من لا يُتقِن فنّ السؤال هو مُجرَّد صانع كلمات لا أقلّ ولا أكثر، وربّما كان يُركِّب للفكر طقمًا فاسدًا. ما الداعي إلى هذا الحكم الساخر؟ هناك عديدٌ من الأسباب التي تُحتِّم وجودَه، ولعلّ في مقدِّمتها هذه اللحظة الملتبسة من تاريخ الفكر العربيّ التي صار فيها كلُّ شيء مُرتهنًا بالقدرة على إتقان العلاقات والولاءات وتملّق الإعلام في صنوفه المختلفة، كما صار فيها كلُّ شيء مُباحًا، بما في ذلك انتحال الصفات العلميّة، وسرقة جهود الآخرين، والتنطع الفارغ من دون خجل، والادعاء الكاذب.

ويكفي تتبع ما يصدر من الكتب الشبيهة بكتب الطبخ، ومن المقالات التي لا تختلف في نبرتها عن الوصفات الجاهزة للأكلات الخفيفة، لإيجاد المبرِّرات الكافية لتسويغ ما نود مناقشته هنا. وسأكتفي في هذا النطاق بسببين نظرا لما لهما من أهمّية في ما نروم مُطارحته في هذه المقالة من أفكار. ولنتّفق منذ البداية على أنّ أحدهما أيديولوجيّ، وثانيهما معرفيّ، وإن كان من الصعب الفصل بينهما، فلا بأس، فلعلّ الرغبة في الإفهام تسمح بهذا.

وأوّل ما أوّد مناقشته هو الانطلاق- في كثير من الكتب والمقالات- من أسئلة لها طابع الحكم المسبق؛ وهذا في حد ذاته يُعَدُّ سلوكًا غير معرفيّ، بل إيديولوجيًّا. وتقتضي الضرورة العلمية أن لا بدّ من أن يصدر أيُّ حكم عن فحص مبني وفق مقتضيات علميّة. وكلّ إخلال بهذا الشرط ينعكس على طبيعة السؤال نفسه؛ إذ يُحوِّله إلى أسئلة مُصطنعة مُستنبطة من حكم قبلي. وينجم عن تغييب إنتاج الأسئلة في ضوء أحكام مبنية على أساس من المعرفة ووسائلها وشروطها الدقيقة فكرٌ مُغالطٌ- خاصّة في ظلّ الظرف العلمي والثقافيّ الذي نعيشه اليوم- يُساهم على نحو فعّال- عن وعي أو عدمه، في إنتاج ثقافة الرأي التي تجعل الحابل مُختلطا بالنابل، وتُكسب ما لا قيمة له قيمةً، وتجعل الشخص يدخل إلى رحاب الفكر من النافذة لا من الباب، وتُشجع التجاسر على المعرفة من غير تسلّح بالأدوات اللازمة، والإحاطة بشروطها، ومبادئها، وتخلق تساويًا في القدْر بين من يعلم ومن لا يعلم. وكلُّ من يُساهم في صناعة عكاكيز لمثل هذا التصرّف يُعَدُّ مُنتِجًا- عن قصد وسابق إصرار- للمُستقبل المظلم الذي يُراد لهذه الأمّة على صعيد الفكر، بل أحدَ صنّاع الثقافة التي يُروَّج لها اليوم في العالم العربيّ، والتي من مُقوِّماتها: التبسيط، ومُحاربة الفكر الرصين، وتبخيس كلّ معرفة نقدية، والحط ّمن كل تطلّع إلى بناء المواطن المشبع بثقافة السؤال التي لا تكتفي بالقناعات، وإشاعة الأحكام المستنِدة إلى الرأي المشترك والمعمَّم من الأفكار والانشغالات المستهلكة التي (لا تودي ولا تجيب). ولا يكمن الإيديولوجي في مثل هذا الوضع في الأفكار ذاتها بقدر ما يكمن في طرائق صياغتها، وفي الغايات من تعميمها؛ فليس بريئًا أن تُعمَّم في لحظة مُعيَّنة أفكارٌ مُحدَّدة، وتُسخَّر في تعميمها أقلام بعينها سبق أن هُيّْئَت، ثمّ عُمِّدت وكُرِّست. فقبل أن تعمَّم الأفكار وطرائق تناولها لا بدّ من تعميم المبشِّرين بها؛ ومن ثمّة يكتسي تعميم الأفكار شرعيته من «شرعية» من يكتب عنها وحولها. ومن ضمن هذا ينبغي فهم كيف يتلاحق الهجوم على فنٍّ ما (الرواية بالخصوص)، وتشجيعه من قبل مُؤسَّسات بعينها في الآن نفسه. فهذه الأخيرة تتبنّاه لأنّه مُهدِّد لها من طريق تحويل مجراه الحقيقيّ بإخضاعه لشروط ضمنيّة غير مُعلن عنها، ويعمل الحكم الفكريّ المنتج للسؤال المصطنع على الحطّ منه بطريقة دموع التماسيح؛ أي الدفاع عنه وفق نمطية لا يتقبّلها هذا الفنّ لأنّه غير معياريّ أصلًا حتّى نفرض عليه قواعد تحدّ من حرّيته شكلًا ومحتوى وحجمًا. فلا يُعقل في مجال الفكر الارتهانُ بصيرورة غير صيرورته، ولا مُبرِّر فيه لبناء سؤاله إلّا في ضوء الطابع الإشكاليّ الذي يسمح له بأن يكتسب علميته. وكلّ سؤال لا يُعلِّق الحكم (ليس بالضرورة أن يستند في هذا الجانب إلى اشتراطات الأسلوب الظاهراتيّ، ولا يضع المضمرات المسبقة (المبادئ المُوجِّهة) في إطار إشكاليّ، لا يخرج عن المذهبية؛ ومن ثمّة يجد نفسه خادما لإيديولوجيا مُحدَّدة.

ويشترط القيد المعرفيّ في السؤال الحقّ ألا يُطرح إلّا في حالة الاستناد- في مُعالجته- إلى معرفة دقيقة بموضوعه، والإحاطة الوافية بالمعطيات التي تتعلّق به. هذا فضلًا عن ضرورة تملّك الخبرة بما هو سؤال مركزيّ إشكاليّ تتأسّس بموجبه الإضافة المعرفيّة، وبما هو ليس كذلك، ولا تتعدّى جدواه كونه موضوعًا في خدمة غيره من الأسئلة؛ فمن المعيب أن يُطرح- في مجال المعرفة – سؤال خادم في هيئة سؤال مركزيّ، ويجعل هذا الأخير تابعًا له؛ حيث تقلب الأولويات، ويصير الأساس ثانويًا، والثانوي أساسًا. ومن شأن تصرّف «معرفيّ» من هذا القبيل أن يُفضي إلى بناء معرفة مُزيَّفة ومغلوطة. وممّا لا ينبغي التساهل فيه- في هذا النطاق- عدم مُراعاة الحقل المعرفيّ الذي يُطرح فيه السؤال؛ فلا عذر في هذا، إذ يتطلّب كلّ مدار خطابيّ خاصّ بحقل مُعيَّن شروطًا مُحدَّدة لصياغة الأسئلة المتعلِّقة به، إِلَّم يُكُن من الأفيد تعميم هذا الشرط ليشمل طبيعة الإجابة فيه، ومن الأمثلة على خرق هذا الاتصاف العلميّ صياغة السؤال على نحو مجازيّ في مجال لا يتحمّل المجاز مثل استخدام «الوليمة» أو «الشبع» أو «الرشاقة» أو «المجاعة» أو «البدانة» أو «النحافة» في التنظير لقضايا شائكة تتطلب من الوضوح ما به تصير مفهومة. ومن الضوابط الأسس في صياغة السؤال ضرورة تمييز السؤال الميدانيّ من السؤال النظريّ، فلا يُمْكِن اعتماد السؤال النظريّ في معالجة قضايا ميدانية صرف. واتّصاف من هذا القبيل لا يُمْكِن للسؤال أن يكُون فيه دقيقًا إلا إذا روعيت الوسائل المطلوبة في اﻹجابة عنه، التي تُحدِّد بدورها طبيعتَه وشكلَ استعماله. فما يتطلّبه السؤال النظريّ من عُدَّة في اتّصاله بموضوعه يختلف عمّا يتطلّبه السؤال الميدانيّ؛ فمن الأسئلة ما لا يُكتفى فيها بالتأمل النظريّ، ووجهات النظر الشخصيّة، كأن يبني المرء سؤال مُشكلة العزوف عن القراءة في ضوء إجابة تستند إلى الرأي الخاصّ؛ فهذا تصرّف مقبول في الدردشة الخاصّة، لكنه غير مقبول في مجال المعرفة؛ فلا بدّ من أن يكُون السؤال- في هذا النطاق- ميدانيًّا مفتوحًا على إمكانات البحث ووسائله؛ وأن يكون مبنيًا وفق طبيعة الموضوع، بما يعنيه هذا الأمر من استخدام للوسائل البحثية الملائمة من استمارة، ومُقابلة، وإحصاءات، وغيرها من وسائل الاختبار المتاحة. ويتطلّب السؤال أحيانا – خارج ما إذا كان نظريًّا تأمليًّا أو ميدانيًّا- فحصَ بنيته في ضوء تاريخ المشكلة؛ خاصّة إذا كان الموضوع مُتَّصلًا بتراكم تاريخيّ لا ينفع معه الانطباعُ الحالي الذي يُجابِه فيه الوعيُ تجليًا واحدًا له في الزمن، كما هو الحال بالنسبة إلى سؤال الحضور الروائيّ: أنتحدث فيه عن هيمنة تعبيره أم عن هيمنة نوعه الأدبيّ، أم هيمنة تمثيله العالم؟ لا يُمْكِن الحسم في هذا السؤال إلّا بفحص مفهوم الهيمنة، بل بضبط الكيفية التي يتموضع بوساطتها هذا المفهوم، وضبط المحفل الذي يحدث فيه هذا التموضع؟ لكنّ هذا السؤال سيكُون من دون جدوى إذا لم يُفكَّر فيه في ضوء تاريخية الرواية، وتراكمها. ولا بدّ من العودة- في هذا السياق- إلى كلٍّ من هيغل وفيغو لفهم مُمْكِنات هذه الهيمنة وشروطها المعرفية. والعودة إلى إسكاربي، وإيغلتون لفهم كيفية ارتباط هيمنتها بتحوّل في البنيات السوسيو- ثقافيّة في ارتباط بتحوّل تكنولوجي وتجاري مُتعلِّق بمُجتمع المطبعة والاستهلاك القرائيّ الذي يُحتِّمه. لا يوضع السؤال دومًا خارج تاريخيته، بل لا بدّ من احترام التراكم الحاصل في مجال موضوعه قبل التفكير في إمكان صياغته؛ فوجهة النظر الشخصيّة لا تُطرح- إذا ما كان مُقدَّرًا لها أن تُطرح- إلا إذا حازت معرفة هذا التراكم، وأحاطت بإشكالاته التاريخيّة.

وقبل هذا وذاك، لا تكون صياغة السؤال مقبولة من الوجهة المعرفيّة من دون التمهيد لها بما يٌسوِّغ طرحه والحاجّة الملحَّة إليه، فلا قيمة للسؤال من دون تبرير جدواه؛ إذ يُؤدِّي عدم تبريره إلى تساوي الأسئلة من حيث القيمة؛ أي تساوي السؤال الضروريّ وغير الضروريّ، بل إلى نشوء نوع من الفوضى في خوض شؤون المعرفة، فيختلط الحاسم بالعابر الذي لا قيمة له. كما يُمْكِن التمهيد للسؤال بذكر السياق الذي يقتضي موضعته فيه، حتّى يُستطاع تبيُّن علله وأسبابه. ومعنى هذا أنّ السؤال لا يُستخدم بغاية مُتعاليّة على المصالح المعرفية، بل العكس هو الوارد؛ إذ يُعَدُّ انتسابًا معرفيًّا، لا مناصّ له من التحيّز اقترابًا أو ابتعادًا داخل خانة من المعرفة يُصنَّف قياسًا إليها؛ فلا ينتج السؤال إلّا في ضوء استعمال معرفيٍّ مُحدَّد له وجهة مُحدَّدة. ومن دون تحديد للسؤال في ضوء وجهته المعرفيّة يحدث الإضرار بجدواه بكلّ تأكيد. وليس بالضرورة أن يُشار إلى التحديد المعرفي للسؤال على نحو مباشر، فقد يرد هذا الأمر على نحو ضمنيّ، لكنّ ما يُهمّ هو الوعي به من قبل من يطرحه. ولا يعدم المتتبِّع العثور على عديد من الأسئلة التي تُطرح بطريقة تبدو معها، وكأنّها منزوعة من النسق المعرفيّ الذي يُبرِّرها؛ إذ لا تلبث أن تصير معيبة بفعل قبولها مُجاورتَها أسئلةً تتنافر في ما بينها من حيث الاستخدام المعرفيّ نظرًا لكونها مُحضَّرة في ضوء معارف مُتبايِنة من حيث التوجُّهات الكبرى.

إنّ صياغة أيّ سؤال، مهما كان الحقل الذي ينتمي إليه، لا تتمّ بغاية الاكتفاء بأفقه الخاصّ، بما يُفيده هذا من إجابة مُمْكِنة فحسب، بل ينبغي أيضًا فحصه في ضوء الأسئلة التي تضادّه، والتي قد تكُون مُضمَرة في طيّات الإجابة الممْكِنة عنه؛ فهناك الكثير من مظاهر التعديل الذي لا يكفّ بين السؤال ومُمْكِن الإجابات عنه. والمقصود من هذا التجديلُ بين النفي والإثبات؛ إذ ينبغي أن نفترض في كلّ سؤال نفيًا لآخر؛ ومن ثمّة فلا بدّ من بناء احتمالات هذا النفي، والتأكّد منها في أثناء صياغة السؤال. فحين يُسأل: هل الذاكرة خيال (أفلاطون)؟ يحدث نفي أن تكُون مُرتبطة بالعقل؛ لأنها تصير مُدرجة في سياق المعرفة الناشئة عن الحواس. ينبغي- إذن- على السؤال- مهما اختلف القصد منه- أن يستحضر ما ينفيه حتى يُدرك المجال الذي ينبغي أن يتحرّك ضمنه. وينبغي التشديد- في هذا النطاق- على كون كلّ سؤال لا يخلو- كيفما كانت طبيعته- من ضرورة فحصه في ضوء أمثلة مُضادّة تسمح بإمكان فتح أفاق تحصينه من الاضطراب في الصياغة.

ولا بدّ من الحديث- في النهاية- عن تحرير السؤال، خاصّة في مجال ثقافتنا، ومجال بحثنا العلميّ والفكريّ من الارتهان بحسابات تقع خارج حيّزه. فهناك كثيرٌ من القصور في ما يُنتج من فكر حاليا، بيد أنّه قصور غير متأتٍّ من الآلة دائمًا، أي من شروط صياغة السؤال، إذ قد يتأتّى- وهذا هو الحاصل في عديد من الحالات- من كبت السؤال، وقمعه، أو تأجيله لأسباب تتعلّق بعدم مُناسبته لما يُسمّى بالظرف في فكرنا العربيّ الحالي. ويحدث هذا بغاية تسويغ ترتيب الأولويات الذي يطبع علاقة المفكِّر أو المثقَّف بعصره؛ حيث يقبل أن تُرتَّب المعرفة في رتبة وراء المصلحة الشخصيّة، بما يعنيه هذا من مُراعاة للقوى المهيمِنة، وتلافٍ للضرر الذي ينجم عن أيّ سلوك معرفيٍّ غير مُتطابِق معها نظرًا ومُمارسةً.

٭ أديب وأكاديمي مغربي
عن القدس العربي
22 يوليوز 2016.