سئل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أيّ الأعمال أحب إلى الله، قال: “اتّباع سرور المسلم”. قيل: يا رسول الله وما اتّباع سرور المسلم؟ قال: “شبعة جوعه، وتنفيس كربته، وقضاء دينه”

(*)

..الدولة في خدمة الشعب .. اذن رجال ونساء الدولة “خدام” للشعب …

..و الشعب في خدمة الدولة ..اذن المواطنون والمواطنات “خدام” الدولة …هذه جمل  واضحة  في صياغتها ومضامينها مع روح وخلفية الدستور والقوانين والشرائع …ومن المفترض ونحن نتحدث عن الدولة فهي .. ارض وشعب ونظام حكم ومؤسسات..

اما المعادلة التي تتعرض للانتقاد والتحليل فهي عندما يريد البعض ان ينسب لنفسه منفردا او كمنظمة او كحزب خدمته – “هم”-  للدولة …

او ان يقوم البعض بنسبة  خدمة الدولة لاشخاص معينين  دون غيرهم سواء كان ذلك  على سبيل المثال او الحصر ..او يبادر افراد معينون بصفتهم الشخصية او بصفتهم الرسمية بالاعلان تلميحا او تصريحا بانهم خدام الدولة الاوفياء والذين هم على استعداد للتخلي فورا عن منصبهم ان قالت لهم الدولة ذلك ..؟؟

وهذا الموضوع  اي “خدام الدولة ” يجعل المتتبعين يتساءلون ما المقصود ب ” الدولة ” ؟ ليختلف الجواب حسب المجيبين ومواقعهم وحمولتهم الفكرية  … فمرة تكون الدولة هي الشعب والارض والمؤسسات …ومرة اخرى تكون الدولة هي الحاكم او المسؤول من اصغرهم الى رئيس الحكومة كانوا امنيين اوعسكريين  ..

ومرة تكون هي الشعب …فيقول المتحدث انه من خدام الشعب … ومرة تكون الوطن ..فيقول  انه من خدام الوطن ..

فهل يصح سياسيا وبقيم المواطنة المتعارف عليها حقوقيا كمرجعيات ضابطة ومؤطرة للفهم السليم  للقوانين والدستور تبعيض وتخصيص “شرف الخذمة” لمؤسسة او  هياة دون اخرى ؟ وما المقصود بالدولة ؟..هل نعتمد النصوص لتفسير معاني وحدود تعريف الدولة ام نعتمد اراء واستنتاجات شخصية للتفسير والتحديد؟

موضوع خدام الدولة المثير للنقاش  له علاقة  بوجود “مقابل” للخدمة الموجودة او المفترضة او حتى عدم وجودها … /هدية / استفادة باثمنة تفضيلية /تخصيص فئة معينة بالاستفادة دون غيرها / ترقيات /.تتنويه /اوسمة / تكريم /…….

فهل ما يريده الناس هو ان توضع معايير وضوابط تضمن ديمقرطة الاقتراح والترشح ومساطر للانتقاء والمجالات المتبارى فيها كاعمال تصنف كخدمات للدولة  للفوز ” بلقب الخدمة “…؟…ام  يريدون القطع نهائيا مع  ربط خدمة الدولة باي نوع من  المكافآت المادية والمعنوية ..؟

ونطرح مع المتسائلين هل  يمكن ان ينطبق على الخدمة انها فرض كفاية كصلاة الجنازة اذا قام بها البعض تسقط  عن الباقين _”بفتح التاء” او “ضمها  ” – …و هل المعنى انها لاتهم الا اصنافا معينين  يتم انتقاؤهم على سبيل المثال لا الحصر اقتداء وتحفيزا …؟وهل هذا يعني ان  غالبية الشعب ليست في خدمة الدولة ..؟

الجواب بطبيعة الحال هو ان كل الشعب في خدمة الدولة وفق الاستطاعة وفي المجالات التي يعمل بها  سياسية وفلاحية  وصناعية وحرفية وخذماتية وتطبيبية وتعليمية وعسكرية  وامنية ورياضية …الخ ..

والجواب ان  الدولة بكل مؤسساتها في خدمة  الشعب .. وذلك بضمان حمايته وامنه المادي والجسدي والمعنوي والفكري  ودمقرطة الحياة  وتحسين اوضاعه الاقتصادية والمالية والاجتماعية والخدماتية ..وتاطيره وتعليمه وتكوينه وتاهيله …الخ

لكن من واقع مسالة الخدمة ومنهجها واهدافها ..سنجد انها تتباين في اسباب تنزيلها واهدافها والمستهدفين …ومن هنا سنطرح اسئلة ديموقراطية من اجل حث  المتخصصين في علم التشريع والتاويل ان يعرفوا بشكل دقيق الخدمة وان يحددوا مجالاتها ..وان يوضحوا معايير بدل   الخدمة سواء  اتخذت شكل منحة او هبة او هدية او مكافاة او تخصيص محدد او احسان ..

ان قفة رمضان  والاضحية وتمويل بعض الاعراس و الالبسة والادوية والمنح المالية ومعدات وتجهيزات  ذوي الاحتياجات الخاصة  و..الخ  الموزعة من طرف بعض الاحزاب او الجمعيات التابعة لهم بمناسبة او بدون مناسبة  قد تصبح وتتحول الى   بدل قبلي لخدمة مستقبلية من المستفيدين لخدامهم بالتصويت في الاستحقاقات المختلفة ؟؟

كما ان تسليم وتوزيع  متاجر واكشاك ورخص خاصة  ومعدات وتجهيزات واليات ومنح مالية في اطار ميزانيات الجماعات الترابية او المبادرة الوطنية للتنمية البشرية التي توزع …قد توظف   لخدمة البعض مقابل خدمة اخرى  ..؟؟

وقد يندرج في نفس الاطار  فتح تجزئات واراضي  فلاحية او عقارات متباينة الحجم  لنخبة من الناس.. او تخصيصها لاصناف معينين من المستفيدين باثمنة تفضيلية  ..خدمة من اصحاب المشروع للمستفيدين  والذين قد يكونوا رجال اعمال  وفلاحين ومستثمرين كبار  و شركات كبرى  .. او تجزئات اعادة الايواء الخاصة بسكان دور القصدير او السكن غير اللائق او لفائدة الشغيلة  بقطاعات عامة او خاصة ..؟؟

كما ان  فتح المساجد وبعض المؤسسات الدينية لبعض الهيئات الدعوية/ السياسية قد يعتبر “خدمة” خاصة للبعض  الذي يقدم على انه في “خدمة” دينية تحسيسية تعبوية لجعل “المتلقي ” يفهم ان الملقن واصحابه في السياسة والدعوة هم البديل الدنيوي بالتصويت عليهم الذي يجنبهم دخول النار على عكس التصويت للبعض الاخر  الذي  قد يدخل النار هو وحزبه و الذي سيصوت عليه .. كما قال واحد منهم ؟؟

لهذا نعود لنطرح السؤال الاكبر …من يخدم من ؟؟

وسنقتبس اجوبة من الخطاب الشعبي الذي يرى  الحكومة “من خدام الشعب” اي  “تخدم  الشعب” …حيث السياسات العمومية المعتمدة من طرف   الحكام ببعض  الحكومات والتي يقدمونها للناس على انها “خدمات” مباركة وفيها الخير الذي لاخير غيره …ما هي في واقع الامر الا “خدمة ” – بتسكين الحاء – الهبت الاسعار ..ومنعت ما كان حلالا ومباحا ..وحرمت الاضرابات ..وتراجعت عن حقوق ومكتسبات ..وضيعت الشباب والاطر والكفاءات ..واضعفت التعليم والتعلم ..وعقدت الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والصحية  ..واثقلت المالية العمومية بالديون  ورهنت  مستقبل الشعب والبلد بالتزامات ستؤثر سلبا على الاوضاع المعيشية والتوازنات بكل انواعها …الخ

انها كما يقول الشعبيون  “خدمة ” “خدمتنا بها الحكومة ” لانعلم لحد الساعة  نتائجها التي قد تكون متوافقة مع  المثل العربي ” على نفسها جنت براقش ..؟؟”

 ان من غير المقبول في موضوع الخدمة ان يتحول الى براغماتية انتهازية  ظاهرة وخفية قد تحبط وتفسد المناخ السياسي والفكري  والديني باي بلد فتسن بدعا تشجع على الارتزاق و الاستئناس به  تعلق الامر  بالوطن او الشعب اوالارض اوالدولة ..فتصبح التبعية النفعية العمياء اكثر خطورة على الوطن والشعب من الاعداء الخارجيين الحقيقيين و المفترضين …

لهذا  نبه الشرع والعقل الى خطورة احباط الاعمال حتى وان كانت عبادات   …فمن قدم نفسه او  حزبه اومنظمته  على انه ” هم ”  يدعون للاسلام وللاصلاح لكي يقول الناس عنهم  انهم مصلحون ومتعبدون ..فانه يحشر نفسه في مجالات المنهي عنه … قال  تعالى -: ﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ “سورة هود”.

وقال صلى الله عليه وسلم : ((إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر))، قالوا: “وما الشرك الأصغر؟”، قال: ((الرياء، يقول الله – تعالى – يوم القيامة إذا جازَى الناس بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تُراؤُونَ في الدنيا، فانظروا هل تَجدُون عندهم جزاء؟)

ان البعض يسعى بمواقفه وقراراته وكلامه الذي يوجهه لجهات معينة الى ان ينتزع  “الرضى”  لكي  يحصل على المكافآت و”بدل” عن الخدمة المقدمة للجهة المعنية بخطابه وقد يجد من يزايد عليه ..حتى ان المستمع والقارئ لكلامهم سيبدون له وكانهم في “سوق الدلالة” يسعون بكل الطرق  المشروعة وغير المشروعة ..الشرعية وغير الشرعية لعلهم يحضون برضى الناس لاستقطاب اصواتهم مقابل ” الخدمة ” التي يقدمون او سيقدمون معتبرين الناس مجرد اوعية فارغة يمكن التاثير عليهم بسهولة اما لحسن نيتهم وبساطة رؤيتهم السياسية ..او لانهم -اي البعض من  الناس- يسعون ايضا الى مقابل لخدمة قدمت لهم او ستقدم عاجلا او لاحقا ؟؟؟

وقد يقال اليست العديد من المبادرات التي يعلمها العام والخاص ولاتخفى على الصغير والكبير التي تستغل هموم الناس ومشاكلهم لتقدم لهم ما يفترض ان يكون حقا من حقوقهم والذي لحقه الضرر بالبيروقراطية وانعدام الضمير والطمع …؟؟على انه “خدمة” والتي هي هنا  الوساطة عينها في الحقوق واحيانا  الامتيازات مقابل رد الخدمة في المحطة التي يريدها صاحب الخدمة الاولى ..

اليست كل هذه الممارسات  تسعى لوضع ثقافة  هجينة بديلة  تقوم على التناوب على اداء الخدمة بقاعدة  ” اخدمني ” “اخدمك” …؟؟

اليس ما حصل في تركيا مؤخرا كان بسبب حركة “خدمة ” التي اصبح زعيمها واتباعه في جميع القطاعات متهمون بمحاولة الانقلاب على الديموقراطية والتي اعتمدوا فيها كل ما اشرنا اليه سابقا لاستقطاب وتاطير وتنظيم انصار يطيعون وينفذون وفق المطلوب منهم ؟

ان الدولة عندما تخدم الشعب والشعب  يخدم الدولة ومؤسساتها ..وهما معا  يخدمون الوطن بصدق ونكران ذاث وتكامل وعمل مشترك لبناء نهضة حقيقية باستفادة ديموقراطية عادلة لاتقصي احدا  من خيرات الوطن تعود بالنفع والرخاء والاستقرار القوي  على الدولة كلها ..

عن أبي ذر – رضي الله عنه – أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: ((ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكِّيهم، ولهم عذاب أليم))، قال: “فقرأها رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ثلاث مرات”، قال أبو ذَرٍّ: “خَابُوا وخسروا، مَن هم يا رسول الله؟”، قال: ((المُسْبِل، والمَنَّان، والمنفِّق سلعتَه بالحلف الكاذب)

 

تارودانت /الاربعاء 10 غشت 2016.