تستمد المواطنة أصولها من مفهوم الوطن، الذي هو بقعة محددة من الأرض، والمواطن هو الذي يستوطن تلك البقعة، وتغدوا عنوانا لهويته. وفي هذا السياق يشير الدكتور ناصيف نصار، في كتابه الموسوم في التربية والسياسة، إلى أن العلاقة بين الوطن والمواطن تتميز بالاستمرار والديناميكية. ذلك أن الاستيطان في بقعة معينة، بشكل مستمر، ينطوي على ارتباط وثيق بتلك البقعة، وعلى جملة مصالح مادية ومعنوية تنشأ من خلال التعامل معها.

ولما كان الكائن البشري اجتماعي بطبعه، فإن ارتباط البشر بأرض واحدة، يستتبع بالضرورة وجود انتماء مشترك لتلك الأرض، بما يستتبعه ذلك من ذاكرة وعواطف، ومصالح مشتركة. بمعنى أخر، الارتباط بالوطن يعني الشراكة، والمعية. وهكذا تمتزج الجغرافيا بالبعد الاجتماعي، ويتحقق التفاعل بين الوطن والمواطن.

يؤدي التفاعل بين أبناء الوطن الواحد إلى خلق ثقافة وتقاليد مشتركة، ترقى في كثير من الأحيان إلى وجود لغة مشتركة، تتداخل فيها عوامل الجغرافيا والتاريخ، فتخلق منها أمة واحدة، متجانسة في جملة العناصر الأساسية، المكونة لها.

لكن ذلك ليس واقع الحال دائما، وينسحب ذلك على الوطن العربي. قد شاءت حقائق الجغرافيا والتاريخ أن يضم وطننا العربي، في معظم أقطاره، أقليات تأخذ طابعا عرقيا في مكان ما،وإثنيا في مكان آخر، ودينيا في هذا القطر وطائفيا في القطر الآخر. وقد كان بالإمكان أن يكون هذا التنوع، مصدر إثراء للثقافة العربية، وأن يجعل من أمتنا واحة تزهو بكل الألوان، وأن يسهم في مسيرة التقدم والإبداع. لكن ذلك لم يتحقق للأسف في معظم البلدان العربية.

في ظل هذا التنوع، نمت وتضاعفت صبوات تلك الأقليات لتثبيت هوياتها الثقافية والقومية والدينية. وقد وجد دائما بين القوى الخارجية، من هو على استعداد لاستثمار نوازع الانعتاق، فتمت تغذيتها، وقدمالدعم المالي والسياسي وأحيانا العسكري لتسعيرها. شجعت الأقليات على القيام بمحاولات انفصالية عن الوطن الأم، في بعض الأقطار العربية.

إن التهديدات والإعتداءات وحروب الإبادة، التي تتعرض لها أمتتنا، كما هو الحال في سوريا والعراق وليبيا والصومال، واليمن،وحرب الإبادة المستمرة قرابة ستة عقود، بحق الشعب الفلسطيني، والتقارير التي تصدر من دوائر مشبوهة، بين فينة وأخرى، حول إعادة تشكيل الخارطة السياسية للوطن العربي، تجعل من الأهمية طرح موضوع الوحدة الوطنية من جديد، بجرأة ترقى إلى حجم التحديات المصيرية التي تواجه منطقتنا.

فقدفات الوقت الذي يمكن فيه دس الرؤوس في الرمال، والتظاهر بأن الأمور تجري على مايرام. كما لم يعد مقبولا التعويل على علاقات استراتيجية مع صناع القرار الكبار، ثبت وهنها، عند أول اختبار حقيقي. لا بد أن يصار إلى تسمية الأشياء بمسمياتها. فمصادرة الهويات وغياب أوطان عن الخريطة السياسية للوطن العربي، تحتم البحث عن عوامل القوة والوحدة والتماسك والصمود بين أبناء المجتمع الواحد، من أجل تفويت الفرصة على الذين يضمرون الشر بحقنا.

لا بد من شيوع المحفزات التاريخية، لإعادة الاعتبار للمفاهيم التي صنعت عصر النهضة العربية. والتأكيد على أن حقائق الجغرافيا والتاريخ، قد صنعت نسيجنا القومي والوطني، وارتقت به إلى مستوى الصهر والوحدة. وأن ما يحدث الآن، من صراعات وحروب أهلية، وتفتيت لا يملك قابلية الاستمرار والصمود، لكونه نشاز في التاريخ العربي، والإنساني.

ان تحقيق الوحدة الوطنية ليس تجميعا لكم مهمل وراكد، لا ينتج عنه أي فعل إيجابي، بل هو صهر حقيقي وتفاعل خلاق ومبدع بين إخوة تجمعهم رابطة الانتماء إلى أمة، بلغة ودين وهوية وقضية وآمال مشتركة، تجعل من السعي المشروع، لهزيمة التطرف ومختلف عوامل النكوص، وإعادة الاعتبار لقضية الوحدة أمرا منطقيا وموضوعيا.

وفي مقدمة الخطوات المطلوبة في هذا السياق، ترسيخ الوحدة الوطنية بين أبناء الوطن الواحد، والتسليم بمفهوم المواطنة، بما يعنيه هذا المفهوم في المجتمعات المتحضرة، بدولة تتحقق فيها المساواة بين البشر، وينال فيها الفرد موقعه الاجتماعي ووظيفته عن طريق كفاءته وقدراته ونزاهته، وليس عن طريق موقعه في السلم المناطقي والعشائري والطائفي.

لا بد من إعادة صياغة مفهوم المواطنة يقوم على أساس الاعتراف بأهمية دور الفرد، وأن يصار إلى ترسيخ قيم التسامح والتكافؤ والتكافل بين الجميع.

لسنا بحاجة إلى أن يذكرنا أحد من خارجنا بأهمية النظر في إعادة صياغة مناهجنا وتجديد هياكلنا وطريقة تفكيرنا بما يتناسب مع المرحلة التاريخية التي نعيشها. فذلك قانون حياتي وحتمي، عمل به أجدادنا من قبل، وجسدوه من خلال تجديد مناهجهم الفكرية والسياسية. وتمكنوا من تشييد واحدة من أعظم الحضارات التي عرفها التاريخ.

وبالقدر الذي تطورت فيه الدولة العربية، واتسعت حدودها وانضمت أقوام جديدة لها، بالقدر الذي نشطت وتجددت فيه حركة الفكر والأدب والفلسفة، مؤدية إلى بروز مذاهب فلسفية وفقهية جديدة.. وكان أن نتج عن ذلك تطور من الغنوص إلى العرفان ومن ثم إلى بروز علم الكلام، ودخول الفلسفة، التي يصفها المفكر محمد عابد الجابري بالبرهان.

وقد شمل التجديد شؤون الأدب والفكر، فأصبحت هناك خصوصيات للفكر والأدب في صدر الإسلام وأخرى بالعصر الأموي وثالثة بالعصر العباسي وهكذا.. وشملت حركة التجديد مذاهب الفقه والأدب ومختلف الأنشطة الاجتماعية، مؤدية إلى تطور في حركة العلوم، وتأسيس لعلوم جديدة في الجبر والفيزياء والكيمياء والفلك.

وهكذا فإن الدعوة، لحركة تجديد شاملة في مفاهيمنا، تشمل إعادة الاعتبار لمفهومي المواطنة والوحدة الوطنية هي جانس مع نواميس الكون وقوانين التطور.

    *نشر بالتجديد العربي
     السبت 6غشت 2016.