لرجال الدولة مرارًا. نحن حاولنا وبإخلاص تقديم الدعم اللازم لتطوير الديمقراطية، والحقوق والحريات الأساسية وما شاكل ذلك، علمًا بأننا ندعم كل حزب يسعى إلى إنهاء الممارسات غير الديمقراطية وإحلال ثقافة الديمقراطية التعددية. من هذا المنطلق نقول، إن التحزّب الأعمى شيء، ومؤازرة الإجراءات الديمقراطية شيء آخر. نحن نقف اليوم في المكان نفسه الذي وقفنا فيه بالأمس.

أما من بدّل مكانه فهو من يجب النظر إليه.. فهل يعقل أن نستمر في دعم حزب سياسي قام قبل بضع سنوات بخطوات إيجابية حول مسألة الحقوق والحريات الأساسية، ثم هو اليوم يمنع الإنترنت، ويصدر قوانين تكاد تجعل الدولة “دولة استخباراتية”، ثم يسعى جاهدا إلى طرح الممارسات الديمقراطية جانبًا، ويحاول إفساد التناغم والسلام المجتمعي بلغته الحادة والجارحة؟ لو كان التضرر -مثلا- يقف على حد حركة الخدمة لكان من الممكن استساغة ذلك بشكل أو آخر، ولكن الحالة التي توصّلنا إليها اليوم يجب أن تُقيَّم من منظور أوسع. تركيا مع الأسف، بدأت تنفصم عن العالم، وتنعزل. إن دولةً كتركيا إذا فقدت ثراءها الديمقراطي وانكفأت على ذاتها، لا تضرُّ شعبها فقط؛ بل تضرُّ كلَّ مَن اعتبرها نموذجًا حسنا له، وعلّق عليها آماله.

س: منذ زمن طويل داخل تركيا وخارجها، كانت المصادر الحكومية تنسب كل ما تراه إيجابيا وديمقراطيا إلى نفسها، وكل السلبيات تنسبها إلى حركة الخدمة… والآن مع إخلاء سجناء “أرجنكون” يلجؤون بطريقة مماثلة إلى اتهام الخدمة أيضًا، أيْ إن الخدمة تدفع فاتورة أوزار لم ترتكبها. وشيئا فشيئا تكون لهذه الأكاذيب تأثير.. ما رأيكم؟

ج: لقد حاولوا استغفال شرائح كبيرة في المجتمع بهذه الافتراءات. مثلًا قالوا لبعض مجموعات وسائل الإعلام: “مشكلتنا ليست معكم، ولكن الجماعة تتحرّش بكم”، إلا أن التسجيلات التي نُشرت في الإنترنت مؤخرًا، كشفت عن أن حكام هذا البلد قد نحّوا مسؤولياتهم جانبًا وراحوا يبذلون قصارى جهودهم لإدانة هؤلاء الناس. حتى إنهم تدخلوا في عالم التجارة بطرق غير قانونية وسلبوا المناقصات من الذين ربحوها بحقٍّ وبطرق شرعية. والمؤسف هو سقوطهم في هذا الوبال المريع عبر إلقاء كل هذه الآثام على عاتق شريحة بريئة في المجتمع. طبعًا، لا نستطيع أن نمنع أنفسنا من الأسى والتألم حيال هذا الكمّ الهائل من الافتراءات، والغيبة.

والأشد أسفًا، ما يتعلق بالجيش. فالذين قالوا خلف الأبواب المغلقة: “أَرْكَعْنا الجيشَ، وجعلناه يؤدي التحية في حضرتنا، وقضينا على الوصاية العسكرية” ونحو ذلك من العبارات هم أيضا من قالوا للمسؤولين العسكريين: “نحن على استعداد لحلّ هذا الإشكال، ولكن الجماعة تقف عائقا أمام ذلك”. ومع أنهم قاموا بإصدار قانون في بضعة أيام من أجل رئيس جهاز المخابرات التركية[20]، فلو أرادوا، إن كانوا صادقين، لقاموا بإصدار قانون أيضًا بين ليلة وضحاها من أجل رئيس أركان الجيش ومن أجل الآخرين.

وهنا، أريد أن أفصح لكم عن مشاعري بهذا الخصوص. إخواني هنا شهود على ذلك، فكم من المرات آلمني فيها مشهد هؤلاء الجنود المتقاعدين وهم يُقتادون إلى السجون واغرورقت عيني بالدموع من ذلك المشهد، وقلتُ “كم كنت أتمنى أن لا يسقط هؤلاء الناس الذين ارتدوا هذه البزة العسكرية المشرّفة في هذه الحالة…”. ولكن ليس بإمكان أحد أن يتدخل في أحكام القضاء أو يقترح شيئًا حول هذا الخصوص. فالاتهام بتدبير انقلاب عسكري من الخطورة بمكان، والقانون يجب أن يتخذ إجراءاته حيال ذلك، ولكني كنتُ آمل أن يجدوا مخرجا قانونيا، يأخذ بعين الاعتبار، الحالة الصحية لهؤلاء الناس، وتَقدُّمهم في السن، وما قدّموه من خدمات لوطنهم طوال شغلهم لمناصبهم سنين عديدة.

هذه هي نظرتنا. وكانت دائمًا كذلك. أما العمل على نحو أن أهل الخدمة هم الذين أوقعوهم في مأزق، فمنافٍ للحقيقة تمامًا. قبل أيام تحدث ضابط متقاعد من استخبارات الشرطة إلى صحفي، وإخواني قرؤوا لي ما قاله من الإنترنت، كان يقول: “كل عملية قمنا بها كانت ضمن علم السيد رئيس الوزراء”. وأعتقد أن هذه البيانات التي تناولتها مقالة عمود في إحدى الجرائد، لم تُفنَّد من قِبل أي جهة رسمية. وهنا، ألا يحق لنا أن نسأل: ما دمتم تعلمون كل هذه العمليات، وإذا كانت هذه الإجراءات تتم ضمن علمكم، فلماذا تتحدثون اليوم عن “المؤامرة”[21] وتتركون الناس تحت الشبهات، أليس هذا من أكبر الآثام؟ إذا كان هناك مؤامرة، فلماذا لم تتدخّلوا حينها؟ إذا كنتم تعلمون ولم تتدخلوا، ألا تعدّون بذلك شركاء في المؤامرة؟

س: يتهمون حركة الخدمة بأنها عصابة إجرامية، بل هناك ادعاءات بأن المسؤولين يستعدون للقيام بتحقيقات ومداهمات ضد مؤسسات الخدمة؟

ج: مع الأسف، تقال أشياء كثيرة ضد الخدمة بغضب وعنف وكراهية. أعتقد، لم تبق إهانة في هذا الصدد إلا وقيلت، وفي الوقت نفسه، تم توجيه اتهامات جائرة وغير منصفة على شاكلة تنظيم، عصابة، ثم بعدها تُعطَى التوجيهات في محاولة للتأثير على القضاء. وقد صار هذا من الوضوح بحيث تم التصريح في الميادين الانتخابية بتحضيرات لفتح دعوى قضائية. حسنًا، إذا لم يكن هناك جريمة أصلًا، وإذا لم يثبت وجود جريمة رغم لجوئهم إلى كافة الوسائل للكشف عنها، فهل يمكن أن نتوقع عدالة في ظل حالة من التعسف الجائر لدفع سلطة القانون إلى اختلاق جريمة وأدلة لجريمة؟ إن الادعاء الوهمي الغامض بوجود “دولة موازية”، يمكن أن يوجَّه إلى كل شريحة أو طبقة في المجتمع. أعني، أن توجيه الاتهام إلى أفراد يعملون في أجهزة الدولة بسبب انتمائهم العقدي، أو الأيدولوجي، أو الطرائقي، أو الحزبي، عملٌ لا نهاية له. فإن أعلنتم اليوم جماعةً من الجماعات أنها “موازية” ووصمتموها بـ”العصابة”، فسيظهر في يوم آخر شخص آخر، ويدعي نفس الادعاءات على شرائح أخرى من المجتمع. نعم، يُحتمَل أن يُتَّهَم يومًا جميعُ الموظفين في الدولة بـ”الدولة الموازية”، بسبب تعاطفهم مع مجموعة اجتماعية، سياسية أو دينية. حتى هؤلاء الذين تلوك ألسنتُهم هذا الموضوعَ بكثرة اليوم، ربما غدًا سيتعرّضون إلى اتهامات مماثلة، لا ضمان لذلك. إذا تُرك الناس تحت الشبهة بمثل هذه الاتهامات، فعند ذلك لن يبقى نظام، ولن تبقى عدالة.

وأؤكد وأقول إذا لم يُصغِ الموظَّف في الدولة إلى كلام مديره، فإن جزاء ذلك معلوم في القانون، إذ يعاقَب ضمن نطاق القانون. ولكن إذا حُرِّف الموضوع عن مجراه القانوني، وتم تصنيف آلاف الناس ونَفْيُهم إلى هنا وهناك بناء على قوائم سوداء زائفة، ثم رُفعت قضايا ضدهم ظلمًا، فهذا أمر لا يغفره التاريخ ولا يغفره الله.

إن الضغط على القضاء، وفتح الدعاوى قسرًا، ظلم مضاعف لن يتركه الضمير المجتمعي بدون حساب. ثم إنه لَمن الواضح جدًّا، أنه لا يمكن الحصول على نتيجة قانونية من قضية ملفّقة. أضف إلى ذلك، إذا اتهمتم أبناء هذا الوطن -الذين جعلوا احترام القانون نمط حياتهم- بالعصابة، حينئذ تُسألون: منذ 12 سنة وأنتم تعملون مع هؤلاء الناس وتَصِفونهم بالطيبين.. طيلة هذه السنوات ظلوا يعملون تحت إمرتكم.. فماذا حصل حتى انقلبوا في نظركم فجأة بعد تحقيقات الفساد والرشوة إلى أناس مجرمين؟ يجب أن لا ننسى قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾(النَّحْل:90)، أيْ يأمر بأن لا يؤكَل حقُّ العباد، يأمر بأن لا يُعتدى على حقوق الناس.

“محاولات تشويه سمعة مدارس الخدمة في العالم آلمتني كثيرا”

س: في مؤتمر عقده رئيس الوزراء في أنقرة مع السفراء الأتراك خاطبهم قائلًا: “اذهبوا وبيّنوا حقيقة هذه العصابة للعالم”، وصدرت أوامر للقيام بتشويه صورة مدارس الخدمة المنتشرة خارج تركيا. فما تعليقكم؟

ج: كلما تردد إلى مسامعي شيء من محاولات تشويه صورة الخدمة في كافة أرجاء العالم، تفطّر قلبي ألمًا، وتوجّهتُ إلى الحق جل جلاله بالاستغاثة. مع الأسف، شهوة التخريب تجاوزت حدود الإنصاف. هذه المؤسسات أنشئت بتضحيات أهالي الأناضول الجسيمة وأهالي البلدان المختلفة من أصحاب الغيرة لأوطانهم. وقد شاهد معظم فئات الشعب التركي هذه المدارس؛ اليميني واليساري والقومي والمتدين واللاديني… معظم شرائح المجتمع… تابعوها بأم أعينهم، ولم أسمع يومًا مَن يقول مِن هؤلاء: “هذه المدارس مضرّة، ويجب إغلاقها”. إن محاربة هذه المدارس لا يمتّ إلى المنطق بشيء لا من حيث المعايير السياسية ولا الوطنية.

إن الذين أسسوا تلك المدارس، أسسوها دون رغبة في منفعة مادية أو معنوية. استصحبوا معهم إلى تلك البلاد حبَّ أهل الأناضول وسخاءهم.. استصحبوا تسامحهم.. استصحبوا قيمنا الإنسانية وأخلاقنا السامية. لذا فإن تجاهُل خدمات هؤلاء الناس الذين حملوا قيمنا، وإيماننا، ولغتنا، وثقافتنا إلى كل أرجاء العالم، ليس إلا جحودا للمعروف وإنكارا للجميل. إن الشمس لا تُحجَب بالغِربال. وإن شعبنا الحكيم يرى ويدرك كل مؤامرة مهما حاولوا إخفاءها. ولعل حالة الهذيان والتخبط الحاصلة الآن تعكس مدى فشلهم في القضاء على هذه الأعمال الطيبة، وعدم قدرتهم على إطفاء نورها. إنهم يتخبطون خَبط عشواء. وينبغي على الجميع أن يدرك هذا أيضًا.

أضف إلى أنكم إذا لم تسعوا إلى توفير تجاوب خارجي إيجابي لتركيا عبر مؤسسات إنسانية حضارية تطوّعية، فعندها يتعذر عليها بمفردها -داخل دنيا معولمة- أن تحقق نهضة بمعزل عن العالم دون علاقات تفاعلية إيجابية مع الدول الأخرى. وهذه الحاجة لا تنطبق على تركيا فحسب، بل تنطبق على كل دولة من دول العالم كذلك. من هذا المنطلق، لا بد أن تبحثوا عن مَسانِد لهذا البلد الطيب وتصلوا إلى الناس الذين يحبونه ويتعاطفون معه في كل أرجاء العالم، لأن السلام العالمي لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال تعارف الشعوب وفهم بعضها البعض.

إنه لَيحزنني أن أرى المساعي الملحَّة للقضاء على هذه الخدمات الطيبة، أو تشويه صورة هذه الخدمات أمام العالم. ولكن رغم كل شيء سنستمر في احترامنا للجميع، لأن هذا هو أدبنا وهذه هي أخلاقنا، هكذا كنا، وهكذا سنبقى. لن نؤذي أحدًا ابتغاء مكاسب دنيوية فانية ولن نجرح قلب أحد، بل سندعو الجميع إلى رحاب المحبة؛ سندعو، وسنبقى متمسكين في علاقتنا مع أمتنا بكلام الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي الذي يقول: “لقد سامحتُ وصفحتُ عن كل من كان سببًا فيما عانيت منه من أذى وإهانة وتعذيب. لم أذق طوال عمري البالغ نيفًا وثمانين سنة شيئًا من لذائذ الدنيا. قضيت حياتي في ميادين الحروب وزنزانات الأسر، أو سجون الوطن ومحاكم البلاد. لم يبق صنف من الآلام والمصاعب لم أتجرعه. عوملت معاملة المجرمين في المحاكم العسكرية العرفية، ونُفيتُ وشُرّدتُ في أرجاء البلاد كالمجرمين. وحُرمت من مخالطة الناس شهورًا في زنزانات البلاد.. تعرضتُ لإهانات متنوعة. مع ذلك أعلن أنني سامحت وصفحت عمن فعل بي ذلك”[22].

نعم، لقد عاهدتُ نفسي كمؤمنٍ، أن أحمل هذه المشاعر؛ لن أقاطع أحدًا، ولن أحمل ضغينة في قلبي لأحد.. عاهدت أن أستقبل الموت باسمًا، عاهدت نفسي أن أعتبر الجفاء الصادر من الجلال، والوفاء الوارد من الجمال شيئًا واحدًا.

ووصيتي لجميع إخواني الذين يبذلون الغالي والنفيس في المدارس المنتشرة في كل أنحاء العالم ألا يهِنوا، ولا يحزنوا، ولا يخالط اليأسُ قلوبهم. وإن هذه الخدمات الحيوية التي يقدمونها في سبيل هذه الأمة، في سبيل راهنها ومستقبلها، بل في سبيل كافة الإنسانية، سوف تواصل تقدّمها بإذن الله وعنايته، وسوف تستمر القافلة في مسيرتها إلى الأمام. ولا يمكن أن يوقف قافلةَ الأخيار -التي تسير بلطف الله وكرمه- لا الافتراءات ولا محاولات التشويه. وكل إنسان يحمل قلبًا صافيًا وضميرًا نقيًّا في أعماقه سوف يرى ببصيرته حقيقة تلك الافتراءات.

وكما أوضحت في مناسبة أخرى أقول، رغم جميع التصرفات المتزمّتة التي تسعى إلى تخريب دربنا الذي نسير فيه، فإن الأرواح المنفتحة على الحوار والتواصل، وأرباب القلوب الرحيمة المتبسمة، والضمائر المنصفة والمعترفة بذنوبها، والأنفس اللوامة النادمة على أخطائها، والعقول الراغبة في بناء المستقبل على أساس من المنطق والحكمة، ما دامت حية، فإننا سنلملم أجزاء روحنا المهتزّة ونصلحها من جديد ونجدد محبتنا للجميع مرة أخرى، ونبقى مخلصين لهذه المشاعر. هذا ما سنفعله نحن على الدوام.

أما فيما يتعلق بالطرف الآخر، فإني أرى خطورة كبيرة في الخطاب الذي يُستخدَم حيث يؤدي إلى التفريق بين شرائح المجتمع حسب انتماءاتها وزرع الكراهية فيما بينها. فهذا لعب بالنار.. فهل يعقل أن يحرّض الأب أفراد أسرته ضد بعضهم بسبب رؤاهم المختلفة؟ نحن أسرة كبيرة تمتد جذورها إلى مئات السنين، لا يليق بنا أن نتخذ من أفكارنا المتعددة وانتماءاتنا المتنوعة ذريعة لتفجير صراعات فيما بيننا. ينبغي على الجميع أن يحترم آراء الآخرين. لا يصح أبدًا احتكار حرية الرأي والتعبير في فئة بعينها لأنها تمتلك السلطة. فكما يحظى صوت الأغلبية بالاحترام والتقدير، فكذلك يجب أن تنال كل فئة شعبية -مهما كان عددها- نصيبها من الاحترام عينه. وإذا ضيّقتم الخناق على المجتمع، فهذا يعني أنكم تعملون على تفجير أحزمة الزلازل المجتمعية وتغتالون وحدة المجتمع، وهذا ثمن باهظ، يعزّ علينا انجرار البعض إليه مقابل مصالح سياسية آنية.

هذا مع الأسف ما وقع في أحداث “كيزي”، فقد كانت هناك مطالب ديمقراطية، وبدأت المسيرة بنوايا صافية، وبدافع من حساسيات تتعلق بالحفاظ على البيئة. كان بالإمكان احتواؤها بالتسامح والتفاهم، وعن طريق الالتقاء بهم والاستماع إلى آرائهم. ولكن حدث العكس، وتم قمعُهم بعنف. فهل هناك ما يسوّغ إهدار قطرة دم واحدة من أجل إنشاء مركز تسوق هناك؟ وهل يساوي ثمن مركز تسوق قيمة نفس بريئة تزهق؟ تلك المواجهات العنيفة ولّدت بطبيعة الحال حالة من العنف، وأدت إلى تحوّل القضية من مسألة جزئية إلى قضية أمن قومي. ولقد قلقنا كثيرًا في تلك الأيام، عندما شاهدنا شبكات الإجرام انتهزت تلك الفرصةَ ودفعت بعناصرها إلى الشارع لإحداث تخريبات كبيرة. أثناءها لاذ إخواننا في كل أرجاء العالم بالدعاء من أجل تركيا، وراحوا يصلّون صلاة الحاجة. ولكن -مع الأسف- وُجّهت افتراءات شتى بأن الخدمة لها أصابع في هذه الأحداث أيضا. نسأل الله أن يمنحهم شيئا من الروية والإنصاف.

س: في الأيام الأخيرة طَرحت بعض الأوساط عبارةَ “عقل مدبّر أعلى” من أجل تشويه حركة الخدمة، في إشارة منهم إلى التبعية الخارجية.

ج: هذا بهتان عظيم، ووبالُه على صاحبه كبير. أعتقد أن أحدا لم يشهد عبر مراحل التاريخ مثيلًا لمثل هذه الافتراءات والأكاذيب التي عجزنا عن إحصاء عددها. إن كانوا قد عثروا فعلًا على معلومات لا نعرفها، فعليهم أن يتقاسموها مع الرأي العام فورا، وإلا فهو محض افتراء على أهل الإيمان. لقد بلغ التشويه حدا أننا أصبحنا نسمع كل يوم كذبة جديدة وافتراءًا جديدًا… إن طول الأمل مَدعاة لقسوة القلب، وإذا وقعتم في شِباكه تفقدون الإحساسَ بكل شيء جديد وجميل. ثم تتجاهلون الوجدانيات، وتستخفّون بالمحرّمات، وتهزأون منها. وإذا القلب قَسَا، وعانق الدنيا بطول الأمل، يسوقكم إلى الاعتقاد أن كل شيء عبارة عن هذا العالم الفاني. وفجأة ودون تفكير أو روية، ودون خوف من الغرق في بحر من الخطايا والذنوب تجدون أنفسكم تقولون ما يخطر ببالكم مباشرة دون تمحيصه -صدقا كان أو كذبا-. ولكن القرآن يحذرنا من قسوة القلب، ويحثنا على أن تكون قلوبنا حية نابضة، وأن تكون نفوسنا رقيقة ناعمة. ومن ثم فإن القسوة إذا هيمنت على المرء، فلا مانع لديه -عندئذ- من أن يلجأ إلى كل الطرق -مشروعة كانت أو غير مشروعة- من أجل تحقيق غرض دنيوي. وللأسف، فإن قسوة القلوب، هي سبب هذه المأساة التي نعيشها.

ولكن إذا كانوا يلحّون على البحث عن “عقل مدبر أعلى” لهذه الخدمة المباركة، أقول لهم: أجل، إنه الرعاية الربانية والحماية الإلهية اللتان جاءتا منحةً من الله تعالى تكريما لروح الأخوّة وتتويجا لروح الاستشارة. إن هذه الخدمة التي لم تتّكل قط على قوة زائلة، قطعت المسافات بعناية الله ورعايته. وما دامت حمايته جل وعلا تظلل هذه الخدمة، فلن يتمكن أحد من إيقاع الضرر بها مهما حاول. والمؤمن رجل محاسبة ويقظة، لا يسرع إلى اغتياب إخوانه فور سماعه أكاذيب وافتراءات من هنا أو هناك، ولا يسيء الظن بهم، ولا يعمل على نقل الافتراءات التي سمعها من مجلس إلى مجلس آخر.

ولكن ما باليد من حيلة، فحساب الآخرة -مع الأسف- لا يوجد على أجندة أولئك الذين يمجّدون “الدنيا” ويلهثون وراءها أيا كانت الوسائل. وقد يجرهم هذا إلى انحراف عقائدي لا قدّر الله. في أيامنا هذه، سمعناهم يطلقون عبارات خطيرة تناقض صميم العقيدة، من شأنها أن تُوقع صاحبها في أوضاع عقدية حرجة. والمؤسف أنهم أفردوا لها مساحة واسعة في وسائل الإعلام. إنها أقاويل مخالفة للدين والعقيدة[23]، ولكن المؤسف هو سكوت من يجب عليهم أن يتكلموا من أهل الاختصاص.

والحقيقة أنه لا يمكننا تصفيةُ أرواحنا من رواسب الفتنة والفساد المحيط بنا إلا عن طريق تجديد أفكارنا وأرواحنا كل يوم. ولكن إذا انحصر فهمُنا للإسلام وتفاعُلنا معه على المستوى النظري فقط، فسوف يقسو القلب، وسوف يستمر الإنسان -ناسيا نفسه ويوم الحساب معه- في الإساءة إلى أهل الإيمان دائمًا. أنا على يقين بأن المياه التي تعكرت ستستعيد صفاءها يومًا، وسيعاود الأشقاء النظر في وجوه بعضهم البعض، لذا، يجب أن يتجنب أهل الإيمان -مهما كان السبب- من إطلاق كلمات جارحة تُخجِلهم في المستقبل أمام مَن كانوا يشاركونهم التوجه إلى القبلة نفسها أثناء الصلاة.

س: ما رأيكم حول “مسار حل المشكلة الكردية” والنقطة التي تم الوصول إليها؟

ج: لقد أكدتُ مرارًا وتكرارًا، أن المسلم يقف إلى جانب الصلح دائما، ويتصرف بما ينسجم مع روح الصلح والسلام. فيما يتعلق بسؤالكم فهناك -في تلك المنطقة- مشاكل قد تراكمت عبر عقود، وقد كان السعي لحلها يتم بالسلاح دائمًا. وبطبيعة الحال، كبُرت المشكلة وتفاقمت. أما الآن، فقد دخلنا في مرحلة صلحٍ وتهدئة، ويجب أن لا نعطل هذه المرحلة. لأنها فرصة كبيرة لكي يعيد الطرفان النظر في الأخطاء التي ارتُكبت، وينسوا العداوة والبغضاء فيما بينهم. يجب أن تكون الدولة عادلة تجاه شعبها قبل كل شيء، ويجب بالتالي أن لا تتخذ موضوع الحقوق والحريات الأساسية أداة مساومةٍ مقابلَ مآرب سياسية أخرى.

قبل أن تبدأ مفاوضات الحل هذه، كنت -أنا الفقير- قد بينتُ قناعتي وأكدت على ضرورة الاهتمام بالتعليم بلغة الأم (اللغة الكردية). ولكن لم تتم أية خطوة في هذا الاتجاه، وما زالت المماطلة مستمرة. وقبل ذلك، من الضروري تكوين معلِّمين قادرين على التعليم باللغة الكردية. وهذا الدور لا يمكن أن يقوم به الشعب، بل يجب على الدولة أن تأخذ بالمبادرة. وحينما تقوم الدولة بذلك، عليها أن تبتعد في أفعالها وتصرفاتها عن كل ما يوحي بالمنّة والتفضّل عليهم. لأن هذه المنطقة، كانت مهدًا لحضارات عريقة، وموطنا لعلماء وعباقرة طوال التاريخ. وبينما تقوم تركيا بذلك، أي بينما تعترف بالحقوق والحريات الأساسية لمواطنيها الأكراد، عليها أيضًا أن لا تتوانى عن مدّ يدِ التعاون إلى أشقائها الأكراد القاطنين في البلدان المجاورة، بل ويجب أن تعزّز الروابط التاريخية والثقافية معهم من جديد، وبشكل غير قابل للانقطاع.

نحن نعاني من ثلاث مشاكل كبرى، وقد أشار إليها الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي قبل قرن من الزمان، وهي: الجهل، والفقر، والتفرقة. وقد نتج عن هذه المشاكل؛ اليأس، والحيلة، والغدر، وعدم الثقة. وبالتالي يجب أن نتناول كل هذه المشاكل في منتدى مشترك وأرضية توافقية، ولا يمكن للمعالجات التكبّرية أو النظر من عَلٍ أن تحل هذه المشاكل أبدا. وإذا كانت هناك رغبة في إيجاد حل وسط، فلن يتأتى ذلك إلا عبر مقاربة توافقية تشمل برعايتها كافة أجزاء المنطقة وكافة أبنائها مهما كانت أفكارهم واتجاهاتهم وانتماءاتهم. يجب ألا نمارس الإقصاء على أحد. ينبغي أن نلتقي على أرضية توافقية مشتركة مع الجميع، السياسي منهم وغير السياسي. علينا أن نتيح الفرصة -لأبناء تلك المنطقة- لكي يتمكنوا من حلّ مشاكلهم بأنفسهم. وإذا ما وقع تباطؤ أو تهاون في هذه الأمور فأخشى أن تتوقف مسيرة الحل وتثور المشاكل من جديد. أجل، جيد أن نواسي أنفسنا بالقول “ألا يكفي؟ ها قد وقفت الدماء”. ولكن أليس في هذا القول شيء من البراغماتية كذلك؟ ينبغي أن نسعى إلى أبعد من ذلك. ينبغي أن نعمل على إدخال الطمأنينة والأمن والسعادة والاستقرار في نفوس أبناء المنطقة. ينبغي أن نسعى إلى توفير مناخ آمن يتيح إمكانية التعايش السلمي لجميع أبناء المنطقة بكرديّها وسنيّها وعلويّها وعربيّها وسريانيّها كأنهم أعضاء أسرة واحدة.

لا أُكره أحدا على أن يصوّت لحزب بعينه

س: بقيتْ أيام معدودات إلى الانتخابات[24]، وهناك نقاشات تدور وتساؤلات تطرح حول موضوع “إلى من ستصوّت الخدمة”؟

ج: الحديث حول هذا الموضوع -دائما- إلى حد الهوس، واختزال معنى الحياة في صندوق الاقتراع، حالة -في الحقيقة- لا أراها لائقة بأهل الإيمان. بالتأكيد صندوق الاقتراع مهم من أجل مستقبل البلد، ولكنه ليس كل شيء. إن إلقاء “صندوق العمل” جانبًا، والانشغال بصندوق الاقتراع فقط، مآله خروج البعض عن الجادة وانحرافهم عن الطريق، وهذا ما نشاهده اليوم في الأكاذيب والافتراءات التي تطلق وكأنها شيء عادي. هذه حالة مؤسفة للغاية.

أما موضوع التصويت في الانتخابات فمنذ القديم وهذا الفقير يقول: “صوِّتوا حسب قناعتكم الوجدانية”. ذلك لأني أعتبر قولَ “لا بد أن تصوِّتوا للحزب الفلاني” نوعا من ممارسة الإكراه والضغط النفسي، كما أعتبر الارتباط بحزب معين نوعا من الانفصال والابتعاد عن شرائح المجتمع الأخرى. أما موقفنا الواضح الصريح الذي أبديناه في استفتاء 12 سبتمبر 2010م، فلم يكن انحيازا لحزب بعينه، إنما كان دعما للمكتسبات الديمقراطية التي كان ينص عليها الاستفتاء. ولكن ما يحدث في هذه الأيام من تجاوزات وانتهاكات، يؤكد أن تلك المكتسبات ليست ذات قيمة أصلا بالنسبة للمسؤولين.

الواقع أن هناك رئيس حزب يمطر علينا إهانات صباح مساء، والمؤسف أن عقلاء ذلك الحزب غارقون في صمت عميق. وإذا ما استثنينا فئة من المتطرفين، فقد رأيت مرارًا مدى تأسّف قاعدة حزب العدالة والتنمية لهذه الحال. ولكن رغم ذلك، إذا وُجد مَن يستسيغ هذه الافتراءات الجارحة، فيمكنه أن يذهب ويصوّت لذلك الحزب؛ أعتقد أن تلك الإهانات التي تُدمي ضمير كل من يحمل ذرة من إنصاف، وتمزق قلبه، صدمت أيضًا إخواننا وتركت في أعماقهم جروحا غائرة. لا شك أن الجميع سينظر إلى حيه أو مدينته ثم يقيّم المرشَّحين لرئاسة البلدية. ثم إن هذه الانتخابات ليست انتخابات برلمانية، لذلك غالبا ما ينظر الناخبون إلى المرشح نفسه، وليس إلى الحزب، أي قد يكون المرشح أهم من الحزب نفسه، وهناك مرشّحون أكفاء في كل الأحزاب. وفي حال لم تحددوا حزبا بعينه، بل اتجهتم إلى اختيار مرشح توسمتم فيه خيرا، فإنكم لا تأثمون.

س: سبق أن وُجهت إليكم دعوة من رجب طيب أردوغان رئيس الوزراء آنذاك لكي تعودوا إلى تركيا[25]، فهل كنتم تتوجسون من الدعوة؟

ج: حاولت أن أحسن الظن بمن طلب مني أن أعود. وقد طُلب ذلك مرارًا من قبلُ. يومها لم أكنْ غافلًا عن النوايا الحقيقية لهؤلاء الطالبين. ولكن لم أتخل يومًا عن أدب اللياقة وحسن الظن بأهل الإيمان. قبل كل شيء، أنا فرد من الناس، مؤمن من المؤمنين. لم أحلّق عاليًا قط، بل كنت أمشي -كأي إنسان عادي- على الأرض بتواضع. أمضيت جميع حياتي على هذا النحو. حاولت أن أكون عبدا لله. ولا أستبدل مقامَ العبودية بأي مقام آخر، وأرجو أن ألقى الله على هذه الحال. ليس لي أدنى علاقة مع أي جهة خارجية، ويستحيل أن يكون ذلك. ولكن الذين يلهثون وراء الجاه والسلطة والمقام والمناصب الدنيوية الفانية هم الواقعون في شباك القوى الخارجية أصلًا. هؤلاء الذين يحملون في دواخلهم روح الاستبداد وهوس الهيمنة على الدولة والتشبّث بالسلطة إلى حد الجنون، عندما قويت شوكتهم وازدادت سطوتهم، بدؤوا يرون في كلّ مجموعة -ليس لها حسابات سلطوية، بل تفر من تلك الحسابات إلى التفكير بكسب مرضاة الله والفوز بالآخرة- خطرًا على أنفسهم وعلى سلطانهم. وهم حاولوا أن يقنعوا الرأي العام بأن تلك المجموعات خطر على الدولة، ولكن غرضهم الأساسي أنهم يرونها تهديدًا لمخططاتهم الشخصية.

إنه حتى في أشد البلدان تخلّفًا عندما يُحكَم على الناس فإنما يحكم عليهم بناء على أقوالهم وأفعالهم. وجميع ما قلتُه وما فعلتُه طيلة خمسين عامًا قد تم على مرأى ومسمع من المجتمع والدولة. فلو كان لدى إنسان حسابات سرية، فهل يستطيع إخفاءها طيلة خمسين عامًا من دون أن تتسرب ولو عن طريق الإيماء والإشارة والتعبير الضمني؟

وفيما يتعلق بموضوع عودتي، فإنني سأقرر ذلك بعد التشاور مع إخواني الذين أثق بصدقهم وأمانتهم، وليس بناءً على أفكارِ مَن كان بالأمس شيئًا، وأصبح اليوم شيئًا آخر. وكما قلتُ سابقًا، إذا قررتُ العودة، فلن تكون عودتي مثل فلان أو علّان[26]، بل ستكون عودة تليق بابن رامز أفندي.. ابنه البسيط الذي كان يعمل إمامًا في مسجد “أُوجْ شَرَفَلِي”[27].

س: منذ فترة طويلة ونحن لم نسمع شيئا من دروسكم التي ألفناها عبر الإنترنت[28]. فمحبّوكم يرغبون في معرفة مشاعركم حيال تلك الافتراءات والمضايقات، فهل يمكنكم أن تقولوا لهم شيئًا؟

ج: علينا أن نلتزم بالصبر إزاء ما حلّ بنا من ابتلاءات، وعلينا أن لا نتخلى عن نزاهة أسلوبنا مهما حصل. كثيرون هم من تعرضوا لألوان شتى من المحن في فترات مختلفة من التاريخ. الإمام الرباني، أبو الحسن الشاذلي، مولانا خالد البغدادي وأمثالهم من الأفذاذ تعرضوا لمحن كبيرة، ومحنة الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي ملحمة من ملاحم التاريخ. لم يبق أذى إلا ذاقه ولا مرارة إلا عانى منها. مقارنة مع هؤلاء العظام، لا نستحق أصلًا إلا أن نكون “قطميرًا” لهم. وبما أنكم اتخذتم سبيلهم سبيلًا لكم، ومنهجهم منهجًا لكم، فعليكم أن تستعدوا لكافة ألوان المحن والابتلاءات. لا يحق لنا أن نشكو أو نتذمر.. بل علينا أن نهتف ليل نهار ونقول: «رضينا بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم نبيًّا ورسولًا».. علينا أن لا نشكو ولا نعاتب القدَر في قرارة نفوسنا لما ألمّ بنا، بل علينا أن نتحرى مرضاة الله في قيامنا وقعودنا على الدوام. والمصائب مؤقتة تمضي وتزول. ولكن حتى لو جاءت المحنُ وجرفتنا مثل تسونامي وأودت بحياتنا، فإذا كانت علاقتنا مع الله وثيقة، فسنكون قد فزنا بآخرتنا في نهاية المطاف. ولا شك أن عشّاق هذه الدعوة المباركة، ما لم يكونوا قد استهدفوا منها غرضًا دنيويًّا، فسينالون ملكًا أبديًّا في العالم الآخر. لذا يجب على الجميع أن يثبت مكانه، ويراعوا الأوضاع والظروف، وأن لا يُلحّوا على السير في درب بعينه؛ بل حتى إذا سُدّت الطرق الرئيسة، عليهم أن يعملوا من أجل الوصول إلى المرتجى عبر طرق أخرى. أما المرتجى فهو خدمة القيم الإنسانية السامية وغرسها في القلوب. هؤلاء الرواد لم يقعوا في اليأس قط، وعلينا أن لا نقع كذلك، علينا أن لا نفقد الأمل أبدا. يقول الشاعر محمد عاكف:

إن اليأس مستنقع، إذا وقعتَ فيه اختنقتَ،

وإذا اعتصمتَ بالعزيمة على الخروج منه انتصرتَ…

الأحياء مبعث حياتهم الأمل دائما،

أما اليائسون فهم سجناء الروح والوجدان.

نحن على يقين بأن هذه الأجواء الكئيبة سوف تزول وتمضي بإذن الله وعنايته، وهذا هو الأمل الذي نحمله في قلوبنا.

المحن التي اعترضتنا حتى الآن ذكرتموها أنتم كذلك. فقبل التحاقي بخدمة الجيش، عشتُ محنة 27 مايو 1960م[29] وعانيت من ويلاتها، وعشتُ محنة 12 مارس 1971م[30]، ولقيت فيها ما لقيت. وفي 12 سبتمبر 1980م[31] لاحقوني كما يلاحَق المجرمون لمدة 6 سنوات. ولكن المرحوم تُورْغُوت أوزال استلم زمام السلطة وقتها، وصمد صمودا قويا، فرفعوا عني أيديهم. ولكن استمرت المحنة بعد ذلك أيضًا. ذهبت إلى الحج، وأثناء العودة انسدت الطرق أمامي من جديد، وأيضًا نوديتُ للاستجواب في المحكمة الأمنية. وبعد قرارات 28 فبراير 1997م، قام النائب العام “نوح مته يوكسل (Nuh Mete Yüksel)” بفتح قضية ضدي استمرت سنوات. فالإساءة والأذى والدناءة التي لاقيتُها هناك في تركيا، لم أتعرّض لها حتى في نيو جيرسي؛ صدّقوني وجدتُ هنا احترامًا من قِبل النائب العام. إذ استقبلني في المدخل، ولكي لا تختل معنوياتي، سحب الكرسي لطفا لأقعد عليه، ثم ذهب فَغَسل كوبَه ثم ملأه بالماء ووضعه أمامي، وقال: “أنتم في حالة استجواب، وقد تجفّ شفتاكم”. هذه هي المعاملة التي لقيتها هنا في أمريكا. شخص لا يعرفنا ولا يعرف عنا شيئًا. ثم بعد ذلك فكّرنا أن نقدِّم له هدية إكراما للمعاملة الرقيقة التي أبداها لنا. والسيد كمال -وهو ما زال على قيد الحياة- عندما قدّم الهدية قال له النائب: “أنا لا أقبل هدية من شخص أشرفتُ على قضيته”. نعم، عندها قلتُ: لعل سبب قيام هذه الدولة رغم كل السلبيات، هو هذا السلوك إزاء القانون وهذه المقاربة حيال القضايا الحقوقية. ولعل هذه الميزة تساعدهم على البقاء كعامل مؤثر في الموازنات الدولية.

أريد أن أذكر شيئًا آخر؛ أثناء خدمة الجيش سُجنتُ كذلك بسبب المواعظ التي كنت ألقيها. كنتُ أقدم دروس الوعظ تحت حماية أحد الضباط وبإذنٍ منه، وكان هو الآخر يحضر الموعظة. ولكن عندما نُقِل تعيِينه إلى مكان آخر، عانقني باكيًا وقال: “سيعرّضونك للأذى من بعدي”. وفعلًا حدث كما قال، إذ قاموا بسجني هناك. ثم تعرّضتُ إلى مختلف المضايقات، والتهديدات، والإهانات، والتحريضات عليّ في أزمنة مختلفة. ولكن ما عشته في تلك الأيام، لا يساوي واحدا بالمائة مما أعانيه وما ألاقيه اليوم. تلك الكلمات المهينة، والعبارات السيئة، والتصريحات الطاعنة… ولكن كل إنسان يقول ويعمل على شاكلته ويتصرف بما يناسب شخصيته. وليس بوسعنا أن نقول شيئا لأحد، والسلام.

“تركيا تحتاج إلى دستور مدني يحمي الحقوق والحريات الأساسية”

س: في هذه الأيام تركيا تمر بظروف صعبة. وبسبب هذه الظروف الصعبة يقع البعض في حالة من اليأس. برأيكم، كيف تخرج تركيا من الأزمة الحالية؟

ج: في مثل هذه الفترات، يجب اللجوء إلى المولى سبحانه وتعالى، وطرْقُ بابه، والتضرعُ إليه. فمَن لا يخشى عاقبتَه، يُخشَى من عاقبته. إن الذين يحسبون أنفسهم قد ضمنوا آخرتهم واطمأنوا إلى عاقبتهم بينما يشككون في إيمان غيرهم، إن هؤلاء قد أوقعوا أنفسهم في خطر كبير. فسيدنا عمر رضي الله عنه كان يرتجف خوفًا على عاقبته، وعندما كان يوازن بين حسناته وسيئاته كان يقول «وددتُ أني سلِمتُ من الخلافة كَفافًا، لا عليّ ولا لي»”. نحن أيضًا، خصوصًا في آخر الزمان، ينبغي أن نرتجف قلقا عندما نفكر في عاقبتنا؛ يجب أن نستغيث بعنايته وبرحمته تعالى فنقول: “خُذ بيدي يا رب، وإلا فسوف أهلك”. أجل، إن الإيمان والتوكل ليسا ملاذا للفرد فقط، بل للمجتمعات كذلك. وإن الذين يبتعدون عن ذلك الملاذ، تَسحقهم أنانيتهم سحقا، لا سمح الله.

إن تركيا اليوم في أمس الحاجة إلى مناخ جديد يساعدها على اجتياز الأزمة التي تعاني منها. وإنه لمن الضروري جدًّا إعداد دستور مدني جديد يضمن الحقوق والحريات الأساسية للجميع. ومن أجل تحقيق هذا الغرض، يجب أن تزداد المطالبات المجتمعية، كما يجب على الشخصيات المسؤولة والمؤسسات المعنية أن تزيد من إلحاحها في إخراج دستور يتوافق مع مبادئ الحقوق العالمية. ولكن مع الأسف الشديد يبدو أن مبادئ الدولة الديمقراطية وسيادة القانون اليوم قد أصيبت بجروح بالغة. وإن العديد من المثقفين والمفكرين ذهبوا في تحليلاتهم إلى ما ذهبت إليه. وإذا ما ابتعدت تركيا عن جوهرها وقيمها الذاتية وعن مجتمعها، فإن ذلك سيؤدي بها إلى عزلة فادحة عن العالم.

إن دور الأفراد والمجتمعات اليوم، لا يقل أهمية عن دور الدولة نفسها. وإنه لمن المستحيل أن تنفذوا مشروعًا بالإكراه من أعلى بتلقين فوقيّ أو بضغط سلطوي. ففي بداية القرن العشرين كان الأستاذ بديع الزمان يقول: “إن الظهور على المدنيّين والمثقّفين إنما هو بالإقناع وليس بالضعط والإجبار”. ومن ثم فإن الضغوطات التي تمارَس على المجتمعات لا يمكن أن تثمر نتائج باقية. علينا أن نعالج المشاكل بصبر وتروٍّ ويقظة وتبصّر وفراسة.

أقول لإخواني إنكم إذا تعاملتم مع الأزمة الراهنة بالرزانة والجدية التي تليق بأدبكم، وصمدتم أمام العواصف صابرين متوكلين، فلا بد أن يحل اليوم الذي ينتصر فيه العقل السليم. وحينئذ سيأتيكم بعضهم نادمًا لأنه اقترف إثم الغيبة في حقكم، والبعض الآخر خجِلًا لأنه كان مع المتورطين في الافتراء عليكم، ولكنكم ستقولون لهم ﴿لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾، وستفتحون لهم قلوبكم على مصاريعها، ولن تتركوهم يشعرون بخجل الذنب الذي ارتكبوه. لقد حصل هذا في التاريخ مرارا. فإذا ولّى أحدُهم ظهره إليكم وابتعد عنكم، ففعلتم مثله وسرتم في اتجاه معاكس له، فستتضاعف المسافة بينكم؛ ثم قد يأتي يوم تشعرون بمسيس الحاجة إلى الوفاق والاتفاق فيما بينكم، وتدركون بأنكم أخطأتم، لكنّ بُعد الشقة بينكم سيحول دون رغبتكم، وتنظرون فإذا بالأوان قد فات. ينبغي أن يكون شغلنا الشاغل -في هذه الفترة- أن نواصل في خدماتنا، وأن نزيد من سرعتنا، وألا نفكر بشيء آخر ونكتفي بالقول: “ستمضي هذه المحنة كما مضت شقيقاتها”. نعم، هذه هي قناعة هذا الفقير.

س: يزعم البعض أن المنحى الذي اتخذته “الخدمة” اليوم يناقض فكرة “العمل الإيجابي” التي طرحها بديع الزمان سعيد النورسي؟

ج: الأستاذ بديع الزمان، عندما يؤكد على أهمية هذا المفهوم في مؤلفاته يرسم إطارا له حيث يذكر: “التصرف وفق مرضاة الله تعالى، والقيام بالخدمة الإيمانية ثم عدم التدخل في المشيئة الربانية، والحفاظ على الأمن العام، والاعتصام بالصبر والشكر”. العمل الإيجابي، ليس هو السكوت أمام الظلم. فبديع الزمان لم يسكت قط أمام الظلم بحجة أن السلطة هي من ارتكبت ذلك، ولم يسكت أمام انتهاك الحقوق لأن السلطة هي من فعلت ذلك، بل وردّ على الافتراءات فورا، ودافع في المحاكم عن نفسه وعن قضيته ساعات طويلة. وكتابه “الملاحق” غنيٌّ بأمثلةٍ على ذلك.

ماذا فعل متطوعو الخدمة -حتى الآن- سوى الدفاع عن أنفسهم إزاء الاعتداءات القولية الشرسة بأسلوب متحضر لبق، والإعراب عن حقيقة الافتراءات الموجهة إليهم بالدليل الصحيح؟ ماذا فعلوا؟ قالوا فقط: “دعوا السيادة للقانون، دعوا المحاكم تشتغل، لا تتدخلوا في سيادة القانون وعمل المحاكم”. ثم إن وسائل الإعلام القريبة من الخدمة، لم تفعل شيئا سوى نشر أخبار حول ادعاءات تداولتها -أصلا- المحاكم، وأصبحت حديث الساعة لدى الرأي العام، مثل ادعاءات الفساد وسوء استغلال بعض المسؤولين لأموال الشعب، وحاولت أن تزوّد الرأي العام بمعلومات حول تلك الادعاءات. فبدل أن يتمّ الردُّ على ادعاءات الفساد ويتمّ توضيحُها بالتفصيل، وجدنا أنهم منذ أشهر يُمطرون أناسا أبرياء بألوان شتى من الافتراءات الجائرة والإهانات البشعة دون تقديم أي دليل ملموس، وبأسلوب لا يمتّ إلى الإنصاف بأي صلة.

س: ظهر في الآونة الأخيرة بعض من يقول إنه رافقكم ما يزيد عن 40 سنة، وينسب إليكم بعض الأقاويل الغريبة من أمثال أنكم “المسيح” أو “المهدي” أو قلتم “تكلمتُ مع الله” أو أنكم “إمام الكائنات”. هلّا تكرمتم علينا بأفكاركم حول هذه الادعاءات؟

ج: مسألة المهدي والمسيح شغلت المجتمعات الإسلامية منذ القديم بطريقة أو بأخرى. أما معالجة المسألة من الناحية العلمية وتقييمها فذلك موضوع آخر. ولقد وُجِد طوال التاريخ من أثبت المسألة ومن نفاها. ولكن أسيء استغلالها من قِبل أصحاب النوايا السيئة على الدوام. ثم إن بعض الأوساط لفّقوا مثل هذه الافتراءات بالأستاذ بديع الزمان كذلك، واستغلوا التأويلات التي جاء بها في موضوع المهدي والمسيح أيما استغلال، وادعوا -بهتانا وزورا- أنه كان يظن نفسه المهدي أو المسيح.

لقد درس عندي العشرات من الطلبة حتى الآن؛ وجميعهم يشهدون -على اعتبارهم يعرفونني عن كثب- أنني أعُدّ القيامَ بمثل هذه الادعاءات كفرا وضلالا. إنهم سمعوني عشرات المرات أقول “تعرفون أمي وتعرفون أبي، ألا يكفينا أن نكون عبادا لله مخلصين، كن بين الناس فردا من الناس”. أضف إلى ذلك أنني ما رأيت عاقلًا -في البيئة التي نشأتُ فيها ولا في أماكن أخرى- توهّمَ في نفسه رتبة أو مقاما من هذا القبيل. لا يقول مثل هذا الكلام إلا من حُرِم نعمة العقل. ثم إني اعتبرتُ دائمًا هذا النوع من الاتهامات من أشنع الشتائم وأغلظ السِّباب. كما أن الذين يديرون ألسنتَهم بهذه الافتراءات لا يعون أنهم يسخرون من عقول هذه الأمة. هنا أعود لأقول كما قال مولانا جلال الدين الرومي:

لا المهدوية، ولا المسيحية، ولا أي شارة أخرى،

إنما أنا عبد بسيط من عباد الله.

أنا خادم القرآن ما حييتُ، وغبارُ قَدَم النبي صلى الله عليه وسلم،

وإذا نقل أحدُهم عني غير ذلك،

فإني أبرأ منه وأشكوه إلى الله”.

أما الفرية الأخرى، فإني أستغرب، كيف يقولون هذه الافتراءات بهذه السهولة؟ ومن يدّعي ذلك يعرف حق المعرفة حساسيتي تجاه هذا الأمر. والقرآن يقول بوضوح: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلاَّ وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾(الشُّورَى:51). إن أبسط معلومة إيمانية يمتلكها الإنسان تعلّمه الأدبَ مع الله جل جلاله. نحن نشأنا في بيئة كانت قلوب الرجال فيها ترتجف بمجرد سماع اسم “الله”، وتنحني بانكسار وتذوب بإكبار للذات العلية. نعم، الفقير نشأ في بيئة ثقافية من هذا الطراز، لذا لا يمكن أن تجدوا لا في هذه البيئة ولا في غيرها مَن يدّعي مثل هذه الادعاءات البشعة أبدًا.

أما فرية “إمام الكائنات” فلا تستحق الوقوف عندها أصلًا. فأيّ إنصاف وأيّ وجدان يمكن أن يقبل مثل هذا البهتان. إنهم يدّعون هيكلا هرميا للخدمة زائفا وهميا، لم يخطر ببالي قط، ولم أر له مثيلًا طيلة حياتي التي قضيتها في سبيل الله والتي تناهز السبعين سنة. أيّ تلوّث هذا الذي أصاب تلك العقول، وأيّ عَفَن أصاب تلك الأرواح!؟ إنهم يضعون مخططات وهمية وكأنهم يهزؤون بعقول الآلاف بل ربما الملايين من الناس الذين ربطوا قلوبهم بهذه الخدمة المباركة.

فهؤلاء الذين يتحدثون عن بنية هرمية وينسبون المناصب والمقامات لرجالات هذا العمل الطيب، إما أنهم لم يفهموا هؤلاء الأبطال قط، أو ينفثون افتراءاتهم بناء على أحقاد دفينة أو نوايا مغرضة لديهم. يقول الأستاذ النورسي: “إن أساس مسلكنا ومنهجنا هو “الأخوّة” في الله، وأن العلاقات التي تربطنا هي الأخوة الحقيقية، وليست علاقة الأب مع الابن ولا علاقة الشيخ مع المريد”[32].

نعم، إن الذين يعرفونني، يعرفون جيدًا أنني أَعتبر الطالبَ الذي أدرِّسه زميلَ مُدارسة لي دائمًا، ولم أر نفسي أستاذًا عليه قط.

س: يدّعون أنكم تستهينون بحجاب المرأة وتعتبرونه من الفروع. ما تعليقكم؟

ج: الحقائق المتعلقة بالعقيدة وأفعال المكلفين في الإسلام تُصنَّف في قسمين اثنين؛ الأصول والفروع. الالتزامات المتعلقة بالعقيدة تُصنّف تحت قسم الأصول، أما المتعلقة بالأعمال والأفعال والمعاملات فتصنَّف تحت قسم الفروع. الأحكام المتعلقة بالعمل، بالمقارنة على الأسس المتعلقة بالعقيدة، تأتي بالدرجة الثانية وتُبنى دائمًا على الأصول. ولأن الحجاب موضوع عملي، فإنه من الفروع. ويجب أن لا ننسى أن الرؤية العامة لدى علماء الإسلام أن الحجاب من الفروع. بعض الصحفيين -بسبب قلة العلم- قد لا يراعون هذه التفاصيل الدقيقة في لغة الأخبار والصحافة، ولكن علماء الدين والدراسات الإسلامية بالتأكيد يعرفون هذه المسائل جيدًا، لأن الذي لا يعرف مفاهيم الفروع والأصول لا يُمنَح الإجازة الشرعية. ثم إن هذه المعلومة ليست من المعلومات المعقدة، بل هي معلومة تدرَّس في التعليم الابتدائي. وأعتقد أن الذين أداروا حملة إعلامية ضد هذا الفقير منذ البداية حتى اليوم واستغلوا وصفي للحجاب بـ”الفروع” استغلالا مغرضا، لا يعرفون معنى الفروع والأصول في العلوم الإسلامية. لذلك أداروا حملة تشويهية مقصودة. ثم إني استخدمت بالتركية مصطلح “فروعات”، ولكنهم -لضعف في العلم- نقلوها إلى جرائدهم بـ”تفرّعات”. كلمة “فروعات” و”تفرعات” وإن كانت من نفس الجذر إلا أن كلمة “تفرّعات” في اللغة التركية تعني “التافه” الذي لا أهمية له. فلا أدري هل سبب معاناتنا يعود إلى اللغة التركية نفسها، أم إلى من يخلطون بين المفاهيم والمصطلحات أم يعود إلى نوايا مغرضة يحملها الصديق ليضلل بها الرأي العام ويشوّه سمعتنا، لا أدري.

ولا بد أن ألفت الانتباه إلى أن كون الحجاب من “الفروعات” لا يعني أنه ليس فرضا. إن الحجاب فرض. وهناك أحكام عملية كثيرة هي من الفروع وهي فرض وواجب شرعي. ولو كنتُ -كما يدّعون- رجلًا لا يبالي بمشكلة الحجاب ويستخف به -حاشا لله- لَما كتبتُ رسالة إلى السيد رئيس الوزراء في عام 2006م أكدت فيها ضرورة حلّ هذه المسألة في أقرب وقت ممكن. ومَن يحبّ الاطلاع على تلك الرسالة فهي موجودة، وقد نشرتها الصحف قريبا[33].

س: هناك من يقول إن “الخدمة” خرقت الطاعة لولي الأمر، فما تعليقكم؟

 ج: الطاعة لأولي الأمر، لا تعني السكوت حيال أخطاء الإداريين والتخلي عن الحق والحقيقة. ثم إن مهمة “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر” لا تمارَس على المواطن العادي الذي يمشي في الشارع فقط، بل تشمل الجميع. إن مجال سياسة الشأن العام مجال اجتهادي، وليس من أصول الدين الثابتة التي لا تقبل الاجتهاد، وإن الاختلاف في مجال اجتهادي أمر طبيعي للغاية. وليس بالضرورة لجماعات خدمية أو لأبناء جماعة واحدة أن يفكروا بنفس النمط من التفكير في موضوع واحد، ويتحركوا بنفس النمط من التحرك في قضية واحدة. أما إذا كنتم تعيشون في نظام ديمقراطي، فلكم الحق في أن تعبروا عن وجهة نظركم بكل حرية، وإلا فإنه نظام لا يتوفر فيه الحد الأدنى من شروط الديمقراطية. وإن ممارسة ضغوطات سلطوية استنادًا إلى مفاهيم دينية، قد يؤدي إلى نتائج سياسية وقانونية لا تُحمَد عقباها. في واقع تركيا، هناك نمط سياسي يزداد سلطوية يومًا بعد يوم، أضف إلى أنه يمارس ضغوطات على الناس ويغلّف هذه الممارسات بأغلفة “دينية”.

للأسف الشديد كانت القضية في منتهى البساطة، حيث طُرحت للنقاش بعضُ التصرفات السلبية التي بدت في جانب السلطة التنفيذية، وكان بالإمكان مناقشتها وتلافيها، ولكن ضُخّمت المسائل، وفُسّرت خطأ، وحُمّلت من المعاني ما لا تحتمل، وتم إعلان حرب عقدية ضد أناس معينين وأعلن نفير عام ضدهم، حتى إنهم أوصلوا الموضوع إلى حملة إبادة جماعية وحملة تكفيرٍ منظَّمة ضدهم.

هؤلاء الذين يهتفون في وجوهنا أن “لا تثيروا فتنة”، أليس من واجبهم أن يُسدُوا النصيحة نفسها إلى القائمين على أمر الحكومة والذين اعتادوا إمطار الأبرياء بالشتم والإهانة في الساحات العامة؟ إن أناسًا لا يجرؤون على إسداء أدنى نصيحة، بل لا يجرؤون حتى على أن يومئوا إيماءة نصح لرجال الحكومة، ناهيك عن توجيه انتقاد، لا تعني أقوالهم سوى ضربات مدمرة لأناس محترمين أصبح -للأسف- تحقيرهم وإهانتهم أرخص بضاعة وأسهل عمل.

حوار مع قناة “بي بي سي” الفضائية[34]

س: حكومة العدالة والتنمية تُفِيد بأنها تقوم بحركة تصفية ضدّ وكلاء النيابة ورجال الأمن المرتبطين بحركة الخدمة. هل هذا يقلقكم؟ هذه التصفيات داخل الدولة ما مدى إضرارها بحركتكم؟

ج: كل ما هو خطأ يزعجنا، ولكن ليس من الصحيح التسليم بأن جميع مَن تَعرَّضوا للتصفية ومن نُقِلوا إلى مواقع أخرى ينتمون إلى الحركة. أحسب أن من بين هؤلاء الرجال يساريين وليبراليين وقوميين. وليس بمقدرونا أن نرفع إعلانات للناس نقول لهم فيها “حذار ثم حذار.. إياكم أن تتعاطفوا معنا، إياكم أن تحبوا هذه الخدمة وهذه الحركة”، ولسنا مكلَّفين بذلك، ومن الطبيعي أن يشعر بعضهم بتعاطف. كما قلت من قبل، لا أعرف واحدا في الألف من هؤلاء الذين شتَّتُوهم في الشرق والغرب، ولا أبالغ في ذلك، لأن الله سيحاسبني على ما أقول.

ولكن فيما بعد قد يظهر ذلك جليًّا، هؤلاء الناس، أي وكلاء النيابة، القضاة، رجال الأمن، عندما يطالبون بالعودة إلى مواقعهم لعلّهم يكشفون عن حقيقة انتماءاتهم، فيقول بعضهم مثلًا: “أنا إنسان في التيار الفلاني، أو أفكر في الاتجاه الفلاني”. عندئذ لن نخجل نحن، ولكن البعض سيخجل حتمًا. في الوضع الراهن احترق الأخضر واليابس، كما يقول المثل التركي. وأعتقد أن المسؤولين أنفسهم عندما يقفون أمام ضمائرهم وجهًا لوجه، سيحاسبون أنفسهم على ذلك.

س: هل تشاركون الرأي القائل بأن هذه الفترة هي أصعب فترة مرت على “الخدمة” طوال 50 سنة من تاريخها؟ وهل ترون تشابُهًا بين ما تعيشونه وما عاشه سعيد النورسي سابقًا في عهد حكم الحزب الواحد؟

ج: عندما لا تتحركون وَفْقًا لتصوراتهم ومشاعرهم يَعُدُّون ذلك جريمة، وما نعيشه قد يكون نتيجة خطأٍ ارتكبناه. أما أنا فقناعتي الشخصية أن ما نعيشه اليوم عقاب من الله لنا. ذكرتم بديع الزمان، فهو يقول: “الآن أدركتُ حكمةَ الأذى والتعذيب الذي تَعرَّضتُ له منذ سنوات. فبدا لي أن جريمتي أنني استعملتُ الخدمة الإيمانية أداةً لارتقائي المعنويّ”[35].

أي كان ينبغي أن أبتغي وجه الله فحسب، وأتحرَّى الإخلاص في ما أقوم به. ما أفعله يجب أن يُفِيد الإنسانية، ينبغي أن تجد الإنسانية فائدة لها في ما أفعل. فلو نذر الإنسان نفسه للدين بُغْيَة التحليق في الهواء والمشي على الماء، فإن ذلك مناقض للإخلاص، ومن ثَمَّ يستحقُّ عقاب الله. وجاء في آية كريمة: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً وَكَفَى بِاللهِ شَهِيدًا﴾(النِّسَاء:79). فنحن نقول إننا ملتزمون بالسير على صراط مستقيم، ونؤكِّد أننا سائرون في سبيل الناذرين أنفسَهُم لله، ولكن لأننا لم نتصرف بما يليق بتصرُّفاتِ من نذروا أنفسهم لله حقًّا، فلربما ينبهنا الله بهذه اللطمات. ولكن لا يعني هذا أن تصرُّفات الآخرين صحيحة، فالله سيحاسبهم كذلك على ما فعلوا.

س: كيف تقيِّمون فضائح الفساد في تركيا والتطوُّرات التي واكبت تلك القضايا؟

ج: لست أدرى من أين أبدأ، لكن يبدو أن فسادًا قد وقع. ، الجميعُ تقريبًا يؤكِّد ذلك ويرى حقيقة المسألة ويعرفها، ولا يمكن لأحد أن يغيِّر الحقيقة. ولكن يبدو أنه كان في باطنهم (أي الحزب الحاكم) انزعاج من هذه الحركة، فتَذَرّعوا بفضائح الفساد للحسم في أمرها. ولكن كان الضحيةَ القضاةُ ووكلاءُ النيابة الذين أجْرَوا هذه التحقيقات، فدفعوا الثمن بأن شُتِّتوا ذات اليمين وذات الشِّمال. وهؤلاء الناس عندما يعودون إلى مواقعهم، سيُفصِحون عن اتجاهاتهم. وسيرى الجميع أن من بين هؤلاء القضاة ووكلاء النيابة والشرطة مَن هو قوميٌّ، ومَن هو علماني. ولكن أرادوا أن يضخِّموا المسألة ويزيدوها غموضًا، فادَّعَوا أن هؤلاء دولة بديلة أو دولة موازية تَسرَّبوا في بعض المواقع ونَفَذُوا إلى بعض الأماكن بالكامل، وادَّعَوا أن هؤلاء (الذين شردوهم) متجانسون فيما بينهم ويحملون نفس الأفكار ونفس العواطف. أعتقد أنهم انتهزوا هذه الفرصة واستغَلُّوا هذه الفضائح للبَتّ في أمرٍ كانوا يُخْفُونه في باطنهم من زمان، فلجَؤوا إلى المبالغة والتضخيم، وأرادوا أن يشحَذُوا قواعدهم الشعبية بمناورة حاسمة من هذا القبيل، وبالأخَصِّ مع ظهور فرصة فريدة كهذه.

ومَن يدري؟ لعلهم يشعرون بالندم يومًا ويبكون على تصرُّفهم هذا ويعبِّرون عن ندمهم وأسفهم، لأننا سبق أن تَعرَّضنا لتجارِب مريرةٍ مماثلة انتهت بالندم، إذ أرسل إلينا مئات من الناس إيميلات قالوا لنا فيها: “سامحونا، فقد ظلمناكم”. حدث هذا في أيام سلطة العسكر وفي عهود أخرى حينما أراد بعض القوى الغاشمة أن يفرض وصايته على الجميع. تَكرَّر ذلك في فترات عديدة من دورة التاريخ، لا سيما في التاريخ القريب. وسيندم بعض من هؤلاء ويسعى لتصحيح ما قاله اليوم. بَيد أن المسألة في هذه الأيام سائرة في الاتجاه المعروف، لا سيما في وجود إعلام منحاز للحزب، وأقلام مناصرة تحرِّف بعض المسائل وتموِّه الحقيقة.

انتهاكات للديمقراطية وانتهاكات للقانون

وقتها كنت هنا (في أمريكا)، وسُمِّيَت بـ”عاصفة حزيران”، كانت سنة 1999م. وسائلُ الإعلام حينئذٍ فعلَت نفس ما تفعله اليوم، والمحاكمة استمرَّت ما يقرب من 8 سنوات، ثم انتهت ببراءتنا. ومحكمة التمييز صدَّقَت على الحكم. وقد ألَّف أحد الباحثين الأكاديميين من هنا (من أمريكا) كتابًا حول مسار تلك القضية والمحكمة، حتى إنه سجّل في كتابه عديدًا من الأحداث التي نسيتها أنا شخصيًّا، أي إننا عشنا مثل هذه المكابدات مِرارًا، واليوم نعيش واحدة من تلك المآسي. ويبدو أنها ستتكرر فيما بعد كذلك، لكن هذه الأحداث -في رأيي- تُعرِّض تركيا لخسائر كبيرة، وستنعكس آثارها على نظرة أمريكا والاتحاد الأوربي إلينا بصورة سلبية، لأن الأخطاء التي تُرتَكَب مناقضة للديمقراطية، ومناقضة للقضاء والقانون، وذلك أمر يتفق عليه الجميع تقريبًا في هذه الأيام.

ولكن هل يمكن تقويم ما اعوَجّ بشكل سريع؟ هل تعود الأمور إلى نصابها من جديد؟ نعم، إذا كان الإنصاف سيد الموقف. هذا الفقير لم أتفوَّه بأي كلمة حتى من باب الدفاع عن النفس، لا سيما وأنني كنت مريضًا بعض الشيء. وأنا مُصِرٌّ على أن لا أقولَ شيئًا في هذا الموضوع. ولعلّ بعض الأصدقاء يكتفي بنشر بعض التوضيحات والتصحيحات والتكذيبات فقط. فالذين يُنظَر إليهم على أنهم جزء من هذا الخير أبدَوْا بعض التصريحات، لكنني لم أُعرِب عن أي فكرة حول الموضوع ولم أعلِّق بشيء، وسوف أبقى كذلك. أجل، لن أقول شيئًا بعد اليوم.

س: رئيس الوزراء ليس وحده من يتَّهم حركتكم بتشكيل “دولة موازية”، تقول جهات أخرى الشيء نفسه، كما يقولون إنه لا يمكن أن تنطلق أي ملاحقة فساد ما لم تصدروا أوامر بذلك.

ج: وسائل الإعلام تناقلت خبرًا عن أنهم (الحكومة) كانوا على علم بمسألة الفساد والرشوة مُسبَقًا. المخابرات الوطنية سبق أن أخبرتهم بذلك قبل 8 أشهر[36]، المخابرات مؤسَّسة تابعة للسيد رئيس الوزراء، وسبق أن أخبرَته بذلك. إذن توجَد متابعات، وتوجد تحرِّيَات، وقد نفّذ المسؤولون العملية وَفقًا لِمَا يفعلونه في العادة. هذا يشبه تماما ما حدث لأحد أصدقائنا قبل أيام، يقول: “كنت أسير بسيارتي في الشارع، فتوقفت في الضوء الأحمر، فجاءت سيارة شرطة كانت تسير بسرعة زائدة فصدمت سيارتي من الوارء، فجاءني الشرطي يضايقني، وصرخ في وجهي قائلًا “لماذا توقفت؟ أنت سبب الحادثة”، قلت له لا أعرف قانونًا ألغى وجوب التوقُّف في الضوء الأحمر، لذلك توقفت، معذرة إن كنت أخطأت”.

محاولات لإظهار الرشوة على أنها شيء عادي

المعروف أن الرشوة والتهريب والالتماس والوساطة وإدخال الفساد في المناقصات جرائم في حد ذاتها، ومن ثَم عندما رأى رجال القضاء والأمن -المنتمون إلى اتجاهات فكرية شتَّى- هذه الانتهاكات تَحرَّكُوا وَفْق القانون فقبضوا على المجرمين، لكن من أين لهم أن يعلموا أن هذه الانتهاكات لم تعُدْ جرائم؟! ولأنهم لم يعلموا ذلك تَورَّطُوا في هذا الخطأ.

يبدو أن تحقيقات الفساد أزعجتهم (الحكومة)، لذلك اختزلوا الموضوع في الترويج لتهمة “الدولة الموازية”، بينما الواقع في الأصل أنها سلسلة من المساوئ مثل فضائح الرشوة وإدخال الفساد في المناقصات، لكن لا أحد يتحدث عن ذلك أبدًا، بل كأنها مسائل عادية، أو هكذا يُراد لها أن تكون. لا يمكن أن يحصل هؤلاء الرجال على أوامر منِّي. فما إن حصلت تحقيقات في مدينة ما حتى بادروا إلى التدخل فورًا والتضييق على الشرطة ووكلاء النيابة والقضاة، وأقالوهم ورموا بهم بعيدًا. وقد سبق أن فعلوا بهؤلاء الرجال نفس الشيء قبل فترة. هؤلاء في الأصل كوادر أتَوْا بهم هم أنفسهم. وأعتقد أن الموظفين الجُدُدَ لو فعلوا شيئًا مماثلًا فسيُقِيلُونهم فورًا ويأتون بآخرين بدلًا منهم. أعتقد أن هناك فوضى من هذا النوع اليوم. من ثَم فلا علاقة لي بالموضوع قطعًا، وكما قلت في مناسبات عديدة، أنا لا أعرف ولا واحدًا في الألف شخص ممن أجْرَوا عمليات التحقيق تلك، وأؤكِّد ذلك بكل وضوح واطمئنان.

س: لقد ذكرتم مِرارًا رغبتكم في إبعاد حركتكم عن السياسة ما أمكن، وقد أصبحت الحركة الآن في مركز النقاشات السياسية، هل شعرتم بالندم من ذلك؟

ج: لم أشعر بأي ندم قَطّ، ولا أنتقد القدَر أبدًا. وإذا خطر على بالي أيُّ نقد للقدر أعود فأستغفر ربي. وكما قلت قبل قليل، إن الله يعاقبُنا بأيدي آخرين لأننا لم ننجح في توثيق ارتباطنا مع الله بالمستوى المطلوب. وهناك عبارة حكيمة حتى يرويه بعضهم حديثًا للنبي صلى الله عليه وسلم: «الظالم سيف الله، يَنتقم به، ثم يُنتقم منه»[37]. المسألة ليست مسألة ندم، ولكن أن ننتهز هذه الفرصة لكي نواجه أنفسنا. يُروَى عن سيدنا عمر رضي الله عنه: «حاسِبوا أنفسكم قبل أن تحاسَبوا»[38]، أنا أنظر إلى المسألة من هذه الزواية. هذا لا يعني في المقابل أن جميع ما فعله هؤلاء الإخوة (في الحكومة) كان صائبًا مئة بالمئة.

س: لقد دعمتم حكومة حزب العدالة والتنمية سنوات عديدة، والبعض يرى أن نزاعكم يعود إلى خلافات حدثت بينكم في حلّ الأزمة الكردية، هل أنتم ضد عملية السلام في المسألة الكردية؟ وكذلك موضوع سفينة “مَاوِي مَرْمَرَة”، وما أعقب ذلك من تدهوُر العلاقات مع إسرائيل، فما تعليقكم؟

ج : سبق أن قلتُ لم نكُن في خطّ واحد بالكامل مع أي حزب سياسي في أي وقت من الأوقات، مهما كان ذلك الحزب.. وقد يكون هذا “حزب الحركة القومية (MHP)”، أو “حزب الشعب الجمهوري (CHP)”، أو “حزب العدالة والتنمية (AKP)”، أو “حزب الطريق القويم (DYP)”، أو “حزب الوطن الأم (ANAP)”. -علمًا بأن الحزبين الأخيرين لا يوجَدان اليوم- لقد اعتبرنا تأييد الإجراءات الصحيحة التي أنجزتها هذه الأحزاب -أيًّا كانت وجهتها- واجبًا إنسانيًّا. بناء على ذلك في استفتاء 2010م أدليتُ بكلمات لم يسبق أن قلتُها حتى ذلك اليوم؛ قلت إنه استفتاء من أجل الديمقراطية، وعلى الجميع أن يقول “نعم” للتغيير، أي إن مجلس القضاء الأعلى والمدَّعِين العموميين ينبغي أن يتشكل وفق إطار ديمقراطي.

أجل، لكن لم أكُن أقول تلك العبارات لأول مرة، بل قبل 20 عامًا سبق أن قلت “الديمقراطية مرحلة ينبغي أن لا نرجع عنها”، فثاروا في وجهي وأقاموا القيامة أيضًا، هؤلاء الذين يكتبون اليوم ضدِّي، فاحتجُّوا قائلين: “ما معنى هذا الكلام؟ وهل من صلة بين الإسلام والديمقراطية؟” ولكن فيما بعد قالوا أكثر مما قلت وذهبوا في ذلك بعيدًا، وقالوا إنه يمكن التفكير في أنماط أخرى كذلك.

من ثم فتشابُه المواقف مع حزب ما، لا يعني أننا في خط واحد، ولكن إذا رأينا أنهم يمثِّلون في إجراءاتهم جزءًا من المعقولية، المعقولية من الناحية الحقوقية، والمعقولية من الناحية الديمقراطية، والمعقولية من ناحية خدمة الأُمَّة، والإيجابية في بناء علاقات طيبة مع دول الجوار، فقد نبدو متشاركين معهم في هذه المواقف، وقد نظهر معًا في نفس الصورة. أما الأصل، فإنه لم يكُن لنا أي صلة مع أي حزب سياسي ما عدا التصويت في الانتخابات، ولم يكن لنا أطماع في السلطة، ولم ندخل في مساومات سياسية مع أحد قط، وإلا فلو أردنا ذلك لوجَّهْنا أناسًا في ذلك الاتجاه، ولشكّلوا العمود الفقري لذلك الحزب، ولكانت هناك أصوات أخرى، لكننا لم نرغب في ذلك قَطّ، لم يكن لنا طموح سياسي ألبتة.

أما عملية السلام في المسألة الكردية أكدتُ مرارًا أن مكان المسلم إلى جانب الصلح دائمًا،[39] فالمسلم رمز الصلح والسلام. الحقيقة أن مشاكل المنطقة (جنوبي شرقي تركيا) تلك قد تراكمت عبر عقود، وقد كان السعي لحلّها يتم بالسلاح دائمًا، وبطبيعة الحال كبُرت المشكلة وتفاقمت. أما الآن، فقد دخلنا في مرحلة صلحٍ وتهدئة، ويجب أن لا نعطل هذه المرحلة، لأنها فرصة كبيرة لكي يعيد الطرفان النظر في الأخطاء التي ارتُكبت، وينسوا العداوة فيما بينهم.

نحن كمجتمع مدني دعمنا عملية السلام قبل الحكومة بزمن طويل. ما يقوم به هذا الفقير مجرَّد تشجيع. سبق أن قدمت للحكومة مقترَحات مكتوبة، قلتُ فيها إنه يجب بسْط أجنحة الرعاية على المنطقة (جنوبي شرقي تركيا). يجب رعاية المنطقة على الصعيد التربوي والصعيد الصحي والصعيد الديني وعلى مستوى الأئمَّة والمؤذِّنين، وعلى صعيد جهاز الأمن… والصعيد الثقافي… إلخ. عليكم أن تشملوهم برعايتكم، لأن الناس هناك تَعرَّضوا لمظالم كثيرة، بادِرُوا، وإلا فستُضخَّم المشاكلُ هناك من قِبل بعض الفئات، وتَرثُها الأجيالُ القادمة. ولكن للأسف لم يُولِ أيٌّ منهم الموضوع اهتمامًا.

ولعلَّه مضى على ذلك أكثر من عشر سنوات، فنحن قدَّمنا مقترحاتنا قبلهم بكثير، وعندما لم يسعوا إلى فعل شيء، شجع هذا الفقير الإخوة والأصدقاء والمحبين والمتعاطفين على العمل، فأسَّسوا مدارس عديدة ومعاهد كثيرة لإعداد الطلاب للجامعات والثانويات، وحاولوا أن يقطعوا طريق الإرهاب عبر إقامة أنشطة تربوية. هذا ما حدث فعلًا.

ولكن الغريب أنه لجأ البعض إلى تشويه سمعتنا وروَّجوا أننا ضدَّ عملية السلام. كلاَّ، أبدًا، ولكن مقاربتنا لحل المسألة كانت مختلفة، فنحن ارتأينا أن يكون الحلّ من خلال التربية والتعليم، ومن خلال تأسيس روح التوافق والاتفاق، وكذلك من خلال استثمارات اقتصادية تساعد على إزالة الفقر في المنطقة، وسارت الأنشطة في ذلك الاتجاه بالفعل. ولم تقتصر هذه الأعمال على الداخل التركي، بل انتقلت إلى شمال العراق كذلك، والإخوة أقاموا هنالك نفس الخدمات. أنا لم أذهب ولم أرَ المنجزات شخصيًّا، ولكن ما تمَّ هناك عمل ملحميّ بحقّ.

حقيقة الأمر أن افتراءاتٍ تُلصَق بالخدمة، وتَحدُث تجاوزات واعتداءات، ورغم ذلك فالصواب الذي آمنَّا به وارتأيناه، هو أن نقف كما وقف “جلال الدين الرومي”؛ إذ كانت إحدى رِجلَينا -مَثلنا مثل البركار- في قلب عالَمنا الفكري وصُلْب ثوابتنا وغايتنا السامية، والرِّجْل الأخرى فتحناها للإنسانية كافةً واحتضَنَّا الجميع. هذه هي الفلسفة التي نؤمن بها، هذا خُلُقنا وهذه هي رؤيتنا إزاء الجميع، جميع الناس. ومن يعرف هذا الفقيرَ عن قُرب يشهد على ذلك يقينًا. فيما بعد جاءت الدولة لتتبنَّى الفكرة، ولكن ليس هذا فقط، بل التقينا مِرارًا جماعات الأرثوذكس والأرمن، الذين هُمِّشُوا وأُقْصُوا في تركيا، فجلسنا على المائدة نفسها وأكلنا من الطبق نفسه. بإذن الله ولطفه، باب التواصُل ذاك فتحه لأول مرة في تركيا إخواننا وأصدقاؤنا وأحباؤنا.

يتحدثون عن بعض المسائل المتعلقة بإسرائيل أو مشروع الشرق الأوسط الكبير، إلخ، ربما التقينا الحاخام في وقت ما، والتقينا “بينتو” رئيس “وقف الخمسمائة عام” في إسطنبول وقتها، و”إسحاق ألاتون (İshak Alaton)”، وهو رجل صادق أثنى على الفعاليات التي تنفِّذها الحركة خارج تركيا، وتَصَدَّى أحيانًا لبعض المشكلات هنا، وما فعل ذلك إلا بمشاعرَ إنسانية بحتة. هذا هو كل ما في الأمر، وأعتقد أنه ليس من حقِّ أحد أن يقول كلمة عن علاقة صغيرة كهذه. أما إظهار الحركة كأنها موالية لإسرائيل، وكأنها تفضِّل إسرائيل على أُمَّتِها، فلا يمكن أن يأتوا بشيء يدلُّ على ذلك. أما قبولهم كـ”بشر، وإنسان” كما فعل فخر الإنسانية صلى الله عليه وسلم، فهذا موضوع آخَر.

ولكنهم يُسنِدُون ادِّعاءاتهم إلى سفينة “ماوي مرمرة”، فعَقِبَ حوار أُجرِيَ معي سألوني: “ما تقييمكم للموضوع؟” قلت: “حبَّذا لو استُخدِمَت الدبلوماسيةُ إلى حدِّها الأخير ولم يُلجَأْ إلى العنف، لأن ذلك سيؤدِّي إلى مشكلات اجتماعية ومضاعفات أخرى”. لا أدري كيف رَفعت الجريدة كلماتي إلى المانشيت، فكانت التفسيرات في تركيا مختلفة، أي كأنني وقفتُ إلى جانب آخرين ضد إخوتنا وإنساننا. ولكن لا، إنما أبديتُ قناعتي تلك حتى لا تحدث مشكلات أخرى. ولو حدث الشيء نفسه اليوم لأبديت نفس الملاحظات. في رأيي ينبغي أن تُستَخدَم الديبلوماسية حتى النهاية، وينبغي أن لا يُدفَع الناسُ إلى الجبهة لتُسفَك دماؤهم وتُزهَق أرواحُهم. هذا ما أردتُ أن أقوله حينئذ.

س: أَوَدُّ أن أسألكم سؤالًا آخر لكي تزيدوا من توضيح أفكاركم المتعلقة بالمشكلة الكردية. قلتم إنكم سبقتم في التحرُّكِ في حل المشكلة الكردية وفتحتم مدارس هناك، ولكن لم يُعِر المسؤولون الموضوعَ اهتمامًا في تلك الأيام. ولكن رغم ذلك فيما بعد، لا سيما في السنوات الخمس الأخيرة، أُسنِدَ إليكم بعض العمليات، مثل التحقيقات الأُولَى حول اتحاد التجمُّعات الكردية، وتسريب مفاوضات أوسلو الثانية[40]، ثم العملية التي استهدفت جهاز الاستخبارات التركية في 7 فبراير 2012م. وقد أعربتم في حوار لكم عن حقّ الأكراد في استخدام اللغة الكردية.فما موقفكم من عملية السلام والمفاوضات الجارية مع حزب العمال الكردستاني؟

ج: يمكن التفاوض مع التنظيم “حزب العمال الكردستاني”، لا نرى في ذلك بأسًا، لكن بشرط الحفاظ على مكانة الدولة ووقارها، وإلا فسيأتي التاريخ غدًا فيقول عن المفاوضين: “هذه هي البِنْيَة الموازية”، أي التقيتموهم، فأنتم تعاملتم مع “الدولة الموازية”. ولا أعلِّق على ذلك، فقد قالوا عن الرجل “عبد الله أوجلان (Abdullah Öcalan)” قاتل الأطفال، وإرهابيّ، ثم عندما اعتقلَته الدولة اعتقلَته بوصفه إرهابيًّا، وأتت به إلى تركيا. ومحاكم تلك الأيام حكمت عليه بالسجن، ولم تكُن الحكومة الحاليَّة موجودة آنذاك، الحكومة السابقة سجنَته.

نحن لم يكُن لدينا تحرُّكات ضدَّهم، ولكن هؤلاء يتصرّفون ضدّنا، لا سيما في هذه الأيام. والحكومة الحاليَّة في تركيا أعتقد أنها لكي تضمن مستقبلها في المنطقة تحاول أن تستدرج أبناء المنطقة إلى جانبها، فتُظهِر تعاطُفًا وتعاوُنًا معهم، وتسعى إلى أن يدفعَ الفاتورةَ ما سمَّوْه “الجماعة” أو “الجامعة” أو “الحركة”.

أنا لم أُدْلِ بأي تصريح في هذا الأمر، لكنهم أعلنوه إرهابيًّا في وقتٍ ما، وحكموا عليه بالسجن المؤبد، بل نُوقِشَت مسألة إعدامه في وقت ما. ولكن بسبب الموقف الصارم للاتحاد الأوروبي حول الإعدام لم ينفِّذوا ذلك الحكم، حتى إن حزب الحركة القومية احتجَّ على ذلك، وحزب العدالة والتنمية كان موقفه مماثلًا لموقف حزب الحركة القومية. ولكن فيما بعد تَغَيَّر موقفهم، لماذا؟ لا أدري. هل لكي يُظهِروا تعاطفهم مع أهل المنطقة لاستثمار ذلك في الانتخابات؟ إذا قلتُ ذلك فسأكون أسأتُ الظنّ.

الحقيقة أن شعبنا أُمَّة واحدة بكُرْدِها وتُرْكِها ولازها وشركسها وأبخازها، كلهم أهل الأناضول، وكثيرًا ما نستخدم هذا التعبير. وهذا المفهوم في غاية الأهمية في أدبياتنا، لأنه يعبِّر عن وَحدَتنا وتآلُفنا. لم نعارض مفاوضات أوسلو قَطّ، ولا اللقاء مع زعيم حزب العمال الكردستاني (عبد الله أوجلان)، ولا المفاوضات مع ميليشيات الجبل. وسبق أن قلت في حوار أُجرِيَ مع هذا الفقير قبل فترة وجيزة إن “الصلح هو الأصل.. التوافق هو الأساس”. والذين يحترمون هذه الأفكار ربما يمثلون 80 بالمائة من أبناء المنطقة الشرقية. أما الذين يرفضون هذه الأفكار فهم ميليشيات الجبل، وكذلك مَن تأثَّروا من إيران، وتأثروا من النظام السوري. هؤلاء فقط ينزعجون من هذه الأفكار، أي إن “جميل بايق (Cemil Bayık)”[41] ينزعج، و”فهمان حسين”[42] ينزعج، والميليشيات التابعة لمنظمة “بيجاك” في إيران ينزعجون. ما سبب الانزعاج؟ هو ما يُقال دائمًا، أي “تريدون أن تمحوا الهوية الكردية”، بينما بيَّنتُ وشجَّعتُ مرارا ونصحتُ مَن جاء ليلقاني من المعنيين بأن تُقدَّم دروس كردية في التليفزيون وأن تؤسَّس قناة تليفزيونية تخاطبهم. وكذلك أن تُدَرَّس اللغة الكردية في المدارس لغةً اختياريةً، وأن تُدَرَّس أيضًا في الجامعات. إن جميع هذه الأفكار المعقولة والضرورية للمنطقة التي اقترحناها لو جُمعت فربما شكَّلَت مجلَّدًا كاملًا. ولكن لا أدري سبب تشويه سُمعة الحركة وشيطنتها لدى أهل المنطقة. لقد استهدفَتنا مجموعة إعلامية منحازة، ورُوِّجَ أن “الخدمة” ضدَّ عملية السلام.

لا شكّ أن “عبد الله أوجلان” كان مستاءً من الخدمات التي نقدِّمها لمواطنينا الأكراد في المنطقة، أي كانوا مستائين من تأسيسنا مدارس التقوية والمراكز الثقافية، لأنها تقطع الطريق أمام الذهاب إلى الجبال، كانوا مستائين لأننا نساعد هؤلاء الفقراء، وميليشيات الجبال كانوا منزعجين كذلك، وميليشيات أكراد سوريا، وعناصر “حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD)” السوري كذلك كانوا منزعجين، وميليشيات “بيجاك” في إيران كانوا مستائين. يطمعون في أن لا ينقطع طريق الصعود إلى الجبال، لذلك ينزعجون من كل شيء يؤدِّي إلى توحيد الأُمَّة وتأسيس الأُخُوَّة والتوافق بين الأتراك والأكراد. يرغبون في أن يبقى الحقد والكراهية ضدَّ الأتراك مشتعلًا في القلوب، ولا يريدون وقوع شيء يمهِّد للسلام والتآلف أبدًا.

س: هل سبق أن صوّتّم في الانتخابات؟ وهل تُوجّهون محبيكم لكي يصوّتوا لحزب بعينه؟

ج: شخصيًّا لم يُكتَب لي نصيب للتصويت إلا مرة واحدة طوال حياتي، لأنني كنت إمَّا في السجن، وإمَّا مطارَدًا، وإما محرومًا من استخدام حقوقي الشخصية، لذلك صوَّتُّ مرة واحدة فقط. في ذلك الوقت رشَّح المرحوم تورغوط أوزال نفسه لعضوية البرلمان من محافظة إزمير، وكان وقتذاك منتميًا إلى حزب نجم الدين أربكان. “يشار توناكور (Yaşar Tunagür)”[43] كذلك كان شخصية مهمة، وقد كان مُفتِيًا في مدينة أدرنه عندما عملتُ إمامًا فيها. وكلاهما كان قد تَرَشَّح لعضوية البرلمان من إزمير. في تلك الانتخابات صوَّتُّ، صوَّتُّ لهما، بعد ذلك لم يكُن التصويت من نصيبي مرة أخرى. ولكنني لم أكُن ضدَّ الانتخابات أو التصويت قط، ولم أقصد مقاطعتها مُطلَقًا، بل إن ذلك حقّ ديمقراطي، وأحث الجميع على أن يمارس هذا الحق.

أما اليوم، خلافا لما فعلت في الاستفتاء الأخير، فلا أفكِّر في أن أقول شيئًا. مسألة الاستفتاء كانت قضية أخرى. ولكن إن كان لا بد من قول شيء فأقول: “أيّدوا من سيقف وقفة رجولة في الدفاع عن الحقّ والحريات الأساسية والقانون والشفافية وروح التوافق والديمقراطية، أيّدوا من كان صادقًا مخلصًا سديدًا، أيّدوا من كان موقِّرا للديمقراطية، أيّدوا من يحسن التعامل مع الجوار، صوِّتوا لمن يحمل هذه الأوصاف، أي إن الأوصاف هي المعيار”. أما تعيين حزب ما باسمه، فإني أَعُدّ ذلك إهانة منِّي لفراسة الناس وعقولهم. الجميع يرى كل شيء بوضوح، لذلك لا يمكن أن أُكرِه أحدًا على أن يختار حزبًا بعينه.

س: تتحدثون عن حوار الأديان على مستوى العالَم، بينما في تركيا هوة واسعة بين السُّنَّة والعلويين، وأعتقد أن حديثكم عن مشروع “المسجد وبيت الجمع جنبا إلى جنب”[44] يعود إلى سنة 1995م، ولكن عندما نُفِّذَ المشروع عبَّر بعض العلويين عن مخاوفهم من التعرُّض لموجة قوية من ذوبان الهُوِيَّة. كيف يمكن أن تجيبوا عن مخاوف العلويين تلك؟

ج: أعتقد أنه ليس كل العلويين يفكرون كذلك، بل يُبدِي بعضهم تقديرَه لهذه المبادرة، لا سيما بعض المعروفين في تركيا، مثل “البروفيسير عز الدين دوغان (İzzettin Doğan)”. معرفتنا تعود إلى سنوات عديدة، والتقينا مِرارًا. ذهبت إلى بيته لزيارته، وهو كذلك جاء لزيارتي. وقلنا فيما بيننا في ذلك الوقت إن مشروعا كهذا سيواجه مشكلات بلا شكّ. لقد آمنَّا بأن هذه المبادرة مهمة جدًّا لتأسيس الوحدة والتآلف بيننا وبين إخواننا العلويين، لا أدري هل أخطأنا في هذا، فالإنسان خَطّاء، لكن كثيرين رحَّبوا بالمشروع وأيَّدوا المبادرة.

نعم، تَحَدَّثَ البعضُ عن ذوبان الهُوِيَّة، ولكن كان هؤلاء ممَّن لا يعرفون سيِّدنا عليًّا رضي الله عنه أصلًا، ويُدْعَون في الغالب “علويين بلا عليّ”، أي إن سيدنا عليًّا -حسب اعتقادهم- بطل رمزي فقط، قد ثار على بعض الأمور، لذلك يستحقّ التقدير والاحترام. أما موضوع “كان عليٌّ مسلمًا، وكانت أفكاره كذا وكذا” فيقولون “هذه قضايا لا تهمُّنا أصلًا”. المعارضون في الغالب كانوا من هذا النوع. أعتقد أنه سيأتي يوم يندم فيه هؤلاء كذلك على معارضتهم. لماذا؟ لأن مبادرة “المسجد وبيت الجمع جنبا إلى جنب” لم تنطلق لاستيعاب أحد أو محو هُوِيَّته. ولكن الواقع أنه منذ سنوات لُقِّنَ أهل السُّنَّة بعضَ المخاوف، مثل: “سيأتي العلويون ويأكلونكم مثل آكلي لحوم البشر”، وكذلك قيل للعلويين: “سيأكلكم أهل السُّنَّة مثل آكلي لحوم البشر”. ولما مارست الدولةُ التركية عليهم بعض أعمال القمع في سنتَي 1937 و1938م، لا سيما في “أحداث درسيم (Dersim)”[45]، تسبب ذلك في جروح غائرة، وأدَّى إلى تبنِّي هؤلاء هذه الأقوالَ والأفكارَ الزائفة.

الزمان سيُرِينا أُخُوَّة أهل السُّنَّة والعلويين

إن هذا المشروع يعني أن من أراد أن يذهب إلى المسجد ليصلِّي يفعل، ومن أراد أن يذهب إلى بيت الجمع ليقيم مراسم “السَّمَاح” يفعل كذلك. وعندما يخرجون سيلتقون في مكان مشترَك، ويأكلون الطعام معًا، ويشربون الشاي، ويجلسون معًا، فيرى الجميع أنهم لم يأكل بعضهم بعضًا. فالأكل المتبادَل أصبح من المسلَّمات اللاشعورية، بحيث يراه الناس في أحلامهم، ويحلمون به في قيامهم وقعودهم. ما مدى صحة تلك المخاوف؟ الزمان سيرينا ذلك.

فضلًا عن أن مبادرة من هذا النوع قد تَمَّت في تركيا قبل 20 سنة، والإعلام نشر ذلك، أي إن الموضوع ليس جديدًا أو مُحدَثًا، لكنه تحوّل إلى مادة إعلامية، ولعل ذلك كان لصالح المشروع، ومن ثم يمكن إنشاء مشروع آخر مماثل له، فإذا كان هذا في أنقرة فيمكن التفكير في تنفيذه في “إزمير”، وفي “إسطنبول” كذلك. وبالتأكيد سوف يفكِّر البعض في إقامته في أماكن يعيش فيها إخواننا العلويون بكثرة. وسوف تُمنَح لهم الإمكانيات التي مُنِحَت لمؤسَّسة الشؤون الدينية، أي سيأتي مشايخهم ويشرفون على العمل وتُوضَع لهم رواتب، فيمارسون قيمهم وعاداتهم ويمثلونها هناك. وكذلك يمثِّل أهل السُّنَّة قيمهم، فقد استهدفت المبادرة تأسيس هذه الأُخُوَّة على أرض الواقع، ولا يحمل أحد فكرة استيعاب أو إذابة أحد.

إضافة إلى ذلك، بما أن العلوي متعاطف مع سيِّدنا عليّ رضي الله عنه ومُحِبٌّ له، فقد سعى الفُرس مِرارًا إلى استغلال هذا المدخل، فذهبوا بالناس من تركيا إلى مدينة “قُم” ، ومَن عاد إلى تركيا عاد يحمل في قلبه عداءً للمجتمع التركي، بينما الفرق شاسع بين العلوي في الأناضول وشيعة إيران. فالعلويون في تركيا يحترمون تقاليدنا التي تعود إلى أكثر من ألف عام. كما أن لهم مراسم وطقوسًا خاصة بهم تشبه مراسم “السماع” لدى مولانا جلال الدين الرومي، وينبغي أن لا ننظر إلى هذه الفروق كأنها أسباب للنزاع، بل ينبغي احترامها. أما الأوهام والهواجس المثارة فالزمان سيُثبِت لنا مدى صحتها. الزمان سيثبت لنا أنه لا أحد منا يهدف قطعًا إلى محو هُوِيَّة آخَرَ.

س: ما هي المشكلات الملحة والعاجلة في تركيا من وجهة نظركم؟

ج: لعل المشكلات الأكثر عاجلية، هي الموضوعات التي ما زالت تحافظ على أهميتها حتى الآن؛ وهي النزاعات والخلافات والتفرقة. ولقد تَطرَّق إلى النقاط ذاتها ذلك الإنسان العظيم (بديع الزمان سعيد النورسي) في بداية القرن العشرين. إننا نعاني من ثلاثة أمراض: الأول “نزاعات” لا تستند إلى معنى معقول أو منطقي، ولكنها تُثِير الناس ليأكل بعضهم بعضًا. هذا مرض ينبغي إزالته. فإذا كانت إزالته ستتمُّ عن طريق مبادرات مثل “المسجد وبيت الجَمْع جنبا إلى جنب” فعليكم أن تفعلوا ذلك، وإذا كانت إزالته في النزاع التركي الكردي ستتم من خلال أنشطة التربية والتعليم، ومن خلال فعاليات أخرى تنقذهم من أيدي مَن يريدون أن يمزِّقوا تركيا ويقسِّموها، فستفعلون ذلك.

ثم إشكالية “الفقر”.. هذه الإشكالية أيضًا ذكرها الأستاذ النورسي، وينبغي إزالتها، فهي مرض آخر. ثم هناك إشكالية “الجهل”. فهي ثلاثة أمراض أكّد ذلك الرجل العظيم ضرورة إعلان الحرب ضدَّها منذ ذلك الوقت. وأعتقد أن الوضع اليوم لا يختلف عما كان عليه سابقًا.

شخصيًّا أيقنت دائمًا أن التعليم هو أفضل وسيلة لتنشئة الأفراد وبناء قاعدة صلبة مستقرة للمجتمع. كل مشكل اجتماعي يبدأ من الفرد، ولا يمكن حَلّه على المدى الطويل إلا من خلال حله على مستوى الفرد. أما الحلول التي تعتمد على منطق التغيير الفوقي فمصيرها يكون دائمًا الفشل، خصوصًا إذا أَهملتِ الفرد. ولذلك كانت دعوتي في الأول والآخر للتعليم. وهذا ما شجّع كثيرًا من الناس الذين التقت أفكارهم مع أفكاري على إنشاء مؤسسات تعليمية مختلفة. فكانت هناك بيوت الطلبة، ومراكز تحضير للامتحانات، ومدارس خاصة، ومراكز دعم مجانية. وقد مكّنت هذه المؤسسات شرائح مجتمعية واسعة من الحصول على تعليم رفيع الجودة، الشيء الذي كان -ولحدّ الآن- متوفرًا فقط لقلة محظوظة.

أجل، يمكننا استخدام أساليب متنوعة ومناهج شتى حسب اختلاف الأوضاع وتغيُّر الظروف. قديمًا لم يكُن يخطر على بال أحد تأسيس مدارس تقوية ومراكز ثقافية ومؤسسات أخرى، فالأصل أن يُنظَر إلى ظروف اليوم وما تقتضيه الحاجة، ثم أن يُسعَى في ذلك الاتجاه. أما هذا الفقير فدوري لا يعدو أن يكون تشجيعًا. مثلًا عندما تَفكَّكَت روسيا سنة 1989م، وجدنا أن في آسيا الوسطى كثيرين من أبناء أمتنا، فجذورنا تعود إلى هناك، فقد جاء بعضنا من أوزبكستان وبعضنا من تركمانستان، وهكذا، فقلنا نشمل هؤلاء الناس برعايتنا. في البداية ذهب ربما خمسة رجال أو عشَرة، ثم تَحوَّل ذلك إلى طريق مسلوكة، فذهب على أثرهم آخرون، ثم آخرون، ثم أعقب ذلك هجرات إلى أنحاء العالم كله يحملون مشاعل المحبة. وبإذن الله وعنايته، وعلى غرار ما يقول مولانا جلال الدين الرومي: “لا يَنقُص نورُ الشمعة إذا أشعلت شمعة أخرى”، أي إذا كنا نملك قِيَمًا طيبة تفيد الآخرين فلنأخذها إليهم، وإذا كان لديهم قِيَم طيبة فلنأخذها منهم، فبابنا مفتوح للأخذ والعطاء. فرَحَّب بهذه الفكرة كثيرون ممن ينتمون إلى اتجاهات فكرية شتَّى. وجدوها معقولة، ووجدوها منسجمة مع المنطق، حتى إنه تَطوَّع كثيرون وتَقدَّموا بمقترَحات باهرة عجيبة. بعضهم قال: “سأُسهِم ببناء جامعة”، وبعضهم قال: “سأبني مدرسة”، وهكذا سارت الأمور.

س: بعض الشخصيات سواء من حركة “الخدمة” أو غيرهم أفادوا بأن التوتُّر السائد لن يخِفَّ حتى انتخابات رئاسة الجمهورية، ولن يسود الصلح حتى ذلك الوقت، من ثَم كيف ترَون المستقبل القريب لتركيا و”الخدمة”؟

ج: من الصعب إخماد نار التصعيد وروح الحقد والكراهية التي أثيرت في فترة قصيرة. فقد جُرحَت كرامة بعض الأبرياء وأُهِينَت شخصياتهم. لا يمكن إزالة آثارها دفعة واحدة. يصعب أن تعيدوا كل شيء إلى ما كان عليه سابقًا من انسجام وتناغُم. لكنني لم أفقد الأمل قط، لذلك أومن بأن ذلك يمكن مرة أخرى. تلك الرسالة، الرسالة الأخيرة،[46] كانت تصبُّ في ذلك الاتجاه، وقد أرسلتها مع صديق ابتعثه رئيس الجمهورية، هو السيد “فهمي كورو (Fehmi Koru)”، الذي أعرفه منذ أيام دراسته الأولى، وأنتم تعرفونه أيضًا. هم رَحَّبُوا بالرسالة، وكذلك سيادة رئيس الجمهورية رحَّب بها. لكن لا أدري هل اختيار رئيس الجمهورية مخاطَبًا أزعج السيد رئيس الوزراء، أم أزعجته الدعوة إلى توقُّف الأطراف عن سَبّ بعضهم بعضًا وتوقُّف التشاتُم عبر وسائل الإعلام! لا أدري. وقد تحدّث رئيس الوزراء عن ذلك صراحةً، تَحدَّثَ في لقاء، فأعتقد أن في جواره بطانةً هُمايونية (سلطانية). أحسب أن بطانته تنقل إليه المسائل بصورة أخرى. فمعاذ الله أن أصف -أنا- أحدًا باختلال التوازن أو الجنون. لا يمكن لقلبي أو وجداني أو لساني أن يتفوه بشيء من هذا النوع أبدًا، ولكن أحسب أنهم (بطانته) يوجِّهونه إلى ما يثيره ويستفزه.

عندنا حلم ولن نتخلف عن السعي إلى تحقيقه

لكنني لم أفقد إيماني بأن هذه العواصف ستهدأ بإذن الله وعنايته. سنلتزم بالصمت إذا اقتضى الأمر. حتى إننا يمكن أن نفتح الطريق إلى أبعدَ من ذلك: في العام الماضي ذكروا 160 دولة فُتحت فيها مدارس، أي أقيمت معها جسور الصداقة وصلة المحبة. ورأينا ذلك في “أوليمبياد اللغة التركية والثقافية”[47] بصورة باهرة. ولا أحد يرفض هذه الخدمات، بل يقولون إنها رائعة. فإذا رغبت الحكومة في إغلاق المدارس فإننا نقول لهم: إن شئتم فأغلقوها ولكني أنصحكم بأخذها والاعتناء بها. وإذا أردتم فاسحبوا المدرِّسين الحاليين منها.

سبق أن قلت الشيء نفسه لـ”جويك بير (Çevik Bir)”، كما أرسلت إلى المسؤولين الذين يحكمون اليوم أخبارًا مماثلة مِرارًا. قلت لهم: “عَيِّنوا أنتم مديريها ومدرِّسيها إذا أردتم”، فهذه المدارس رمز انفتاح تركيا على العالم، وقد سبق لأُمَّتنا في عهود مختلفة أن انطلقت في مثل هذه المبادرات لكي تنشر القيم الإنسانية النبيلة، وهذه واحدة من تلك المبادرات، حتى إن الدولة العثمانية لم تُوفَّق إلى القيام بمثل هذا الإنجاز رغم اتساع رقعة حمايتها التي غطت نحو 200 مليون نسمة. ها قد نشأ أفراد في أكثر من 160 بلدًا يفعلون ما تفعله السفارات وممثلو الدول، وكذلك وصل بعضهم إلى مواقع مهمَّة، وربما ذكّرناهم بحكمة بليغة، وهي: “إنكم ما لم تكونوا في كل مكان في العالَم، فلا يمكنكم أن تكونوا في المكان الذي ترغبون أن تكونوا فيه”. هذه قضايا في غاية الأهمية، لا سيما في عالَم العولمة اليوم. فلا تغلقوا هذه المدارس بدافع الغيرة والحسد، أو لأن البعض ينسبها إلى فلان أو عِلّان، بل اشملوها برعايتكم؛ أي خذوها، لتكن لكم، عيِّنوا أنتم المدرِّس والمدير، ولتواصل نشاطها. فكما أن العساكر و”جويك بير” لم يعودوا بجواب إيجابي قبل نحو 17 سنة، لم يعُد هؤلاء الآن بجواب إيجابيّ. فنحن منفتحون للخيارات كافةً. هذه الخدمات واجب ينبغي القيام به إكرامًا للمعنى الإنساني، وأيًّا كان القائم بها، فمرحبًا به. هذه خدمة طيِّبة نثر بذورَها الأولى هؤلاء الإخوةُ والمُحِبُّون والمتعاطفون. وهي هي رؤيتنا، لم تتغير: “انثر البذور أنت، ثم اذهب، ودع أيًّا كان يقطف ثمارها، أيًّا كان يجني الثمرة. هذه هي فلسفتنا. لا نحمل سوى غاية واحدة، وهي القيام بما ينبغي لإقامة علاقات طيبة بين أُمَّتنا والبشرية كافة. ولن نتخلف عن السير نحو هذه “الغاية السامية”، سنواصل السعي قُدُمًا، إكرامًا لأُمَّتنا وإكرامًا للإنسانية”.

حوار مع جريدة “وول ستريت جورنال” الأمريكية[48]

س: لاحظنا في الأسابيع الماضية تكرار هجوم رئيس الوزراء عليكم وعلى حركة “الخدمة”. هل تعتقدون أن تحالفكم مع فصيل حزب العدالة والتنمية قد وصل إلى نهايته؟

ج: إذا كنا سنتكلم عن تحالفٍ، فهو حول قيم مشتركة كالديمقراطية وحقوق الإنسان الكونية والحريات، وليس أبدا من أجل أهداف سياسية أو انتخابية. فقد سبق وقلت في استفتاء 2010م إنه لو كانت هذه الإصلاحات الديمقراطية، التي تتماشى مع متطلبات الاتحاد الأوروبي للحصول على العضوية، قد دُشنت من طرف حزب الشعب الجمهوري لدعمتها.

إن هناك شريحة واسعة من الشعب التركي، بما في ذلك أفراد من حركة “الخدمة”، تدعم حزب العدالة والتنمية في طريقه من أجل “دمقرطة” الإصلاحات، وإنهاء وصاية الجيش على السياسة، والدفع بتركيا قدما في مسارها للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. ودائما ما أيّدت حركةُ “الخدمة” كل ما تعتبره حقا ويتماشى مع مبادئ الديمقراطية، ولكنها أيضا انتقدت على الدوام كل ما تعتبره خاطئا ويتعارض مع تلك المبادئ.

إن قيمنا ومواقفنا لم تتغير. وسوف نستمر في الدعوة إلى الديمقراطية والدفاع عنها. أما مسألة هل مواقف وتصرفات الفاعلين السياسيين الحالية تتطابق مع سجلّ الإصلاحات السابق، فهذا يقرره الشعب التركي والمراقبون غير المتحيزين.

س: لقد دام تحالفكم مع السيد أردوغان لمدة عشر سنوات، ما هو الموقف الذي أزعجكم كثيرا حول قيادته؟

ج: إن تحالفنا كان حول القيم الإنسانية والمبادئ الكونية، ولقد دعمنا الإصلاحات الديمقراطية التي قام بها حزب العدالة والتنمية طوال مدة حكمه، لكننا كذلك انتقدنا وعارضنا الإجراءات اللاديمقراطية. ففي سنة 2005م مثلًا، انتقدنا مشروع “قانون مكافحة الإرهاب”، الذي كان غير واضح في تعريفه بجرائم الإرهاب، وكان سيلحق ضررًا ببعض الحريات[49].

لقد كان توجه حزب العدالة والتنمية العام خلال المدة ما بين 2003 و2010م ينحو نحو الإصلاحات الديمقراطية، وقد أيّدت ذلك شرائحُ واسعة من الشعب التركي. كما أن هذا بدا واضحًا في استفتاء 2010م الذي حصل على موافقة 58%. وبالفعل فقد حققت تركيا نموًّا اقتصاديًّا وديمقراطيًّا خلال السنوات الماضية، لكننا نود استمرار هذه الإصلاحات الديمقراطية. فالشعب التركي الذي دعم التعديلات الدستورية لسنة 2010م برفعه شعار “هذا جيد، لكنه غير كاف” مُستاء اليوم لملاحظة تراجع التقدم الديمقراطي في العامين الأخيرين. فمن شأن دستور جديد، صِيغ مدنيا، أن يعزز المكتسبات الديمقراطية وأن يرسّخ قيم الاتحاد الأوروبي الديمقراطية بتركيا. لكن، من المؤسف معرفة أن هذا الجهد قد تم التخلي عنه.

س: كيف ترون قرار رئيس الوزراء في عزل قيادات مهمة داخل سلك الشرطة؟

ج: إذا انتَهكت قوّاتُ الشرطة أو أيّ وكالة حكومية أخرى قوانين البلاد أو قواعد المؤسسات التي تنتمي إليها، فلا أحد يمكنه أن يدافع عن مثل هذه الخروقات، ويجب على من اقترف ذلك أن يخضع للتحقيقات القانونية والمؤسساتية. ولكن، إن لم يكونوا قد فعلوا شيئا من هذا القبيل، ومع ذلك يُتّهمون بناء على أفكارهم واختياراتهم أو انتماءاتهم، ويتعرضون لمعاملة تمييزية، فمثل هذا التعامل لا يمتّ بصلة لا إلى الديمقراطية، ولا إلى حكم القانون، ولا إلى حقوق الإنسان الكونية.

لقد كان إعفاء أو تطهير قيادات وكوادر بدافع أيديولوجي، أو عاطفي، أو فكري من ممارسات الماضي. وقد وعد الحزب الحاكم الناس خلال حملة الانتخابات بوقف مثل هذه الممارسات، غير أنه من المفارق معرفة أن من اعتبرناهم قبل شهور أبطالا من أبناء سلك الشرطة والقضاء، يتم اليوم عزلهم من دون أيّ تحقيق.

س: لماذا تشجع حركة “الخدمة” بشكل قوي تلاميذها على ولوج سلكي الشرطة والقضاء؟

ج: دعونا أولا نصحح طرح السؤال. إنني أتحدث فقط عن دعوتي الخاصة التي وجهتها للشعب التركي بشكل عام. لقد اعتقدتُ دائما أن التعليم هو أفضل وسيلة لتنشئة الأفراد وبناء قاعدة صلبة للمجتمع. يبدأ كل مشكل اجتماعي مع الفرد، ويمكن حَلّه على المدى الطويل على مستوى الفرد. أما الحلول التي تعتمد على المنطق التنظيمي، أو المؤسساتي، أو السياسي، فمصيرها يكون دائما الفشل، خصوصا إذا أَهملَتِ الفرد. ولذلك كانت دعوتي في الأول والآخر للتعليم. وهذا ما شجّع كثيرا من الناس الذين اتفقوا مع أفكاري على إنشاء مؤسسات تعليمية مختلفة. فكانت هناك بيوت الطلبة، ومراكز التحضير للامتحانات، ومدارس خاصة، ومراكز دعم مجانية. وقد مكّنت هذه المؤسسات شرائح مجتمعية واسعة من الحصول على تعليم رفيع الجودة، الشيء الذي كان ولحدّ الآن متوفرا فقط لقلة محظوظة.

لقد شجّعتُ الشعب التركي على أن يُمثَّل في جميع أوجه مجتمعه وفي مختلف مؤسسات بلده، لأنه من المهم جدا أن تَعكِس هذه المؤسسات تنوع المجتمع. لكن اختيار المسار المهني يكون بيد الطلاب وأولياء أمورهم، وقد تُؤثّر بعضُ العوامل كفرص العمل المتاحة أو فرص الترقي المهني على اختياراتهم. ثم إنني لست متأكدا من مدى تأثير دعوتي الخاصة للتعليم على اختيارات هؤلاء الطلبة.

كما أنه ليس لديّ تقييم دقيق حول الاختيارات المهنية التي اختارها خريجو مدارس “الخدمة”. ولكن على عكس ما قد يَتصوّر البعض، فالملاحظ تاريخيا وعمليا، أن التخرج من إحدى مدارس الخدمة كان يعتبر سببا محتملا للتمييز السلبي للالتحاق في المجالات التي ذُكِرتْ (الشرطة والقضاء).

س: لقد أومأت الحكومة إلى أنها ستراجع الأحكام التي أُصدرت ضد ضباط الجيش المتهمين بالتآمر في الانقلابات. فهل تخشون أن يكون هناك محاولة لخلق تحالف جديد ضد أفراد “الخدمة” والمتعاطفين معها؟ وكيف ترون مواجهة ذلك؟

ج: إعادة المحاكمة في ضوء أدلة جديدة أو ظهور مخالفات في الإجراءات القانونية حق من حقوق الإنسان العالمية. فإذا ظهرت أدلة جديدة، أو تم تحديد عيبٍ ما في الإجراء القانوني، تصبح إعادة المحاكمة حقا قانونيا. لا أحد يريد لشخص بريء أن يخضع للعقاب ظلما.

لكن، إذا كان القصد من ذلك هو إلغاء أحكام الآلاف من المحاكمات، فمن شأن خطوة كهذه إضعافُ النظام القضائي وتقويض سلطته، كما أنه من شأنها نقضُ مكتسبات العقد الماضي الديمقراطية. سيكون من الصعب جدا تفسير هكذا خطوة إلى 58٪ من الشعب التركي الذي أيّد التعديلات الدستورية لعام 2010م، والتي جعلت من الممكن محاسبة الانقلابيين السابقين أمام محاكم مدنية لأول مرة في تاريخ تركيا، وستكون أيضا خطوة تتناقض والمواقف الإيجابية لقياديّي الحكومة الحالية، الذين لطالما ناصروا هذه المحاكمات باعتبارها فوزا للديمقراطية، وأشادوا، بِلُغتهم، بالنواب العامين والقضاة الشجعان الذين قاموا بتلك المحاكمات. وقد كان هناك عدة تقارير تتحدث عن قادة سياسيين يتفاخرون بمسألة إخضاع القيادة العسكرية للسلطة المدنية.

إن الخطاب السياسي الحالي الذي يُشكك في هذه المحاكمات وينسبها إلى مجموعة معينة داخل السلطة القضائية، يتناقض تماما مع خطاب نفس القادة السياسيين خلال عشر سنوات من الحكم. هناك أيضا نوع من عدم المصداقية هنا. فعندما استُدعي مدير جهاز المخابرات التركية من قبل المدعي العام من أجل استجوابه في المشاركة المزعومة لبعض ضباط المخابرات في الأعمال الإرهابية التي قامت بها وحدات حزب العمال الكردستاني وتنظيم المنظمات الكردية، مررت الحكومة فورا قانونا يقضي بلزوم موافقة رئيس الوزراء على التحقيق مع مدير المخابرات. وفي حين أنه كان بيد الحزب الحاكم السلطة للقيام بنفس الشيء، فإنهم لم يمرروا أي قانون مشابه يقضي بحماية رئيس هيئة الأركان العامة أو قادة الجيش. هذا التناقض يُظهر بوضوح أن الخطاب الأخير حول إعادة محاكمات ضباط الجيش له دوافع سياسية وليس من أجل تحقيق العدالة لهؤلاء الضباط.

وإذا ما تم تنفيذ مثل هذه الخطوة فسيكون ذلك كالضربة القاضية للإصلاحات الديمقراطية في العقود الأخيرة، كما أن ذلك سيشكل تحولا دراماتيكيا للجهود الرامية إلى إزالة الوصاية العسكرية عن المؤسسات الديمقراطية. ولقد أطيح في التاريخ التركي، ولأكثر من نصف قرن، بأربع حكومات منتخبة من قبل انقلابات عسكرية.

س: استهدفت الحكومة مجموعة من الشركات الكبرى كشركة “قُوج (Koç)”[50] و”دوغان (Doğan)”[51]، بحيث فرضت عليهم غرامات ضريبية بسبب مواقفهم السياسية المغايرة لمواقف أردوغان. فهل ترون أن هناك تهديدا للشركات المدارة من طرف أفراد “الخدمة” في ضوء الأحداث الأخيرة؟

ج: إنني أعلم من خلال التقارير الإخبارية أن ما تسمونه الآن تهديدا لم يعد كذلك، بل أصبح حقيقة واقعية. فقد استُهدِفت كل من مجموعة “قُوزا (Koza)”[52]، ومجموعة “استقبال (İstikbal)”[53]، و”بنك آسيا (Bank Asya)”[54] بأشكال مختلفة من عمليات التفتيش غير العادية، وأجبرت على أداء غرامات، وألغيت لها بعض الرخص، وسحبت من مواردها المالية مبالغ ضخمة من دون سابق إشعار، كما تبع ذلك حملة سوداء ضد بنك آسيا قادتها بعض الوسائل الإعلامية المعروفة بقربها من الحزب الحاكم.

س: يعتبر الرئيس “عبد الله كُول” زعيما معتدلا يمكنه جمع فصائل سياسية مختلفة بدءا من المحافظين إلى الليبراليين وكذلك حركة “الخدمة”. فهل ستدعمون حزب العدالة والتنمية بقيادة السيد كُول كرئيس وزراء أم تظنون أنه أكثر فائدة للبلاد كرئيس؟ وهل تتعاطفون أكثر مع شعبية كُول مقارنة مع أردوغان؟

ج: لقد حاولنا دائما الحفاظ على نفس العلاقة الطيبة مع جميع الأحزاب السياسية. فنحن كحركة تنتمي إلى المجتمع المدني، لم نؤيد قط فكرة دعم حزب ما أو مرشح ما. لكن هناك أفراد من “الخدمة” وَجَدوا في بعض الأحزاب السياسية وبعض المرشحين قريبين من معتقداتهم وقيمهم، فدعموهم بإرادتهم الحرة. أما السيد “كُول” فهو رئيسنا الحالي[55]، ومن غير اللائق إقحام اسمه في تكهّنات حول سيناريوهات مستقبلية.

س: لقد عبر كثير من مؤيديكم عبر وسائل الإعلام عن مواقف إيجابية حول قيادة حزب الشعب الجمهوري في الأسابيع الأخيرة. فهل تعتقدون أنه من الممكن حدوث تحالف بين “الخدمة” وحزب الشعب الجمهوري خلال الدورة الانتخابية القادمة؟

ج: أكرر مرة أخرى فأقول إننا لم يسبق لنا أن كوّنّا أي تحالف أو شراكة مع أي حزب أو مرشح. فدعمُنا أو انتقادنا كان دائمًا من أجل القيم والمبادئ. ومثل هذا التحالف لن يكون في المستقبل أيضًا. وكفاعلين في المجتمع المدني، من الواجب علينا أن نبقى منفتحين على جميع مكوّنات المجتمع. والمهم أن قيمنا واضحة؛ الديمقراطية، حقوق الإنسان الكونية، الحريات، الحكومة الشفافة والمسؤولة أمام الجميع… إلخ، وعندما تتسنى الفرصة لهم، فسيقوم أفراد “الخدمة” كأيّ مواطن آخر باختيار الأنسب بناء على قيمهم.

حوار مع جريدة “لا ريبوبليكا” الإيطالية[56]

“إن كان موتي سيحُلُّ المشاكل فإنني راضٍ بأن أموت ألف مرة!”

س: تعيشون في منفًى تطوّعيّ بالولايات المتّحدة الأمريكيّة منذ سنواتٍ طويلةٍ، فلماذا؟

ج: أشعر بأن بقائي هنا أفضل من الناحية الصحيّة، وأخشى من أن تستغلّ بعض الأوساط عودتي إلى تركيا وتتّخذها ذريعةً لرفع حدّة التوتّر السائدة حاليًّا إلى أسوأ ممّا هي عليه الآن، ولقد تعرضتُ لمضايقاتٍ قضائيّةٍ -إن جاز التعبير- كثيرةٍ عقب انقلاب الثامن والعشرين من فبراير ١٩٩٧م، على يد السلطات القضائيّة التي كانت تعمل بتوجيهٍ من السلطات العسكريّة، إثر تعرُّضي أيضًا لافتراءاتٍ وحملات تشويهٍ ممنهجةٍ عبر وسائل الإعلام، وقد ثبت قضائيًّا أن تلك الاتّهامات باطلةٌ لا أصل لها ولا سند ولا دليل، وللأسف الشديد؛ تُوجّه اليوم أيضًا أنواعٌ شتّى من الاتّهامات والافتراءات عبر وسائل الإعلام، وتُشنُّ حملةٌ تشويهيّةٌ ضدّي؛ وفي مثل هذه الظروف أفضّل البقاء هنا نزولًا على نصيحة الأطبّاء.

لو علمتُ أن موتي سيكون حلًّا لما تتعرّض له تركيا من مشاكل؛ لاخترتُ أن أموت في اليوم ألف مرّةٍ، وإنني لأفضّلُ البقاء هنا، وأن أَكبِتَ أشواقي إلى وطني وأدفنها في أعماق قلبي؛ لكي لا أعطي مبرّرًا لمن يريدون اغتيال أمن تركيا وسلامها واستقرارها.

س: إنّكم -بالتأكيد- تتابعون عن كثبٍ الأحداث الجارية في تركيا، فكيف تقيّمون اللحظة الراهنة التي تعيش فيها بلادكم اضطرابات اجتماعيّة قويّةً؟

ج: إن التزوير والتضليل الذي تمارسه بعض وسائل الإعلام يهدف إلى استقطاب المجتمع وإحداث انقسامٍ بين أفراده، ولذلك ينبغي لمن أحرزوا مواقع مهمّة من المسؤولية أن ينتبهوا لما يقولونه؛ فقد عاشت تركيا كثيرًا من الآلام في الماضي، واعتدى الشباب بعضهم على بعض في الشوارع كما لو كانوا أعداءً ألدّاء؛ فتعاقبت حوادث القتل والإصابات تترا، وظهرت المجموعات التي يتبنّى كلٌّ منها فكرةً سياسيّةً مخالفةً لجميع الفصائل والمنظومات الاجتماعيّة الأخرى، ونظرت كل فرقةٍ إلى غيرها بجنون واضطهاد، وكأن بعضها ستفترس بعضًا، وأُدخِلتِ العداوة إلى القلوب واستُعديَ الجميعُ؛ كلٌّ على الآخر: اليميني على اليساري، والتركي والكردي والعلوي والسنيّ على الآخر، والمتديّن على غير المتديّن.

وتقع على عاتق أولي الأمر وصنّاع القرار مسؤوليّةٌ كبيرةٌ وواجبٌ عظيمٌ من أجل الحفاظ على السلم والهدوء والمكتسبات الديمقراطية التي حقّقناها في السنوات الأخيرة، إلا أنني لستُ أدري ما مدى إدراكهم لهذا؟ إنني لم ولن أفقد في أيّ وقتٍ أملي في أننا سنتغلّب على كلِّ هذا بحول الله وطوله، غير أن لكلّ شيءٍ وقتًا مرهونًا به، وهنا يقع على عاتقنا نحن الدعاءُ إلى الله، والتضرّع والابتهال إليه، وتجنّبُ التصرّفات والسلوكيّات التي تزيد من الاستقطاب والانقسام، فيجب ألا نواجه من يضربنا بمثل فعله، ولا مَن يشتمنا بمثل قوله.

وما أجمل قول “يونس أمره”:

“على الدرويش أن يكون بلا يدٍ لمن ضربه

وبِلا لسان لمن شَتَمَه

وبلا قلب (حتى لا يغضب)

وإلا فلن تكون درويشًا”.

س: بدا رئيس الوزراء السيد رجب طيّب أردوغان وكأنّه يهاجمكم في الآونة الأخيرة، تلميحًا أحيانًا، وتصريحا أخرى. وتحدث عن وجود “إمبراطورية خوفٍ” شكلتها منظّمة مناوئة للقضاء والشرطة على وجه الخصوص، وفي اجتماعٍ عقده مع سفراء تركيا في مدينة “أنقرة” اتّهم أنصار تلك المنظّمة بتدبير محاولة للانقلاب، وذلك على إثر فضيحة الفساد التي تفجّرت في شهر ديسمبر 2013م، ويرى رئيس الوزراء التركي أن الهدف من ورائها ليس إسقاطَ حزبٍ معيّنٍ ولا حكومةٍ بعينها؛ وإنما الهدف إسقاط الدولة ومصالح الدولة ومؤسّسات الدولة الوطنيّة وسياساتها القوميّة، الهدف هو تركيا، ستةٌ وسبعون مليون تركي، حتى إن أردوغان يقول: “يستحيل التعبير عن هذه المساعي بمصطلح آخر سوى الخيانة”. فكيف تردون أنتم على هذا النوع من التحليلات والاتهامات؟

ج: الصواب أنني أنا أيضا أجد صعوبة ومشقة في فهم هذا النوع من التصريحات غير المسؤولة، فالجميع يعلمون مدى التقدير الذي تحظى به أنشطة هذه الحركة الإنسانيّة في تركيا وخارجها من أجل الإنسانية بما في ذلك السيد رئيس الوزراء والأشخاص العاملون في مناصب مهمّة في دوائر الدولة. ومن ثم فإن مخاصمتَهم هذه الحركةَ الإنسانية فجأة -بعد تقديرٍ وصداقةٍ دامت ما يزيد عن عشر سنواتٍ- واتهامَهم إياها بمزاعم لا أساس لها من الصحّة يشكّلُ في المقام الأوّل تناقضًا مع تصريحاتهم أنفسهم وبياناتهم السابقة، وإنّ تحريك المسألة من قضيّة الفساد وتقديمها على أنها صراع على السلطة السياسية ربما يخدم مصالح البعض، ويبدو وكأنه سعي ومحاولة لنقلها من الإطار القانونيّ إلى الإطار السياسيّ وتثبيتها فيه، ونحنُ وإن كنا ننتهجُ ونرى -أساسًا- براءةَ ذمّة الآخرين؛
إلا أن العامّة والخاصّة من الشعب تكوّنت لديهم قناعةٌ مشتركةٌ بشأن وجود واقعة فسادٍ بالفعل[57]، وتعضدُ هذا الأمر وتشيرُ إليه؛ الأدلّة الظاهرة على وسائل الإعلام والوزراء المستقيلون وتصريحات نوّاب الشعب.

ومثل هذه الوقائع من الفساد والاختلاس تحدث في الدول الديمقراطية أيضًا، إلا أنها لا تُقابل وتُفهم على أنها محاولة للانقلاب
ولا على أنها خيانة، فإن كان هناك مسؤولون عنها تقوم المحاكم بتحديدهم وإحضارهم للعدالةِ ومعاقبتهم وفق القانون، بينما تواصل الحكومات مسيرتها وعملها؛ دون تدخّلٍ في العمل القضائي، وما يحدث في تركيا يشبه كثيرًا ما هو موجود في البلاد التي يحكمها الحزب الواحد أو الفرد الواحد، فاعتبار هذه التحقيقات انقلابًا دون توفّر الأدلّة على ذلك؛ لا يمكن تفسيره إلا بأنه نوع من الهذيان.

س: هلّا وضحتم لنا أهداف حركتكم الرئيسة؟ ما هي المطالب الاجتماعيّة والدينيّة والسياسيّة التي ترمون إلى تحقيقها؟ وما هو اقتراحكم من أجل الخروج من هذه الأزمة؟

ج: بالنسبةِ إلى هذا المحور أو هذه الناحية؛ فقد ركّز الإخوة على الأنشطة التعليميّة لأجل الإنسان وحلّ مشكلاته، فأنشؤوا دور السكن الطلابيّة والمدارس والمراكز التعليميّة وقاعات الاطّلاع، وقدّموا الخدمات التعليميّة، وقد فتح أهل البلاد ومسؤولوها أيضًا أحضانهم لهذه الحركة الإنسانيّة، ودخلوا معها في أنشطةٍ جادّةٍ وحقيقيةٍ في مجالاتٍ عدّةٍ مثل المساعدات الإنسانيّة والخدمات الصحّيّة[58] والحوار.

والغاية المنتظرة والمنشودة من هذه النشاطات هي السير والتقدّم سويًّا نحو عالمٍ يسوده الهدوء والطمأنينة وتعتزّ فيه الإنسانيّة بعضها ببعض، ويُتبادل الاحترام بين جميع الفئات المجتمعيّة والفكرية والمذهبية، ونحن نؤمن بأن رضا الله تعالى يكمن في ذلك، وليس لنا أيّ طموحٍ أو غايةٍ أخرى سوى ذلك، وقد تبلورت علاقتنا بالسياسة في صورة الإدلاء بالرأي فحسب حول قِيَمٍ معيّنة، ولم نتحالف أو ننخرط مع أي حزبٍ سياسيٍّ على الإطلاق، ونحن -باعتبارنا مواطنين- لم نرغب في شيءٍ سوى احترام الحقوق والقانون والمبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان العالميّة وحريّاته المشروعة، لم نساوم في أي وقتٍ على أيّ شيءٍ، ولم نبحث يومًا ما عن أيّ منصبٍ أو سلطةٍ سياسيّة.

أما بالنسبة للأزمة الحاليّة فإن الأصل بشأن الأفراد هو براءة الذمّة كما أسلفت آنفًا، إلا أن ثَمّة تحقيقات تجرى حول وقوع عمليّة فسادٍ ماليٍّ، والدولة تضغط بكلّ قواها على المدّعي العام ورجال الأمن الذين لا يملكون شيئًا في هذا الشأن سوى الوفاء بواجبهم ومسؤولياتهم، وفي الوقت نفسه ثمّة سعيٌ حثيث وعملٌ ممنهجٌ لتشويه هذه الحركة الإنسانيّة الكبيرة عبر الصحافة ووسائل الإعلام المسموعةِ والمقروءة، وكما قال البعض فإن هناك سعيًا حثيثًا ومحاولةً لإخضاع القضاء لأمر السلطة التنفيذيّة، ولعلّ المخرج من هذه الأزمة يتمثّل في احترام الحقوق والقانون والمبادئ الديمقراطية وفقًا لمعايير الاتّحاد الأوربّي الذي ترشّحت تركيا لعضويّته.

س: تبدو حركتكم منذ سنوات وكأنّها في حالة تحالفٍ واتّفاقٍ مع حزب العدالة والتنمية، بما في ذلك إقصاء العسكر عن السلطة، إذن فلماذا قرّر رئيس الوزراء إغلاق مدارسكم الخاصّة ومراكزكم التعليميّة؟

ج: لقد صوّتنا لصالح مَن هم في الحكم اليوم وشجّعنا الآخرين للتصويت لصالحهم، وذلك من أجل إرساء وترسيخ المبادئ والأسس العامّة، وهذا في أوقات الانتخابات فقط، فإن سُمّيَ هذا اتّفاقًا؛ فهو شيء من هذا القبيل، إلا أنه لم ولن يكون لدينا أيُّ مطمحٍ سياسيٍّ في أيّ وقت، وقد كنّا -وما زلنا- ننتقد كلّ خطإٍ أو انحرافٍ يقع، فنحنُ لم نغيّر موقفنا ولم نستبدل منهجنا، وبالتالي؛ فإن المَعْنِيَّ بالإجابة عن سؤالك هذا هو السيد رئيس الوزراء.

س: تركيا في أوروبّا… يبدو أن وتيرة مسار اندماج أنقرة بأوروبا قد تباطأت! فما هو موقفكم من ذلك؟

ج: إن رحلة تركيا في الاتّحاد الأوروبّيّ هي هدفٌ من أهداف السياسة التركيّة، وقضية تحقّق حولها التوافق المجتمعيّ، ونحن أيضًا دعمناها، وقد ذكرتُ قبل سنواتٍ أن الطرفين سيُفيدان ويستفيدان من عضويّة تركيا بالاتحاد الأوروبّيّ، فموقفنا على حاله لم يتغيّر.

س: جئتم إلى الفاتيكان عام 1998م، والتقيتم بالبابا “يوحنا بولس الثاني”، فهل دارت بينكم وبين الفاتيكان لقاءاتٌ أخرى؟ وكيف تُقَيِّمون تولي البابا “فرنسيس” الباباويّة؟ والإصلاحات التي حدّدها؟

ج: إن الحوار من وجهة نظرنا هو وسيلة من وسائل تلاقي واجتماع النسيج الإنسانيّ على مائدةٍ واحدةٍ، وهو البداية الصحيحة لإزالة القناعات والظنون الخاطئة لدى كل فرقةٍ تجاه الأخرى، وللعِلم فإنني لم ألتق بـ”البابا فرنسيس”، وقد قدّر العالمُ وقابل باحترامٍ انفتاحَه على الحوار.

حوار مع جريدة “سود دويتشه زايتونج” الألمانية[59]

س: كانت لكم علاقات جيدة مع حزب “أردوغان”، ما الذي تغير فيما بعد؟

ج: قدّم حزب العدالة والتنمية منذ تأسيسه عام (2002م) وعودًا بإحلال الديمقراطية وحقوق الإنسان وتحقيق عضوية تركيا في الاتحاد الأوروبي والقضاء على الفساد وإنهاء تهميش الأشخاص ذوي التوجهات والأفكار المختلفة والتنمية الاقتصادية، وبصراحة: فلقد اتخذ إجراءات تؤكّد صدقَ هذه الوعود، وعليه قمنا بدورنا بدعمه ومؤازرته.

إلا أنه عقب انتخابه للمرة الثالثة في انتخابات (2011م) بدأ في اتخاذ إجراءات معاكسة تماما للمكاسب الديمقراطية، فعلى سبيل المثال إذا ما فكرنا في الإجراءات التي أقدم عليها الحزب -مثل ممارسة أعمال القمع ضد وسائل الإعلام ومنح جهاز المخابرات صلاحيات كبيرة وتطبيقه الأساليب الشبيهة بما كان يمارسه جهاز أمن الدولة والمخابرات في ألمانيا الشرقية القديمة “شتازي” [60] والتصرفات التي واجهت المتظاهرين الذين يعترضون في إطار ديمقراطي والكثير من الإجراءات المشابهة لذلك-؛ سيظهر لنا عندئذٍ عودتنا للوراء في المكاسب الديمقراطية.

وفي نهاية المطاف أعلنتني الحكومة بأنني عدو لها؛ حتى يتمّ التستر على أعمال الفساد ويتمّ تأسيس كيان استبدادي، إلا أننا لدينا مثل تركي يقول “إن شمعة الكذاب تشتعل إلى وقت العشاء” (أي إن عمر الكذب قصير جدًا).

س: وقفتم إلى جانب أردوغان في تقليص نفوذ الوصاية العسكرية في تركيا، هل هذا أصبح من الماضي؟

ج: إن الطغمة العسكرية أقدمت على عمل أربعة انقلابات في أعوام (1960م) و(1971م) و(1980م) و(1997م)، وإن الحكومات التي جاءت إلى سدّة الحكم عن طريق الانتخابات تم إسقاطها بتلك الانقلابات، وتمت مساءلة عشرات الآلاف من الناس وزُجَّ بهم في السجون وعُذب أغلبهم أثناء الإدارات الانقلابية، وشهدت تركيا أحداثًا لا يمكن أن يصدّقها العقل خلال مرحلة ترشح تركيا لعضوية الاتحاد الأوروبي، ثم قُدِّم موضوع محاكمة الضباط الذين تولّوا الانقلابات العسكرية في محاكم مدنيّة عبر استفتاء في عام (2010م) لإدخال تعديلات على الدستور للتمكّن من القيام بذلك، وأيّد ثمانية وخمسون في المئة من الشعب التركي هذا القرار.

وبعد التخلّص من الوصاية العسكرية مباشرة تم تشكيل وصاية حزبية أسستها الحكومة مع إلغاء استقلالية القضاء، وذلك عقب ربط كل شيء بالجهاز التنفيذي وإلغاء دور ومهام هيئات الرقابة، ومثلما عارضنا الوصاية العسكرية في وقت من الأوقات فنحن نقف اليوم أيضًا ضد الوصاية الحزبية، ولهذا السبب تمّ وصفنا بأننا خائنون.

س: إلى أين تسير تركيا؟

ج: إن الجمهورية التركية أصبحت في الآونة الأخيرة دولة يحكمها حزبٌ واحد بخلاف ما نص عليه الدستور التركي من كونها دولة ديمقراطية وعلمانية ودولة قانون اجتماعية، لدرجة أنها تعطي انطباعا بأنها آلت إلى وضعية دولةٍ يحكمها رجلٌ واحد، إن تركيا اليوم تشهد حالةً من الاستقطاب على الصعيد الداخلي وتعيشُ عزلةً وفقدانَ اعتبارٍ على الصعيد العالمي، وأنا أشعر بحزنٍ بالغٍ إزاءَ ما آلت إليه بلادي.

س: أردوغان يقول إنه يرغب في تنشئة جيل ذي طابع متدين، ألا تريدون أنتم أيضًا الشيء نفسه؟

ج: ليس من مهام الدولة أن تجبر شعبها على مبادئ دين بعينه وتنشئ جيلًا جديدًا على هذا الطبع، لأن ذلك يحمل في طيّاته إجبارًا وإكراهًا للآخرين، وبما أن الحرية الدينيّة تدخل ضمن الحقوق الإنسانية الأساسية، فإن على الدولة أن تمهّد أرضيّة ملائمةً لجميع المواطنين أيّا كان دينهم ليمارسوا معتقداتهم ويعلّموها أبناءهم.

والذي كان على “أردوغان” -كرئيسٍ للسلطة التنفيذيّة- هو أن يحميَ حقوق الفئات التي تُمثّل أقلّيّاتٍ دينيّة أيضًا من خلال تعديلات قانونيّة، وذلك أثناء فترة حكمه البالغة اثني عشر عامًا والتي سيطرت فيها السلطة التنفيذية، ومدى تحقق هذا من عدمه أمر مطروح للنقاش. وعلى الإنسان المتدين ألا يتنازل عن الحق والعدالة، وأنا أنشد جيلًا متدينًا بهذا المعنى، لكن إذا كان المقصود هو جيلًا ليس له دراية بدينه ويسعى لبثّ الفتنة بين طبقات المجتمع ولتفرقته ونثر بذور الفتنة بينهم بكل سهولة ويُسرٍ؛ فستكون إجابتي على هذا صريحة واضحة.. لا وكلا.

س: ما تعليقكم على قصر رئاسة الجمهورية الجديد لأردوغان “القصر الأبيض”؟

ج: كل دولة لديها الحاجة إلى مباني لتمثيلها، إلا أنه كان يمكن توسيع المباني الموجودة حاليًّا بدلًا من تشييد قصرٍ يضمّ أكثر من ألف غرفة، وكانت المحكمة ستوقف تشييد القصر لولا تدخّل أردوغان في هذا الموضوع والحيلولة دون هذا القرار، وإن مثل هذه الإجراءات تنقص احترام المواطن للقوانين والعدالة، بالمناسبة فإن أبهى وأترف قصور العثمانيّين شُيّدت في فترة تدهوُر وسقوط الدولة، ونحن اليوم نرى أن الكثير من مكاتب رؤساء الجمهوريات في العالم تقع في مبان متواضعة للغاية، وقضية القصر هذه أضرت بسمعة تركيا؛ كما أن ستّين بالمائة من الشعب التركي يرون هذا إسرافًا، ولو تناولنا عملية البناء هذه من الناحية الشرعية فهي حرام.

س: أردوغان يزعم أن محبيكم تسرّبوا إلى مؤسسات الدولة، ما تعليقكم على ذلك؟

ج: إن المواطن لا يتسرّب إلى مؤسّسات دولته، هذا وصفٌ خاطئ، بل يدخلها ويقدّم من خلالها الخدمات لبلده، ويمكن لكلّ من تتوفر فيه الأهليّة والشروط المطلوبة أن يُصبح موظّفًا في الدولة، لكن هل الذي يزعجهم في ذلك هو عدم مبايعة هؤلاء لهم وعدم انصياعهم لقراراتهم الشخصية؟!

النظام السياسي الحالي لم يصنّف فقط المحبين لحركة الخدمة من الموظفين ضمن الفئات التي يزعمون أنها تضر بالدولة، بل طال هذا التصنيفُ كلّ من يقف بعيدًا عن الحكومة أو يرغب في عدم المشاركة في أيٍّ من فعالياتها. وهذا ما سمّي بـ”مطاردة الساحرات”.

س: كم هي نسبة المنتمين إلى الخدمة من الموظّفين المفصولين من أعمالهم؟

ج: أنا لا أعرف حتى عشرة في المئة من الذين ينتمون لهذه الحركة، ومع مرور الوقت سيعرف الجميع أن معظم المذكورين من رجال القضاء والأمن والمعلمين ليسوا على علاقة بالحركة، ومن المحتمل أن تكون الحكومة قد فعلَتْ كلّ ذلك لدافِعَين اثنين:

أولهما: أنهم يحاولون إظهار حركة الخدمة على أنها تهديد كبيرٌ وذلك من خلال تصنيف شخصيات عديدةٍ لانتماءها للحركة.

وثانيهما: رغبتهم في القضاء على كلّ من لم يقدم البيعة لهم، كما اعترف بذلك أحد الشخصيات البارزة داخل حزب العدالة والتنمية في الفترة الأخيرة.

س: ما تعليقكم على أعمال الفساد؟

ج: لم يعرف أحدٌ حقيقةَ الأمر بسبب عدم تفعيل العملية القانونية والحيلولة دون مواصلة التحقيق في القضية، ولو حدث مثل هذا في الغرب لاستقالت الحكومات إزاء هذه الاتهامات، إلا أن “أنقرة” وصفت هذه التحقيقات على أنها مؤامرة دولية ضدّها وهي العادة المتبعة دائمًا لدى الأنظمة الاستبدادية.

س: هل تعرضت حركة الخدمة لفقد في قوتها؟

ج: لا يمكن أن ننكر أن مفهوم حركة الخدمة مسّه الضرر لدى المجتمع بشكل عام نتيجة حملات التشويه والافتراءات الموجهة ضدّ الحركة عبر وسائل الإعلام التي تسيطر عليها الحكومة، إذ إنهم يُرعبون الناس من إرسال أولادهم إلى مدارس الخدمة المعروفة بجودتها وكفاءتها وعدم تقديم التبرعات لجمعيات المساعدة التابعة للحركة، وأرى أنه لا شكّ في أن تأثير هذه الحملات السوداء المبنيّة على أكاذيب وافتراءات على المجتمع؛ سينقلب ضدهم عمّا قريب بمجرّد الكشف عن أكاذيبهم.

يريدون إغلاق جميع مدارسكم الموجودة في تركيا…

حظيت هذه المدارس حتى الآن بمزيد من التقدير ونالت كثيرًا من الجوائز، فإن كانت تركيا دولة قانون بالفعل فإننا لا نتوقع أن يلحق هذه المدارس ضررٌ ما، وإلا فإن الخاسر هو تركيا.

س: أُغلقت بعض مدارس الخدمة في آسيا الوسطى مؤخرًا، فهل لـ”أنقرة” يد في هذا؟

ج: الحكومة التركية تستخدم أساليب متباينة تختلف بحسب ظروف كل مكان؛ فتصف الخدمةَ مثلًا في مناطق الاتحاد السوفيتي السابق بـ”العمالة لأمريكا”، بينما تصفها في أمريكا بـ”الرجعية”، أما في البلاد الإسلامية فتنعتها بـ”خلْق جيل من الملحدين”، وهذه كلها افتراءات ينقض بعضها بعضًا، تسير الحكومة وفق منهج نفعيّ تمامًا، إلا أن جسور الصداقة القائمة بين تركيا والعالم تنهار بهذا ويلحق الضررُ علاقاتِها مع العالم، فتمتد حالةُ جنون العظمة الراهنة إلى خارج تركيا أيضًا.

س: وصَفكم سفيرٌ أمريكي سابق بـ”الشخصية الثانية الأكثر أهمية في تركيا”، ما تعليقكم على هذا؟

ج: أستغفر الله! إن الذين يعرفونني من قريبٍ أو بعيدٍ يعرفون شخصيّتي جيّدًا إذ إنني لم أرغب في أيّ فترةٍ من فترات حياتي أن أكون رجلًا مشهورًا ذائع الصيت، ولم أحاول من خلاله قطّ أن أحصل على مصلحة شخصية سواء كانت ماديةً أو معنوية، وحياتي البالغة ستةً وسبعين عامًا خيرُ شاهدٍ ودليلٍ على ذلك، وإذا كانت هناك نجاحات مبجلة لهذه الحركة فيجب أن تُنسَبَ إلى هؤلاء المتطوعين الذين أخلصوا في رسالتهم فنذروا أرواحهم لخدمة الإنسانية.

س: هل ستستمر حركة الخدمة بعدكم؟

ج: حتى الناس الذين لا يتشاطرون معنا ولو بنسبةِ واحدٍ في المائة وجهةَ نظرنا في الحياة؛ قاموا بدعمنا، ذلك لأن الفكرة والقواسمَ المشتركة بيننا كانت -وما تزال- هي القِيَمَ الإنسانية، فهناك أناسٌ لم أتعرّف عليهم قطّ في “إفريقيا” قدّموا مساعداتٍ لمدارسنا ومستشفياتنا، -مع أننا لم نسألهم شيئًا-، وإني كلّما ولجْتُ فراشي أفكّر في أنني قد لا أستيقط مرّةً أخرى، إلا أنني لا يراودني أدنى خوف أو قلق فيما يتعلّق بمستقبل هذه الحركة.

س: هل تفكرون في العودة إلى تركيا؟

ج: أتحرق شوقًا لبلدي، فأنا إنسانٌ عاطفيٌّ، إن أهلي وأقاربي وأصدقائي في تركيا، وأنا لم أنعزل أصلًا عن أصولي وجوهري، وقد توفّي أخي قبل أسبوعين، وللأسف الشديد لم أتمكّن من حضور جنازته، ولم أحضر جنازة أحد أقاربي من قبل، أمضيت ستين عامًا من عمري في تركيا، وأنا -كإنسان عاطفيّ ذي مشاعر جيّاشة- لديّ تعلّقٌ قويٌّ بالأماكن والمناظر والأشياء التي ألفتها، وعندما تلوح أمام عيني مشاهد لقريتي “كُورُوجُوكْ ” حيث قبرُ أبي وجدّي وجدّتي ومنزلي، وكذلك كلٌّ من مدرسة “بُوزْيَقا” و”يامانْلَر” اللذين قضيت فيهما سنين طويلة، وفيهما مكتبتي وكُتُبي، وفي كل زاويةٍ من زواياهما ألف ذكرى وذكرى تخصني؛ لا أتمالك نفسي من سكب العبرات علّها تهوّن علي غربتي وحزني، لكن إن عُدت إلى تركيا في هذه الفترة قد يستغلّ وجودي هناك بعض الناس من ذوي الرتب العالية في الدولة من أجل نواياهم السيئة.

س: هل تفكرون في المصالحة مع أردوغان؟

ج: لسنا نحن من بدأ هذه الخصومة، لذا ينبغي عليهم -إن أرادوا المصالحة- أن يتّخذوا هم الخطوة الأولى للمصالحة، وإذا قال أردوغان يومًا “إن كل ما قلناه عن الخدمة عبارةٌ عن أكاذيب وافتراءاتٍ”؛ عند ذلك سأجنح أنا أيضًا إلى السلم والمصالحة.

س: هل هناك شيء يسعدكم بالرغم من كل ما يحدث؟

ج: أنا لم أشعر قطّ بسعادة طويلة الأمد، إذ تمّت ملاحقتي في تركيا عقب كلّ انقلابٍ عسكريّ، إلا أن ما أشعر به الآن أكثر وطأةً من كل ما سبق، لكن الطرف الرائع والجميل فيما يحدث هو أن الألماسَ بدأ ينفصل عن الفحم شيئًا فشيئًا، وبات العالم يعي ويُدرك جيّدًا حقيقة هذه الحركة، حركة الخدمة.

(*) هوامش ..

[1] الخدمة: اسم يُطلق على النهج الذي يتبناه فتح الله كولن ومحبوه في خدمة الإسلام والإنسانية.
[2] قررت الحكومة التركية في أواخر عام 2013م إغلاق كافة المعاهد التحضيرية المنتشرة في أنحاء تركيا، والمعاهد التحضيرية التابعة للخدمة تتفوق على غيرها من حيث النظام وجودة التعليم.
[3] حاوره: أكرم دومانلي، رئيس تحرير جريدة زمان التركية. نشرت في جريدة زمان التركية 17-21 آذار/مارس 2014م.
[4] تولى السيد رجب طيب أردوغان رئاسة الوزراء التركية في الفترة من 2003-2014م. ثم ارتقى إلى كرسي الرئاسة في الثامن والعشرين من أغسطس عام 2014م.
[5] المادة 163: مادة قانون العقوبات التركية أصدرت في 1949م. وهذه المادة المخالفة للديمقراطية تسببت في رفع الكثير جدا من الدعاوى لا سيما ضد المتديّنين الملتزمين، وقد أُلغيت في 12 أبريل 1991م من قبل المرحوم “تورغوت أوزال” رئيس الجمهورية التركية الأسبق.
[6] تورغوت أوزال: 13 تشرين الأول/أكتوبر 1927م – 17 نيسان/أبريل 1993م، كان رئيسا للوزراء في الحكومة التركية الخامسة والأربعين والسادسة والأربعين، واختاره مجلس الشعب الوطني التركي في 31 تشرين الأول/أكتوبر 1989م الرئيس الثامن للجمهورية التركية، حيث تولى رئاستها من 9 تشرين الثاني/نوفمبر 1989م حتى تاريخ وفاته.
[7] نجم الدين أربكان: 29 تشرين الأول/أكتوبر 1926م – 27 شباط/فبراير 2011م تولى رئاسة “حزب النظام القومي (MNP)” و”حزب السلامة القومي (MSP)” و”حزب الرفاه (RP)” وتولى أيضا منصب نائب رئيس الوزراء بتكوينه حكومة ائتلافية مع “بولنت أجويت (Bülent Ecevit)”، وأسس في عام 1983م حزب الرفاه، نجح في حصد أغلبية الأصوات في انتخابات عام 1996م ليترأس حكومة ائتلافية 1996-1997م مع “حزب الطريق القويم (DYP)” برئاسة “تانصو جِللر (Tansu Çiller)”.
[8] فضيحة أو حادثة “صُوصُورْلُق” (Susurluk)”: فضيحة تفجرت بسبب انكشاف وجود علاقات غير قانونية بين الشرطة وعصابات المافيا والعشائر، وظهر ذلك نتيجة حادثة مرورية وقعت في 3 نوفمبر 1996م في قضاء “صوصورلق” التابع لـ”باليكسير (Balıkesir)”. وهي من أهمّ الفضائح في تاريخ الجمهورية التركية. وفي أعقاب هذه الحادثة طالب الرأي العام بالكشف عن العلاقات غير المشروعة الدائرة في مثلث “الدولة والسياسة والمافيا”.
[9] تانصو تشيلّر: من ومواليد 23 أكتوبر 1946م، إسطنبول: سياسية واقتصادية تركية. وهي أول امرأة تركية تتولى رئاسة وزراء تركيا، وأول وزيرة خارجية في تاريخها أيضا. وبعد أن انتخب “سليمان دميرل (Süleyman Demirel)” الرئيس التاسع للجمهورية التركي رُشّحت “تانصو جيللر” لرئاسة حزب الطريق القويم (DYP)، وانتخبت في 13 يونيو 1993م رئيسا عاما للحزب؛ فصارت بذلك أول امرأة تتولى رئاسة وزراء تركيا. وقد ترأست الحكومات التركية أرقام 50 و51 و52 في الفترة من 25 يونيو 1993م إلى 6 مارس 1996م. بالإضافة إلى أنها عملت في منصب وزيرة للخارجية ونائبة لرئيس الوزراء في الحكومة رقم 54 الائتلافية التي شكلها حزبا الرفاه (RP) والطريق القويم (DYP).
[10] ادعت الحكومة أن حركة الخدمة تحاول السيطرة على نادي فنرباخجه، ولكن كشفت التسريبات التي ظهرت مؤخرا بين أردوغان ونجله بلال أن أردوغان هو من كان يدبر للسيطرة على هذا النادي.
[11] “أرجنكون (Ergenekon)” وهي منظمة سرية تتهم بقيامها بعمليات إرهابية وباغتيالات وتفجيرات وزرع عبوات ناسفة في المدن التركية ومحاولة تنظيم انقلاب على الحكومة وتتعاون مع منظمات ودول خارجية لزعزعة النظام في تركيا، تطلق عليها الدولة العميقة. بدأ أول تحقيق مع أعضاء المنظمة والذين كانوا متورطين في حوزتهم على 27 قنبلة يدوية في أحد المناطق العشوائية في إسطنبول 12 حزيران/يونيو 2007م.
[12] أرسلت نيابة إسطنبول ذات الصلاحيات الخاصة كتابا رسميّا في 7 فبراير 2013م إلى النيابة العامة بـ”أنقرة” من أجل استجواب “خاقان فيدان (Hakan Fidan)” مستشار جهاز الاستخبارات القومية التركية (MİT) في تحقيقات قضية اتحاد الجماعات الكردية (KCK) إحدى منظمات حزب العمال الكردستاني (PKK) الإرهابي. وعليه تحركت الحكومة بسرعة البرق فأعدت قانونا خاصّا لصالح “خاقان فيدان” وقدمته للبرلمان http://www.milliyet.com.tr/jet-hiziylaimzalandi/siyaset/siyasetdetay/18.02.2012/1504545/default.html.
يقضي هذا القانون المقترح بأن يخضع التحقيق مع مستشار جهاز الاستخبارات للحصول على إذن رئيس الوزراء مباشرة. وقد صدق البرلمان التركي على القانون في 17 فبراير 2012م، ورفع إلى رئيس الجمهورية وقتها السيد عبد الله كول (Abdullah Gül)ProspectErgenekonKCKan FidanmirelJournal للتصديق عليه، فصدّق عليه في اليوم الذي رفع إليه.
[13] ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾(آلِ عِمْرَان:161).
[14] في الفترة التي وقعت فيها هذه الأحداث كتب أحد الاكاديميين المعروف بتبنيه لأفكار الحكومة مقالة لدعم الحكومة واستدل ببعض القواعد الكلية التي أوردتها مجلة الأحكام العدلية.
[15]صحيح البخاري، المظالم والغضب، 4.
[16]نشر الموقع الإلكتروني (www.herkul.org) بتاريخ 20/12/2013 حديثًا للأستاذ محمد فتح الله كولن تطرق فيه إلى بعض المسائل، وختمه بالمباهلة.
ذكر الأستاذ فتح الله كُولَنْ في حديثه أنّ مِن مظاهر الشفقة بالمؤمنين العمل على الحدّ من سيئاتهم وأخطائهم -كتأديب الأب ولده على خطأٍ ارتكبه- أما ما يجب على المؤمن في تعامله مع الآخرين فهو أن يكون قرآنيّا في تعامله معهم أيا كانت تصرفاتهم، وأن يسير على نهج السنة الصحيحة، وألا يزيغ عن هدي الخلفاء الراشدين.
وأكد فضيلته على أن استغلال وسائل الإعلام في الافترائات على جماعةٍ بأكملها جرمٌ عظيم، غير أن ما يجب علينا هو التحلي بـ”الصبر الجميل” إزاء ما يقوم به البعض من محاولاتٍ للقضاء على الذين نذروا أنفسهم للخدمة في سبيل الله وأن ندعو الله قائلين: ﴿رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾(الْمُمْتَحَنَة:4)، فلا نتعامل بالمثل مع تصرفاتهم غير اللائقة واللاأخلاقية.
وأضاف الأستاذ كولن أن الاشتغال بعيوب الآخرين أمرٌ لا يليق بالمؤمن، كما أن التفتيش عن تقصيرات الأفراد شيء لا تُقرّه المبادئ الأساسية للقرآن الكريم والأسس المستنبَطة من السنة الصحيحة ونظام الفقه الإسلامي. غير أن الذنوب الناجمة عن الاعتداء على حقوق الآخرين؛ يعني حق الناس -وبالتالي حق الله سبحانه وتعالى- لا يغتفره الفقه الإسلامي ولا النظم القانونية الحديثة.
ونبه الأستاذ فتح الله كُولَن على ضرورة عدم الخلط بين الأمرين، وتابع قائلا:
“أما أساس الحكم في “قضية الفساد” فهو أنه ليس بالإمكان غض النظر عن قضية التعدي على حقوق الناس وإن كان قيد شعرة. ومَن يغض بصره عمّا يجري مع علمه به، يعني أنه شريك لهؤلاء في هذه السرقات والتعديات”.
وفيما يلي ما قاله الأستاذ فتح الله كُولَن وصورتْه وسائل الإعلام للناس على “أن الأستاذ يدعو بالويل والثبور على خصومه”:
“إنني هنا أريد أن أقول شيئا لم أتلفظ به من قبل قط، وما أردتُ أن أقوله لأن شعارنا العامّ كما يقول الدكتور محمد إقبال والأستاذ بديع الزمان سعيد النُّورْسي هو عدم التأمين على الملاعنة والدعاء على الآخرين.
فلو أنّ مَن ينسبونهم إلينا -ولا أعرف واحدا في الألف منهم- قاموا بالكشف عن قضايا الفساد بما خولتْه لهم صلاحياتهم، ثم ادّعوا أنّ الحملات التي يقومون بها تجري في إطار القانون والنظام والدين والديمقراطية، فإنني أقول -معتبرا أننا منهم لأنهم ينسبونهم إلينا- أن هؤلاء لو قاموا بالفعل بأعمال تتنافى مع روح الدين ومع المبادئ الأساسية للقرآن الكريم والسنة الصحيحة والفقه الإسلامي والقانون الحديث ومفاهيم الديمقراطية الحديثة فإنني أدعو الله تعالى أن يخسف بهم وبنا الأرضَ وأن يحرق بيوتنا ويهدمها على رؤوسنا حتى نتطهر من ذنوبنا ولا يبقى للقاذورات التي علقت بنا أثرٌ في الآخرة.
ولكن إن كان الأمر غير ذلك وحاول الآخرون تشويه سمعة هؤلاء الموظفين بأن غضّوا النظر عن اللص وأدانوا الذي أمسكه، وتجاهلوا الجرم ونسبوه إلى الأبرياء فإنني أدعو الله قائلا:
“اللهم حرّق بيوتهم واهدمها على رؤوسهم، اللهم فرق جمعهم، واحبس مشاعرهم الخبيثة في صدورهم، وحُل بينهم وبين ما يكيدون.
اللهم اهزمهم وزلزلهم وشتت شملهم وفرق جمعهم ومزقهم كل ممزق واجعل بأسهم بينهم وانصرنا عليهم يا أرحم الراحمين بحق ذاتك وبحق صفاتك وبحق أسمائك الحسنى وبحق وبحرمة اسمك الأعظم وبحق وبحرمة سيدنا محمد المصطفى وبحق وحرمة مَن له شفاعة وحرمة عندك يا أرحم الراحمين يا ذا الجلال والإكرام”
لم أتلفظ بهذا من قبل، ولكني أُرغمت على قوله. لقد كشّر هؤلاء أنيابهم وأسالوا لعابهم وأثاروا الناس ضدنا وشحنوا مواقع التواصل الاجتماعي بهذه الأفكار اللعينة حتى أجبروني على قول شيء لم أرغب في قوله من قبل.
“إن الله تعالى يحيط علمه بكل شيء، وأمثالي في هذه الدنيا لا يملكون شيئا من حطام الدنيا. منذ ستين سنة ويعرض عليّ الكثير من أعمال الدنيا، لكني كنت أدعو الله قائلا: “اللهم لا تخلّص أشقائي وأقربائي من العمل في المصانع وعند الآخرين، اللهم لا تُخزني بهم”. فعملوا عمالا وتقاعدوا وهم عمّالٌ أيضا، لا يمتلكون شيئا، فمعظمهم يقيم حتى الآن في بيتٍ بالإيجار. هذا ما ارتأيتُه لنفسي وإخوتي وأقربائي. ولقد ظل هذا ديدني طوال السنوات الثلاث التي أقمتها في شرفة المسجد أو الست سنوات التي بِتّها بلا فراشٍ في الكوخ الخشبي (الذي بجانب الكتّاب الذي كان مديرا فيه)؛ وذلك حتى لا أركن إلى أي شيء من متاع الدنيا وزخارفها. يشهد الله على ذلك. غير أن هؤلاء ارتكبوا العديد من السرقات واستولوا على أموال الشعب، فهؤلاء وإن بدوا مسلمين إلا أنه ينبغي ألا ننسى أن أعمالهم ستُفتضح في الآخرة. لقد حطم هؤلاء مع الأسف قلب الكثير من المؤمنين، وكما يقول الشاعر التركي يونس أمره:
القلب عرش الرب،
وهو مطّلع عليه،
فمَن حطّمه
مُني بالتعاسة في الدارين
وأنا لا أستثني نفسي وإخواني من هذا أيضا، وعلى الباغي تدور الدوائر”.
[17] تحدث “رجب طيب أردوغان” فيما نظّمه “حزب العدالة والتنمية” من لقاءات في مدن تركية مختلفة قبل الانتخابات المحلية في 30 مارس 2013م وانتخابات رئاسة الجمهورية في 10 أغسطس 2014م، وأوصى بمقاطعة المدارس والمراكز التعليمية الخاصة بـ”الخدمة” قائلا: “لا تذهبوا إلى مراكزهم التعليمية، ولا إلى مدارسهم، اسحبوا أولادكم من هناك، وقولوا: تكفينا المدارس الحكومية! ونحن سوف نقدم دروس التقوية في المدارس الحكومية”.
[18] أحداث “منتزه كيزي (Gezi)”: بدأت احتجاجات “منتزه كيزي في ميدان تقسيم” في تركيا في 28 مايو 2013م. في البداية، قاد ناشطون بيئيون الاحتجاجات ضد إزالة أشجار في ميدان تقسيم وإعادة إنشاء ثكنة عسكرية عثمانية (هدمت في 1940م) تحدثت تقارير عن أنه من المقرر أن تضم مركزًا تجاريًا. تطورت الاحتجاجات إلى أعمال شغب بعد أن هاجمت قوات الشرطة المحتجين ونتج عن ذلك أن أعمال الشغب والمظاهرات أصبحت ضد الحكومة وخصوصا بعد إعلان تصريحات أردوغان بإصراره على إقامة هذه المنشآت في هذا الميدان وعلى إثر ذلك عمّت تلك المظاهرات والاحتجاجات جميع محافظات التركيا وخاصة أنقرة وإزمير. كما صرح وزير الداخلية التركية في 23 حزيران/يونيو 2013م أن تلك المظاهرات والاحتجاجات شارك فيها قرابة 2.5 مليون على حد زعمه، ونتج عن تلك الاحتجاجات قتل عشرة مواطنين مدنيين وإصابة 8000 مدني.
[19] “بيت الجمع” اسم يطلق في تركيا على المكان الذي يمارس فيه العلويون طقوس الذكر، وأما المشروع المذكور هو مشروع إنشاء مسجد وبيت جمع جنبا إلى جنب. ويهدف الأستاذ فتح الله كولن من وراء هذا المشروع إلى إزالة التوتر العلوي السنّي في تركيا، وإزالة الاختلاف بينهما بكسر مظاهر الخشونة والحدة بين العلويين والسُّنّة، وأن يتعرف الجانبان على بعضهما عن قرب أكثر وبشكل صحيح.
[20] انظر هامش رقم 16.
[21] زعم “يالتشين آق دوغان (Yalçın Akdoğan)” المستشار السياسي لرئيس الوزراء التركي بأن الجماعة تآمرت على قادة الجيش المحبوسين على ذمة قضية “أرجنكون”.
[22]سعيد النورسي: سيرة ذاتية، دار النيل للنشر، 2011م، ص 491-492.
[23] وفي الثامن والعشرين من شهر يوليو عام 2011م قال “حسين شاهين” نائب حزب العدالة والتنمية أمام جماعة من حزبه: “إن بعض أصدقائنا قابل السيد رئيس الوزراء وصافحه، وإنني أرى أن مجرد لمس سيادة السيد رئيس الوزراء تعتبر عبادة بالنسبة لي”. وعلى نفس الشاكلة ذكر “فوائي أرسلان” نائب حزب العدالة والتنمية في مدينة “دوزجه” في الخامس عشر من يناير عام 2014م “أن السيد رئيس الوزراء زعيمٌ اجتمعت فيه -حاشا لله- كل صفات الله”.
[24] انتخابات 30 مارس 2013م المحلية.
[25] وجه أردوغان هذه الدعوة في الحفل المقام بمناسبة افتتاح الدورة العاشرة لأولمبياد اللغة التركية في الرابع عشر من يونيه عام 2012م.
[26] لقد روّج السيد أردوغان وبعض المنحازين المتطرفين أن الأستاذ عندما يفكر بالعودة فسيعود مثل عودة “الخميني” إلى إيران أيام الثورة الإيرانية.
[27] هذا المسجد في مدينة “أدرنه”، حيث تولى الأستاذ وظيفة الإمامة لأول مرة أيام شبابه.
[28] تُبثُّ أحاديث ومواعظ الأستاذ فتح الله كولن في موقع (www.herkul.org)، إلا أنها لم تنشر منذ الأسبوع الأخير من شهر ديسمبر 2013م وحتى 04 أغسطس 2014م.
[29] حيث وقع أول انقلاب عسكري في تركيا في 27 مايو 1960م.
[30] حيث وقع الانقلاب العسكري الثاني في الجمهورية التركية الحديثة في 12 مارس 1971م.
[31] وقع الانقلاب العسكري الثالث في 12 سبتمبر 1980م الذي تزعمه الجنرال “كنعان أَوْرَنْ (Kenan Evren)” مع مجموعة من الضباط الذين تبنوا فكرة حماية المبادئ الأساسية للجمهورية التركية. جدير بالذكر أن من قاموا بهذا الانقلاب قد حوكموا لأول مرة في محكمة مدنية في 18 يونيه 2014م، حيث قضت المحكمة الجنائية العاشرة بـ”أنقرة” التي تنظر القضية بالحبس المؤبد على الرئيس السابع “كنعان أورن” قائد الانقلاب و”تحسين شاهين قايا” قائد القوات الجوية في عهده.
[32] انظر: بديع الزمان سعيد النُّورْسِي: اللمعات، ص 224.
[33]كتب السيد “عثمان شيمشك (Şimşek)” محرر الموقع الإلكتروني (www.herkul.org) الذي ينشر أحاديث الأستاذ فتح الله كولن مقالا بعنوان: “زيارة أردوغان بنسلفانيا” وخطاب 2006م” وقد تعرّض “شيمشك” في مقاله إلى خلفية الخطاب الذي أرسله الأستاذ الفاضل فتح الله كولن إلى السيد رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان آنذاك:
“دارت على ألسنة الناس شائعات تقول إن حزب العدالة والتنمية في تركيا قد انحرف عن المنهج، ويضطلع بمخططات من شأنها القضاء على المتدينين في تركيا. وبناء على ذلك قال لنا الأستاذ فتح الله ذات يوم:
“ماذا سيكون -يا ترى- ردّ فعل السيد رئيس الوزراء إن أرسلتُ له خطابا؟”.
وقد أفصح عن نيته هذه عدة مرات خلال يوم أو يومين، وفي النهاية استكتبَ أحدَنا هذا الخطابَ في منتصف الليلة الثانية من شهر مايو عام 2006م، وبعد صلاة الصبح رغب في قراءته عليه مرة أخرى. وكان الأستاذ يستمع إلى الخطاب وهو منكس الرأس والدموع تنساب على وجنتيه، ثم رفع يده بالدعاء قائلا:
“اللهم إنك تعلم أنني أقوم بوظيفة الإنذار والإرشاد كمؤمنٍ ليس إلا، وليس لي غاية إلا رضاك يا ربي”.
إنني ما زلت أتذكّر هذه الصورة وكأنها ماثلة أمامي الآن.
أما بالنسبة لخطاب الأستاذ كولن فهو على النحو التالي:
“إنني أقول مع الأسف إن هذه الخطوة الخطيرة التي أقدمت عليها الحكومة قد خلّفت جروحًا غائرة في قلوب المسلمين. فما كان من بعض أصحاب الأفكار والمشاعر والقلوب السليمة إلا أن حبسوا مشاعرهم في صدورهم ثقةً فيكم وتعويلًا عليكم، لكن الأمر ليس كذلك بالنسبة للبعض الآخر الذي يكنّ لكم كذلك كل حب وتقدير. ولكم أن تعتبروني من ضمن أصحاب القسم الأول الذين يئنون ألما في نفوسهم وإن كانوا لا يظهرون مشاعرهم لغيرهم. إن “قانون مكافحة الإرهاب” الذي تعتزمون إصداره يشبه المادة 163 التي كانت كسيفِ “ديموكلاس” المسلّط دائما على رقاب المسلمين. وبدهي أن هذا القانون لو صدر بشكله الحالي سيكون بمثابة المِشرط الذي يعمّق هذا الجرح الأليم.
فضلا عن ذلك فإن عدم اتخاذكم موقفا واضحا إزاء قضية الحجاب (كان الحجاب آنذاك ممنوعا في المؤسسات الرسمية وفي كل المدارس) ورفع الأغلال عن مدارس الأئمة والخطباء، سيصيب الآخرين الذين يعولون عليكم في حل هذه المشاكل بخيبة الأمل. فالآمال التي علّقوها عليكم في هذا الموضوع توشك أن تنطفئ، وربما تعتبر الأمة هذا فشلا ذريعا، أو تصفه دعايات خصومكم بالعجز عن الحل…”
[34] أجرى الحوار: تيم فرانكس وكوني يلديز، بي بي سي، 27 كانون الثاني/يناير 2014م.
[35] انظر: بديع الزمان سعيد النُّورْسِي: سيرة ذاتية، ص 475.
[36] نشر الموقع الإلكتروني التركي (www.t24.com.tr) وثيقة في 05 يناير 2014م، كشف فيها عن أن الاستخبارات التركية أعدت في 18 أبريل 2013م تقريرا من 3 صفحات مشفوعًا بالوثائق، أخبرت فيه رئيس الوزراء -حينها- رجب طيب أردوغان بعلاقة رجل الأعمال الإيراني “رضا ضراب” ببعض وزراء حكومة العدالة والتنمية وأبنائهم: http://t24.com.tr/haber/8-ay-onceki-mit-raporu-bakanlarin-zarrabla-iliskisi-ortaya-cikarsa,247680
[37] انظر: العجلوني: كشف الخفاء، 2/57-58.
[38] سنن الترمذي، صفة القيامة، 25.
[39] ذكر فضيلة الأستاذ فتح الله كولن في حديثه المنشور على موقع (www.herkul.org) بعنوان “في سبيل الصلح دائما” أنه يؤيد عملية السلام التي تقوم بها الحكومة في المسألة الكردية تأييده كل عمليات الصلح والسلام، انظر: (http://www.herkul.org/herkul-nagme/398-nagme-her-zaman-sulh-yolunda).
[40] مباحثات أوسلو (Oslo): مباحثات ثنائية جرت بين “حزب العمال الكردستاني” والاستخبارات التركية. وليس من المصرح تماما متى بدأت وهل انتهت أم لا؟ تلك المباحثات التي أجريت في مدينة “أوسلو” العاصمة النرويجية. وقد نشر قسم من تسجيلات المباحثات في أحد المواقع المقربة من حزب العمال الكردستاني.
[41] جميل بايق (Cemil Bayık) اسمه الحركي هو “جُمْعَة”. وهو أحد الخمسة المؤسسين لحزب العمال الكردستاني الذين لا يزالون على قيد الحياة. يشكّل هو ومراد قارا يلان (Murat Karayılan) وباخوذ أردال (Bahoz Erdal) مجلس إدارة حزب العمال الكردستاني. فضلا عن أنه أحد أعضاء المجلس التنفيذي لمنظمة اتحاد الجماعات الكردية، وله تأثير على المنظمة من الناحية العسكرية والأيديولجية لا يزال مستمرا.
[42] فهمان حسين (Fehman Hüseyin)، يعرف حركيا باسم “الطبيب باخوذ أردال”. وهو أحد القادة رفيعي المستوى في حزب العمال الكردستاني. درس الطب في دمشق. وتولى هو و”مراد قارا يلان” و”جميل بايق” إدارة ومراقبة تشكيلات المنظمة عقب القبض على “عبد الله أوجلان” في 1999م.
[43] عمل الأستاذ “يَشَارْ توناكور (Yaşar Tunagür)” 1924-2006م نائبا لرئيس الشؤون الدينية في الفترة ما بين 1965-1972م في تركيا. وقد تعرف إلى الأستاذ فتح الله كولن حين كان مفتيا في مدينة “أدرنه”.
[44]  انظر هامش رقم 23.
[45] اسم يطلق على الأحداث التي وقعت نتيجة خلافات بين الحكومة المركزية وعشائر “درسيم (Dersim)” في 1937-1938م؛ حيث قام الجيش بتنظيم مجموعة من العمليات العسكرية بهدف بسط سيادة الدولة في “درسيم”. وقد قتل خلال هذه الأحداث أكثر من 13000 مدني و110 جنود، وهُجّرَ ما يقرب من 12000 مواطن قسرا.
[46] الرسالة التي أرسلها الأستاذ فتح الله إلى رئيس الجمهورية التركية آنذاك عبد الله كول. (انظر عنوان “خطاب من الأستاذ فتح الله كُولَنْ إلى الرئيس التركي”عبد الله كُول” من هذا الكتاب)
[47] أوليمبياد اللغة التركية والثقافية هو مسابقة في اللغة التركية بدءا من عام 2003م وهي مخصصة للطلبة الذين تعلموا اللغة من مختلف أرجاء العالم. يتنافس المشاركون فيما بينهم في مدى إجادتهم للقواعد اللغوية والكتابة والقدرة على التحدث بطلاقة وكذلك معرفة الثقافة والفنون التركية كسرد القصائد والأدبيات والغناء والمسرح.
[48] حاوره: “جو باركينسون (Joe Parkinson)”، و”جاي سولومون (Jay Solomon)”، 21 كانون الثاني/يناير 2014م، نشرت في جريدة “وول ستريت جورنال (The Wall Street Journal)” الأمريكية.
[49] أعدّت حكومة “حزب العدالة والتنمية “مسودة قانون من أجل تعديل وتغيير قانون مكافحة الإرهاب (TMK) عام 2005م. وكانت أعمال مسودة القانون التي بدأ إعدادها برغبةٍ من بعض القادة رفيعي المستوى تحمل في طياتها معنى مفاده إلغاء الكثير جدا من المكتسبات الديمقراطية. كما كانت المسودة المحتوية موادّ مثل “الإرهاب الفردي/الشخصي” و”المنظمة الإرهابية غير المسلّحة” تتضمن فخاخا خطيرة للمسيرة الديمقراطية.
وقد صدرت جريدة “زمان” في عددها بتاريخ 8 سبتمبر 2005م تحمل عنوانا رئيسا “التدابير الواردة في مسودة قانون مكافحة الإرهاب تذكّر بفترة الأحكام العرفية”. حيث وُسِّع تعريف الإرهاب. وفي الأيام التالية لذلك العدد طرح الموضوع في عناوين الصحف الرئيسة، وتم التأكيد على أن المواد أرقام 141 و142 و163 المنافية للديمقراطية أدرجت الفكر مجددا ضمن الجريمة. فتحركت منظمات العمل المدني بناء على ما نشرته “زمان” من أخبار، وتعرضت الحكومة والبيروقراطية لضغط شديد من الرأي العام ولا سيما من المنظمات الحقوقية. وفي أعقاب ذلك أدركت حكومة العدالة والتنمية خطأها؛ فسحبت مسودة القانون.
[50] تأسست مجموعة شركات “قوج (Koç)” القابضة عام 1926م. وهي أول مجموعة شركات قابضة في تركيا، بل وأكبر مجموعة شركات في تركيا اليوم من حيث عدد العاملين فيها وصادراتها ووارداتها. كما أنها تأتي رقم 217 على مستوى العالم. يعمل فيها أكثر من 80.000 موظف. وتحتل عائلة “قوج” المرتبة الأولى بين أغنى العائلات التركية.
[51] تأسست مجموعة شركات “دوغان (Doğan)” القابضة عام 1959م. وقد بدأت نشاطاتها في مجال صناعة السيارات. ومن ضمن المجالات التي تعمل فيها مجموعة الشركات هذه الصناعة والتسويق العقاري والسياحة والخدمات المصرفية والتمويلية إلى جانب الإعلام والطاقة وقطاعات تجارة التجزئة. رئيسها الشرفي هو السيد “آيدِن دوغان (Aydın Doğan)”، وهو يوفر فرصة عمل لأكثر من 23.000 شخص.
[52] تأسست مجموعة شركات “قوزا (Koza)” القابضة للصناعات الحريرية عام 1948م، وقد بدأت أعمالها في مجال الطباعة. وهي تُظِلُّ في تركيا اليوم أكثر من 20 شركة تعمل في قطاعات مختلفة جدا.
[53] تاسست مجموعة شركات “بويداق (Boydak)” القابضة في مدينة “قيسري (Kayseri)” عام 1957م، ولا تزال تواصل أعمالها بشكل رائد في كثير جدا من المجالات. وتمتلك المجموعة 45 شركة تعمل في 8 مجالات مختلفة؛ منها شركة “استقبال” إحدى أهم الشركات العاملة في قطاع الموبيليا بصفة خاصة. يعمل بها ما يقرب من 14 ألف عامل، ولديها 2000 وكيل منتشرين في عموم تركيا، وهي بذلك واحدة من أهم مجموعات الشركات القابضة في تركيا. وتصدر منتجاتها لأكثر من 140 دولة، كما أن لديها 316 وكيلا خارج تركيا تواصل من خلالهم أعمالها هناك.
[54] شركة بنك آسيا المساهمة: تأسست في 24 أكتوبر 1996م، وتُعتبر المؤسسةَ المصرفية الخاصةَ السادسة في تركيا، وهي أهم مؤسسة مصرفية غير ربوية تعمل في المجال المصرفي في تركيا، وتواصل أعمالها عبر 282 فرعا بنهاية يوليو 2013م.
[55] تولى السيد “عبد الله كُول” رئاسة الجمهورية التركية ما بين 28 أغسطس 2007- 28 أغسطس 2014م. ونظرا لفوز “رجب طيب أردوغان” في انتخابات رئاسة الجمهورية 2014م فقد عقد “حزب العدالة والتنمية” مؤتمره الطارئ الأول حيث سيترك “أردوغان” رئاسة الحزب العامة ورئاسة الوزراء. وفي هذا المؤتمر الذي عُقد قبل انتهاء مدة ولاية “عبد الله كُول” بيوم واحد 27 أغسطس 2014م أصبح “أحمد داود أوغلو (Ahmet Davutoğlu)” المرشح الوحيد لتولي منصب الرئيس العام لحزب العدالة والتمنية ورئيسا للوزراء.
[56] حوار أجراه الصحفي الإيطالي (Ansaldo Marco) مع الأستاذ فتح الله كولن، نشر في الجريدة الإيطالية (La Repubblica) (الجمهورية) في تاريخ 28 آذار/مارس 2014م.
[57] وفقا للخبر الذي بثه الموقع الأخباري الإلكتروني التركي ت24 (www.t24.com.tr) في 6 فبراير 2014م أجرت إحدى شركات استطلاع الرأي وتسمى “قوندة (Konda)” استطلاعا كشف عن أن 77% من الشعب يعتقد أن أبناء الوزراء حصلوا على رشاوي. ويفيد الاستطلاع أيضا أن نسبة من يصدقون ادعاءات الاختلاسات بلغت 62%.
[58] جمعية “هل مِنْ مُغِيث؟ (Kimse Yok Mu?)” إحدى جمعيات العمل المدني العالمية المؤسسة في 03 يناير 2002م، ويعمل معها عشرات الآلاف من المتطوعين، وهي تقدم المساعدات الإنسانية في كل أنحاء العالم دون أدنى تميز بسبب الدين واللغة والعرق والنوع.
وتواصل الجمعية نشاطاتها وفعالياتها في محافظات تركيا ال 81 عبر 40 فرعا لها، وفي 110 دول بالعالم. وهي عضو استشاري بالمجلس الاقتصادي والاجتماعي للأمم المتحدة (ECOSOC). وقد فازت الجمعية في 10 يوليو بـ”جائزة البرلمان التركي لأفضل الخدمات المقدمة”. ومنذ عام 2010م وحتى اليوم وهي تعمل بالتعاون مع المفوضية العليا للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR) من أجل توفير احتياجات اللاجئين في تركيا في مجالات مثل الصحة والتعليم والغذاء. وجمعية “هل مِنْ مُغِيث؟” العاملة في كل الأماكن والظروف التي يُتعرَّضُ فيها للفقر والحاجة تمثل وسيلة لحل ثابت ودائم لكثير من مشكلات أصحاب الاحتياجات في تركيا وخارجها على حد سواء في مجالات مثل المساعدات الإنسانية والمساعدات الثابتة ومساعدات الأزمات والظروف الطارئة والتعليم والصحة ومساعدة الأيتام وتوفير المياه النقية.
وتأتي فلسطين وغزة على رأس المساعدات التي تقوم بها الجمعية خارج تركيا. ومنذ 2006م وحتى الآن تزداد تدريجيا فعاليات المساعدات والمعونات التي تقدمها الجمعية في المنطقة. قدمت الجمعية حتى اليوم مساعدات إنسانية عينية لفلسطين بقيمة 6 ملايين دولار، كما دعمت المنطقة وساعدتها في الشهور الأخيرة فحسب بما قيمته مليون و250 ألف دولار. كما أن الجمعية خصصت 1.5 مليون دولار أخرى لأهالي غزة، ولا تزال تواصل أعمالها في تضميد جراح المنطقة.
وقد اكتسبت صفة “الجمعية العاملة للصالح العام” بقرار مجلس الوزراء الصادر في 19 يناير 2006م. كما حصلت بقرار مجلس الوزراء الصادر في 6 فبراير 2007م على صلاحية “جمع التبرعات دون تصريح”، إلا أن هذه الصلاحية أُلغيت من التنفيذ بقرار مجلس الوزراء الصادر في 22 سبتمبر 2014م؛ فقامت الجمعية برفع دعوى قضائية ضد هذا القرار الأخير لدى محكمة مجلس شورى الدولة في 2 أكتوبر 2014م تطالب فيها بوقف القرار من التنفيذ، وبالفعل تم إلغاء القرار.
[59] حوار أجراه الصحفي الألماني (Schlötzer Christiane) مع الأستاذ فتح الله كولن، نشر في الجريدة الألمانية (Süddeutsche Zeitung) في تاريخ 14 ديسمبر/كانون الأول 2014م.
[60]شتازي هو وزارة أمن الدولة في ألمانيا الشرقية (سابقا) المعروف اختصارا بـ “شتازي” وهي اختصار للكلمة الألمانية (Staatssicherheit).

جريدة الشرق الأوسط، 24-25 آذار/مارس 2014م.