مصطفى المتوكل: هدف الذين يحكمون المغرب الآن إضعاف القوى الوطنية الحية من خلال التستر وراء الدين للإساءة والتشكيك في الآخرين

احمد فردوس

الاستحقاقات المقبلة لشهر أكتوبر 2016 تعتبر في نظر المراقبين محطة أساسية لمحاسبة الحكومة الحالية وأغلبيتها السياسية التي ينعتها الرأي العام بحكومة التراجعات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية، هناك شبه إجماع اليوم على أن هناك احتقان كبير بسبب ملفات هذه الحكومة المتعددة (صندوق المقاصة/ تجميد الأجور/ فشل الحوار الاجتماعي/ التقاعد/ التشغيل/ قمع الحركات الاحتجاجية/…)، “أنفاس بريس” حاورت الأستاذ مصطفى المتوكل، القيادي الاتحادي، حول هذا الموضوع، وفي ما يلي نص الحوار:

س* كيف تخططون وتستعدون كقيادة سياسية مع أجهزتكم الحزبية للاستحقاقات المقبلة خلال شهر أكتوبر، في أفق إشراك الكتلة الناخبة الغاضبة في محاسبة حكومة بن كيران وأغلبيتها السياسية؟

ج* بالفعل إنها حكومة التراجعات والانتكاسات بامتياز، فما عجزت حكومات عدة عن تمريره كقرارات أو كقوانين في إطار التقويم الهيكلي وسياسات تدبير تنزيل ليبرالية تدعي أنها ديموقراطية واجتماعية وواقع الحال أنها رغم بعض الإجراءات “الإحسانية” التي تكرس الفقر والبطالة والمقنعة، فإن الليبرالية تجنح باستمرار إلى التغول كلما سنحت لها الفرصة.. كما أن احتواء والحجر على الديمقراطية والحريات أمر واضح ويتم اعتماده بمبررات باطلة تدعي حماية الحريات بما فيها إجراءات تقييد ومنع الإضرابات كوسيلة للدفاع عن قضايا الطبقة العاملة، والتي هي المنتمية للطبقات الشعبية والكادحة. هذه الإجراءات وأشباهها تترك الشغيلة عرضة للاستغلال وتفكك مكتسباتها والتحكم في قوة عملها لفائدة الرسمالية التي لا ترى إلا هامش الربح ولو على حساب كرامة الطبقة العاملة. وإذا أضفنا لهذا العديد من الإجراءات والتشريعات التي أشرتم إليها وما يهيئ في السياسات الاقتصادية، فإننا سنفهم أن الذين يحكمون المغرب بعد ما سمي الربيع الديمقراطي هدفهم هو إضعاف القوى الوطنية الحية الديمقراطية والحداثية من أحزاب ونقابات ومجتمع مدني وتمييع وإفساد المناخ السياسي بخطب ومنهجيات تتستر وراء الدين للإساءة والتشكيك في الآخرين من جهة وإيهام المواطنين والمواطنات البسطاء بأن من يحكم هو الذي يمتلك الرأي والأجوبة الصحيحة وأن الاخرين غير ذلك… الأجواء السياسية ببلادنا شهدت ضبابية وخلط وميوعة في المشهد السياسي والحزبي والنقابي وخلقت أجواء من التضليل والغموض.. وإذا أضيف لهذا أن حملة لواء التغيير والإصلاح ورواد الفكر المتنور البناء ومؤطري الطبقة العاملة استغرقت واستهوت القضايا الخلافية الفرعية وقضايا التدبير الديمقراطية الداخلية وقضايا الوحدة النضالية والتحالفات التقدمية وفوق ذلك بعض الأنانيات والمواقف الشخصية من البعض تجاه البعض… قلت كل السياسات الحكومية التي تسعى لاحتواء الأحزاب والمزيد من إضعافها.. وانشغالات غير موضوعية لليسار.. أفسد المناخ السياسي وشكك في المشهد برمته، وكان أول المتضررين هو قوى الإصلاح والتغيير والجماهير الشعبية التي كانت تتعاطف معهم وتساندهم وتنخرط في العديد من النضالات التي كانت لها أدوار مهمة في التحولات التي عرفتها بلادنا، تعلق الأمر بالستينات أو السبعينات وحتى أوائل التسعينات… في ظل هذه الأجواء قوى اليسار تعمل من أجل إعادة نفسها ببطء وتسعى لتدبير الاختلافات الداخلية والصراعات الخارجية بأقل الاضرار، وتستعد في نفس الوقت لخوض كل المعارك والاستحقاقات لتحافظ على موقعها النضالي باسترجاع المبادرة وتقويتها في اتجاه حماية المشهد السياسي العام من انزلاقات وانحرافات تطال اليمين واليسار والدولة لتجنب أن تكون نتائج الأزمة كارثية  يصعب التكهن والتحكم بمساراتها والتي أطلقت الحكومة أخطر شراراتها وأكثرها تعقيدا وتأثيرا في التماسك والتوازن الاجتماعي والاقتصادي.. معركتنا كبيرة ومعقدة، ليس لأننا نتخوف من عدد المقاعد التي سنحصل عليها كحزب أو كيسار أو كقوى وطنية، بل نخاف على مستقبل بلادنا ونتخوف من نتائج السياسات الحالية التي لن تقابلها الحكومة التي تسببت فيها سوى مغادرة كراسي الحكم بالصناديق أو بالتحالفات بعد الاستحقاقات أو باضطرار المكون الرئيسي بالحكومة إلى إعلان فشله أو نسبته إلى جهة معينة وإعلان مغادرته الطوعية السياسية لكراسي السلطة… إن معركة الأحزاب ومعركة الدولة تتجسد في عدة تحديات كبرى مطروحة  بقوة ومنها عدم ثقة المواطنين في العملية السياسية والبناء الديموقراطي، وتشكك العديد منهم في الدولة والقوى السياسية والنقابية واعتقادهم أن الجميع يؤدي أدوارا متفق عليها للتحكم في الظرفيات وفي الشعب، فكل سياسات الحكومة لم تزد الطين إلا بلة ولم تزد الرداء إلا ترقيعا وتمزيقا وترهلا، والإحصائيات الرسمية المتعلقة بالمديونية والتعليم والبطالة والصحة والتشغيل والاقتصاد، تؤشر إلى أن نسبة المشاركة والتمثيلية الديموقراطية المطلوبة ستكونان إشكالا كبيرا، لأن ضوابط وأجواء الانتخابات مريضة وأفسدت علاجها وصحتها سياسات تدبير الانتخابات، حيث لم تعد البرامج والإرادات والمصداقية هي قواعد العمل، بل الجاه والمال واستغلال المناصب والتوظيف اللامشروع المستغل للفقر والدين… الخ. فهل هكذا تدار الديمقراطية وتبنى وترسخ كثقافة مجتمعية مرتبطة بعيش سليم وكريم للشعب؟ ما وصلت إليه كخلاصة يتحدث عنه الجميع مسؤولين وأحزاب ومواطنين، لكن ذلك الجميع يحتاج إلى أن يمارسوا نقدا ذاتيا وأن يتواضعوا من أجل بناء المجتمع  المنشود كرامة وعزة وتضامنا وعلما ومعرفة واقتصادا .

س* ما هي خطتكم العملية لجعل الشعب المغربي يحتكم لسلطة صناديق الاقتراع للتعبير عن رفضه للسياسة التدبيرية للشأن الوطني لحكومة بنكيران؟ ويشارك في عملية الاختيار الديمقراطي خلال استحقاقات 7 أكتوبر المقبل؟

ج* أن نتمكن كمغاربة دولة وشعبا وقوى حية من جعل الجميع يحتكم لسلطة صناديق الاقتراع يتطلب إرادة واقتناعا قويا للدولة والأحزاب السياسية والحركات النقابية والمجتمع المدني، يتطلب أساسا وضع ميثاق شرف يجرم كل من يخرق مقتضياته يقوم على عدم توظيف أو استغلال الدين في العمل السياسي، وضع آلية قانونية تضبط بوضوح وشفافية ومنهج علمي وتربوي كل ما يطلق عليه الهيئات والمؤسسات الدعوية تخضع لرقابة إمارة المؤمنين والمؤسسات التي تشرف عليها من أجل ضمان حماية الشعب من التمذهب السياسي الدعوي الذي سيتسبب حتما في بلقنة الحقل الديني كما حصل في المشهد الحزبي والنقابي، وسيصبح لكل حزب مذهبه وطائفته، يكفر ويحارب بعضه بعضا مرة باسم الدين وأخرى باسم السياسة، فيصبح لكل واحد الفتاوى الخاصة به، فيتحول الولاء من الوطن إلى الحزب، ومن الله إلى زعيم الحزب والجناح الدعوي. أن نتمكن منفردين من إقناع الشعب بالاحتكام لصناديق الاقتراع أمر صعب ومعقد ليس لأننا لا نستطيع ذلك، بل لأن البعض يقنع الناس للذهاب مقابل شراء الأصوات والبعض الآخر مقابل الفوز بالجنة والبعض الآخر بالولاء الأعمى للأفراد أو القبيلة…الخ، والدولة تسعى بحيادية تتأرجح بين الايجابية والسلبية في تنظيم هذا الخليط غير المنسجم لضمان حد أدنى لاستمرار هذا المشهد الذي هو ديمقراطية شبه معطلة ومعاقة الارادة والفكر. المطلوب هو أن يتداعى الجميع إلى تحمل المسؤولية من أجل جعل ثقافة الديمقراطية يفهمها الأطفال والنساء والرجال فهما متكاملا وموحدا وأن تكون جزءا من الحياة اليومية في كل المجالات، وأن تكون المواطنة هي السقف الذي لا يسمح بالتطاول عليه، وأن تتحلى المؤسسات المنتخبة محليا وإقليميا وجهويا ووطنيا بالمصداقية. المطلوب أن تتوحد كلمة الدولة والاحزاب السياسية والنقابية والهيئات الحقوقية لانطلاق ثورة ثقافية وفكرية تهم كل مناطق المغرب والمغاربة لمحاربة الأمية والجهل وتعليم الناس حقوقهم وواجباتهم وإفهامهم دور المؤسسات وإمكانياتها وأهمية التمسك بالديمقراطية وحمايتها من كل تحريف أو انحراف، أي أن يكون إيماننا بالدفاع عن الديمقراطية وحقوق الانسان والمعرفة كإيماننا بالدفاع عن الوطن والمقدسات.

س* هل أجهزتكم الحزبية وشبيبتكم مستنفرة ومنخرطة في عملية تسجيل الناخبين وتصحيح اللوائح الانتخابية، وكيف تسير هذه العملية بحكم أنها فرصة لحشد الكتلة الناخبة كما تعمل أجهزة العدالة التنمية وأدرع حركاتها الجمعوية والدينية؟

ج* إن الأجهزة الحزبية والقطاعية وطنيا وجهويا وإقليميا ومحليا منخرطة وفقا لقوتها وقدراتها في كل المبادرات والبرامج التي ستخدم العمل الديموقراطي، لكن مع كامل الأسف الذين يسيئون للديمقراطية ويتلاعبون بها وبالشعب إمكانياتهم لا تسمح لذوي النيات الصادقة والحسنة القيام بالواجب الوطني في هذا المجال.. لهذا أغلب المؤمنين بالديمقراطية يتراجعون إلى الوراء بمبررات عدة منها القول “بأننا لا نريد أن نعطي مصداقية لممارسات تفسد الديموقراطية وتعطل البناء الحقوقي”. إن نسب المقاطعة وعدم المشاركة وعدم الاهتمام مزعجة وخطيرة، وفي نفس الوقت لوبيات الانتخابات الذين لا يهمهم سوى الحصول على المقاعد بأية طريقة والذين يمتلكون إمكانيات هائلة والذين لا يعنيهم الاصلاح ولا إعادة البناء إلا بمقدار نفعه لهم، يشتغلون بحماس أكبر من كل الديمقراطيين، الذين نوجه لهم نداء من هذا المنبر، توحدوا واعملوا كالجسد الواحد من أجل الوطن والشعب، فنجاحكم فيه نجاح للجميع، وفشلكم وانشغالكم بالحروب الفارغة، واستغراقكم كل وقتكم في تصفية حساباتكم التافهة هو مخالفة خطيرة تسهل ضرب الديموقراطية وتسهل تقوية خصومها…

 

  • أنفاس بريس :  حاوره: أحمد فردوس