يقف المغاربة اليوم تحية تقدير للملك محمد السادس وهم يحتفون بذكرى يوم تحمله مسؤولية قيادة البلاد وعرش المملكة. وهم في ذلك ينوهون بما أنتجه الملك لبلادنا ولشعبنا، قبل كل المنجزات وبعدها وبها، من شعور بالاعتزاز بقدرتهم على تفعيل طاقات “الجغرافيا” ( الإنسانية والطبيعية ) لتحريك التاريخ في اتجاه التقدم.

المصالحة، هي الوصفة التاريخية التي أطلقها الملك محمد السادس لانتشال البلاد من حالات الحجز التي اعترتها لعقود…المصالحة مع الملكية، مع التاريخ، مع الديمقراطية، مع دولة الحق والقانون، مع الماضي، مع الثقة في إمكانيات اقتحام التقدم، مع الذات، مع حقائق التنوعات الثقافية، الجهوية والسياسية لمكونات الشعب المغربي، مع الحقائق الطبيعية والثقافية للنوع الاجتماعي، مع….. مع…ومع الدولة باعتبارها رافعة الديناميكية الشعبية وهي شرط التقدم.

إنها مصالحات تخترق أنسجة هذا المغرب، وتسري فيها بأشكال ومظاهر من المقاومات ومن المصارعات، ومن الترددات، ومن مواجهة حواجز، تارة ثقافية وأخرى سياسية، عدا عن الرواسب الاجتماعية لعقود من الانحباس.

من تلك الترددات وحتى التعثرات ما ( وطبيعيا من ) “يقاوم” و يحاول منع اكتساب الدولة للثقة الشعبية، ولمصداقيتها كفاعل محوري ومركزي في مسار التقدم المغربي….يحاول تجييرها لصالحه أو لا تكون لأحد.

نزوعات سياسية واجتماعية، في حالات قليلة بعفوية وبسذاجة يسراوية، وفي أكثر الحالات بوعي وترصد وإصرار، تحاول تفجير جسور الثقة الشعبية ما بين الدولة و شعبها، بألغام الشك وبنيران قلب الحقائق أو تهميشها أو حتى استغلال هنّات أو اختلاق الوقائع وتضخيمها. وتستفيد في ذلك من منجزات الدولة نفسها و من ما تتعهده من مكتسبات للحركية الإجتماعية المغربية، الحقوقية، القانونية، السياسية والإعلامية.

الدولة هي الدولة، بالبارز من معمارها وبالمتواري منه، لا سطحي فيه ولا عميق. إنها مستويات من المواقع وتراتبية من الصلاحيات محددة في الدستور، و في المساطر المتراكمة من مصاحبة فكرية عميقة لوجود دولة عريقة. الملكية فيها واضحة الصلاحيات والحدود في الدستور، و هي تمارسها دون ما حاجة للتخفي ولا للتستر. للحكومة في الدستور حقوق مبينة لكل بصير ولا التباس فيها، والملك هو من نبه رئيس الحكومة إلى ممارسة صلاحياته (حسب ما صرح به رئيس الحكومة نفسه). الدولة كيان مؤسساتي، حلقاته وأبنيته مترابطة متعددة، متفاعلة، متناغمة، متضامنة، وذلك بمحددات قانونية، دستورية وتنظيمية، وهي كوابح ضد الاحتقانات والتنافسات السلبية وضد نوازع الهيمنة بين مكوناتها…أو هكذا يفترض أن تكون. ودفتر تحملاتها هو الدستور، الذي يحدد لها مجتمعة مهامها بواجباتها وبحقوقها ويفصل لكل آلية من مكوناتها حدود صلاحيتها وموقعها في هندسة وحركية الدولة العام….والحزب واحد من تلك الآليات والمكونات. بل الحزب يقع في أساس المعمار الديمقراطي، لأنه محفز وحاضن التدخل الشعبي في تدبير الشأن العام، ومنتج الهيئات المنتخبة التشريعية والتدبيرية ومنتج للحكومة.

النفس الديمقراطي الذي ضخه الدستور في تدبير الشأن العام المغربي، يرمي ويطمح إلى ترسيخ حقيقة تملك الشعب لدولته، عبر إعلاء قيمة، وتوسيع فضاءات وتقوية أدوات، تدخل ” الحزب” الحامل للصوت الشعبي، في صوغ الدولة بأطرها وبسياساتها.
مؤسسة بذلك الموقع في دورة الإنتاج السياسية، تملك تلك المسؤوليات والصلاحيات في الحياة السياسية، ما عاد مسموح لها بأن تتجرد من حس الدولة في ممارستها وفي تفاعلاتها وحتى في “انفعالاتها”. الحزب هو مشتل نساء ورجال الدولة وهو مختبر اختياراتها المجتمعية. إنه مؤطر المشاركة الشعبية في محطات التقرير وموجهها في مواكبة التدبير.

في الممارسة اليوم، بعض النخبة السياسية ( المؤطرة في بعض الأحزاب) لم تتخلص من تبرمها وحتى من عدائها للدولة، سواء جراء ذكريات آلام عقود مضت، أثخنت ذاكرتها وتمنعها من الانجذاب إلى نداءات المستقبل. أو بسبب “الغائل” فيها من رضاعة “عقدية” لم تحقق فطامها الكامل منها، بحيث يمنعها من تقدير المواطنة وواجباتها قبل حقوقها. وبعض النخبة، الآخر، يغنم من الدولة ما استطاع، ويحتمي بظلها، ولكن لايرى من واجبه الدفاع عنها، والجهر بالحق وبالحقائق في وجه المناوئين لها أو المضرين بها، تمنيعا لها من الإنغماس في تلاطم موجات التدافع السياسي والإجتماعي، حتى لا يتغلب بها طرف ضد آخرين، و صيانتها حق للجميع وحماية للجميع.

الفصل بين مكونات الدولة والمفاضلة بينهما من جهة. والمراوحة بين “الانتماء” للدولة والانخراط فيها، وبين النفور منها والتمايز عنها وحتى التحامل ضدها، هي سلوكات مرضية ناجمة عن سوء فهم للثقافة الديمقراطية، في ألطف تفسير، والأرجح أنها ناجمة عن انفصام سياسي لايسمح بترسيخ الإنتماء للوطن وسموه على باقي جزئيات الإنتماءات الحزبية، القبلية، ….و…و…الوطن ليس أرخبيل أحزاب بلا رابط بينها أو مركب مصالح كل طرف فيه لا يرى إلا نفسه. إنه كل وتاريخ و مستقبل مشتركين وروح، يفترض بالتربية الديمقراطية، أن تغمر الجميع بحماسها… وحين يكون الوطن هدف الممارسة الديمقراطية فإنه يكون سنفونية جماعية لا تصدح نغماتها ولا تستقيم إلا بتظافر بتحريك كل عازفيها لكل آلاتها .

بعد الملك الذي هو رئيس الدولة والمعبر عن سيادتها ورمز سموها، تستأثر وزارة الداخلية لدى المواطنين، و بسبب حضورها في حياتهم اليومية، من مستلزمات إدارة الترابية ضرورات توفير الأمن، تستأثر بتعبيرها عن الدولة، بعيدا عن باقي المكونات الأخرى …عن المؤسسة التشريعية، عن القطاعات الحكومية الأخرى، عن القضاء، إدارة الضرائب، إدارة الجمارك…..وسوى ذلك …..”الداخلية” تجسد السلطة ويسمى موظفوها ” رجال السلطة” وأعوان السلطة .

” الداخلية” اجتهدت وتجتهد لتتخلص من لعنات ماضيها (أفقير، البصري..) إنها اليوم تعمل على الإقناع بأنها مجرد ” أخت ” للوزارات وليست ” أمها”.

وإذا لم تكن تلك الوزارة قد تغيرت نحو مواكبة المشروع الإصلاحي الذي يقوده الملك محمد السادس، فلا مجال للحديث عن أي تقدم في ذلك المشروع ولا أي تحقق ولو جزئي له. المفهوم الجديد للسلطة لم يكن عبثا ولا معزوفة للتضليل…الوزارة يقودها ويعمل بها مواطنون لا يشكلون استثناءا عن المواطنين الذين نالوا– بمقادير متفاوتة- نصيبهم من الغذاء السياسي للمرحلة. وهم قطعا ليسوا فقط ملائكة كما أنهم ليسوا مجرد شياطين. المفارقة هي أن أكثر المتحاملين على “الداخلية”، وليس المنتقدين لبعض قراراتها والمتفاعلين مع سياساتها، ينطلقون من كونهم “ملائكة ” يواجهون “شياطين”.

“الداخلية” من روافع السياسات التنموية في البلاد، خاضعة لتوجيهات الملك، منخرطة في سياسة الحكومة، متفاعلة مع مراقبة البرلمان ومتحسسة ليقظة الرأي العام. قبل أو بموازاة مع مهامها السياسية والأمنية، الداخلية هي الساهرة على التنفيذ الفعال لمشاريع “المبادرة الوطنية للتنمية البشرية”، المبادرة التي أطلقها ملك البلاد وتنفذها أداة من أدوات الدولة. تلك المبادرة الرامية إلى المساهمة في تجفيف بعض مولدات الفقر والتقليص من تباعد المستويات المعيشية، المنتجة للإنفعالات والتمزقات الإجتماعية. التحول من “الإنعاش الوطني” إلى “مبادرة التنمية البشرية”، قفزة نوعية في التعاطي مع المواطنين في أوضاع الهشاشة الإجتماعية. لا يتعلق الأمر بسد الرمق بل بالإندماج في التنمية، والإنتشال من هوامش المجتمع إلى التموقع في دورة الإنتاج. مبادرة مؤسسة على حقوق المواطنة بما يمكن من صون كرامة المستفيدين منها. وهي على النقيض من “الحملات” الإحسانية لبعض الجمعيات وحتى الأحزاب، المتضمنة الشفقة والمضمرة نوايا ارتشاء انتخابي واستمالة استقطابية، ودائما المحدودة والمتباعدة زمنيا والباعثة على الانصياع “للمحسن”.

إنه نموذج، واحد وباقتضاب، يوضح الفرق النوعي بين تدخل الدولة، دولة الجميع، في الشأن الاجتماعي، وعبر أداة “الداخلية” وبشكل منظم وبدراسات وبمتابعات، وبين تحرك سياسي خاص تستقوي به “جماعة” ما مباشرة أو بالوسائط في تنافسها وفي ما تضمره من مشاريعها.

المسار الديمقراطي المغربي يساعده على الرسوخ ويصونه من الارتداد، أن نفرض حياد الدولة ووقوفها على بعد نفس المسافة من جميع أطراف الحركية السياسية…وبالتالي يفرض مقابلَتها بالاحترام وأن ندعم قوتها ومصداقيتها بالقانون ولفائدة الجميع لأن في ذلك دعم لحيادها وتكريس له والحث عليه…و” الداخلية” أداة مركزية من أدوات الدولة في مهامها السياسية والأمنية، وهي في الريادة من المواكبة الإدارية والعملية لتكريس الإختيار الديمقراطي…استفزازها بالحملات الشعبوية من نوع “زيرو كريساج” (التي تريد الإيحاء بانعدام الأمن وتخلي الأجهزة المعنية عن مهامها)…وبافتعال إحلال سلط عشوائية “شعبية” لمواجهة ممارسات وميولات اجتماعية توصف بالفاسدة بما يوحي بالتساهل مع الانحلال والفساد الأخلاقيين…التشكيك المسبق في حياد الداخلية والإيحاء بعدم براءة استعدادها للإستحقاق الإنتخابي التشريعي من شبهة الإنحياز… ممالئة الميل الشعبوي للتشهير والانحراف بالقضايا عن مداخل نقاشها الطبيعية السياسية والقانونية… كل هذا القصف لمصداقية الداخلية والأجهزة التابعة لها، توظف فيه أدوات التواصل الاجتماعية والشائعات، ويمارس بنبرات تتداخل فيها المرجعيات والنوايا والمنطلقات والأهداف السياسية وحتى أنواع من الجهالات …لن يعمل كل ذلك إلا على تنمية منسوب الشك والبلبلة في المناخ السياسي للبلاد…وهو ما لن يضعف الدولة، وإن كان يحدث انشغالات جانبية قد لاتساعد على الإنكباب على المهم، ولكن لن يفيد محركيه والمساهمين فيه ولن يساعد على تنشيط الديناميكية الديمقراطية المغربية بالفعالية المطلوبة وفي الأجواء الديمقراطية المأمولة للرقي بالوطن ولصون حقوقه والتقدم في تحقيق تطلعاته. لهذا وجب على المعنيين بمواصلة البناء الديمقراطي للفضاء السياسي المغربي أن يسمعوا اصواتهم عاليا بحكمة و بقوة.

*