عرضت السيدة وزيرة التضامن والأسرة والتنمية الاجتماعية مشروع قانون 103.13 واختارت له عنوانا ملفتا للنظر هو مشروع قانون يتعلق “محاربة” العنف ضد النساء كما قدمته له بمذكرة تقديم مكونة من 5 صفحات وربع الصفحة.

وبعد ملاحظ التأخير الذي عرفه إخراج هذا القانون للوجود و الذي كان لابد من المبادرة إلى سن قواعد قانونية لمواجهة ظاهرة العنف ضد النساء التي ليس فقط تزداد قسوة على جسدها وإنما أخذ العنف أشكالا متعددة منها العنف بالقانون كما هو الحال بخصوص التردد في سن قانون يمنع تزويج القاصرات أو العنف القضائي المتمثل في تسهيل السماح بالتعدد و القبول بسياسة الامر الواقع الذي يمارسها البعض بإحضار المرأة الثانية اما حامل او معها ابناؤها أمام القاضي من اجل الضغط على القبول بالتعدد وغيرها من الحالات الأخرى .

وإذا كانت مدونة الأسرة التي تعتبر تحكيم ملكيا اول , بعد ما عرف بمظاهرة الدار البيضاء التي دبرت من قبل البعض كرد على التظاهرة التي نظمت امام البرلمان من اجل حث حكومة التناوب على الاسراع في تقديم القوانين التي تحمي حقوق المرأة , بعرض لاول مرة على البرلمان مدونة الاسرة التي شكلت طفرة نوعية فيما يخص تقعيد وفرض تطبيق مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة.

غير ان مشروع وزير التضامن أتى مفصولا ولا علاقة له مع المخاض المجتمعي و لا مع ارادة الدولة والمجتمع المتمثلة في التعاقد الذي ترجمته تلك الارادة المتمثلة في  دستور 2011 الذي رفع من وضع المرأة في المغرب لتحتل الموقع الذي تستحقه.

فمشروع قانون 103.13 يمكن أن يثار بشأنه الملاحظات الستة التالية:

الملاحظة الأولى

هو أن المطلع سواء على مذكرة التقديم أو على فصول المشروع سيلاحظ غياب المرجعية الاسلامية , وهي بالفعل ملاحظة تثير الاستغراب، مادام أن الحكومة الحالية التي تعتبر السيدة الوزيرة عضوا فيها بنت حملتها الانتخابية وطريقة تدبيرها للعمل الحكومي على كونها حكومة إسلامية.

فكان من الضروري أن يظهر طابع المرجعية الاسلامية في مذكرة التقديم من جهة وفي مواد ذلك المشروع من جهة أخرى ، وهو ما لا يلاحظ ذلك المشروع , ماعدا جملة من 6 كلمات ضمنت في الفقرة الأولى من الصفحة 4 من مذكرة التقديم التي ورد فيها جملة ” باستثمار المبادئ لديننا الحنيف” .

بينما كان على وزارة التضامن والحكومة من بعدها أن تواجه , بمشروعها , الخطاب المستغل للدين لحاجات لا علاقة لها بالدين الحنيف كحاجة السياسة او البحث عن الوجاهة في المجتمع او غير ذلك من الاستعمالات التي تسيء لديننا الحنيف ,و التي تروج  في المجتمع افكار تشجع على ضرب النساء وعلى تعنيفهم جسديا و نفسيا وغيرهما .

و الخطاب المقصود هو ذلك لذي يحمل بعض الايات القرآنية التفسير الخاطئ  كما هو الحال بخصوص اللآية 34 من سورة النساء.

ومع ملاحظة الاختلاف بين من يتبنى و يدافع على رأي بعض المفسرين لتلك الآية بكونها تعطي الحق للزوج بأن يضرب زوجته و بين رفض مفسرين اخرين لهذا التفسير  بالاعتماد على أن كلمة ضرب  في صحيح لغة العرب تعني المفارقة والمباعدة والانفصال ,  بينما العنف الجسدي يسمى ب “اللطم”  إذا اصاب الوجه وإذا أصاب القفى يسمى ب “الصفع” و يسمى الضرب بقبضة اليد يسمى ب “وكز”.

لكن، عندما يختلف المفسرون في قضايا تتعلق بما أتى به القران الكريم فإن من الواجب الرجوع إلى من لا خلاف في تفسيره لكلام الله سبحان وتعالى، ألا وهي أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم إذ روي عنه ما يلي:

حدثتنا أحمد بن أبي خلف وأحمد بن عمر بن السرح قائلا حدثنا سفيان عن الزهري عن عبد الله بن عبيد الله بن عبد الله عن إياس بن عبد الله بن أبي ذباب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تضربوا إماء الله.

كما روي كذلك ما يلي:

جاء عمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ذئرن النساء على أزواجهن، فرخص في ضربهن، فأطاف بآل بيت محمد نساء كثير يشكون أزواجهن فقال النبي صلى الله عليه وسلم لقد اطاف بآل بيت محمد نساء كثير يشكون أزواجهن ليس أولئك بخياركم

وهكذا أعطى النبي صلى الله عليه وسلم التفسير السليم للآية القرآنية 34 نساء وليس بعد تفسيره صلى الله عليه وسلم  تفسير لانه ينهي عن ضرب النساء و يعتبر من يقوم بذلك انه ليس من خيار المسلمين.

فكان على مشروع وزارية التضامن أن يترجم ويطبق هذا الحديث الشريف بأن ينقل حرفيا في مذكرة التقديم و ان تنص عليه مواده من أجل رفع اي لبس حول كون ديننا الحنيف لا يشجع على ضرب النساء.

لكن، أليس عدم الإشارة إلى حديث النبي صلى الله عليه وسلم في مذكرة تقديم القانون هو إعلان ضمني على مسايرة رأي من يشجع على ضرب النساء ?

إذا كانت إرادة الوزارة لا تسير في هذا الاتجاه فإن الفرصة لازالت سانحة من أجل النص حرفيا على كلام النبي صلى الله عليه وسلم ليوضع حد للخطاب المستغل للدين المشجع على تعنيف النساء.

الملاحظة الثانية

هي تهرب المشرع من تقديم تعريف واضح للعنف ضد النساء كما وقفت عليه كل الاتفاقيات الدولية المهتمة بحقوق المرأة في العالم  والتي جمعت خلاصتها في مذكرة تقديم اتفاقية المجلس الأوروبي الوقاية ومناهضة العنف ضد النساء والعنف المنزلي

Convention du conseil de l’Europe sur la  prévention et la lutte contre la violence à l’égard des femmes et la violence domestique.

 وبالرجوع إلى هذه الاتفاقية نجدها وقفت على ما أقره واعترف به المجمتع الدولي ، من دول ومجتمعات ، بخصوص احقية الرجل في تعنيف المرأة من جهة وأثر ذلك التعنيف على وضعها في المجتمع من جهة أخرى ، بالرغم عن تفوقها العلمي والمالي أو الثقافي إذ ورد في تلك الاتفاقية  ما يلي:

Reconnaissance que la violence l’égard des femmes est une manifestation des rapport de force historiquement inégaux entre les femmes et les hommes privant ainsi les femmes de leur pleine

فتبين من تلك الخلاصة أن تفوق الرجل على المرأة ليس ناتجا عن الطبيعة وان الامر مقرر مسبقا ، وإنما موازين القوى غير المتساوية وغير العادلة التي وضعت فيها المرأة أدت إلى هيمنت الرجل على المرأة.

كما تنص الاتفاقية خلاصة ثانية جديرة بالاهتمام تقول:

Reconnaissance que la nature structurelle de la violence à l’égard des femmes est fondée sur le genre, et que la violence à l’égard des femmes est un des mécanismes sociaux cruciaux par lesquels sont maintenues dans une position de subordination par rapport aux hommes

وبما ان مذكرة المشروع تشير الى المواثيق الدولية فلماذا لم تترجم تلك المواثيق الدولية كحقوق للمرأة في ذلك القانون و هذا الموقف هو الذي يعزز ما نقوله به من كون الحكومة تشيع خطاب الحقوق لكن في التطبيق و في القوانين التي تقدمها للبرلمان هي تؤسس للعكس. 

الملاحظة الثالثة

هو ان مشروع القانون يتكون من 56 مادة بينما الفصول التي تتكلم عن المرأة فإنه لا يتعدى 5 فصول بينما باقي المواد هي مواد تتعلق بالقاصرين و الاصول و الفروع و وسط كل هذا حشر للزوجة , و ليس المرأة  كامرأة , مما يؤكد ان مشروع القانون ليس قانونا لمناهضة العنف ضد النساء و انما عبارة عن تعديلات للقانون الجنائي الذي تهم كل المواطنات اي  المشروع لا يعدوا انه إعادة كتابة لبعض فصول القانون الجنائي.

و هذه التصرف إذا ما ابقت عليه الحكومة و لم تبادر الى تخصيص كل القانون لحماية النساء من العنف يكون تصرفا غير اخلاقي و سيظهر ان الغرض من القانون ما هو إلا الدعاية لخطاب الاصلاح بينما فعل الاصلاح هو امر مغيب بإرادة واعية من الحكومة .

الملاحظة الرابعة

ويتعلق بما أتت به المادة 404 التي تنص على معاقبة العنف والإيداء ضد “امرأة حامل كان حملها بين أو معلوم“. يمكن ملاحظة ما يلي:

وأن البقاء على هذه المادة على صياغتها الحالية يعني أن العنف ضد امرأة غير حامل هو عمل مباح وأن الجريمة لا تتحقق إلا إذا كانت المرأة حامل من جهة و كان حملها بين أو معلوم لدى الفاعل.

فصياغة هذه المادة تسمح  بضرب المرأة غير الحامل .

وأظن، بكل حسن نية، أن الأمر يتعلق بخطأ في الصياغة إلا إذا كانت ارادة وزيرة التضامن هي تبني التفسير الذي يشجع على ضرب النساء خلافا لما نهى عنه نبينا صلى الله عليه وسلم في حديثه المشار اليه اعلاه وهو ما تناولته في الملاحظة الأولى.

الملاحظة الخامسة

هي ان مشروع القانون بدل أن يكون أداة قانونية لحماية المرأة انسجاما مع الخطاب المضمن في مذكرة التقديم حمل قواعد هي ضد المرأة بكل وضوح ويتأكد ذلك من المواد 1-1-503 و 2-1-503 و 1-2-503  وهي مواد أتت لتوسع مفهوم التحرش الجنسي الذي هو وجه من أوجه العنف الذي تتعرض له النساء.

 لكن ومن جهة اولى فأنه من الملفت للنظر أن هذه القاعدة وضعت في الباب المخصص لمحاربة الدعارة , مادام أن الفصل 503 الذي اعتبر هو الاصل و تفرعت عليه المواد المشار اليها اعلاه هو يعاقب على فعل الدعارة.

وأنه من المعلوم أن الدعارة هي تصرف مدان و حاط بكرامة المرأة فكيف يؤخذ كأصل و قاعدة لمعاقبة التحرش الذي هو عنف ضدها.

لقد كان على المشرع تنظيم معاقبة التحرش خارج باب الدعارة احتراما للمرأة المغربية و لكرامتها.

و من جهة ثانية فأن المشرع أبقى على زواج القاصرات و لم يعتبره عنفا و سمح به عندما منع , فقط , الاكراه على الزواج باستعمال العنف والتهديد .

بينما يعلم الجميع أن القاصرات يجبرن على الزواج ليس بالعنف أو التهديد الجسمي وإنما باستغلال حالة الفقر والضغط النفسي و العائلي والذي لا يحدث أي أثر لا للاكراه و لا للتهديد.

و من جهة ثالثة فإن المادة 503-2-1  لا تعاقب من تزوج بالقاصرة بالاكراه و انما تتوجه فقط  لمن اكرهها على الزواج مما يتعين تصحيح هذا الوضع الخطير الي سيفرضه قانون وزيرة التضامن و المرأة. 

فكان على مشروع القانون ان يعاقب على الزواج من القاصرات و تزويجهم معا و أن يكون واضحا في اعتبار تزويج أو الزواج من قاصرة هو عنف معاقب عليه ودون اشتراط أي طرف آخر كيف ما كان.

الملاحظة السادسة

هو أن مشرع القانون اشترط في نفس المادة لمعاقبة من يكره الغير على الزواج باستعمال العنف والإكراه أن يقوم المتضرر بتقديم شكاية به, اي ان تقوم القاصرة أو البالغة  بتقديم شكاية على انها اكرهت على الزواج , بمعني عندما يتم تزويج القاصرة و الدخول بها , لان الزواج لا يتم ألا بدخول الرجل بامرأته كما نعلم , بعد ذلك على القاصرة ان تتقدم بشكاية الى النيابة العامة. و هذا قانون لا يمكن ان يصدر على عاقل و لا يحتاج الى تعليق.

بل إن مشروع القانون ذهب الى ابعد من ذلك عندما اعتبر أن سحب الشكاية يضع حدا للمتابعة .

بينما كان على مشروع القانون بالنظر لخطورة الفعل واهتمام المجتمع به أن يعتبر العنف ضد النساء هو من النظام العام، و ان يلزم النيابة العامة على تحريك المتابعة سواء قدمت لها شكاية أو لا.

حقا قد يقال بأنه إذا لم تشترط شكاية الزوجة، فإن ذلك سيؤدي إلى معاقبة الزوج و تفتيت الأسرة وغير ذلك من آثار المتابعة  .

لكن القانون المغربي أحدث مقتضيات تراعي تحمل الدولة مسؤوليتها اتجاه الضحية بدون الإضرار بالأسرة ,  ومع ذلك لم يستخدمها وزيرة التضامن و المرأة في مشروعها.

وبالفعل فإن القانون الجنائي في فصول 143 و 144 و 145 ينظم ما يعرف بالأعذار لقانونية، وهي  آليات تجمع بين إدانة الفاعل من أجل ما ارتكبه من افعال ضارة بالمجتمع ومنها العنف ضد المرأة من دون ان يطبق عليه العقوبة . وهذه الآلية رادعة تمنع الزوج من العودة لتعنيف زوجته.

أما اشتراط ، كما نص على ذلك مشروع القانون، أن معاقبة الزوج لابد فيها من شكاية الزوجة وأن سحبها شكايتها يوقف المتابعة فإنه بالنظر للوضع الاجتماعي و العائلي للزوجة خصوصا إذا كانت قاصرة ، فإنها ستضطر إلى إما الامتناع عن تقديم شكاية أو سحبها بعد وضعها وهو ما سيشجع على استمرار تعنيف النساء و سيفرغ القانون من الهدف المشار اليه  في عنوانه.

غير أن هذه الملاحظة لا تمنعنا من الإشارة إلى أن نص المشروع يتضمن قواعد جديدة هي في مصلحة المرأة  هي المواد 1-88 و 2-88 التي تنص على إجراء إبعاد المحكوم عليه من أجل العنف من الاتصال سواء بعد الحكم عليه أو حتى قبل الحكم، وهي قواعد جديدة ومهمة.

و كذا المادة 302 المتعلقة بقانون المسطرة الجنائية التي ربطت مبدأ سرية الجلسة بإرادة المرأة، التي لها أن تطلب بان تجري محاكمتها علنيا، ويطلع عليها الرأي العام أو تطلب هي بأن تجرى في سرية بدون علم أي كان.

وكذلك المادة 7 التي منعت انتصاب جمعية كطرف مدني إلا بموافقة المرأة الضحية، لما فيه من حماية لها، لأن الأمر يتعلق بقضيتها هي فلا يتصور أن تتدخل جمعية في دعوى للدفاع عن ضحية امرأة ضدا على رغبة هذه الأخيرة.

هذه بعض الملاحظات، التي تبين ان مشروع القانون لم يرق الى انتظارات المجتمع لمواجهة ظاهرة العنف ضد النساء. ما لم تتدارك الحكومة النقائص التي تضمنها.