هذا اليوم، سيكون بمثابة تحول تاريخي في مرحلة جديدة يواجهها الشعب المغربي

منذ الثالثة والنصف من يوم الجمعة، أخذ النواب يتوافدون على المجلس. وحين حلت الساعة الرابعة، كانت القاعة مكتظة، ومقاعد رجال الصحافة والمراقبين ممتلئة، بل يوم الخميس، لم يكن مؤكدا أن مجلس النواب، سيعقد جلسة خاصة. لقد كان واردا أن يجتمع المجلس، أن يستمع إلى التوضيحات والبيانات، أن يحدد موقفَه فرقه وأعضاءه من تطوراته، ولكن لم يكن مؤكدا أن الاجتماع سيتم باستعجال. وحين استقبل جلالة الملك أعضاء مكتب مجلس النواب، زوال يوم الخميس، اتخذ القرار، واتضحت الأمور.المجلس يجتمع يوم الجمعة ليستمع أعضاؤه إلى خطاب موجه من جلالة الملك. وانطلقت الاستعدادات، في تسابق مع الوقت، استدعاء النواب على عجل في المدن والقرى والمداشر، تهييء ما يلزم تهييئه لكي تتوفر للجلسة شروط النجاح من جميع الجوانب، تنظيميا وسياسيا وتقنيا. وفي الساعة الرابعة، كان الجميع تقريبا حاضرا إلى حين بدأت الجلسة حوالي الرابعة والنصف. كل الطاقم التقني لجهاز التلفزيون يتمم استعداداته لتسجيل أعمال الجلسة، فيما كان النواب والصحفيون … يمينا وشمالا يبحثون عن حقيقة ما حدث،وما يمكن أن يحدث. وتبيينا لمعالم ما يمكن أن يحدث ،فالموضوع في منتهى الأهمية، ذلك ما تنطق به النظريات والملامح والكلمات المقتضبة التي يسمع هذا أو ذاك.و حين أعلن الرئيس عن افتتاح الجلسة، كان الجميع في أماكنهم . في غالبيتهم رؤساء الأحزاب المتواجدة في البرلمان. رؤساء الفرق أعضاء المجلس. ولولا حركة المصورين وهم يلتقطون الشهادات الحية عن هذه الجلسة، لكان الصمت هو المهيمن في ربوع القاعة وباهتمام متزايد.
بتركيز حاد، استمع الجميع إلى الخطاب الملكي، الذي تلاه السيد احمد رضا كديرة مستشار جلالة الملك. دواعي المبادرة الملكية واطارها وغايتها أفصح عنها الخطاب. وكانت الدلالة واضحة، والمراد بينا، وزاد من خصوصية الجو. مزامنة الاجتماع لذكرى وطنية بارزة:

ذكرى عودة محمد الخامس من المنفى مع أسرته، ذكرى الانبعاث، ذكرى الاستقلال. وهي ذكريات، الكثير من الحاضرين، عاشوها وساهموا في صنع أحداثها. فلابد أنهم استحضروا جوها في تلك اللحظات.
وعندما تمت تلاوة الخطاب الملكي، ورفعت الجلسة لبضع دقائق، اتجه الجميع خارج القاعة، فإذا البهو حركة ومحادثات وتساؤلات.
أخذ الصحفيون يبادرون باستفسار هذا النائب أو ذاك التقاطا لخبره… ووصولا إلى الرأي، وإلماما بالموقف.

الاستراحة، أريد لها أن لا تكون طويلة، طالما ان جدول الأعمال، لايزال مليئا. … توضيحات يقدمها رئيس وفد المغرب إلى أديس بابا، كلمات رؤساء الأحزاب، كلمات رؤساء …الفرق،كلمات ممثلي النقابات..ثم يفتح المجال لمن يطلب الكلمة من النواب.

وفي الختام،أخذ المجلس في استئناف الجلسة.فأخذ الكلمة السيد احمد رضا … في ديكور مغاير.وكانت التوضيحات من وجهة التاريخ والسياسة والقانون وصولا إلى وضع ما يمكن من المعطيات أمام الأعضاء. … وبعد السيد رضا كديرة. وتعاقب على منصة الخطابة ،رؤساء بترتيب، روعيت فيه النسبة البرلمانية. وحينما جاء دور حزب التجمع، أعطيت الكلمة للسيد الداي ولد سيدي بابا نيابة عن الاستاذ احمد عصمان، الذي تبين أثناء تنظيم الجلسة أن الافضل هو ألا يأخذ الكلمة اعتبارا لموقعه كرئيس للمجلس…

وجاء دور الأخ عبد الرحيم بوعبيد في الترتيب الخامس، فاتجه من مقعده إلى المنصة، في … توؤدة وهدوء من عاش … التاريخ، …ويقدر طبيعة المرحلة وآفاقها. وانطلق يضع الاشياء بوضوح بمسؤولية أمام جميع الحاضرين والغائبين. وحين وصل في كلمته إلى أن الشعب المغرب قادر على أن يعبئ شعبا بكامله وأن الخصوم لا يستطيعون أن يعبئوا إلا في التدليس والتزوير، انفجرت القاعة بالتصفيق.
واستمر مسؤولو الاحزاب في تناول الكلمة، ثم ممثلو النقابات. وهنا تبين للرئاسة ادخال تعديل على جدول الاعمال. وبينما الجلسة … مستمرة، تم التشاور مع رؤساء الفرق.ونتيجة لهذا التشاور،وافق الجميع على أن لا ضرورة بعد لكي يتكلم رؤساء الفرق،حسب ما كان واردا في جدول الأعمال الأصلي.
وحين انتهاء الكلمات، عرض بيان المجلس على الأعضاء ، فتمت الموافقة عليه،ولو أن العديد من الاعضاء كان ينتظر بيانا أكثر تماسكا، وتعبيرا عن إرادة الشعب المغربي وتصميمه واستعداد للدفاع عن حقوقه الوطنية. لكن من الممكن ادخال تعديل عليه، ولكن الطرف الآخر لم يكن يستسيغه لفتح المجال لفهم مدلوله الحقيقي.
في هذا الجو، وبهذه الروح الوطنية، مرت الجلسة الخاصة لمجلس النواب التي عقدت مباشرة بعد انتهاء الدورة العشرين للقمة الافريقية. واجتمع لها من الاسباب مالم يجتمع في الجلسات السابقة، ولذلك يمكن أن ينطبق عليها ماجاء على لسان الاخ عبد الرحيم، من أن المغاربة يصنعون تاريخ بلادهم، وخصوم المغرب لربما يجهلون ما سيفعل التاريخ بهم.

وفيما يلي، كلمة الأخ عبد الرحيم بوعبيد أمام مجلس النواب:

((نعتقد جميعا أن هذا اليوم، سيكون بمثابة تحول تاريخي في مرحلة جديدة يواجهها الشعب المغربي بما عرف عنه من عزم ومن صلابة، لمواجهة هذه المرحلة الجديدة. ونحن في الاتحاد الاشتراكي- وأظن أنني أعبر في هذا الميدان عن مشاعر جميع الإخوان الحاضرين هنا .نريد أن نقول لصاحب الجلالة إننا نستقبل بكامل الاعتزاز وكامل الافتخار الموقف الجريء والمتبصر الذي اتخذه المغرب إزاء القرارات والمناورات التي لاتخضع لا لقانون ولالمنطق ولا لعقيدة.

لا أريد أن أطيل الكلام عن التاريخ وعن الماضي وعن المراحل التي فرغنا منها… جميعا، وان كانت بالنسبة لمجموع الشعب المغربي..تحتاج إلى تعرف أكبر وأوسع، ولكننا في هذا الإطار، ونحن على أبواب مرحلة جديدة، قررنا، وكان الحق معنا، أن نغادر منظمة الوحدة الافريقية، أو ما يحمل اسم »الوحدة« الافريقية.. فالعواقب ستكون من دون شك طويلة المدى، وسوف نجد أنفسنا في الساحة الافريقية أو الساحة العربية، أمام عناصر جديدة، أمام معطيات جديدة، لذلك لابد ان نخرج من هذا الاجتماع، بيقين اننا على حق، واننا على صواب، واننا نصنع تاريخ بلادنا وان خصومنا ربما يجهلون ما سيفعل التاريخ بهم.

لذلك، بعد الخطاب الملكي، وبعد التوضيحات التي أتى بها هذا الخطاب، يجب أن ننظر إلى المستقبل نظرة جديدة، لا نظرة ترتكز فقط على التصريحات والخطب، فهذا لا يكفي، يجب أن نعبئ أنفسنا، ولكن لنعرف كيف ستكون هذه التعبئة، ومسطرة هذه التعبئة، والعمل من أجل هذه التعبئة. فمن المنتظر ان يعمل خصوم المغرب على تصعيد القضية، عسكريا ودبلوماسيا وسياسيا، من الممكن، ومن المحتمل، بل حسب المسطرة التي اتبعوها إلى اليوم، من المنتظر، بالنسبة للشعب المغربي أن يكون أمام التصاعد، والقضية المطروحة علينا كمغاربة، كشعب، منظمات مسؤولة، هي: كيف سنواجه هذا التصعيد؟ كيف سنواجهه في الميدان العسكري؟ وفي الميدان الدبلوماسي وفي الميدان السياسي؟

فبعض الجوانب المتعلقة بتقييم مسيرتنا منذ 1973 إلى اليوم تجعلنا ندرك بعض الاخطاء التي ارتكبناها، فلم نعرف بقضيتنا التعريف الكافي، التعريف النضالي، التعريف المبني على شرح القضية شرحا ثابتا، يكون في متناول المخاطَب . في كثير من المجالات قلنا بأننا دخلنا إلى الصحراء ونحن في الصحراء. وانتهى الأمر. ولكننا نجد أنفسنا اليوم أمام أمر جديد ومرحلة جديدة. لذلك، باسم الاتحاد الاشتراكي أريد أن أتقدم لصاحب الجلالة باقتراح متواضع، ولكنه يرمي إلى أن يكون عملنا، كأمة واحدة وشعب متماسك، مرتكزا على خطة معقولة ومدروسة. هذا الاقتراح – ونحن على أبواب مرحلة جديدة – يرمي إلى شيء واحد: هناك وحدة وطنية، هناك تقدير وإجلال لما قامت به القوات المسلحة الملكية في الصحراء المغربية، وعلى رأسها صاحب الجلالة. هذا مكتسب، ولكن هذا المكتسب يجب ان يستثمر، عقلانيا، عمليا، و بطريقة نضالية. فنحن نقترح أن يكون صاحب الجلالة جهازا يمثل الوحدة الوطنية، ويركز عمله، عقلانيا ومنطقيا، للدفاع عن هذه الوحدة الوطنية وللتعريف بها. فلا يكفي أن نقول إن شعب المغرب هو شعب واقف في صفوف متراصة، نريد أن تكون هذه الصفوف المتراصة، أيضا صفوفا متحركة.

لذلك، إن كان حظ لهذا الاقتراح، نريد أن تتجسد هذه الوحدة بين جميع الافراد، وننظر لبلادنا، ولمستقبل بلادنا، ومستقبل ابنائنا كرجل واحد، وكإرادة واحدة متراصة، ولكن متجسدة في خطوات يجب أن نقوم بها. إذ من المعروف أن عددا من الدول، كانت صديقة أو كانت محايدة أو من خصوم المغرب، تجهل الكثير والكثير عن قضية الصحراء، فهي محتاجة إلى التعريف بها، لا تعريفا يتناول التاريخ من قرون، هذا جيد، ولكن المرحلة الجديدة تتطلب منا أن نكون في مستوى المخاطَب،سواء كان عربيا أو افريقيا. فنحن نلاحظ ان كثيرا من الدول العربية التي تربطنا بها روابط متينة، تجهل القضية، وتطور القضية، وماضي المغرب، ومستقبل المغرب، وموقف الجزائر، وتطور الموقف الجزائري…

لذلك، إلى جانب تصعيد الموقف في الميدان العسكري، ويجب ان ننتظر ذلك ونتحمله، يجب ان نعمل على مقاومة عمليات التزييف والتنوير المكثفة التي تقوم بها الحكومة الجزائرية، واقول الحكومة الجزائرية لا الشعب الجزائري. لذلك أريد في هذا التدخل الوجيز أن أقول بأن وحدتنا يجب ان تتجسد في جهاز موحد، وان كلامنا يجب أن يكون له مفعول ملموس. وإلا – أيها السادة – فإننا سنجد أنفسنا، ربما، في مرحلة أصعب. فأنا شخصيا متفائل. وإذا كانت إرادتنا إرادة جماعية ومرتكزة على أخلاقنا وماضينا وقيمنا الروحية والمادية، فإننا نستطيع أن نعبئ شعبا بأجمعه. أما خصوم المغرب، فلا يستطيعون أن يعبئوا إلا في التدليس والتزوير.
لذلك، لا أرى ضرورة لإعادة ما قاله الاخوان الذين سبقوني على هذه المنصة، فيما يتعلق بالتطورات التاريخية والسياسية للقضية. ما أريد أن أقوله هو: هل الوحدة المغربية حاليا وحدة حقيقية، أم يجب أن تبرز هذه الوحدة، لتصبح وحدة تمشي على قدميها وتواجه الأحداث؟

كيفما كان المجال، وكيفما كانت تطورات هذه الأحداث، فإننا سنصنع تاريخنا، ولن ننتظر أن يصنعنا التاريخ..))

*عن جريدة الاتحاد