من بين الأفكار الكبرى التي تضمنتها الرسالة الملكية، لقمة الاتحاد الإفريقي، ما يتعلق بالتوجه التحرري والوحدوي، في هذه القارة، التي تعرضت لغزو استعماري، مازالت آثاره السلبية واضحة لحد اليوم، في حياة شعوبها، وطريقة تقطيع حدود بلدانها، والمشاكل والنزاعات التي زرعت بين مكوناتها.

لقد عملت القوى الاستعمارية، قبل خروجها في عدد من المناطق، على فرض مشروعها التجزيئي، مثل ما فعلت فرنسا، في منطقة الشمال الغربي لإفريقيا، حيث شجعت على خلق دويلات صغيرة، وهي نفس العملية التي حاول نظام الديكتاتور الإسباني، فرانكو، فرضها في الصحراء المغربية، أثناء فترة احتلاله، حيث بدأ يروج فكرة تنظيم استفتاء لتقرير المصير، من أجل خلق دويلة صحراوية، تحت حمايته.

الفكرة التي حاول تنفيذها فرانكو، في الصحراء المغربية، سبق أن قام بها الاستعمار الفرنسي، في المنطقة، وتدخل في المنطق الامبريالي، الذي سعى إلى تقسيم الدول، قبل الخروج منها، وتفتيت أوصالها، وزرع بذور الشقاق بين أطرافها، وهو ما عانت منه إفريقيا، وما زالت تعاني منه إلى اليوم.

النتيجة الحتمية، لخلق دول بدون مقومات الدولة، هي أن تظل خاضعة للمستعمر السابق، تبعية له في اقتصادها، تبيع له ثرواتها بأثمان بخسة، وتتبنى التوجهات السياسية والدبلوماسية التي تملى عليها. مثل هذه الدويلات، لا تعيش استقرارا داخليا، تكثر فيها الانقلابات، وتمتص دماء شعوبها، في الغالب، أوليغارشيات عسكرية.

هناك بلدان إِفريقية لا تتوفر عواصمها إلا على شوارع محسوبة على رؤوس الأصابع، وبالكاد يتوفر فيها الماء الصالح للشرب، أما الكهرباء، فينقطع تياره باستمرار، غير أن هذا لا يمنع حكامها من العيش في قصور فخمة، ونهب الثروات، رغم قلتها.

لا يمكن أن ننتظر من مثل هذه الدويلات، أن تتبنى التوجه التحرري والوحدوي، الذي دعت له الرسالة الملكية، لأن نشأتها جاءت على النقيض من ذلك، فقد ولدت في رَحِمِ الاستعمار، وشكلت أداة من أدوات التقسيم والبلقنة، وهي تعرف أن بقاءها رهين بالاستمرار في لعب هذا الدور.

مثل هذه الأوضاع، هي التي سمحت بما حصل في منظمة الوحدة الإفريقية، حيث كانت عدد من الدويلات تبيع مواقفها، لمن يدفع أكثر، ولن يكون من السهولة بمكان، تغيير الوضعية في القارة، إلا بعودتها للتوجه التحرري والوحدوي.

بالفصيح

   *الاثنين 25  يوليوز 2016.