قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (…إن دماءَكم، وأموالَكم حرامٌ عليكم، كحرمةِ يومِكم هذا، في شهرِكم هذا، في بلدِكم هذا…اللهم اشهد)

كثر الحديث خلال السنوات الماضية و بالاخص  الاشهر الاخيرة عن ” التشرميل” الذي كاد ان يصبح “تنظيما” غير معلن يتفنن اصحابه  في اساليب اعلانه والجهر به بل وينظرون له ..بعد ان كان يطلق على التوابل والبهارات التي تخلط بمقادير مختلفة من اجل اعداد وجبات مغربية متميزة ذوقا وجودة وطعما ورائحة …

يقال “شرمل” ..”يشرمل” ..فهو ..”مشرمل” ..والفعل هو “التشرميل “…

وهو سلوك وافعال اجرامية عنيفة تصدر بشكل مفاجئ من اشخاص او مجموعات او منظمات تستهدف افرادا او مجموعات او العموم بدون تمييز …وقد يكون سلوكا مرضيا نفسيا وعقليا …

و”التشرميل”  عدة انواع منها ما  يكون بادوات حادة تطال الافراد ..و يكون  باللسان / الكلام او بالكتابة ..وقد يكون بقرارات واجراءات سياسية ..

كما يكون  اقتصاديا وماليا …”بشرملة” المقومات والقدرات الاقتصادية والمالية والثقافية والاجتماعية والسياسية والدينية لدولة ما بمحاصرتها ومقاطعتها دوليا وامميا ..

وقد يكون “بشرملة” تعتمد قرارات سياسية وفكرية ودينية كما يفعل المتشددون والمتطرفون من غلاة المذاهب  تجاه كل المخالفين لهم …

ويكون بتبني توصيات المؤسسات المالية الدولية من طرف الحكومات التي تلجا في سياساتها الى الاقتراض الخارجي لتغطية عجزها وفشلها فتكون كل القرارات والاجراءات موجعة ومهلكة و”مشرملة” لقدرات الفقراء والمساكين وحتى الكادحين من شغيلة و عمال وفلاحين وتجار صغار ..وبعض نتائج ذلك ظهرت في عدة دول بافريقيا واسيا … حيث تلجا و تقرر حكوماتها نقل ازماتها المالية والاقتصادية الخانقة والتدبيرية كاسلوب ضعيف للمعالجة  الى  جيوب ومالية الشعب  …

والحديث عن “التشرميل” يحيلنا على ما حصل ويحصل في افغانستان والعراق وسوريا وما يحصل في فلسطين وبورما ..حيث تتواطأ دول ومظمات اممية وقارية بسكوتها او دعمها لجهة دون اخرى لضمان ان يحقق “التشرميل” اهدافه القتالية والحربية والسياسية لاضعاف  الشعوب وتمزيق وحدة وقوة الدولة والامة العربية والاسلامية خدمة لاجندات معروفة او معينة ..

كما ان ما يحصل من عمليات تفجير هناك وهناك وضرب بالاسلحة المختلفة من رصاص ومتفجرات وسكاكين  هو “تشرميل” يبتغي به اصحابه “رضى الله ودخول الجنة ” حسب ما يظنون ويزعمون  .. ولا حول ولا قوة الا بالله …

واذا ما اردنا تجاوزا توسيع مجالات “التشرميل” باعتباره يكون مصحوبا بالتهديد والوعيد واحيانا بالعنف المادي والمعنوي ..فاننا قد ندخل في هذا الباب  “المساس ”  باموال الناس وحقوقهم و مكتسباتهم ..فالمضاربات والاحتكار والابتزاز وارتفاع الاسعار واضعاف القدرات الشرائية للعامة يدخل في هذا الوصف  ..

كما ان الظلم السياسي و الاقتصادي والاجتماعي  الذي يضيق ويحرم الناس من حقوقهم  المختلفة المادية والادبية بتشديد الخناق على عدالة الحريات السياسية والفكرية والحقوقية …يمكن ان يسمى “تشرميلا” تسلطيا تحكميا ..

اما اذا ما ولجنا المجال الاعلامي والثقافي والدعوي فسنجد انها اصبحت فضاءات “للتشرميل” الذي يطال  اعراض الناس وخصوصياتهم واسرهم بترويج الاشاعات والكذب والنميمة وصناعة الاخبار الزائفة واحيانا التكفير  لمواجهة ليس الافراد فقط بل الدولة والاحزاب والنقابات والمجتمع المدني والاسر والجماعات والافراد …فلم ينج منه  ولم يوقر  صغير ا  ولا كبيرا …

فاذا كانت اضرار “التشرميل” المتعارف عليها بانها  ظاهرة الضرب بالسيوف والادوات الحادة محدودة الا انها خطيرة في تبعاتها وتاثيراتها المختلفة من نشر الرعب وزعرعة امن المواطنين والمواطنات والتاثير على اجواء الطمانينة والسكينة الواجب توفرها …فان الاجراءات والقرارات  الاقتصادية والسياسية التي تتسبب في تفقير الناس  وتجهيلهم ونشر البطالة والتشرد واثقال كاهل الناس بالضرائب وغلاء الاسعار وارتفاع تكلفة العيش ..الخ .. اخطر في نتائجها لانها هي التي تتسبب في الانحراف والجريمة بكل انواعها والتشرميل واحد منها ..لهذا قيل ” كاد الفقر ان يكون كفرا ” وقيل ” لو كان الفقر رجلا لقتلته ”

ونختم ببعض الاراء التي تشجع على التشرميل والروج لها مؤخرا  من مثل ..”كل من ليس على مذهب معين لايجوز دفنه بمقبرة المسلمين ويجب ان ترمي جيفته في الخلاء …؟؟”… ومثل ” يشنق اخر معارض بامعاء اخر انقلابي …؟؟”

..وهذا يذكرنا بما  فعله  عبيد الله بن زياد المبعوث العسكري ليزيد بن معاوية من “تشرميل  بشع ” فقتل وذبح حفيد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقطع راسه ووضعه على رمح ونقله الى اليزيد ابن معاوية بالشام  امام اسرة سيدنا محمد (ص) .. وقتل معه من أولاد علي بن أبي طالب : أبو بكر – محمد – عثمان – جعفر – العباس…كما قتل من أولاد الحسين : أبو بكر – عمر – عثمان – علي الأكبر – عبد الله…ومن أولاد الحسن : أبو بكر – عمر – عبد الله – القاسم…ومن أولاد عقيل : جعفر – عبد الله – عبد الرحمن – عبد الله بن مسلم بن عقيل…من أولاد عبد الله بن جعفر : عون – محمد

ونذكر هنا بما قاله رسول الله (ص) في ابني سيدنا علي  ((مَنْ أَحَبَّهُمَا فَقَدْ أَحَبَّنِي وَمَنْ أَبْغَضَهُمَا فَقَدْ أَبْغَضَنِي  . ))

وعن سلمان (ض) قال سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول:((الحسن والحسين ابناي، من أحبّهما أحبّني، ومن أحبّني أحبّه الله، ومن أحبه أدخله الجنة، ومن أبغضهما أبغضني، ومن أبغضني أبغضه الله، ومن أبغضه الله أدخله النار))

ويذكرنا هذا الموضوع ايضا بما قاله  خالد القسري يوم عيد الاضحى في الزمن القديم …”أيها الناس ، ضحوا يقبل الله ضحاياكم ، فإني مضح بالجعد بن درهم..”؟؟؟ بمبرر انه  عطَّل صفات الرب عز وجل ، ونفى أن يكون الله قد كلَّم النبي موسى  أو اتخذ إبراهيم خليلاً .فقام من على المنبر وعمد الى سيفه وذبح الجعد قرب المنبر ..ولا حول ولا قوة الا بالله ..

فاللهم انا نسالك اللطف فيما جرت به المقادير وان تحفظ بلدنا هذا وسائر بلاد البشرية من “التشرميل” بكل انواعه المعروفة وغير المعلومة ..ونسالك ان ترخص اسعارنا وتنمي اموالنا وتحفظنا وتحفظ حقوقنا  في السر والعلن ..وان تبعد عنا كل من يطمع في تفقيرنا وتشريدنا واخضاعنا لنزواته السياسية او المذهبية او الشخصية ..انك على كل شيئ قدير ..اليك التجانا فاشملنا برحمتك ..واهد الجميع الى الصراط المستقيم   يارحمن   يارحيم  ..امين والصلاة والسلام على الانبياء والمرسلين .

* الخميس 28  يوليوز 2016.